انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الحياة السياسية

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 3
أستاذ المادة ثائر سمير حسن الشمري       5/31/2011 1:00:55 PM

الحياة السياسية

 

ملاحظة : اعتدنا ان نجد في كتب التاريخ ان العصر العباسي ( العصر الذهبي ) يقسم على حقب زمنية تسمى عادة باسم ( العنصر المسيطر ) ، لذلك قسم هذا العصر على اربع حقب كما يلي : -

 

العصر العباسي الاول : وهو العصر الذي كانت فيه السيادة للخلفاء الاقوياء من بني العباس الذين استطاعوا ان يحسموا النزاع الدائر بين ( العرب والفرس ) لصالح العرب كما سنرى ، ويمتد السقف الزمني لهذا العصر من تاريخ تاسيس الدولة العباسية عام (132 هـ ) الى عام (232هـ ) .

 

العصر العباسي الثاني : وهو عصر سيادة الاتراك على ساحة الخلافة ، ويمتد هذا العصر من عام (232هـ ) الى عام ( 334هـ ) .

العصر العباسي الثالث : وهو العصر الذي ظهر فيه نفوذ البويهيين على الساحة السياسية والعسكرية ، من عام ( 334هـ ) وينتهي عام ( 447هـ ) .

العصر العباسي الرابع : وهو عصر ظهور السلاجقة على ساحة الخلافة ، والذي يبدأ عام (447هـ ) وينتهي بسقوط بغداد عام ( 656هـ ) .

 

الثورة العباسية

 

            تُعدّ هذه الثورة نهاية الثورات الكثيرة التي نشبت ضد بني امية ، وهي ثورات اراد بها اصحابها الى الاصلاح الاجتماعي ، واكثرهم كان يتخذ  طريق العنف ، ويريد ان يمحو سلطان الاُمويين محواً على نحو ما كان يريد ابن الزبير والخوارج والشيعة وابن الاشعث ويزيد بن المهلب .

 

            وكانت تشارك في هذه الثورات كلها فئات من الموالي الذين اظطهدهم بنو امية ، وحرموهم المساواة بالعرب في الحقوق ، مخالفين نظرية الاسلام وما يدعو اليه من التسوية المطلقة بين العرب وغير العرب

 

في الضرائب وغير الضرائب ، فكان طبيعيا ان تكثر مطالبتهم بالعدل الاجتماعي ، وان يطمحوا الى حكام جُددِ يقرون فيهم مبادئ الاسلام الذي يوجب المساواة بين افراد الامة في الواجبات جميعها المالية وغير المالية ، والذي ينكر الظلم اشد الانكار . وقد وضعت كثرتهم امالها في ابناء علي (عليه السلام ) واسرته الهاشمية ، لما تميز به حكمه من مساواة تامة بين العرب والموالي بحيث اصبحوا شيعتهم .

 

            وعرف ذلك فيهم ابناء عمومتهم العباسيون ، ولكن كيف يلون هذه الزعامة ، والشيعة من حولهم ينضوون تحت الوية ابناء علي (عليه السلام ) وحدهم دون من سواهم من الهاشميين ؟ لقد اخذوا يفكرون في ذلك ، ولم يلبثوا ان نفذوا الى امنيتهم المبتغاة عن طريق فرقة الكيسانية الشيعية التي تكونت حول ابن الحنفية، فقد استوطن ابنه ( ابو هاشم ) – الذي ورث عنه زعامة هذه الفرقة وامامتها – بلدة ( الحُمَيمَة ) ببلقاء الشام ، ونزلها معه (علي بن عبد الله بن العباس واسرته ) ، وسرعان ما توثقت الصلة بين ابنه محمد وبين ابي هاشم، وراى فيه ابو هاشم خير خلف له على جماعته ، فلما حضرته الوفاة سنة ( ثماني وتسعين للهجرة ) اوصى له وصية صريحة بالامامة من بعده . وبذلك وجد (محمد ) ركيزة يعتمدها في اثبات حقه في الخلافة ، وكان حصيف الراي بعيد النظر ، فعمد الى تنظيم الدعوة العباسية سرا من مقّره في ( الحميمة) ، متخذا من الكوفة دار التشيع ومستقره مهدا لها ومركزا ، وبدأ بنشر الدعوة في خراسان معتمدا في ذلك الاعاجم حيث كان الموالي هناك يمتلؤون سخطا على الامويين الذين كانوا لا يزيلون عنهم ظلما الا ليقيموا مكانه ظلما اشد عنفا ، واعطى ( محمد بن علي ) الاشراف على الدعوة بخراسان لـ ( ميسرة ) ثم من بعده لـ (بكير بن ماهان ) ثم توفي الامام ( محمد بن علي ) عام (125 هـ) عاهدا للامامة من بعده لابنه ( ابراهيم ) فارتضاه الدعاة ، وتوفي على اثره ( بكير ) فخلفه على الدعوة صهره ( ابو سلمة الخلال ) ، فجدّ في الامر وجدّ معه الدعاة .

