تذكر الروايات التأريخيه ان فكرة ولاية العهد التي عمل بها معاوية بن أبي سفيان ،هي من وحي أفكار المغيرة شعبة عامله على الكوفة ،الذي أشار على معاوية بأخذ البيعة لولده يزيد حرصا على المسلمين من الفتنة والاختلاف من بعده وهذا ما أشار إليه ابن قتيبة وذكر أيضا ان الأمور لما استقامت لمعاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة ثم هم ان يعزله ،فلما بلغ ذلك المغيرة قدم الشام على معاوية واقترح عليه فكرة ولاية ابنه يزيد.
وكان معاوية مترددا في قبول الفكرة خائفا من عدم قبول الناس بها ،فقال له المغيرة (أنا أكفيك أهل الكوفة ،ويكفيك زياد أهل البصرة )ان المتتبع لمسيرة معاوية منذ ان تولى ولاية الشام في عهد عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان بعده يجد انه يطمح لنيل الخلافة ويعد نفسه للظفر بها ،وقد وصفه ابن طبا طبا بأنه (كان كريما باذلا للمال محبا للرئاسة مشغوفا بها).
ويظهر تطلع معاوية إلى السلطة من خلال سياسته نحو أهل الشام خاصة والقبائل العربية التي تدفقت على هذه البلاد ،فأغدق عليهم بالأموال فأطاعوه وتفانوا في نصرته وهذا يقودنا إلى القول ان معاوية لم يكن بحاجه إلى من يشير عليه بتولية العهد لولده يزيد ،فقد كان يمهد لهذا الأمر منذ ان استقر بالخلافة وانتهج سياسة تقوم على كسب ثقة الناس وتأييدهم ،كما حرص على ان يظهر يزيد بمظهر الرجل الكفء بهذا الأمر من خلال إصراره على إشراكه في الحملات ضد الروم البيزنطيين .كما ان عمال معاوية قد ساهموا في تحقيق رغبته بحمل الناس على القول بولاية العهد ليزيد بمختلف الطرق .
وقد استنكر أهل المدينة وأبناء الصحابة خروج معاوية على التقاليد الإسلامية ومبدأ الشورى ،مما دعاه إلى التوجه بنفسه إلى المدينة محاولا إقناع المعارضين وحملهم على مبايعة ولده إلا انه فشل فترك الأمر لعامله سعيد بن العاص الذي تمكن من اخذ البيعة من أهل المدينة بطرق عدة ،وبذلك أصبحت الخلافة الأموية بعد إقرار مبدأ ولاية العهد ملكية خالصة بسبب خرق معاوية للتقليد الذي كان متبعا في عصر الراشدين وخروجه على مبدأ الشورى .
ج- نظم الحكم والإدارة في عهد معاوية
:
أقدم معاوية على استحداث بعض التغييرات وإدخال نظم جديدة تتفق مع ظروف الدولة وطبيعة البلاد ، وقد ظهرت ملامح تلك التغييرات مع بداية ولاية العهد الجديدة على الشام من خلال سلوكه الشخصي ومظاهر الأبهة التي حرص على التمسك بها أمام رعاياه الأمر الذي استرعى انتباه واستنكار الخليفة عمر بن الخطاب عندما قدم إلى الشام فقد خرج معاوية لاستقباله في موكب كبير ،غير انه برر للخليفة ذلك وقال(يا أمير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجه )
وعليه فأن تمسك معاوية بهذه المظاهر كان نتيجة لمجاورته للدولة البيزنطية ،فحرص على الظهور بمظهر الحاكم القوي ليفرض هيبته على أهل الشام .
كان معاوية يقيم في قصر الخضراء المجاور للجامع وأمر ببناء المقصورة داخل المسجد يصلي فيها دون سواه ،وكان يربط المقصورة وقصر الخضراء سرداب ولم يسمح بدخول المقصورة إلا لمن يثق به من خاصته ،وكان اتخاذ معاوية للمقصورة على اثر محاولة القتل التي تعرض إليها من قبل احد الخوارج .
وقد استحدث معاوية المئذنة التي أصبحت فيما بعد عنصرا من عناصر الجامع ولم تكن كذلك في مساجد الإسلام في ذلك الحين .
أما بالنسبة للتنظيمات التي تتصل بأمور الدولة العمة فقد تم استحداث ديوان البريد وتنظيمه حرصا على سرعة وصول الأخبار إلى مركز الخلافة ،كما انشأ في عهد معاوية أيضا ديوان الخاتم لحفظ الكتب التي تصدر عن دار الخلافة أو عن عماله في الأمصار ، وختم النسخة الأصلية المرسلة بخاتم الخليفة ثم تمهر بالشمع .
وبالنسبة للإدارة المالية فقد عهد معاوية بها إلى جماعة من أهل الذمة ذوي الكفاءة ،فقد جعل المنصور بن سرجون كاتبا على الخراج ،كما عين بن آثال النصراني عاملا على حمص ،وقد تحقق في عهد معاوية العديد من مشاريع الزراعة وأعمال الري في بلاد الحجاز وتضاعفت أعطيات الجند نتيجة ازدياد واردات الدولة .