 

            وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك قد ولي الخلافة ، وكان مدمنا للخمر منادما للفساق والمغاني ، وكانما كان اشارة الوقت لما ادرك الخلافة الاموية من ضعف وفساد ، فاستغل ذلك دعاة ( ابي سلمة ) في خراسان ، فقد بدا في وضوح فساد الحكم كما بدا فساد النظم الاجتماعية التي رزح الموالي تحت اثقالها الباهظة ، وتراءى حينئذ في الافق ان سلطان البيت الاموي يؤذن بالسقوط ، ونشب صراع عنيف بين افراده، اذ لم يلبثوا ان قتلوا الوليد واخذوا يتطاحنون على عرش الخلافة تطاحنا مرا .

 

            وفي هذه الاثناء تولى ( ابو مسلم الخراساني ) قيادة الدعوة في موطنه ، وكان من دهاة الرجال ومن اكفئهم في النهوض بجلائل الاعمال ، فاخذ يصور للناس فساد الحكم الاموي وما يسومهم به من خسف وظلم، وكيف انه سيملكهم الارض ويجعلهم سادة بعد ان كانوا عبيدا مسترقين ، والناس يسمعون له وينضمون الى دعوته ، وبدات الثورة في خراسان ، وحواضرها تسقط واحدة اثر اخرى في يده ، وكان الأمويون في شغل عن خراسان بثورات الخوارج في العراق وغير العراق ، وحينئذ تبرز الى النور حكومة بني العباس السرية.

 

            وفي هذه الاثناء كان الامويون قد قبضوا على ( ابراهيم بن محمد الامام ) ، اذ عرفوا انه هو الذي يدبر هذه الثورة من مقره في ( الحميمة ) ، وعرف ( ابراهيم ) انه سيقتل ، فعهد بالامر من بعده الى اخيه (ابي العباس السفاح ) . وقتل ابراهيم ، ونقلت الانباء الى ( ابي العباس السفاح ) دخول ( الحسن بن قحطبة) الكوفة – وهو قائد جيشهم ضد الامويين – فخرج اليها في اهله يتقدمهم اعمامه : داود وعيسى وصالح وعبد الله واسماعيل وعبد الصمد ، واخوه ابوحعفر ، وابن عمه عيسى بن موسى بن محمد .

 

س / كيف نجحت الثورة العباسية ضد الامويين بينما فشلت الثورات الاخرى ؟

 

ج / وذلك لعدة اسباب ابرزها :

 

 1- سرية استمرت لخمس عشرة سنة .

 

 2- منطلق الثورة من خراسان .

 

 3- الاسرة العباسية التي قادت الثورة اسرة قوية متماسكة بقيادة واحدة وكانوا احد عشر رجلا فقط .

 

 4- لم يكونوا في موضع شك من لدن الامويين .

 

 5- العباسيون كانوا منفيين بقرية ( حميمة ) حيث لم تكن موضع مراقبة .

 

 6- لم يكشفوا عن اسم الخليفة لئلا يكون هناك خلاف يؤدي الى فشل الثورة .

 

 7- انتبه العباسيون الى العجم وكسبوهم الى جانبهم وافادوا منهم في ثورتهم .

 

س / ما الدافع الذي دفع الفرس لان يشاركوا في الثورة العباسية ؟

 

ج / وذلك لان ثمن هذه المشاركة هو مشاركتهم بالسلطة ، وبالفعل طبق هذا الاتفاق ، واصبحت الخلافة للعرب والوزارة للفرس ، الا انه لما تقلّص الصراع بين العرب انفسهم دخل بالسياسة عنصر جديد هو العنصر الفارسي شركاء الدولة الجديدة ، وبدأ الصراع مبكرا بين الخليفة الذي مثل العرب والوزير الذي مثل الفرس ، والخلفاء العباسيون الاوائل كانوا اقوياء فكسبوا الصراع ، فاكثرهم قتلوا وزراءهم الفرس ، فابو العباس السفاح قتل وزيره ابا سلمة الخلال ، وابوجعفر المنصور قتل وزيره ابا مسلم الخراساني ، وقصة نكبة البرامكةمعروفة في عهد هارون الرشيد .

 

ولما كان الادب يتاثر بالحياة السياسية ، حق لنا ان نسأل :

 

س / لماذا قل الادب السياسي شعرا ونثرا في العصر العباسي ؟

 

ج / وذلك لسببين :  الاول : لان الفئات السياسية الكثيرة في العصر الاموي من خوارج وزبيريين وامويين انتهت وتقلصت ، واصبح الصراع بين فئتي العلويين والعباسيين فقط .

 

الثاني : لان العباسيين صادروا حرية الناس في الكلام خلافا لما كان عليه الامويون ، اذ اصبح من يتكلم من الناس على العباسيين يكون مصيره القتل .

 

            ونتحدث الان عن الاسلوب الذي اتبعه العباسيون واستطاعوا بواساطته الوصول الى الخلافة ، فقد ظلوا – طوال المدة السرية لدعوتهم – لا يذكرون للناس انهم طلاب خلافة ، انما يذكرون لهم انهم يطلبون اسقاط الدولة الاموية الجائرة التي طالما ارهقتهم بعسفها وظلمها وطالما احتكرتهم لمآربها وشهواتها ، مع الاستبداد بالشعب واستعباده ، ومع مايعيش فيه الامويون من ترف بالغ افسد اداة الحكم افسادا لا صلاح بعده الا بمحوهم محوا ، وبهذه الطريقة وارى العباسيون اشخاصهم وقدموا القضية التي نصبوا أنفسهم للدفاع عنها، قضية نصرة الحكم الصالح ونصرة الحق والعدل على الباطل والظلم المتصل . ولكي يحكموا خطتهم كانوا لا يأخذون البيعة لأنفسهم بالخلافة ، إنما يأخذونها لإمام يختارونه من آل البيت النبوي ، حتى لايثيروا أبناء عمهم العلويين عليهم ، بل حتى يجمعوهم تحت لوائهم .وكانوا يشيعون دائماً أنهم نهضوا لهذا الأمر كي يثأروا للشهداء من أبناء فاطمة الزهراء (عليها السلام) .

 

وكان أبو سلمه الخلال الذي لقبوه بلقب ( وزير آل محمد) يرى أن يختار للخلافة أحد أحفاد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، ومن أجل ذلك أخفى أمر أبي العباس وأهله حين نزلوا الكوفة ، وعزلهم عزلاً تامًّا عن جند خرسان ، غير أنَّ أبا العباس استطاع الاتصال بأبي مسلم الخرساني إذوجه إليه مَنْ أطلعه على نوايا أبي سلمة ، فأرسل اليه وفدا من زعماء الدعوة بخراسان سلموا عليه بالخلافة ، واضطُرَّ أبو سلمة اضطراراً أن يعلن تأييده له ، واتّجه أبو العباس الى المسجد الجامع في الكوفة ، فبايعه الناس ، وارتقى المنبر، فاشرأبَّت إليه الأعناق وأصغت اليه الآذان ، فإذا هو يحتج بآي القرآن الكريم على أنّ بيته العباسي أحق بالخلافة من بيت العلويين .وكان متوعكاً فانقطع عن متابعة الكلام ، وتابعه عمه داود متحدثاً باسمه ومؤكداً فضل الخرسانيين في تحرير الأُمة من نير الأُمويين ، ومن حكمهم الباغي الفاسد . ولم يطمئن أبو العباس لمقامه في الكوفة ، دار العلويين من قديم ، فتحوّل عنها الى معسكر الخرسانيين ، ثم فارقه الى الحيرة وأخذ في بناء الهاشمية لتكون مقر سلطانه ، وأغرى أبا مسلم الخرساني بأبي سلمة الخلّال فدسّ إليه مَن قتله .

 

وبعد ذلك خاض العباسيون سلسلة من المعارك الدامية مع الامويين استطاعوا بعدها السيطرة على مقاليد الخلافة ، وتذكر كتب التاريخ والادب ان العباسيين مضوا يفتكون بافراد البيت الاموي فتكا ذريعا يريدون ان يستأصلوهم من الارض استئصالا ، حتى ليتخذ ذلك شكل احتفالات دامية ، وكان اول من بدأها (عبد الله بن علي ) ، اذ دعا نحو (ثمانين) منهم الى وليمة ، ولم يكادوا يجتمعون لها حتى انبرى بعض الشعراء يحرضونه على الفتك بهم ثأرا للامام ابراهيم بن محمد ، ومن قتلوا من العلويين والهاشميين ، فامر بهم جميعا ان يضربوا بالعمد حتى يلقوا حتفهم نكالا لهم ولابائهم ، ويروى ان ( سليمان بن هشام بن عبد الملك ) كان في مجلس (لابي العباس السفاح ) فقال احد الحضور في المجلس شعرا يحرض فيه السفاح على قتل هذا الاُموي ومن معه :

 

 

لايغرنَّكَ مـا تـرى من رجـالٍ

 

إنّ تحت الضلوع داءً دويّا

 

فضع السيف وارفع السّوط حتّى

 

لا ترى فوق ظهرها أُمويّا

 

    فالتفت اليه سليمان وقال له ( والله قتلتني ياشيخ ) ، وفعلا امر السفاح بقتله ، وصنع صنيعه هذا بجماعات اخرى عماه داود وسليمان ، وكانهم لا يريدون ان يبقوا على وجه الارض احداً منهم ، وحتى موتاهم لم يفلتوا من هذا العقاب الصارم ، إذ يقال إنه نُبِشَت قبور خلفائهم – ماعدا قبري معاوية وعمر بن عبد العزيز الخليفة الورع – وحرقت بقايا جثثهم بالنار تحريقا . وكان هذا البطش الذي لا يبقي ولا يذر دافعا لعبد الرحمن الداخل حفيد هشام بن عبد الملك الى ان يلوذ بالفرار الى الاندلس حيث اسس بها دولةٌ اُموية جديدة ضلت نحو ثلاثمائة عام .

 

وعلى هذا النحو ظفرت الثورة العباسية بالبيت الاُموي الذي كانت نفوس الرعية تمتلئ سخطا وحفيظة عليه لما اذاقهم من الظلم ، ولما حرمهم من الانصاف والعدل الاجتماعي ، ورأى العباسيون ان يتخذوا من العراق موئلا لخلافتهم ، فعلا نجمهُ ، بينما هوى نجم الشام ، إذ اصبحت ولاية تابعة له بعد ان كان يتبعها . واتخذ السفاح الهاشمية مقر الدولة ، ولم يلبث ابو جعفر المنصور ان اختار قرية صغيرة على الضفة الغربية لدجلة لتكون حاضرة الخلافة ، هي بغداد .

 

س / لماذا اختار المنصور ( بغداد ) لتكون حاضرة الخلافة العباسية ، او فلنقل : لماذا حوّل المنصور مقر الخلافة من الكوفة الى بغداد ؟

 

ج / وذلك لعدة اسباب منها :

 

1- رأى ابو جعفر المنصور ان يبتعد بحاضرة دولته عن الكوفة مركز العلويين من قديم حتى يأمن على نفسه مما قد ينشب فيها من ثورات .

 

2- لكي يعزل جنده (الفرس) عن اهلها فلا يفسدوهم .

 

3- وكان مما دفعه الى ذلك ثورة ( الراوندية ) وهم نفر من شيعته كانوا يؤمنون بتناسخ الارواح ، وحدث ان اجتمعوا بالهاشمية هاتفين بان المنصور ربهم ، فلما خرج اليهم ينهاهم عن سوء معتقدهم تدافعوا اليه كالموج ، وكادوا يفتكون به لولا دفاع معن بن زائدة الشيباني عنه وحسن بلائه .

 

4- اعجابه ببقعة بغداد وقربها من الفرات وما يُحْمَل فيه من طرائف الشام والمغرب ومصر ووقوعها على دجلة وما يُحْمَل فيه منمتاجر البصرة التي تأتيها من المحيط الهندي ، وايضا ما يُحْمَل فيه من عروض ارمينية والجزيرة والموصل وما وراءه ، وكيف انها محجوزة وراء دجلة وامام الفرات ، وكأنهما سدان منيعان امام الاعداء ، ثم هي وسط في سواد العراق وبين مدنه .

 

5- كانت بغداد موئلا لحضارات مختلفة ، إذ كانت تلتقي بها قبل الاسلام الحضارات (الكلدانية ، والفارسية ، والارامية ) ، وكانت تنبثُّ حواليها أديرة كثيرة .

 

وعني المنصور عناية بالغة ببناء حاضرته ، فاحضر لها المهندسين والفعلة والصناع من اطراف الارض ، ومثّل لهم صفتها التي في نفسه ، وهي ان تكون مدورة على شاكلة المدن الفارسية والآشورية القديمة ، ووضع اوّل لبنة فيها بيده سنة (145هـ) قائلا : (( بسم الله ، والحمد لله ، والارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )) ، ويقال إنه جلب إليها كثيرا من مواد البناء التي كانت لا تزال قائمة في المدائن حاضرة الساسانيين . وظل البناء قائما بها حتى سنة (149هـ) .

 

وما لبثت بغداد ان اصبحت اهم مدينة في العالم العربي ، إذ بُنِيَتْ فيها مئات المساجد وعشرات القصور الفخمة ، وتكاثر بها التجار والصناع ، وكان لكل طائفة منهم شارع خاص او سوق خاصة ، فهذا سوق العطارين ، وذاك سوق البزازين ، وذاك سوق الرقيق المكتظ بالجواري من كل جنس . وأَمّها المغنون والمغنيات ، ونزلها الأدباء والعلماء من كل صنف وعلى كل لون .   

 

ولم تزل بغداد حاضرة للخلفاء العباسيين حتى استكثر المعتصم في عسكره من الترك وآذوا العامة بما كانوا يجرون من خيلهم في الاسواق والشوارع ، فكانوا يرصدونهم ويقتلونهم . حينئذ رأى المعتصم ان يعتزل بجنده في موضع ناءٍ عن بغداد ، حتى يبعد أذاهم عن العامة ، ولم يزل يتخير لهم حتى انتهى الى (سامراء) شرقي دجلة بين بغداد وتكريت ، فاعجبه موقعها ، واخذ في بنائها سنة (221هـ) وأمر المعتصم ان تسمى ( سُرَّ مَن رَأى ) .

 

وقد احضر لها المعتصم المهندسين والفعلة والصناع من سائر الامصار وابتدأ فيها ببناء قصره المسمى ( الجوسق ) ، وابتنى بجواره مسجدا كبيرا ، كما ابتنى دورا مختلفة للدواوين واخرى لقواده ورجال حاشيته وموظفيه الكبار ، وافرد لاهل كل صناعة وتجارة سوقا خاصة بهم ، فارتفع فيها البنيان ، وكثرت العمارة ، واجرى المعتصم فيها قنوات تاخذ من دجلة ، وعقد عليه جسرا يصلها بجانبه الغربي ، وانشأ بها كثيرا من المتنزهات والملاعب.

 

وظل الخلفاء بعد المعتصم يقيمون بها حتى سنة (276هـ) ، إذ تحولوا منها الى بغداد .   

 

النظم السياسية والادارية

 

كان تحول الخلافة من دمشق الى بغداد على سواعد الجيوش الخراسانية إيذانا بغلبة الطوابع الفارسية على نظم الحكم السياسية والادارية للدولة العباسية ، فقد قامت في المجال الفارسي وعاشت تتنفس فيه ، وقد بلغ الفرس قبل الفتوح الاسلامية مرتبة عالية في تنظيم الحكم ، حتى لنرى العرب بعد فتح ديارهم يسارعون الى التاثر فيهم في هذا التنظيم ، وقد روي ان عمر بن الخطاب (رض) اتخذ ديوان العطاء او ديوان الجند ، مقتديا فيه بصنيع الساسانيين ، وكان هذا الديوان الاصل الذي تأسست عليه الاداة الحكومية للخلافة الاسلامية . وارتضى عمر (رض) لولاته في الشرق ان يستعينوا في جمع الخراج بعمال الفرس ذاتهم الذين كان يستعين بهم الساسانيون في جمع الضرائب ، وهم المسمون بـ( الدهاقين ) لخبرتهم التامة بالشؤون المتصلة بهذا الجمع ، ولا سيما من حيث تقدير الخراج . وبذلك استمرت في ايدي هؤلاء الدهاقنة سجلات الخراج الاسلامي ، وظلوا يكتبونها بالفارسية حتى امر عبد الملك بن مروان بتعريبها في العراق .

 

واذا انتقلنا الى العصر العباسي وجدنا النظم الساسانية تنتقل بحذافيرها في شؤون الحكم كلها ، وكأنما اصبح الخليفة العباسي ملكا ساسانيا ، فهو يحكم حكما مطلقا ، وهو حكم ينتقل بالوراثة ويطبعه الدين كما كان يطبع الحكم الساساني ، اذ كان الساسانيون يعدون انفسهم رؤساء للدين وحماة له وحراسا . وكان اول من تاثر بهذا النظام ( معاوية ) الذي جعل الخلافة وراثية في بيته ، وتبعه على ذلك مروان بن الحكم وابناؤه . وكان العباسيون من بيت النبوة ، فكانوا يعدون انفسهم ورثة الخلافة الشرعيين ، واتخذوا من علماء الفقه والكلام سندا فيما يزعمون ، ومضوا يحيطون انفسهم بهالة من التقديس كان لها أسوأ الاثر في خنوع الناس وخضوعهم للظلم والفساد ، والغريب ان الفقهاء والاتقياء الذين كانوا يعارضون بني امية ويعدونهم دنيويين ظالمين ، ينصاعون انصياعا اعمى للعباسيين ويعدونهم رؤساء شرعيين للامة من الناحيتين الزمنية والروحية .

 

وقد اخذ العباسيون – على شاكلة الساسانين – يلقون في وعي الناس أنهم اصحاب حق إلهي في الحكم ، واحاطوا انفسهم – على مثالهم – بنظام تشريفات معقد ، مختفين عن اعين الناس وراء استار صفيقة، ومتخذين كثيرا من الحُجَّاب أو رؤساء التشريفات . وبذلك لم يعد العرب يدخلون على الخلفاء كلما ارادوا ، كما كان الشان في عصر بني امية ، بل لابد لهم قبل الدخول عليهم من استئذان هؤلاء الحجاب ، وكانت كثرتهم من الاعاجم الذين احتكروا لانفسهم اكثر شؤون الحكم ، وكان الخليفة يستقبل من يدخل عليه وكبير حجابه في جانب ، وفي جانب اخر كبير حراسه المعروف باسم الجلاد والسيف دائما امامه ، فمن غضب عليه اطاح براسه في الحال .

 

وبذلك اصبحنا ازاء حكم استبدادي اشد ما يكون الاستبداد ، حكم لا يحسب فيه للرعية أي حساب ، فهي ادوات مسخرة للحاكم ، وليس لها من الامر أي شيء ، ففي يده الامور كلها ، يولي الولاة والقضاة والوزراء والقواد واصحاب الشرطة والمحتسبين الذين يراقبون الاسواق ، ويعزلهم جميعا حسب مشيئته وهواه ، وكان يختار الوالي غالبا من اهل بيته او من اكفاء حاشيته ، ولاسيما الاعاجم ، وكذلك كان يختار قواده . ومن البيوت العربية التي لمعت في هذا العصر بيت المهلبيين ، وبيت معن بن زائدة الشيباني .

 

واتسع الخلفاء في محاكاة الدواوين الساسانية ، وكان في كلّ ولاية ديوان للخراج يقوم عليه موظف كبير ينفق منه على الولاية ويرسل ما تبقى من الاموال الى بغداد حيث كان بها لكل ولاية ديوان خاص ، ويسمى مجموع هذه الدواوين باسم ديوان الزمام او بيت المال ، وقد ولى عليه السفاح خالد بن برمك كما ولاه على ديوان الجند الذي كان يعنى برواتبهم . وكان لدار الخلافة ديوان خاص يقوم على نفقاتها .

 

ومن اهم الدواوين ديوان الرسائل الذي لعب دورا خطيرا في نهضة النثر العربي ، وكانت تصدر عنه رسائل الخلفاء . وكان بجواره ديوان الخاتم الذي تختم فيه تلك الرسائل بعد مراجعتها ، وديوان التوقيع وهو خاص بالنظر في المظالم ورقاع اصحاب الشكوى وكانوا يسمونها باسم القصص ، وكان من عادة ملوك الفرس ووزرائهم ان يوقعوا عليها بعبارات موجزة بليغة ، فجاراهم خلفاء بني العباس ووزراؤهم في هذا الصنيع .

 

وكان هناك ديوان كبير على راسه صاحب الخبر ، وكانت تاتيه اخبار الولايات بوساطة موظفين مهمتهم ان يوافوه بكل ما يجري في الولايات من احداث واسعار ، وهم يشبهون – في عصرنا – مراسلي الصحف ومندوبيهم . وكانوا يحصون كل كبيرة وصغيرة للوالي ومَنْ وراءه من قواد الجيش والقضاة وعمال الخراج والمحتسبين ورجال الشرطة ويبلغونها الى صاحبهم ، وهو بدوره يبلغها الى الخليفة . وقد احكم هذا النظام للبريد احكاما دقيقا ، فكان هناك رسل موقوفون على حمل تلك الاخبار في سرعة شديدة على خيل مضمرات توجد في عدة اماكن على الطرق الممتدة من الولايات الى بغداد .

 

وليس هذا كل ما اخذه العباسيون عن ملوك بني ساسان من النظم السياسية والادارية، فقد اخذوا عنهم ايضا نظام الوزارة ، وكلمة وزير عربية فقد وردت في القرآن الكريم ، يقول سبحانه وتعالى على لسان موسى (عليه السلام ) : (( واجعل لي وزيرا من اهلي هرون اخي )) ومعناها في الاية الكريمة المؤازر والمساعد ، غير انها اخذت تطلق منذ فاتحة العصر العباسي على المستشار الاول للخليفة في ادارة شؤون دولته . وهي وظيفة كانت معروفة في الدولة الساسانية ، اذ كانوا يقيمون – لاحتجابهم عن الرعية – وسطاء يصرفون امور الدولة ويرسمون سياستها ويعينون موظفيها ، ومن اشهرهم ( بزُرْ جِمِهر) وزير ( انوشروان) الذي عرف بحكمته وحنكته ، وكأن العباسيين رأوا ان يجاروهم في هذا النظام فاتخذوه لاول مرة في الخلافة العربية ، واطلقوا على صاحبه اسم الوزير .

 

وقلما نجد للعباسيين وزيرا غير فارسي ، وهو شيء طبيعي ، اذ كانوا هم الذي يستأثرون بشؤون الخلافة ويرقون الى أعلى المناصب ، وقد احكموا للعباسيين هذا النظام وصاغوه صياغة على قوانينه الساسانية . واول من اتخذه وزيرا منهم ابو سلمة الخلال حتى اذا قضى نحبه اتخذ السفاح بعده خالد بن برمك، واتصلت وزارته في عهد المنصور وناط به حكم بعض الولايات وقيادة بعض الجيوش ، فاظهر كفاءة نادرة ، وولي ابنه يحيى اذربيجان فنهض بولايتها خير نهوض . وولي المهدي بعد ابيه المنصور ، فاستدعى يحيى الى بغداد ووصله بابنه هارون كاتبا له ومستشارا ، وتوفي المهدي وولي بعده ابنه الهادي ، فحاول ان يخلع اخاه هارون عن ولاية العهد ، غير ان يحيى البرمكي عرف بسعة حيلته كيف يصرفه عن فكرته ، وكان لذلك وقع حسن في نفس الرشيد ، حتى اذا صارت الخلافة اليه خاطبه بالابوة اجلالا له قائلا : (( يا ابتي انت اجلستني هذا المجلس ببركة رأيك وحسن تدبيرك وقد قلدتك امر الرعية واخرجته من عنقي اليك فاحكم بما ترى واستعمل من شئت واعزل من رايت ، وافرض (اعط راتبا ) لمن رايت ، واسقط من رايت ، فاني غير ناظر معك في شيء)) ودفع اليه خاتم الخلافة ، فصار بيده الحلُّ والعقد ، فقلد ابنه الفضل المشرق كله من النهروان الى اقصى بلاد الترك ، وقلد ابنه جعفراً المغرب كله من الانبار الى افريقية .

 

وظل يحيى البرمكي وابناه جعفر والفضل يلون امور الدولة سبعة عشر عاما ، واتاح لهم ذلك ان يصبغوها بصبغة فارسية خالصة ، حتى اذا كانت سنة سبع وثمانين ومئة نكبهم الرشيد نكبتهم المشهورة ، اذ امر بقتل جعفر وحبس ابيه واخوته ما عدا محمداً ، ومات يحيى والفضل ابنه محبوس . واختلف المؤرخون في اسباب هذه النكبة ، فردها بعضهم الى اسباب شخصية ، وردها آخرون الى انهم جردوا الرشيد من كل سلطان وكل امر ونهي ، وردها اخرون الى ان الرشيد وقف على ما كانوا يبطنونه من الزندقة ، ويظهر ان سببها الحقيقي – حسب راي الدكتور شوقي ضيف – يرجع الى اطلاق جعفر لعلوي ثائر من محبسه ، وهو يحيى بن عبد الله ، وكان قد استأمنه الرشيد عليه ، فلم يوف بأمانته .

 

وفي عهد المأمون نجد اسرة بني سهل الفارسية تتقلد منصب الوزارة له ، وتمكن بدورها للتقاليد الفارسية في الحكم ، وكان اول من وليها منهم الفضل بن سهل الملقب بذي الرياستين : رياسة السيف والقلم ، وكان قهرمانا ليحيى بن خالد البرمكي يلي شؤون بيته ، اما ابوه سهل فكان مجوسيا واسلم ، وقد لزم المأمون منذ حياة ابيه الرشيد ودبر أموره حتى أفضت اليه الخلافة فاستوزره .

 

وكان من رسم ملوك الفرس ان يلبس اهل كل طبقة ممن في خدمتهم لبسة لا يلبسها احد ممن في غير تلك الطبقة ، فاذا وصل الرجل الى الملك عرف بلبسته صناعته والطبقة التي هو فيها . وطبق العباسيون هذا الرسم على موظفيهم تطبيقاً دقيقاً .

 

فتقاليد الساسانيين حوكيت حتى في ازياء رجال الحاشية والموظفين وطبقاتهم ، وكان مادخل منها في شؤون الحكم اقوى ، مما دفع كثيرا من الفرس الى ترجمة الكتب التي تصورها عن لغتهم ، وعمل ( ابن المقفع) في هذا الميدان ذائع مستفيض ، فقد نقل الى العربية طائفة من الكتب والرسائل التي تتصل بالحكم الساساني ورسومه من مثل كتاب ( آيين نامة) ومعنى آيين النظم والتقاليد .

 

ولم يقف عمله في هذا الصدد  عند الترجمة ، فقد نقل في رسائله القصيرة والطويلة كثيرا من وصايا الفرس في السياسة والحكم على نحو ما يلقانا في رسائله المعروفة بـ(الادب الصغير) و(الادب الكبير) و(رسالة الصحابة) ، وهو يريد بهم اصحاب السطان وحاشيته ، وقد بعث البرامكة وبنو سهل – بعد ابن المقفع – المترجمين على نقل كثير من الكتب والرسائل التي تحمل تقاليد الساسانيين في الحكم والسلطان .

 

والان يُمكن القول إنّ النظم السياسية والإدارية في الدولة العباسية طُبعَتْ بطوابع فارسية قوية ، تحوّلت في اثنائها الخلافة ملكاً كسروياً يقوم على الاستبداد والقهر والبطش الذي لايعرف رفقاً ولا ليناً.

 

س/ ما الاسباب التي أضعفت الخلافة العباسية وأدّت الى تدهورها ؟

 

ج/ هناك عدّة أسباب أدّت الى ذلك كان أهمها:

 

1- الشعوبية والزندقة : لفظان مجتمعان ظهرا في العصر العباسي ، والشعوبية هي موقف قومي عنصري،وهي كره العرب عامة واحتقارهم وإنكار كل ما لهم من فضل أو مزية ، ويمكن تفضيل جميع الأمم الأخرى على العرب.

 

أما الزندقة فهي موقف ديني ، وهي معاداة الاسلام ومحاربته وعدم الايمان به كدين ، وهم الذين يسميهم القرآن الكريم بالمنافقين الذين يتظاهرون بالاسلام ويبطنون الكفر .

 

س/  الفخر غرض قديم من أغراض الشعر ، فهل عندما يفخر الشاعر بقومه يُعدُّ موقفه هذا شعوبياً ؟

 

ج/ لا يعدّ هذا الموقف شعوبياً لأن العربي يفخر بقومه ، فمن حق الأعجمي أن يفخر بقومه أيضاً ، ولكن اذا افتخر بقومه ثم التفت وشتم العرب فهذا موقف شعوبي فيُقتَل الشاعر عليه ، وممن كان يذهب هذا المذهب في العداوة للعرب ( المتوكلي ) الشاعر المنسوب الى المتوكل ؛ لأنه كان من ندمائه ؛ إذ يقول في شعوبية حاقدة:

 

أنا ابن الأكارم من نسل وجمّْ

 

وحائز إرثِ ملوك العجمْ

 

وطـالب أوتارهـم جهـرةً

 

فمن نام عن حقهم لم أنمْ

 

فقـل لبنـي هاشم أجمعين

 

هَلموا الى الخلع قبل النَّدمْ

 

وعودوا الى أرضكم بالحجاز

 

لأكل الضِّباب ورعي الغنمْ

 

فاني سأعلو سريـر الملوك

 

بحدِّ الحسام وحرف القلمْ

 

وكأن الشاعر نسي أن بني هاشم من قريش سكان مكة في القديم ،وأنهم لم يكونوا رعاة ولا أهل جفاء وخيام، انها الشعوبية العمياء.

 

ولكن هذه الشعوبية خطرها قليل ، وذلك لأنها علنية ، ولكن الخطر هو في مَن يعمل سرًّا لهدم الدين ولهدم الدولة ،وهي أخطر مظاهر الشعوبية والزندقة .

 

وكان الفرس هم السبب أيضاً في تكوين حركتي الشعوبية والزندقة ،والتي تمثّلت بالحركات الانفصالية في شرقي الدولة ( بلاد ايران وما بعدها ) حيث قامت مجموعة من الثورات والتمردات الشعوبية ، مثل (الخرمية والأشفين والمازيا) ، وهي تمردات عسكرية مسلحة كلفت الدولة جهوداً وضحايا للقضاء عليها، لأنها كانت تدعو الى طرد العرب والانفصال عن الدولة والعودة الى المجوسية.

 

ومن مظاهرها أيضا الوضع في الحديث النبوي الشريف في نشاطها السري ، أي وضع الآلاف من الأحاديث الكاذبة على لسان النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإشاعتها بين الناس ، والهدف منها تخريب الدين وتحريفه ومحاربة الاسلام ، ومَنْ يضع هذه الأحاديث هو تااقن لها وذو خبرة بها ، بل قد يُصلّى وراءَه ، وهذا أخطر ما قامت به الشعوبية والزندقة ، والذي ثبت على زندقتة قتلوه ، ومنهم ( عبد الكريم بن أبي العوجاء ) عندما جاءوا به ليُقتل قال بانه وضع ( 4000) أربعة آلاف حديث كاذب ستجهدون في الحصول عليها وتصحيحها .

 

وعظمت حركة الزندقة في عهد المهدي ببغداد والعراق ،ورأى المهدي فيها شرًّا مستطيراً يتهدّد كيان الدولة والاسلام ، فجدَّ في طلب الزنادقة منذ سنة (166 هـ) ، واتخذ لهم ديواناً يتعقبهم ، وأخذ يقتلهم نكالاً لغيرهم ، وكان ممن قتله عبد الله بن وزيره أبي عبيد الله ، وبشار بن برد الذي تبرأ من ولائه للعرب بقوله :

 

أصبحتُ مولى ذي الجلال وبعضهم

 

مولى العُرَيب فخذ بفضلك فافخر

 

وكان بشار يعلن إشادته بالنار معبودة قومه المجوس ويفضلها على الطين ، كما يفضل ابليس على الانسان ، وكذلك قُتِلَ صالح بن عبد القدوس ، وحماد عجرد ، ومن قبلهم قُتلَ ابن المقفع في عهد المنصور ، وفيه يقول المهدي : (( ما وجدت كتاب زندقة قط إلاّ وأصله ابن المقفع )) .

 

واشتد الهادي مثل ابيه المهدي في طلب الزنادقة حين ولي الخلافة لسنة (169هـ) وقتل منهم جماعة من بينهم أحد أبناء عمه داود بن علي ، ويعقوب بن الفضل من سلالة الحارث بن عبد المطلب . وسرعان ما خلفه هارون الرشيد لسنة (170هـ) ، فسار فيهم السيرة نفسها ، وممن تعقبهم يزيد بن الفيض ، ويونس بن ابي فروة ، وكان قد ألَّف كتاباً في مثالب العرب وعيوب الاسلام – بزعمه – وصار به الى ملك الروم فاغدق عليه مالاً كثيراً .

 

وكان المأمون إذا سمع بزنديق أو زنادقة أمر بحملهم إليه وأحضرهم مجالسه ، حيث المتكلمون ودفعهم جميعاً الى المناظرة ، لعلهم يقنعونهم ويردّونهم الى الاسلام ، وكان يناظرهم هو نفسه أحياناً ، فاذا لم يكفوا عن غوايتهم أمر بقتلهم .

 

وتصدّى الجاحظ وابن قتيبة لهذه النزعة الآثمة ، وردّا عليها ردّاً عنيفاً في مؤلفاتهم . وخلاصة القول : إن الشعوبية والزندقة قد قُضِيَ عليها ، إلاّ أنها كلّفَت الدولة كثيراً ، مما أدّى الى اضعافها .

 

2- وكان من العوامل المهمة التي أدّت الى إضعاف الدولة العباسية هي كثرة الثورات التي نشبت ضد هذه الدولة ، ، أمّا أصحاب الثورات فهم : العلويون ، والخوارج ، والقرامطة، والزنج .

 

3- وهناك عوامل كثيرة أخرى أضعفت الدولة ، كان أهمها تحوّل الخلفاء الضعفاء الى مجرد لعبة مسيَّرة بيد الفرس تارة ، والاتراك تارة أخرى .

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .