انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

اوربا في القرن التاسع عشر

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة مثنى عبد الجبار عبود الخضيري       20/04/2016 18:17:03

اولا :الثورة الفرنسية
تفجرت الثورة الفرنسية سنة 1789، نتيجة مجموعة من العوامل التي تراكمت وادت إلى انطلاقتها في النهاية، وتعتبر هذه الثورة من أهم الثورات في العصر الحديث ؛ حيث جاءت بمفاهيم جديدة للعصر الحديث؛ أثرت في المبادئ والنظم السياسية والاقتصادية واجرت تحولات سياسية واجتماعية كبرى في التاريخ السياسي والثقافي لفرنسا وأوروبا بوجه عام. ابتدأت الثورة عام 1789 وانتهت تقريباً عام 1799. وقد عملت حكومات الثورة الفرنسية على إلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الارستقراطية، ونفوذ رجال الدين.
1. اسباب الثورة وتطوراتها
أ‌- الاسباب غير المباشرة :
أولاً: العامل السياسي
ويتمثل بالنظام السياسي السيئ جدا والمتمثل بالحكم الملكي المطلق المستبد، واستغلال إرادة الملك من قبل حاشيته وزوجته وكبار النبلاء ورجال الدين وغير ذلك من أفراد القصر الملكي، بحيث أصبح الناس غير آمنين على حياتهم. فمنذ النصف الثاني من القرن السابع عشر (عصر لويس الرابع عشر)، ساد الحكم الملكي المطلق المستند للحق الإلهي او ما عرف بنظرية الحكم الالهي للملوك في فرنسا، وكان لويس الرابع عشر يقول الدولة أنا، وامتدت هذه الفكرة الى خلفائه فكان نظام الحكم في فرنسا قبل الثورة استبداديا مطلقا وقد عرف لويس السادس عشر الذي عاصر الثورة (1774-1793) بضعف الشخصية وبسيطرة الحاشية عليه ورغم ذلك كان شديد التمسك بالنفوذ المطلق رافضا لكل أنواع التطوير السياسي .
ومن مساوئ الحكم المطلق التي عانت منها فرنسا الرسائل المختومة التي كان يصدرها لويس الـ 16 للانتقام من منتقدي حكمه وكذلك إقحام البلاد في حروب لا فائدة منها سوى إشباع رغبة الملك ، وقد بلغ عدد حاشية الملك 18 ألف يتقاضون مرتبات عالية، ويعيشون حياة البذخ في القصور في حين كان غالبية الشعب يعيشون حالة من البؤس والشقاء.
أما النظام الإداري فقد اتسم بالفساد بسبب غياب الوحدة الإدارية وارتفاع الأداءات الجمركية بين المناطق وانتشار الرشوة . كل ذلك حال دون توثيق الروابط الوطنية بين مختلف جهات فرنسا وقد اتبعه من جاء بعده حتى أطاحت الثورة بالنظام الملكي المطلق في عهد لويس السادس عشر.
ثانياً: العامل الاجتماعي
كان المجتمع الفرنسي ِمقسم الى ثلاث طبقات هي طبقة النبلاء المرتبطة بالقصر والمتمتعة بكافة الامتيازات بما فيها حق الوظائف الحكومية والاعفاء من الضرائب وكانوا يطلقون على انفسهم تسمية ( اصحاب الدماء الزرقاء ) تمييزا لهم عن باقي الشعب ، وطبقة رجال الدين ( الاكليروس) التي تمثل السلطة الدينية المرتبطة بالملك الفرنسي والتي تمتعت بحقوق وامتيازات ورثتها هي وطبقة النبلاء من عصر الاقطاع ويعيشون حياة الترف والمجون، ونتيجة لذلك كرههم الناس حيث كان عدد قليل من الشعب ينتمون إلى الطبقتين الأولى والثانية إلا أنهم كانوا يمتلكون النصيب الأكبر من الثراء والنفوذ والامتيازات.
والطبقة الاخيرة هي طبقة العامة او عامة الشعب المكونة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة وكانت اوسع طبقة في المجتمع اذ بلغ تعدادها آنذاك 25 مليون نسمة، الثلاث وكانت محرومة من كافة الامتيازات وتعاني من الحرمان ودفع الضرائب وأعمال السخرة وكان أبناؤها يستغلون في الحروب مما كان له اثره في نقمة المجتمع الفرنسي على السلطة السياسية والوضع الاجتماعي .
ثالثاً: العامل الاقتصادي
وهي من ابرز العوامل الرئيسية التي اججت الثورة ، فقد كانت خزينة الدولة تعاني من عجز كبير في الموارد منذ أيام لويس الرابع عشر بسبب حروبه المتواصلة، وكذلك بسبب تمويل فرنسا لحرب الاستقلال الأمريكية، إضافة إلى إسراف بلاط الملك وامتيازات النبلاء ، وحاول لويس السادس عشر إصلاح وضع الخزينة؛ فعين خبراء ماليين لمعالجة الأزمة ومنهم (تركوا) و(نيكر) و(كالون) إلاّ أنهم فشلوا جميعاً في مهمتهم نتيجة لمعارضة الطبقة الارستقراطية لمشاريع الاصلاح ، اضافة الى الازمة الاقتصادية وارتفاع الاسعار بشكل خيالي والتي اثرت على حياة الشعب الفرنسي الذي لم يكن بإمكانه شراء رغيف الخبز لا سيما خلال المجاعة التي اجتاحت فرنسا عام 1788 .
رابعا: العامل الفكري:
سبق الثورة نصف قرن حافل بالتطور الفكري والثقافي في فرنسا فيما عرف بعصر التنوير، وقد أثر هذا الفكر على قيام الثورة بكشفه للأوضاع المتردية التي كانت تعيشها فرنسا وكان معظم النقد موجه للكنيسة والحكومة ومساوئهما، ويُعتبر كل من فولتير ومونتسيكيو وروسو من أبرز الرواد لهذه الحركة الفكرية ، فقد ايقظت افكار فولتيير الطبقات المظلومة وتقبل الناس بسرعة اسلوبه الساخر ونقده اللاذع ولغته الواضحة ، اما مونتسيكيو 1689-1755م فقد كتب عن العدالة والدستور وضرورة فصل السلطات الثلاث ( التنفيذية والتشريعية والقضائية )متأثرا بالدستور الانكليزي ، وبالنسبة ل جان جاك روسو 1712-1778م فقد بقيت كتاباته تؤثر في الفرنسيين من جيل الى جيل حيث عرف روسو الحكومة بانها عقد اجتماعي يضمن للشعب حمايته ويقوم بموافقة الشعب والحاكم هنا يحكم بصفته وكيلاً عن الأمة، وعليه أن يلتزم بما تريده الأمة، وإذا انحرف عن ذلك عُزل من منصبه، ومن ثمّ فإن روسو ينكر أن يكون هناك حاكم يستمد سلطاته من مصدر غير الأمة.

الاسباب المباشرة للثورة الفرنسية
اجتماع مجلس طبقات الأمة:
بعد أن ساءت الأحوال الاقتصادية، وزادت الضرائب المفروضة قرر الملك عقد مجلس طبقات الامة والذي كان يجتمع في حالة الازمات الشديدة في (5 ايار 1789م) وهو ما ارادته الطبقة الأرستقراطية لمنع محاولات الاصلاح . فقد كانت التقاليد تقضي بأن يتألف المجلس من ثلاث هيئات منتخبة تمثل إحداها "الإقليدوس" (الملك- الكنيسة)، وتمثل الثانية "النبلاء"، والثالثة تمثل "الشعب". وكان الاقتراع يتم على هيئة ثلاث وحدات منفصلة وليس طبقًا لعدد الأعضاء. وحيث كانت طبقة رجال الكنيسة خاضعة لسيطرة النبلاء الذين يتقلدون المناصب الرفيعة في الكنيسة لقاء الخدمات التي يقدمونها، فقد كانت الطبقتان الأوليان على يقين دائم من الحصول على أغلبية الأصوات، وبالتالي يقوم أبناء الطبقة الثالثة –الشعب- بتحمل عبء الضرائب المفروضة وحدهم. وقد فطن أبناء هذه الطبقة لهذا الأمر، وطالبوا بأن يكون التصويت في المجلس طبقًا لعدد الأعضاء لا طبقًا للطبقة، ثم طالبوا بأن يكون للمجلس السلطة في تنفيذ المشاريع. ثم اعلن قادة الطبقة العامة العصيان والاعتصام في احد ملاعب التنس القريبة من قصر فرساي لحين تنفيذ مطالبهم واطلقوا على انفسهم (الجمعية الوطنية ) وقرروا وضع دستور للبلاد لا سيما بعد ان انضم لهم البعض من ابناء طبقتي النبلاء ورجال الدين .
كان لهذه التطورات وخوف لويس السادس عشر واستدعاءه بعض فرق الجيش لحماية مقره والبذخ والاسراف الذي ظهر في حفل استقبال هذه القوات رغم المجاعة التي كان يعاني منها الشعب اثره في تأجيج الشارع والخوف من وجود مؤامرة ملكية ضد الجمعية الوطنية، فاندلعت ثورة شعبية في باريس وفي 14 تموز 1789 هاجمت الجماهير الثائرة مخازن السلاح واستولوا على ما بها ثم هاجموا سجن الباستيل الرهيب والذي كان ينظر إليه كرمز للسلطة الملكية في البلاد. وبعد عدة ساعات من القتال، ومعركة حامية أبيد فيها حراس السجن عن آخرهم ,سقط السجن في يد الثوار الذين قاموا بتخريبه وإطلاق سراح من كان به من المسجونين , وأمام هذه الثورة العارمة تراجع الملك واعترف بالجمعية الوطنية ووافق على رفع علم الثورة المثلث الالوان, واصبح هذا اليوم عيد فرنسا .
الجمعية الوطنية 1789-1791
وجهت الجمعية الوطنية في الوقت نفسه جهودها لوضع دستور فرنسا , والبحث عن الوسائل الكفيلة بوقف تيار الفوضى وامتصاص نقمة الشارع فكان من ابرز اعمال الجمعية اعلان لائحة حقوق الانسان في 4 آب 1789 التي حاول الملك رفضها الا انه جوبه بمقاومة عنيفة من الشعب، وكذلك عملت على إلغاء الحقوق الإقطاعية ,وتوزيع الضرائب بالتساوي بين افراد الشعب ودون تمييز طبقي ، وتأميم اموال الكنيسة واراضيها باعتبارها ملكا للشعب واصدرت دستورا خاصا برجال الدين وهو الامر الذي ازعج لويس 16 باعتباره متدينا فهرب الى شمال البلاد, املا في العودة مع الجيش الملكي الموجود هناك وبالتنسيق مع النبلاء المهاجرين خارج فرنسا الا انه اكتشف امره واعيد مع عائلته الى باريس, وفي مطلع شهر أيلول , انتهت الجمعية الوطنية من مهمة صياغة الدستور التي كرست نفسها من اجلها في أيام الثورة الأولى وهي إعطاء فرنسا دستوراً ديموقراطياً يضمن الحريات العامة ويوزع السلطات توزيعاً عادلاً.
وقد أقرت الجمعية هذا الدستور في 3 أيلول 1791 وأكد الدستور مبدأ فصل السلطات , أي فصل السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وابقى على النظام الملكي مع تحديد سلطات لويس 16 ثم اعلنت الجمعية عن حل نفسها واجراء انتخابات جديدة.
الجمعية التشريعية:1791-1792
عقدت الجمعية التشريعية أولى جلساتها. وكانت اولى مهماتها تنفيذ مواد الدستور وحماية نتائج الثورة وقد تكونت الجمعية من عدة قوى سياسية منها قوى اليمين وهم من النبلاء ذوي الاتجاه التحرري الذي يؤمن بالملكية الدستورية وقوى الوسط وهم الاكثرية التي تؤمن بالثورة والدستور وقوى اليسار وهم الجيرونديون(نسبة لمقاطعة جيروند ) واليعاقبة ( نسبة لدير يعقوب) وهم يؤمنون بالنظام الجمهوري والى جانب هذه القوى كانت هناك قوى معادية للثورة خارج الجمعية تتكون من المهاجرين والنبلاء ويقف معهم اباطرة اوربا الذين وجدوا في شعارات الثورة خطرا على عروشهم فكان على الجمعية ترك كل شئ ومواجهة الخطر الخارجي الذي ظهرت بوادره باعلان (بلنتز) الذي اصدره امبراطور النمسا وملك بروسيا وابديا فيه رغبتهما بإعادة النظام الى فرنسا والقضاء على الثورة.
في نيسان 1789م أعلنت فرنسا الحرب على النمسا ودخلت جيوشها بلجيكا ، الا ان الفرنسين هزموا أمام النمساويين ثم هددت جيوش النمسا وبروسيا العاصمة باريس فانتفض الشعب الفرنسي بكل حماس لحماية ثورته واخذ الشباب يتدفق للتطوع في الجيش حتى تمكن القوات الفرنسية بقيادة ديمورييه من تحقيق الانتصار وصد قوات النمسا وبروسيا في معركة فالمي .
المؤتمر الوطني 1792-1795
بعد وصول انباء أنتصارات فرنسية في فالمي أنهت الجمعية التشريعية أعمالها , وحل محلها المؤتمر الوطني الذي كانت أعماله ألغاء الملكية واعلان الجمهورية ثم محاكمة لويس السادس عشر وأعدامه في كانون الثاني 1793م ,ثم أعلن المؤتمر عن أستعداد فرنسا لمساعدة كل أمة تطالب بحريتها وتريد التخلص من حكامها ، وهو الامر الذي أثار الدول الاوربية التي رأت في ذلك تهديد لإنظمة الحكم فيها ،لاسيما بعد أعلنت فرنسا تبنيها نظرية الحدود الطبيعية، لذا أعلنت الدول الاوربية عن تشكيل التحالف الاوربي الاول ضد فرنسا ، الذي تكون من ( بريطانيا ، النمسا ، بروسيا، هولندا، اسبانيا والبرتغال ، وسردينا).
وقد تمكن هذا التحالف من ألحاق الجيوش الفرنسية ، وصاحب ذلك تمردات وعصيان داخلي قاده انصار الملكية ، مما تطلب من قادة الثورة أتخاذ موقف صلب لمواجهة هذة التحديات وظهر ما أطلق عليه ( العهد الارهابي ) ورغم ما قيل عن هذا العهد الا أنه أنقذ فرنسا من أخطار داخلية وخارجية كان من الممكن من أن تؤدي الى انهيار الجمهورية .
كما أن المؤتمر أنجز الكثير من الاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية فقد وضع قانون المدني الفرنسي وأنشاء المدارس وتأسيس متحف اللوفر وضع نظام جديد للمكاييل والمقاييس وهو النظام العشري , وعمل على سن الدستور وأنجز أواخر 1795م وعرف بدستور العام الثالث للجمهورية. كما جرت محاوله أنقلابية فاشلة قادها أنصار الملكية لمهاجمة مقر المؤتمر الوطني الا أن تدخل نابليون بونابرت الذي كان ضابطا شابا في المدفعية ، وبمهارته وخبرته العسكرية أستطاع أفشال هذ المؤامرة فرقي على أثرها الى ( قائد للجيوش الداخلية ).
نتائج الثورة الفرنسية :
جاءت الثورة بنتائج آنية واخرى على المدى الطويل كما ان نتائجها لم تقتصر على فرنسا بل عبرت الحدود الى دول اخرى استنارت بقبس الثورة الفرنسية وما حققه الشعب الفرنسي خلالها من انجازات واهمها:
اولا: ظهور نظام جمهوري بشكل عصري حديث يختلف عن اشكال النظم الجمهورية التي سبقته وانتشر هذا الشكل بين دول العالم وانتهى معه عهد الملكية المطلقة.
ثانيا: كتابة اول دستور للبلاد اقر بفصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية مما يحجم ويقلل من امكانية هيمنة سلطة على السلطات الاخرى رغم الانقلابات اللاحقة على الدستور الفرنسي .كما اقر الدستور بفصل الدين عن الدولة ومباديء سامية لم يسبقه لها دستور اخر من قبيل المساواة وحرية التعبير عن الراي والتفكير وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين.
ثالثا: تحررت السياسة الفرنسية من سلطة الكنيسة ورجال الدين كما الغيت امتيازات النبلاء ورجال الدين هؤلاء وهو الامر الذي استغلته البرجوازية المتوسطة للصعود خصوصا وان من نتاجات هذه الثورة هو تحرر النظام الاقتصادي للدولة ويتجه نحو الرأسمالية والاقتصاد الحر.
رابعا: جاءت بمفاهيم جديدة واحيت اخرى مثل الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية والتعليم المجاني واعتماد اللغة الفرنسية كلغة رسمية للدولة بأكملها مما اوجد لاحقا عاملا من عوامل الوحدة.
خامسا : يحدد كثير من المختصين السياسيين تأريخ الثورة الفرنسية كتأريخ لنشوء الدول القومية الحديثة التي تمثل الانظمة فيها ارادة شعوبها ورغم التعثر الذي اصاب مسار هذه الثورة والعقبات التي اعترتها لكنها دقت ناقوس الخطر ولحظة انطلاق زلزلت عروش ملوك اوروبا المستبدين مما جعلهم يناصبون العداء لهذه الثورة ويحاولون اجهاضها وفعلا نجحوا بأعادة الملكية لكن لمدة قصيرة فأرادات كل حكام اوروبا لم تستطع الحيلولة دون تحرر الشعب الفرنسي وقلب العروش على اصحابها لا بل أن الثورة الفرنسية امتد تأثيرها خارجا فأن لم تطح بالملوك فقد اطاحت بسلطتهم المطلقة وصلاحياتهم وأصبحوا مجرد حكام شكليين وتمكنت الشعوب من أن تحكم نفسها بنفسها.
2. حكومة الادارة وظهور نابليون بونابرت
حكومة الادارة 1795م
بعد أن أجريت الانتخابات وفق الدستور الجديد أنفض المؤتمر الوطني لتحل محله حكومة الادارة وتكونت هذه الحكومة من خمسة أعضاء يتم انتخابهم من المجلس النيابي ، و بدأت حكومة الادارة عهدها بالإعلان عن برنامج شددت فيه على التزامها بالنظام الجمهوري وأنعاش الروح الوطنية والقضاء على التعصب لحزب معين ، والوقوف بشدة وحزم بوجه أثارة الاضطرابات.
كان على هذه الحكومة أن تعالج الحالة الاقتصادية المتدهورة وأن تحصل على النصر النهائي في حروبها الخارجية واختارت نابليون لقيادة أحد جيوشها الثلاث ،فتمكن من هزيمة الجيوش النمساوية والايطالية وحقق انتصارات باهرة عليها حتى اضطرت النمسا الى طلب الصلح .
وخلال هذه المدة مرت فرنسا بأزمات سياسية بين حكومة الادارة والمجلس التشريعي لاسيما بعد وصول أنصار الملكية والكاثوليكية الى هذا الى المجلس فوجدت حكومة الادارة أن القوة هي السبيل الوحيد لأنهاء هذه الازمة لصالحها وكان نابليون المنتصر في ايطاليا على استعداد لإمداد حكومة الادارة بالقوة اللازمة ضد السلطة التشريعية ، فأرسل أحد ضباطه على رأس قوة عسكرية الى باريس في آب 1797م وقامت بانقلاب ضمن لحكومة الادارة بموجبه السيطرة على الموقف ومنع الملكيين من القيام بأي عملية انقلابية ضد حكومة الادارة .
أدت هذه العملية لان يصبح نابليون رجل الساعة وسيد الموقف في فرنسا ثم حقق نابليون انتصاراً نهائياً على النمسا بعد أن تقدم إلى جبال الألب مهدداً فيينا في أوائل عام 1797م، وفي 17 أكتوبر من العام نفسه وقّعت فرنسا معاهدة (كومبوفورميو)، التي بموجبها توسعت أراضي فرنسا، وعاد نابليون إلى باريس فاستقبل استقبال الأبطال. بقيت بريطانيا وحدها شاهرة السلاح بوجه فرنسا فوضع نابليون مع حكومة الإدارة خطة لضرب بريطانيا في الشرق باحتلال مصر لتهديد طريق بريطانيا إلى الهند فاحتل مصر عام 1798 ، وقد واجه عددا من المشاكل في مصر وسوريا ، لا سيما بعد تدمير الاسطول الفرنسي من قبل نظيره البريطاني في معركة ابي قير البحرية مما ادى الى انقطاع الامدادات عن القوات الفرنسية في مصر ، وكانت الاوضاع في فرنسا نفسها قد عادت الى التدهور من جديد في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، وانتشرت الفوضى فقرر نابليون العودة الى فرنسا تاركا الجنرال كليبر محله في قيادة القوات الفرنسية في مصر.
3. امبراطورية نابليون بونابرت
كانت الظروف التي وصل فيها نابليون الى فرنسا من مصر شبيه بتلك التي كانت سائدة قبل تدخله لإنقاذ حكومة الإدارة بل يمكن اعتبارها امتدادا لها ، اذ عادت القوى السياسية بمختلف اتجاهاتها تهدد حكومة الادارة وتتنافس للسيطرة على الدولة ، بينما سئم الشعب الفرنسي حالة الفوضى السائدة في المجتمع ،حيث انعدم الامن وانتشر اللصوص والسلب في الطرقات واصبحت المدارس بلا معملين والمستشفيات بلا ممرضات ناهيك عن العجز المالي والتدهور الاقتصادي والخطر الخارجي المتمثل بالتحالف الأوروبي الثاني، لذلك اخذ الناس يتطلعون بعد عشر سنوات من الثورة والحرب إلى إقرار السلم وإقامة حكومة قوية.
وقد وجد بعض الساسة ان الجيش المتمثل بشخص نابليون هو الأداة التي تعيد الأمور إلى نصابها وفي مقدمة هؤلاء الاب (سييز).
أما عن نابليون فقد دخل باريس فإستقبله الشعب الفرنسي بحماسة بالغة مما جعل نابليون يدرك ان الناس والسياسيون لا يعتبرونه مسؤولا عن الهزيمة في مصر , وإنما يقع عبئ ذلك على السلطة الحاكمة في باريس ومن هنا التقت القيادات السياسية مع نابليون ليمهدوا طريق صعوده إلى الحكم .
انقلاب بريمر
مهّدت لهذا الانقلاب فكرة إقامة حكومة مستقرة ، وكان لا بد من اعادة النظر في الدستور لتحقيق ذلك ، وكان هناك رفض واضح من المجلس التشريعي وبعض أعضاء الإدارة لإجراء مثل هذا التعديل ، وقد رأى مؤيدو نابليون ان الجيش هو السبيل الوحيد لتحقيق ما يريدون فأخذوا يخططون بدقة لقلب السلطة وقاد نابليون وأعوانه السياسيون حملة إعلامية كان الهدف منها إقناع الاطراف السياسية لفكرة التعديل الدستوري , طلب أعوان نابليون من أعضاء المجلس نقِلَ إجتماعهم إلى خارج باريس مدّعين ان مؤامرة تحاك من قِبَلْ اليعاقبة لقلب السلطة ،وهناك تقدم نابليون ليعرض على النواب برنامجه وأهدافه لإصلاح البلاد والقى بهذا الشأن خطابا الا انه فوجئ بنداءات مضادة تحذر من ظهور دكتاتور جديد في شخص نابليون ، عندها طلب رئيس المجلس لوسيان(شقيق نابليون) من الجنود الذين طوقوا مكان الاجتماع بتفريق المعارضين بالقوة ولم يبق سوى المواليين له الذين صوتوا لصالح التعديلات الجديدة ، والتي قررت استلام السلطة من قبل 3 قناصل: (نابليون و سيز وديكو) بدلا من حكومة الادارة.
قابل عموم الناس هذا التغيير الذي عرف بانقلاب بريمر عام 1799 بهدوء تام ولم يظهر أي أسف على حكومة الادارة الضعيفة بل أن الكثير من الفرنسيين استبشروا خيرا بالسلطة الجديدة التي يقف على رأسها نابليون معتبرين ان عهد جديدا قد بدأ في فرنسا ، إلا ان هذا لا يعني أن البعض لم يجد في ذلك بداية لعهد الدكتاتورية العسكرية.
ولإعطاء الانقلاب صفة شرعية، فقد وضع في عام 1799 دستور جديد لفرنسا نص على وضع السلطة التنفيذية بيد ثلاث قناصل ينتخبهم مجلس الشيوخ لمدة عشر سنوات. وقد انتخب المجلس ثلاث قناصل، وهم (نابليون بونابرت و سييس و ديكو)، لتولي السلطة على أن يكون نابليون القنصل الأول ومنحه سلطات واسعة، حق إعلان الحرب وعقد المعاهدات وإصدار القوانين وتعيين الوزراء وكبار الموظفين ورئاسة الجيش، أما القنصلان الآخران فكانا مساعدين له وكانت الهيئة التشريعية، طبق لدستور سنة 1799 مكونة من ثلاث مجالس، مجلس الشيوخ الذين يعينون أعضائه مدى الحياة من قبل القناصل وكانت مهمته انتخاب أعضاء المجلسين الآخرين، ومجلس التربيون الذي يتكون من مائة عضو وتكون مهمته دراسة مشروعات القوانين التي يقدمها مجلس الدولة، أما المجلس الثالث هو المجلس التشريعي الذي يتكون من ثلاثمائة عضو ومهمته التصويت على مشروعات القوانين. وبهذا الشكل المعقد من السلطة التشريعية سيطر نابليون ووزرائه على السلطة.

السياسة الخارجية :
ورث نابليون عن حكومة الادارة مشاكل خارجية تتعلق بالتحالف الاوربي الثاني المكون من ( بريطانيا النمسا ، روسيا ، الدولة العثمانية ) وقد أنسحبت روسيا من هذا التحالف بعد هزيمتها من القوات الفرنسية وكذلك أن بول الاول ( إمبراطور روسيا ) كان من المعجبين بنابليون واصبح صديقا له .
ثم تمكن نابليون من هزيمة النمسا في معركة حاسمة في حزيران 1800 وهددت قواته فينيا مما دفع بالنمسا الى طلب الصلح مع نابليون فعقد صلح (لونفيل) عام 1801م والذي انسحبت فيه النمسا نهائيا من أيطاليا واعترفت بالجمهوريات التي أقامها نابليون فيها ، وبذلك أنهار التحالف الاوربي الثاني ولم يبق صامداً أمام نابليون سوى بريطانيا , وكان نابليون يدرك استحالة الانتصار على لبريطانيا ما دامت السيادة للأسطول البريطاني في البحر لذا قرر فرض حصار بحري على بريطانيا بمساعدة حلفائه الأوربيين ، فكون في كانون 1800 حلفا ضم روسيا والدنمارك والسويد وبروسيا عرف ب( عصبة الحياد المسلح ) لتضيق الخناق على بريطانيا والاضرار بمصالحها التجارية وعزلها عن اوربا ، الا أن هذا الحلف فشل في تحقيق اهدافه لقوة الاسطول البريطاني من جهة ، واغتيال القيصر الروسي من جهة أخرى مما أدى الى أنفراط عقد هذا التحالف.
وعلى الرغم من من فشل مشروع الحصار القاري على بريطانيا الا ان الاوضاع الداخلية فيها أدت الى قبولها عقد الصلح مع فرنسا والذي عرف بصلح ( أميان ) عام 1802م ، والذي أعترفت بموجبه بريطانيا بالتغيرات التي اجراه نابليون في أوربا وقد عد هذا الصلح نصر كبيرا لقنصلية نابليون لحصولها على أعتراف بريطاني بالتغيرات التي حدثت في فرنسا أثر الثورة الفرنسية.
الامبراطورية النابليونية
ظهرت الامبراطورية الفرنسية للوجود مع تتويج نابليون بونابرت إمبراطورا لفرنسا في الثاني من كانون الاول 1804م وقد مهدت لظهور الامبراطورية النابليونية عوامل خارجية وداخلية هي :
أولاً: العوامل الخارجية :
1ـــ عدم التزام بريطانيا ولفرنسا بصلح أميان حيث بدأ كل طرف يتصرف وفق مصالحه الخاصة دون الاهتمام بمعاهدة الصلح .
2ـــ أظهرت تحركات نابيلون لبريطانيا عن تصميمه لتحويل موازين القوى أوربا والشرق لصالح فرنسا حيث بدا يتطلع لترسيخ اقدام فرنسا في المستعمرات وعقده معاهدات صداقة مع دول الشرق وهو الامر الذي رات فيه بريطانيا تهديدا لمصالحها مما دفعها الى معاداة فرنسا واصبحت ملجا لانصار الملكية الهاربين من فرنسا.
3- رأى الشعب الفرنسي في هذه الاحداث والموقف البريطاني المعادي للثورة والمؤيد لعودة ال بوربون للحكم تهديدا لفرنسا ، مما دفع بالشعب الى التفكير بتعزيز مكانة نابليون من خلال اعلانه امبراطورا للبلاد .
العوامل الداخلية :
1- ظهور عدد من المؤامرات الداخلية المدعومة من بريطانيا للإطاحة بحكم نابليون من خلال محاولات اغتياله .
2- كشفت هذه المؤامرات للشعب الفرنسي جسامة الخطر المحدق بفرنسا لا سيما وان عدد من القادة السياسيين والعسكريين كانوا ضالعين فيها .
3- وجد الشعب والمجلس التشريعي ان افضل حل لقطع دابر هذه المؤامرات وتقوية النظام هو جعل الحكم وراثيا مما يفقد الملكيين كل امل في استعادة العرش .
4- وفي اقتراح من احد اعضاء المجلس التشريعي تم ادخال المبدأ الوراثي في الحكم في عام 1804 وفي السنة نفسها منح نابليون لقب الامبراطور وجرى تتويجه في كانون الاول 1804 من قبل البابا بيوس الثاني عشر .
4. سقوط نابليون
حروب الامبراطورية النابليونية :
لم يستمر صلح اميان بين فرنسا وبريطانيا طويلا واخذت العلاقة بينهما تزداد سوءا لاسيما بعد احتلال فرنسا لبعض الموانئ ذات الاهمية التجارية لبريطانيا في هولندا وايطاليا وسواحل هانوفر ، واخذ نابليون يعد العدة لغزو الجزيرة البريطانية وكانت خطته تقوم على اساس ابعاد الاسطول البريطاني والقيام بأنزال سريع على الشواطئ البريطانية بعد ان يقوم الاسطولان الفرنسي والاسباني باستدراج الاسطول البريطاني بعيدا عن الساحل البريطانية الا ان هذه الخطة فشلت عندما انتصر الاسطول البريطاني على الاسطولين الفرنسي والاسباني في معركة (الطرف الاغر) بالقرب من السواحل الاسبانية في تشرين الاول 1805 وكانت بريطانيا قد اقنعت النمسا وروسيا بالدخول في حلف معها ضد نابليون عرف ب(التحالف الاوربي الثالث).
وقبل محاولة غزو بريطانيا، أمر نابليون جيشه المتمركز بشمال فرنسا بالزحف سرًّا على ألمانيا، فأحاط الجيش الفرنسي بالقوات النمساوية التي كانت على وشك أن تُهاجم فرنسا، قاطعًا بذلك خطوط التواصل بينها، وهزمها هزيمةً كبيرة بتاريخ 20 أكتوبر سنة 1805 في معركة" أولم".
وبعد ستة أسابيع من هذه الحادثة، وفي اليوم الذي يوافق الذكرى الأولى لتربع بونابرت على العرش، هزم الجيش الفرنسي الجيشين النمساوي والروسي في واحدة من اشهر معارك التاريخ "معركة أوسترليتز". كانت نتيجة هذا الانتصار أن انتهت حرب التحالف الثالث، فأمر نابليون عند ذلك بالبدء ببناء قوس النصر في وسط مدينة باريس لتخليد ذكرى هذا النصر، ثم توجه إلى مدينة ?يينا عاصمة النمسا، وفرض عليها شروطًا قاسية للصلح. اضطرت النمسا إلى أن تتنازل عن المزيد من الأراضي لصالح فرنسا، وأن توقع على معاهدة سلام پراسبورغ التي قضت نهائيًا على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأدّت لولادة "اتحاد الراين الذي سُمي نابليون "مرشدًا" و"حاميًا" له.
التحالف الاوربي الرابع
تشكل التحالف الرابع لمحاربة فرنسا في سنة 1806، بعد هزيمة النمسا وروسيا في معركة أوسترليتز، وضمّ كل من:( بروسيا، روسيا، بريطانيا، ساكسونيا، السويد، وصقلية) وفي ذات السنة وقع خلاف بين نابليون وبروسيا، فتقدمت الجيوش الفرنسية بسرعة خاطفة وهزمت البروسيين في "معركة يينا" واحتلت عاصمتهم برلين، فانسحب "فريدريك وليم الثالث" ملك بروسيا إلى ناحية الشرق كي ينضم لحليفته روسيا التي أرسلت جيشًا لنجدته..
فالتقى نابليون بالجيشين الروسي والبروسي معًا في معركة (فريدلاند)، وبعد هذا النصر الحاسم، أبرم نابليون معاهدة عُرفتا باسم "معاهدة تلست" ، فاقتسم بموجب إحداها السلطة في أوروبا مع القيصر الروسي "ألكسندر الأول"؛ أما الثانية التي أُبرمت مع بروسيا، فقد اقتطع جزء من اراضيها وفرض عليها تعويضات حربية باهظة وهكذا انتهى التحالف الأوربي الرابع.
اما اهم اسباب انتصار نابليون في معاركه امام الجيوش الأوربية فيمكن اجمالها بما يلي :
1- ضعف التحالفات الأوربية نتيجة الخلافات السياسية بين الدول الأوربية
2- عدم وجود قيادة موحدة عسكرية للجيوش المتحالفة
3- ايمان الجيش الفرنسي بانه يحمل رسالة سامية فضلا عن تناسقه وانضباطه العالي
4- قوة الجبهة الداخلية في فرنسا .
5- كان لذكاء نابليون وقدراته ومهارته العسكرية الفائقة وشعبيته الواسعة اثر كبير في الانتصارات الفرنسية.
الحصار القاري
لمّا أخضع نابليون أوروبا كلها تقريبًا لسيطرته وعجز عن بريطانيا، عمد إلى محاربتها اقتصاديًا. فحرّم على جميع الدول الأوروبية المتاجرة معها، عن طريق إصداره ل(مرسوم برلين)، حرم بموجبه جميع أعمال التجارة كالاستيراد والتصدير مع بريطانيا كما حرم على السفن البريطانية الرسو في الموانئ الاوربية وستصادر بضائعها واعلنت كل من روسيا وبروسيا والنمسا والسويد والدنمارك التزامها بمراسيم الحصار القاري. إلا أن هذه الحرب الاقتصادية لم يُكتب لها النجاح، إذ أن بريطانيا ردّت عليه بالمثل، فمنعت المتاجرة مع فرنسا، وضربت حصارًا على القارة الأوروبية، كذلك نشطت أعمال التهريب من وإلى بريطانيا، ولم يستطع ضبّاط الجمارك الفرنسيون أن يفعلوا شيءًا لإيقافها، كما واجهت نابليون مشكلة عدم التزام بعض الدول الاوربية بالحصار ومنها البرتغال التي قرر نابليون مهاجمتها بالاتفاق مع اسبانيا فاحتلها بسهولة ثم قرر احتلال اسبانيا ايضا فابقى جيشه فيها بحجة الحلف القائم بين الدولتين، وأجبر ملكها "كارلوس الرابع" على التنازل عن العرش، وتوّج أخاه "جوزيف" ملكًا عليها في سنة 1808 الا ان هذه المسالة كانت بداية النهاية لنابليون فقد ثار عليه الشعب الاسباني الذي حصل على مساعدة بريطانيا ومن ثم تبعه شعب البرتغال في الثورة المسلحة وتمكن الثوار من تحقيق الانتصارات على القوات الفرنسية وكانت هذه الانتفاضة بداية لانتفاضات قومية في جميع انحاء اوربا ضد نابليون ادت الى فشل الحصار القاري.

عوامل الضعف في امبراطورية نابليون وسقوطها :
1- بدايات الضعف
كانت معركة بايلن التي انهزم فيها الفرنسيون امام المقاومة الاسبانية في تموز 1808 وخروجهم من العاصمة مدريد تمثل الصدع الاول في امبراطورية نابليون حيث كان لها صدى واسع في اوربا شجع الدول الاوربية على التخلص من حكم نابليون.
فعندما كان نابليون منهمكًا في إخضاع الثورة الإسبانية، قامت النمسا فجأة بفض تحالفها مع فرنسا وبدعم من بريطانيا بعد ان تحالفت معها في التحالف الاوربي الخامس ، وذلك في شهر أبريل من عام 1809، وهبت للانقضاض على بونابرت بتحريض من بريطانيا، فاضطر نابليون إلى أن يترك إسبانيا ويقود الجيش الفرنسي ليقهر الجيش النمساوي في "معركة وگرام". توجه نابليون بعد انتصاره إلى مدينة ?يينا، عاصمة النمسا، حيث أملى شروط الصلح ووقع مع النمساويين "معاهدة فيينا" في تشرين اول 1809، التي قضت بسلخ أجزاء مهمة أخرى من الإمبراطورية النمساوية المجرية وكانت انتصارات نابليون هذه المرة غاية في الصعوبة ولم يتمكنمن التوغل في النمسا.
كما ان تذمر الشعوب الاوربية من الضائقة الاقتصادية التي كانت تعيشها نتيجة الحصار القاري ،فضلا عن مطالبات نابليون بالأموال اللازمة لحملاته العسكرية ، دفعها للتحرك من اجل التخلص من قيود ذلك الحصار .
2- حملة روسيا ومعركة الامم:
بدأت العلاقات تتدهور بين نابليون وقيصر روسيا الكسندر الاول لأسباب منها عدم ايفاء نابليون بوعوده للقيصر الروسي بتحقيق مطامعه بالسيطرة على الاستانة ومضائق البسفور والدردنيل للوصول الى المياه الدافئة وكذلك فان الحصار القاري قد اضر بروسيا كثيرا باعتبارها بلدا زراعيا وبحاجة الى المواد الصناعية فاضطر القيصر الى السماح بدخول البضائع الانكليزية عام 1811 فاعتبر نابليون ذلك عملا عدائيا وخروجا على صلح تلست ثم طالب القيصر من نابليون بالتخلي عن تنظيماته في المانيا ( اتحاد الراين) وان يجلو بجيوشه عن بروسيا فكان رد نابليون ان هيأ جيشا تعداده 700000مقاتل من مختلف القوميات الاوربية لغزو روسيا عام 1812 فانتصر على الجيش الروسي في معركة سمولنسك وانسحب الروس الى داخل اراضيهم الواسعة وتبعهم نابليون حتى دخل موسكو فوجدها خالية من السكان وانتظر ان يعرض عليه القيصر الصلح لكنه لم يفعل وبعد شهر انسحب الجيش الفرنسي من موسكو بعد أن بلغت نابليون أنباء مقلقة عن اضطراب الأوضاع في فرنسا وخوفه من فقدان سلطته.
عانى الفرنسيون معاناة كبيرة أثناء انسحابهم وذاقوا الأمرّين، إذ تعاون برد الشتاء الروسي القارس حليف روسيا الصامد والمرض وهجمات الفلاحين القوقاز عليهم على إفناء الجيش فلم يسلم منه إلا عدد قليل حيث لم يصل منهم الا 100000 جندي .
ثم شكلت الدول الاوربية تحافا جديد ضد نابليون عرف ( بالتحالف الاوربي الخامس) وتكون (من بريطانيا روسيا وبروسيا النمسا) وقد واجه نابليون هذا التحالف بقوات قليلة الخبرة لان أغلبها كانوا شبابا صغار السن .
وفي تشرين الاول 1813م ، وقعت معركة ( لا يبزك) أو ما يعرف بمعركة الامم ودامت اربعة ايام وانتهت بهزيمة نابليون وتراجعه الى داخل حدود فرنسا القديمة فتواصلت الجيوش الاوربية تقدمها واحتلت باريس في آذار 1814م حيث أعلن نابليون عن تنازله عن العرش وسافر الى جزيرة البا.
ثم عقدت معاهدة باريس الاولى في أيار 1814م والتي تم فيها أعادة النظام الملكي الى فرنسا بزعامة لويس الثاني عشر ولم تكن شروط هذه المعاهدة قاسية لان الحلفاء لم يرغبوا بإثارة الشعب الفرنسي ضد ال بوربون .
ولم يراع لويس الثامن عشر مشاعر الشعب الفرنسي وعقائده الجديدة التي أنتجتها الثورة الفرنسية أذ وضع دستورا أعلن نفسة بموجبه ملكا وفق نظرية الحق الالهي ومنح النبلاء مناصب وامتيازات كبيرة وفرض الرقابة على الصحافة واعاد علم ال بوربون الابيض .
أما في المجال الاقتصادي فقط تأزمت الامور وانتشرت البطالة وصار الشعب يتمنى عودة نابليون وكانت الدول المنتصرة قد فشلت في التوافق في مؤتمر فينيا عام1814م ، ودب الخلاف فيما بينها فشجعت هذه الاوضاع نابليون على العودة الى فرنسا فدخل باريس في أذار 1815م وعاد الى استلام الى السلطة بعد هروب لويس السادس عشر الى بلجيكا فسارعت الدول الاوربية الى نسيان خلافاتها لتجهيز حملة عسكرية لإسقاط نابليون وقد التقت هذة القوات مع الجيش الفرنسي في معركة واترلو الفاصلة في حزيران 1815م والتي انتهت بهزيمة نابليون وانتهى عهده الى الابد بنهاية المائة اليوم الأخيرة من حكمه حيث حملته الى منفاه في جزيرة ( سانت هيلانة)والتي توفي فيها 1821م .
أما الحلفاء فقد دخلوا باريس في تموز 1815 وفرضوا على فرنسا معاهدة باريس الثانية والتي نصت على أن تدفع فرنسا غرامة فرنسية واعيد جدودها الى حدود عام 1790 واعيد لويس الثامن عشر الى الحكم.
أسباب سقوط نابليون
1ــــ كان نابليون شديد الاعتماد على نفسه مؤمنا بذاته ولم يكن يثق بأقرب رجاله ولاتساع إمبراطورتيه فقد كان من الصعب عليه ادارتها بأكمل وجه.
2- حمل نابيون الشعوب الخاضعة له أكثر من طاقتها حيث استنزفت حروبه الكثير من أموالها ورجالها كما أن طول فترة الحرب أدت الى تذمر الجيش الفرنسي وانعدام الحماسة لدية.
3ـــ كان للحصار القاري وما أفرزه من نتائج من العوامل المهمة في سقوط نابليون.
4ـــالانتفاضات القومية للشعوب القومية .
5ـــــ عدم أهتمام نابليون في مشاعر الشعوب وتنصيب قاربه ملوكا عليه أدى الى سخط هذه الشعوب عليه وسقوطه.



ثانيا : العلاقات الدولية بين 1815-1830

مؤتمر فيينا لسنة 1815م:

أ – الظروف الممهدة لمؤتمر فيينا: في فترة 1799 – 1814م، توسعت فرنسا بقيادة نابليون بونابرت على حساب الدول الأوربية المجاورة، فتحالفت عسكريا كل من الإمبراطورية النمساوية المجرية وبريطانيا وروسيا القيصرية وبروسيا ضد فرنسا، مما ادة الى انهزام فرنسا، وتمت بذلك الإطاحة بحكم نابليون.

ب – قرارات مؤتمر فيينا: انعقد مؤتمر فيينا وجمع الدول المنتصرة لإعادة ترتيب أوضاع القارة الأوربية ودعم الأنظمة المحافظة بها ما بين شتنبر 1814 وإلى غاية يونيو 1815م، حيث اجتمع ملوك أوربا ومعهم عشرات الوزراء والدبلوماسيين بفيينا بهدف إحقاق السلم داخل أوربا بعد الاضطرابات التي خلفتها الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية، وقد هيمنت القوى الكبرى (بروسيا، روسيا، النمسا، بريطانيا) على أشغال المؤتمر بقيادة المستشار النمساوي مترنيخ، وكرست مقرراته المبادئ الآتية:
1. الشرعية: إعادة الأنظمة التقليدية التي كانت سائدة قبل الثورة الفرنسية.
2. التوازن الأوروبي: إعادة فرنسا إلى حدودها الدولية مقابل توسع الدول المنتصرة عليها.
3. التحالف المحافظ أو الحلف المقدس: وتألف من أربع دول هي: روسيا – بروسيا – النمسا – فرنسا.

وقد دأبت الدول الاوربية بعد فترة الحروب النابليونية الى تكوين عصبة دولية تنظم علاقات الشعوب المختلفة واقامة السلام دائم في اوربا واقامة جهاز تحكيم لمنع اسباب الحرب ولكن هذه الجهود لم تلق الا نجاح يسير ، وقد دفع استقرار الاحوال في فرنسا وقيام انتفاضات وثورات في الدول الاوربية المتضررة من قرارات مؤتمر فيينا الى عقد سلسلة من المؤتمرات لمتابعة تطبيق قرارات مؤتمر فيينا.

الحلف المقدس 1815:
اقترح قيصر روسيا الاسكندر الاول في 26 ايلول 1815 تشكيل تحالف مقدس وفق تعاليم الدين المسيحي وان يتبادل الملوك المشورة والمعونة فيما بينهم لكن مشروع القيصر المتدين لم يلقى التاييد من باقي دول اوربا لغموض فكرة تنظيم العلاقات الدولية انذاك وقد أثارت المحالفة المقدسة دهشة رجال السياسة ورجال الدين على السواء، وعلى سبيل المثال فقد وصفها"مترنيخ" بأنها: "طبل أجوف وفيض من عواطف التقى والورع التي تجيش في صدر القيصر إسكندر"، كما وصفها "كاسلريه" وزير خارجية إنجلترا بأنها "تمثِّل خليطا.( من الصوفية والكلام الفارغ"وقد امتنعت بريطانيا عن التوقيع على وثيقة المحالفة المقدسة؛ بدعوى أن الدستور يمنع الملك أو الوصي على العرش من ذلك وبذلك قتلت الفكرة في مهدها دون ان تعمل أي فرصة لتنفيذها ، وفي المقابل فقد انضمت دول عديدة إلى المحالفة مراعاة لشعور الإسكندر، كما انضمت إليها فرنسافي محاولة للخروج من عزلتها وظهر ان قيصر روسيا قد اصدرهذا الحلف لهوى في نفسه وقدم له بمظهر ديني تصوفي مدعيا انه يريد ان يطبق المبادىء المسيحية على ما يدور في اوربا من امور سياسية بهدف خلق ضمير سياسي بين حكام القارة وان تسود روح الاخوة بينهم في اتصالاتهم ولكن وزير خارجية بريطانيا اعتبر ذلك مظهرا زائفا يكسوه لباس التصوف البراق وبذلك فشل هذا الحلف.
مؤتمر اكس لاشابيل ايلول 1818
عقدت الدول الأربع الكبرى (إنجلترا، والنمسا،، وروسيا، وبروسيا) هذا المؤتمر في ايلول عام 1818 والهدف الاساس من عقد هذا المؤتمر مناقشة العقوبات التي فرضتها معاهدة باريس الثانية على فرنسا ذلك لانها اظهرت تقييداً لمقدرات مؤتمر فينا ورغبة واضحة في السلام وحفظ التوازن الدولي وتمسك بالنظم التقليدية الملكية كما ان لظهور أفكار ثورية مناهضة للحكم الإستبدادي القائم دفع حكام الدول الاستبدادية الى مقاومة هذه الحركات الثورية التي تهدد استقرار الأنظمة الإستبدادية القائمة،. وقد اجتمع في اكس لاشابيل (وهي احد مدن وستفاليا في المانيا ) امبراطور النمسا يرافقه وزير الخارجية مترنيخ وقيصر روسيا الاسكندر الاول وفروديك وليم الثالث ملك الدولة المضيفة بروسيا وقام بتمثيل بريطانيا وزير خارجيتها كاسلريه وعن فرنسا ريشيليو رئيس وزرائها وقد وافق المندوبون عن الجلاء عن الاراضي الفرنسية قبل نهاية شهر تشرين الثاني 1818 على ان تقوم فرنسا بدفع جميع ما تبقى عليها من تعويضات وغرامات مرة واحدة .
و أهم قراراته ما يلي:
1. حل لجنة المراقبة الدولية، و سحب جيوش الحلفاء من الأراضي الفرنسية المحتلة بعد أن دفعت
فرنسا التعويضات المقررة عليها إلى الحلفاء.
2. السماح لفرنسا بالانضمام إلى الحلف الرباعي الذي تحول إلى حلف خماسي.
3. أقر المؤتمر إلغاء تجارة الرقيق و ذلك باقتراح من بريطانيا(كاسلري)
لكن رغم التحالفات والمؤتمرات التي عقدت ب هدف وضع حد للتيار الحر المتصاعد بأوربا إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل أمام رغبة الشعوب في الحرية واندلعت نتيجة تطور الوعي عدة ثورات تستهدف القضاء على الحكم الأجنبي وعلى النظام الإستبدادي .


مؤتمر تروباو (تشرين الثاني 1820)
كان قيصر روسيا قد اقترح على المؤتمرين في إكس لاشابيل إنشاء تحالف أوروبي عام تُخول بمقتضاه القوى الكبرى حقَّ التدخُّل لقمع أية ثورة تندلع في مواجهة أي من العروش الأوروبية، غير أن هذا الاقتراح قوبل بالرفض من جانب القوى الأربع الأخرى ولا سيما إنجلترا؛ حيث كان "كاسلريه" يؤكِّد دوما رفض بلاده لمبدأ التدخُّل
في الشئون الداخلية للدول الأخرى. ومع اندلاع الثورة في إسبانيا وقيام النظام الدستوري بها في يناير 1820 أصاب الخوف القيصر الروسي؛ حيث خشي إسكندر الأول من انتقال عدوى الثورة إلى بلاده لا سيما وأنها كانت تعيش في ظروف مماثلة لتلك التي كانت سائدة في إسبانيا عشية الثورة. ومن هنا فقد هب القيصر إسكندر الأول مطالبا بعقد مؤتمر يضم سائر ملوك أوروبا لاستنكار المستجدات التي شهدها الصعيد الإسباني، والمطالبة بالتدخُّل لإلغاء الدستور الإسباني ولو بقوة السلاح، غير أن "كاسلريه"أعلن – أيضا هذه المرة- رفض بلاده لمبدأ التدخُّل بالقوة في الشئون الداخلية للدول الأخرى قائلا: إنه ما من بلد ذينظام حكم نيابي يوافق على التصرف وفًقا لذلك المبدأ، وأضاف "كاسلريه" أنه يعتبر الثورة الإسبانية مسألة داخلية لا تشكِّل خطرا على البلاد الأخرى؛ وبالتالي فانه لا يرى مبررا لتأييد إنجلترا أية محاولة لقمع تلك الثورة بالقوة، كما أوضح "كاسلريه" لدبلوماسيي أوروبا أن إنجلترا تدين بأسرتها المالكة الحالية ودستورها لثورة داخلية، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن تنكر على البلاد الأخرى هذا الحق نفسه في تغيير شكل حكوماتها.
أما بصدد الموقف النمساوي من مبدأ التدخُّل فإن"مترنيخ" كان في بداية الأمر يرفض هذا المبدأ، غير أنه عاد ووافق على المبدأ غداة اندلاع الثورة في نابولي في يوليو 1820 ، أما فرنسا فقد كانت ترفض مبدأ التدخُّل شأنها في ذلك شأن إنجلترا، وعلى ذلك فقد تعددت اجتماعات ممثلي الأوتوقراطيات الثلاث الكبرى الأخرى (النمسا – روسيا – بروسيا) حيث أسفرت هذه الاجتماعات عن عقد بروتوكول تروباو، الذي تم التوقيع عليه في 19 تشرين ثاني1820 ، وفي حين رفضت إنجلترا التوقيع على هذا البروتوكول انضمت إليه فرنسا؛ خشية العزلة وهكذا فقد أقرت القوى الأربع الموقِّعة على بروتوكول تروباو (النمسا – روسيا – بروسيا – فرنسا) مبدأ التدخُّل لقمع الثورات وحماية العروش، كما اتَّفقت هذه القوى–بمقتضى البروتوكول ذاته- على استبعاد أية دولة طرف في الحلف منه إذا ما اندلعت فيها ثورة أحدثت تغييرا في نظامها السياسي الداخلي، كما أنه يحقُّ للحلفاء التدخُّل لإعادة هذه الدولة إلى حظيرة التحالف بالوسائل الودية،فإن لم تفلح هذه الوسائل في بلوغ هدفها لجأ الحلفاء إلى القوة.


مؤتمر لايباخ ( كانون الثاني 1821)
كان المؤتمرون في تروباو قد اتَّفقوا على عقد مؤتمرفي ليباخ؛ بغية الاتفاق على الإجراءات الكفيلة بتنفيذ مقررات تروباو فيما يتَّصل بالمسألة الإيطالية، وبالفعل فقد عقِدَ مؤتمرلا يباخ بدءا من كانون الثاني عام 1821 وحضره إمبراطور النمسا
وقيصر روسيا و"مترنيخ" و"فرديناند الأول" ملك نابولي،
حيث تم الاتفاق على إلغاء دستور نابولي، وأُنِيط بالنمسا مهمة تنفيذ هذا الإلغاء بالق وة العسكرية .
وهكذا فقد تحقق للنمسا ما كانت تصبو إليه؛ فتحت غطاء التكليف الأوروبي راح الجيش النمساوي يتدخَّل في نابولي – مع نهاية فبراير 1821 – حيث تمكَّن
من إخماد الثورة الدستورية، وإعادة سلطة "فرديناند الأول"المطَلقة .
وقبل أن يختتم المؤتمرون في ليباخ أعمال مؤتمرهم استنجد بهم ملك سردينيا ضد رعاياه الثائرين؛ فسارعت النمسا بإرسال جيشها لإخماد الثورة في بيدمونت، وإعادة
النظام القديم إلى سردينيا.
يبقى أن نشير إلى أن مؤتمر ليباخ قد انفض في ايار1821 حيث أصدر بياًنا ختاميا جاء فيه: "إن الهدفمن التحالف الأوروبي إنما هو تأييد المعاهدات القائمة،والمحافظة على السلام العام وتحقيق سعادة الأمم،وأن التغييرات التشريعية والإدارية داخل الدول يجب أن تأتي من جانب أولئك الذين أعطاهم الله مسئولية الحكم في هذه الدول".
وهكذا يكون مؤتمر لايباخ قد أكَّد على مبدأين رئيسيين أعلن المؤتمرون تمسكهم بهما، ويتمثَّل هذان المبدآن في:
1- مبدأ شرعية تدخُّل الكبار لإخماد الثورات الدستورية وحماية العروش داخل كافَّة الدول الأوروبية، وهو المبدأ الذي بمقتضاه سمِحَ للنمسا بإخماد الحركات الثورية الدستورية في الأراضي الإيطالية.
2- مبدأ الحق الإلهي للعروش في تقرير مصائر
الشعوب، وهو المبدأ الذي ورد بارزا في البيان الختامي لمؤتمر ليباخ، والذي جاء
فيه أن أية تغييرات تشريعية أو إدارية داخل أية دولة هي بيد ملكها، وملكها وحده.
ونظ را لارتباط المؤتمرين في ليباخ بهذين المبدأين فقد أعلنت الحكومة الإنجليزية استنكارها لمقررات المؤتمر، وعدم اعترافها به، وتنصلها من تبعاته.

مؤتمر فيرونا (تشرين الاول 1822)
حضر هذا المؤتمر كلٌّ من إمبراطور النمسا، وقيصر روسيا، وملوك بروسيا وسردينيا ونابولي، فضلا عن "مترنيخ"، ووزير خارجية فرنسا، وممثِّلين لإنجلترا،
ولقد انصب اهتمام المؤتمر على مناقشة المسألة الإسبانية، ففي 30 تشرين الاول 1822 قرر المؤتمر التدخُّل المسلَّح في شئون إسبانيا برغم رفض إنجلترا لهذا العمل، وتأكيد ممثِّليها رفض بلدهما لمبدأ التدخُّل في الشئون الداخلية للدول الأخرى.
غير أن أعضاء المؤتمر فشلوا في أن يتدخَّلوا جماعيا لإخماد الثورة الإسبانية ،وإذا ب "فرنسا" تقرر أن تتدخَّل منفردة في إسبانيا، ويعود إقدام فرنسا على هذا الإجراء إلى اعتبارات تتعلَّق بسياستها الداخلية، ذلك بأن – الملكية الفرنسية العائدة إلى العرش كانت في حاجة إلى انتصارات عسكرية لتحل صورتها في أذهان الشعب الفرنسي محلَّصور الانتصارات النابليونية .
على أية حال فقد كان انتصار الجيش الفرنسيفي إسبانيا أمرا ميسورا؛ إذ سرعان ما تمت الإطاحة بالنظام الثوري، وإعادة الملك الإسباني إلى عرشه ، ولم يكتفِ الفرنسيون بذلك وإنما أعلنوا عزمهم على التدخُّل لإخماد الثورات في المستعمرات الإسبانية في العالم الجديد، غير أن انجلترا وقفت ل "فرنسا" بالمرصاد، وأعلن الإنجليز تصميمهم على استخدام القوة في مواجهة الجيوش الفرنسية إن هي حاولت عبور الأطلنطي، والتدخُّل في شئون أمريكا الجنوبية والحق أن هذا الموقف الإنجليزي المتشدد من فرنسا بصدد المسألة الإسبانية إنما كان يرتد إلى سببين، أولهما أن الإنجليز كانوا يرفضون مبدأ التدخُّل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهو المبدأ الذي كان وزير الخارجية الإنجليزي الجديد كاننج أشد من سلفه المنتحر "كاسلريه"تمسكا به، أما السبب الثاني وراء الاستياء الإنجليزي من الموقف الفرنسي بصدد المسألة الإسبانية فيتمثَّل في أن مستعمرات إسبانيا في العالم الجديد كانت تربطها بإنجلترا علاقات تجارية عظيمة الشأن.
وبالإضافة إلى رفض إنجلترا فكرة تدخُّل فرنسا في المستعمرات الإسبانية كانت الولايات المتَّحدة الأمريكية قد أكَّدت – هي الأخرى- رفضها التام لتدخل أية دولة
أوروبية في شئون العالم الجديد، وقد تمت صياغة هذا الموقف الأمريكي بمقتضى مبدأ "مونرو" .



ثورات 1815 – 1830:
أثارت مقررات مؤتمر فيينا ردود فعل قوية من طرف الشعوب الأوربية، حيث اندلعت عدة ثورات مستلهمة من مبادئ وشعارات وأفكار الثورة الفرنسية، هدفها إسقاط مقررات هذا المؤتمر، وقد شمل المد الثوري دولا مختلفة، ابتداء من ألمانيا التي عرفت انتفاضة طلابية نادت بالحد من سلطة الملكية وطالبت بوضع دستور للبلاد سنة 1817م، والتي وجهت بالقمع العسكري، أما بإيطاليا فقد اندلعت انتفاضة جمعية الكاربوناري سنة 1820م ضد النظام والاحتلال النمساوي واجهها الجيش النمساوي، وفي نفس السنة عرفت إسبانيا تحركا للجيش الإسباني مطالبا بوضع دستور للبلاد فقمعت من طرف الجيش الفرنسي سنة 1829م، وعرفت اليونان ثورة قومية تحررية ضد النظام العثماني توجت بالحصول على الاستقلال، كما عاشت فرنسا سنة 1830م ثورة الأيام الثلاث (ثورة بورجوازية ليبرالية ضد الملك شارل العاشر الذي انحاز للمحافظين)، هذه الثورة أجهضت بعد تحالف البورجوازية الكبرى مع الملك لويس فليب، وعرفت بلجيكا ثورة قومية تحررية ضد هولندا انتهت باستقلال وحياد بلجيكا، وأخيرا عرفت بولونيا سنة 1831م ثورة تحررية ضد الهيمنة الروسية انتهت بقمعها على يد الجيش القيصري.

ثورات أوربا 1848م (ربيع الشعوب):
انطلقت ثورات شعوب أوربا لسنة 1848م من باريس (فرنسا) إلى روما وفيينا، ومن هذه الأخيرة امتدت إلى شمال ايطاليا وألمانيا وإلى القوميات الخاضعة للحكم النمساوي، فبفرنسا أدت الأزمة الاقتصادية ورفض الحكومة لإصلاح نظام الانتخابات إلى صراع سياسي بين الأحزاب فتم إسقاط حكم لويس فليب وإعلان الإمبراطورية سنة 1851م، وبإيطاليا أعلن النظام الجمهوري يروما وطردت القوات النمساوية من المدن التي كانت تحتلها والتي طبقت بها دساتير محلية إلا أن النمسا قمعت هذه الثورات، كما تدخلت فرنسا لإعادة البابا لروما، أما بألمانيا كانت للثورة مطالب قومية (توحيد البلاد)، لكنها فشلت بسبب رفض ملك بروسيا الانضمام إليها خوفا من الاصطدام مع النمسا وروسيا، وبالنمسا قامت الثورة كرد فعل على استبداد ميترنيخ، وحققت بعض المكاسب لكنها قمعت بشدة.






ثالثاً :الدول الاوربية في القرن التاسع عشر
أولاً : المانيا بين 1815 – 1870
لقد ساعدت الثورة الفرنسية على نشر المبادئ القومية ومبادئ الحرية بين الشعوب, وعندما اراد نابليون بونابرت فيما بعد تحري تلك المشاعر القومية ثارت الشعوب الاوربية حدة, فكانت القومية أحد أسباب سقوط امبراطوريته.
فلم يتعظ الذين انتصروا على نابليون بذلك الدرس فحاولوا قمع الحقوق للشعوب الاوربية في مؤتمر ?يينا لكنهم فشلوا ايضاً.
ونُلاحظ في المانيا ظهور النزعة القومية وتعالي الاصوات إلى اتحاد المدن الالمانية ودور القادة الالمان في تحقيق الاماني القومية الالمانية ويُمكن توضيح ذلك من خلال المحاور التالية :

1. ظهور النزعة القومية الالمانية
تأثرت الحركة القومية الألمانية بشكل كبير بالثورة الفرنسية وشعاراتها القومية ، ودعوتها للشعوب إلى ممارسة حقها في حكم نفسها ، حيث كانت هذه الحركة تسعى لإيجاد دولة ألمانية موحدة ،بدلا من مجموعة الدويلات الألمانية التي وصلت ابان معاهدة وستفاليا إلى ما يقارب 360 دويلة ، ثم انخفضت في فترة حكم نابليون إلى 38 دويلة ،وعند قيام الوحدة الألمانية كان عددها 25 دويلة ، وقد أثارت الثورة الفرنسية لدى الألمان كما الشعوب الأخرى ،التفكير في الأقلية التي تتحكم في تلك الشعوب وممن تتكون ،وانتهى هذا التفكير إلى فحص جنسية هذه الأقلية وما إذا كانت تنتمي إلى نفس الشعب الذي تحكمه أم أنها أجنبية عنه ، وهذا السؤال يثير بطبيعته التفكير في من هو الأجنبي وما هي الأمة وقد بدأ التنظير لفكرة القومية الألمانية عن طريق المفكرين جيته وشيلر حيث بدءوا بالمناداة إلى أن لكل شعب عبقريته الخاصة في فهم الحرية والمساواة ، وان للشعب الألماني بحكم ثقافته وعبقريته المختلفة أن يشكل آراءه الخاصة في ذلك .
والمدرسة الالمانية في القومية فتُعرف بالمدرسة التاريخية وهي تختلف عن المدرسة الفرنسية بسبب الظروف التاريخية التي مر بها كل من البلدين فقد اتخذت فكرة السيادة في المانيا شكل الامبراطورية التي لا ترتبط بالدولة ولا بالارض وهي اضافة الى ذلك تمتد بحدودها إلى ما وراء المانيا نفسها وكان هناك تعقيد واضح في النظام السياسي الالماني لا يتفق مع المفهوم الفرنسي بالامة.
لذلك فأن التركيز في المانيا القومية كان على اللغة وليس على الارض حيث اُعتُبِرت القومية كائن عضوي في ظاهرته الاساسية اللغة. يُضاف الى ذلك أن المانيا عاشت تجربة سياسية اخرى مضادة نوعاً ما لشكل الامبراطورية الالمانية الكبيرة تلك هي الدولة البروسية التي تشكلت على يد آل هوهنزلون الذين دعا ملوكهم السكان من مختلف أنحاء اوربا بزراعة الاراضي المتروكة في بروسيا ثم قاموا بصهر هذه العناصر المختلفة ليظهر السكان البروس الذين اصبحوا في تشكيلهم يختلفون عن تشكيل الامة الفرنسية او الانجليزية اللتان وُجِدتا قبل وبعد الدولة.
ومع ذلك فان أي نقاش او جدل في سبيل التغيير او الاصلاح كان يدعوا الى الخوف في المانيا من الوحدة القومية, لذلك كانت الثغرة الانفصالية سائدة في كل دولة من دول المانيا. ولم يكن بين هذه الدول وحدة في القوانين او المقاييس او النفوذ ، الا انه ظهر في اواخر القرن الثامن عشر نوع من وحدة المانية على اساس فكري يتركز حول طبيعة اللغة حيث انتشرت المحلات و اُصلحت الجامعات وسادت حرية الفكر والتوثيق والتوسع في الاطلاع والمعرفة وظهر الكتّاب والمفكرين الالمان فنشأ ما يُعرف بالقومية الأدبية.

2. الإتحاد الالماني والحقبة الوطنية
كانت ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر في حالة شبيهة بإقطاعيات القرون الوسطى؛ حيث كانت مقسمة إلى اكثر من (300) مقاطعة بين كبيرة وصغيرة من الدول والدويلات والمدن الحرة، وكان يعتلي سدة الحكم في بعضها رؤساء دينيون، في حين كان يحكم البعض الآخر رؤساء زمنيون، وكان بين هؤلاء الحكام من يحمل لقب ملك، ومنهم من كان أميرا، كما كان من بينهم دوقات وجراندوقات، وكان إلى جانب ذلك كله ثمة مدن حرة عديدة تتمتَّع بسيادة تامة فيما يتَّصل بإدارة كافَّة شئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية على السواء، وعلى الرغم من وجود ما يسمى بالإمبراطورية المقدسةإلاَّ أن هذه الإمبراطورية كانت لا تتمتَّع بأية سلطة حقيقية، فكانت كلُّ واحدة من الوحدات السياسية الكبيرة والصغيرة مستقلَّة في شئونها استقلا ً لا تاما، حيث كان لكلِّ واحدة منها حكومة خاصة وجيش خاص وقوانين خاصة، وباستثناء مملكة بروسيا كانت جميع الوحدات الألمانية –على كثرتها- شديدة الضعف من جميع الوجوه السياسية والعسكرية.
ولكن كان للثورة الفرنسية وحروب نابليون اثر كبير في المانيا حيث تم زوال مائة من الولايات الصغرى. اذ نمت بعض الولايات الثانوية مثل بافاريا وسكسونيا وتحولت الى ممالك على حساب النمسا وظهور اتحاد الراين 1806م الذي ضم ستة عشر ولاية تحت رئاسة نابليون وبذلك زالت الامبراطورية الرومانية المقدسة عن عالم الوجود نتيجة لتقسيم المانيا الى ثلاث وحدات هي : النمسا وبروسيا واتحاد الراين وبذلك يُعتبر نابليون البادئ بعملية توحيد المانيا, هذا الى جانب ان سياسته التعسفية وكبريائه قد ساعد على اثارة الروح القومية في الشعوب الالمانية, ولقد كان لاكتساح نابليون للأراضي الألمانية أبلغ الأثر في نفوس الألمان؛ إذ باتوا يدركون تمام الإدراك أن فقدان الوحدة القومية هو السبب في ما أصاب بلادهم، ونظرا لذلك فقد امتلأ جو القرن التاسع عشر في ألمانيا على وجه الخصوص بفلسفة القومية والعصبية العنصرية، وسيادة الجنس الألماني، ورسالته السامية التي تقع على عاتقه نحو البشرية بأسرها.
ولقد سرى هذا التيار القومي في نفوس الألمان بسرعة كبيرة واستثار – بوجه خاص- همم رجال الفكر والسياسة ودفعهم إلى العمل عملا متواصلا في سبيل تخليص البلاد من ربقة فرنسا، وقد تمثَّل مركز هذه المساعي والحركات في بروسيا التي اجتمع فيها كبار رجال الفكر والأدب والسياسة من جميع أنحاء ألمانيا وتضافروا على خلق روح جديدة في البلاد.
وفي مؤتمر ?يينا 1815 ظهرت رغبة مترنيخ في الاحتفاظ بالمانيا ضعيفة حتى تستطيع النمسا ان تفرض سيطرتها الكاملة على المانيا ، لذلك فضلت النمسا ايجاد اتحاد ضعيف من اعضاء مستقلين نفوذه هي وتتلاعب به. فكانت لها ما ارادت. وتكون اتحاد جميع الامراء لا الشعوب ودخله كل من له في ارض المانيا حصة او نصيب, فاشترك فيه ملكا بروسيا والنمسا لان بعض اراضيها كانت داخلة في الامبراطورية الرومانية المقدسة ودخله ملك الدانمارك لانه كان يحكم هولشتاين. كما دخله ملك الاراضي المنخفضة بصفته دوقاً على لكسمبرك. وهكذا نجد ان بعض الملوك الاجانب اشتركوا في هذا الاتحاد مع ان بعض الاراضي الالمانية بقيت خارجة عنه.

3. الملك وليم والمستشار بسمارك وتحقيق الوحدة الالمانية :

تعتبر بروسيا أهم ا?مارات ا?لمانية جميعا قوة ومساحة وسكانا ، وقـد كانت و?ية صغيرة ثم أصبحت مملكة عام 1701م وبرز فيها ملوك مصلحون أمثال "فريدريك ولـيم ا?ول"و"الثاني" واشتركت في محاربة نابليون عام 1813م ، واهتمت با?ص?ح ا?داري و ا?قتصادي والعسكري وتزعمت بروسيا حركة الوحدة الالمانية وسعت بكل قوة الى حمل الولايات الالمانية على الدخول في اتحاد يجمع فيما بينها.
وقد مرت عملية توحيد المانيا بعدة مراحل ابرزها :

1- الاتحاد الكمركي (الزولفرين )
كانإنشاء نظام الزولفرين الجمركي أولى المراحل التي قطعتها ألمانيا في سبيل الوحدة من خلال "توحيد الجمارك " بين مختلف أقاليم الب?د ا?لمانية، وذلك لما حدث ا?نق?ب الصناعي في أوروبا أدرك رجال الفكر والمال في مختلف أقسام ألمانيا أن ب?دهم ? يمكن أن تساير هذه التطورات مادامت منقسمة إلى دوي?ت ينفصل بعضها عن بعض بسلسلة من الحواجز الجمركية فأخذ العديد من المفكرين
يدعون إلى توحيد الجمارك بين الب?د ا?لمانية .فصدر عام 1819م نظام الزولفرين الجمركي ونص على ما يلي :
1- إلغاء المناطق الجمركية في بروسيا كلها واعتبارها منطقة جمركية واحدة .
2- إعفاء المواد ا?ولية المستوردة إليها من الرسوم الجمركية لتشجيع الصناعة المحلية .
3-وضع تعريفة جمركية منخفضة على المصنوعات، وتعريف ة جمركية عالية على ا لمـواد الكماليـة المستوردة كالشاي والبن والسكر.
وقد أدى نجاح هذا النظام الجمركي إلى إسراع الو?يات ا?لمانية ل?نخراط فيه وكان ذلـك خطـوة هامة في تحقيق الوحدة السياسية فيما بينها وكسبت بروسيا من وراء ذلك الزعامة ا?قتصادية والسياسية والتفوق العسكري في ألمانيا كلها ثم في أوربا بعد الوحدة.

2- سياسة الملك وليم الاول ومستشاره الحديدي بسمارك:
اما المرحلة الخرى المهمة في توحيد الماني فهي سياسة الملك وليم الاول ومستشاره الحديدي بسمارك ، فعلى اثر ثورة 1848 م تم انتخاب فريدريك وليم الرابع ملك بروسيا إمبراطورا على ألمانيا ، إ? أنه رفض التـاج خوفا من رد فعل النمسا وبعض ا?مراء المعارضين ، وعندما خلفه وليام ا?ول، وكان ساخطا علـى النمسا ،استعان بمستشاره بسمارك الذي قاد ألمانيا إلى وحدتها القومية ، واتبع في سبيل ذلك الخطوات التالية
1- إقامة اتحاد ألمانيا كلها بزعامة بروسيا .
2) إبعاد النمسا عن التدخل في شؤون ألمانيا وإجبارها على التخلي عن معاداتها لوحدتها .
3) القضاء على التدخل ا?جنبي في شؤون ألمانيا الداخلية خاصة فرنسا .
4) ا?هتمام بالجيش وتطويره في التدريب والتسليح باعتباره ا?داة ا?ساسية لتحقيق الوحدة .

3- حروب الوحدة :
خاض بسمارك ث?ث حروب ضد ث?ث دول من أجل تحقيق وحدة ألمانيا :
1) الحرب ضد الدنمارك 1864م: كان السبب في إثارتها دوقيتي : شلزفيك ، وهولشتاين ا?لمـانيين اللتين كان يحكمها ملوك الدنمارك منذ 1815م ، وقد أرغمت الدنمارك في نهاية هذه الحـرب علـى التخلي عنهما فسيطرت بروسيا على شلزفيك والنمسا على هولتشاين .
2) الحرب ضد النمسا عام 1866 م كان من أهداف بسمارك عزل النمسا دوليـا ، والقـضاء علـى نفوذها بألمانيا و قبول وحدتها . فاستمال إليه نابليون و بيدمونت وروسيا ثم دخل معها فـي حـرب ، وانتصر عليها في معركة "سادوا" يوم 1866م وأرغمها على توقيع صلح براغ
1866م التزمت فيه بما يلي :
* ضم عدة مقاطعات ألمانية إلى بروسيا منها هانوفر،هس، مدينة فرانكفورت .
* ا?عتراف بإنشاء اتحاد ألماني يضم كل الو?يات الواقعة شمال نهر (مين) بزعامة بروسيا
* التنازل ?يطاليا عن البندقية .
وكان من نتيجة هذا الصلح اتساع مساحة بروسيا وتحول ميزان القوى إليها في وسـط أوروبـا
خاصة بعد أن وافقت الو?يات الجنوبية على ا?نضمام إلى "اتحاد الزولفرين".

3) الحرب ضد فرنسا عام 1870م :
بعد التغلب على الدنمارك والنمسا لم تبق عقبة في وجـه وحـدة ألمانيا سوى فرنسا التي تحتل ا?لزاس و اللو رين ورأت فرنسا وجوب استعمال كل الوسائل لمنع إتحاد ألمانيا ، ومن أجل ذلك صمم بسمارك على محاربتها ، وجاءت أزمة خلو العرش ا?سباني لتشعل نيران الحرب التي أعلنتها فرنسا دون ا?ستعداد لها في تموز 1870م ، وهو ما كـان ينتظـره بسمارك . ونظرا للتباين الموجو د بين الجيشين فقد إنهزم الجيش الفرنسي في معركة (سيدان) sedan
يوم 1870-09-2م واستسلم ا?مبراطور "نابليون" ، وأرغمت فرنـسا علـى توقيـع الـصلح فـي
فرانكوفورت يوم 10 ماي 1871م نص على :
* أن تستولي ألمانيا على مبتز وستراسبورغ و ا?لزاس و اللورين .
* أن تدفع فرنسا غرامة مالية ?لمانيا مقدارها 5000 مليون فرنك.
* أن تحتل جيوش بروسيا بعض أراضي فرنسا حتى تدفع تلك الغرامة .
ن- إتمام الوحدة :
بعد هذه ا?نتصارات الساحقة على فرنسا، فاوض بسمارك و?يات الجنوب ا?لمانيـة فـي أمـر
الوحدة، و تم إنشاء ا?تحاد ا?لماني، و توج الملك وليم إمبراطورا ?لمانيا بقصر فرساي عام 1871 م وعُرِفَ بلقب القيصر الالماني ، وأعلن دستور جديد نظم شؤون الحكم في ألمانيا وسرى مفعول دستور الامبراطورية الالمانية اعتباراً من 16نيسان 1871م واُطلقت تسمية الرايخ الثاني على الامبراطورية التي دامت حتى دحر المانيا فيالحرب العالمية الاولى في تشرين الثاني 1918.

ثانيا : بريطانيا بين 1815 – 1870
قيام الثورة الصناعية :
الثورة الصناعية هي مُصطلح يُشير إلى التغيُّر الجذري الذي حدث في حياة الناس خصوصًا في اوربا وفي مقدمتها بريطانيا ، خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الميلاديين حيث تحولت المجتمعات الزراعية إلى مجتمعات صناعية فنشأت مدن صناعية جديدة و توسعت مدن أخرى بفعل الإختراعات ونظام المعمل, وظهرت طبقات إجتماعية وقيم وتقاليد لم تكن موجودة من قبل.
بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر الميلادي، وانتقلت إلى أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، انتشر التصنيع في أوروبا الغربية وشمال شرقي الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أدت الثورة الصناعية إلى زيادة عظيمة في الإنتاج. كما أخرجت التصنيع من نطاق المنزل والورشة الصغيرة، وأحلَّت الآلات ذوات المحركات محل العمل اليدوي، وطُورت المصانع لتصبح أفضل وسيلة للجمع بين الآلات والعمال لتشغيلها.
ومع ان الثورة الصناعية تقترن بالقرن التاسع عشر الا انها استمرت في عطاءها وتطورها حتى عصرنا هذا, فهي اذن ليست مجرد ثورة وقتية انما هي ثورة دائمة من خلال التطور الذي طرأ على المخترعات والصناعات والمجتمعات في عصرنا الحالي، والذي تعود جذوره الى عصر الثورة الصناعية. ولا يمكن تشبيه تلك الثورة بالتحولات التدريجية او المفاجئة التي عرفتها القرون السابقة منذ العصور الحديثة بل وحتى الوسيطة والقديمة منها ، ويعود ذلك الى طابعها الاكثر تعقيداً وشمولية فقد ادت الثورة الصناعية الى الاستعاضة عن الجهود البشرية بالآلة على نطاق واسع ، وفرضت المصنع الكبير على حساب المعمل الحرفي الصغير ، وبذلك غيرت العلاقات الانتاجية بشكل جذري ، وتميزت في زيادة هائلة في الانتاج وتمكنت من ايجاد وسائل نقل ومبادلات سريعة لم يعرفها الانسان من قبل.
كما تطلبت الثورة الصناعية اعادت النظر بشكل شامل في العوائد النقدية والقروض وعموم الحالة الاقتصادية ان الأوصاف والتعريفات التي اعطيت الثورة الصناعية من قبل الذين كتبوا عنها بعد ان شعروا بها تظهر, ان الثورة الصناعية كانت حركة عميقة قلبت الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بريطانيا وبقية الدول العربية بل والعالم. وبقدر تعلق الامر بتاريخ محدد للثورة الصناعية كظاهرة اقتصادية اجتماعية ذات آثار تدريجية فانه من الصعب تحديد بدايتها ونهايتها ومع ذلك فان بعض الباحثين يعود بها الى حوالي القرن السادس عشر أي انهم يربطوها بالاستكشافات الجغرافية والثورة التجارية وعصر النهضة. ألا ان المؤلفات والبحوث الاساسية تتفق على حصر حدودها بين 1766_ 1830م لكننا نتفق مع الباحثين الذين يعتبرون ان الثورة الصناعية لا نهاية لها وان التطور الذي يعيشه عالمنا المعاصر هو امتداد طبيعي لها.
عوامل قيام النهضة في بريطانيا
كانت بريطانيا اول الدول الاوربية التي ظهرت فيها الاختراعات وقد تنبهت الدول البريطانية والبرجوازية العقارية والتجارية الى الفوائد المرتقبة من هذه الاختراعات مما ادى الى توفير رؤوس الاموال والعناية بها الا ان الثورة الصناعية في بريطانيا لم تلعب دوراً حاسما في الحياة اليومية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر بالتحديد في حدود سنة 1780 ولكن التحولات التقنية الكثيرة المرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا كانت خلال هذا التاريخ جارية وبدأت بريطانيا تقدم للعالم الدليل على ان نوعا جديد من النمو الاقتصادي المحول ذاتيا والمتسارع ذاتيا قد اصبح منذ الان في متناول بعض الامم المتطورة بداوات الصناعات النسيجية وبخاصة معامل صناعة القطن تشهد ثورة في التطور وتحسين نوعية النتاج وحجمه ويمكن ان نحدد الاسباب التي ادت الى سبق بريطانيا غيرها من دول اوربا في الثورة الصناعية:
اولا :أسباب طبيعية :
1- رطوبة الجو في بعض جهات إنجلترا، مما شجع على قيام صناعة غزل القطن في منطقة لانكشير وخاصة في ليفربول ومانشستر.
2- وجود بعض الأنهار سريعة الجريان، فاستخدمت مساقط المياه بها لإدارة آلات المصانع.
3- مجاورة مناطق الفحم لمناطق الحديد، وفي مناطق بها موانئ صالحة للملاحة.
ثانيا: أسباب سياسية :
1- ادت ثورات وحركات القرن السابع عشر في بريطانيا وخصوصا الثورة الجليلة سنة 1688 الى استقرار الملكية والبرلمان والكنيسة مما ادى الى ابتعاد بريطانيا عن التقلبات والتغييرات السياسية .
2-فتحت التطورات الدستورية في بريطانيا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الباب واسعاً لحكم طموحات البرجوازية والبريطانية في تسيير شؤون السلطة خصوصا بعد توحيد الجزر البريطانية الذي هو في الواقع لا يمثل مجرد توحيد سياسي بل ايضا توحيد للسوق الاقتصادية البريطانية .
3- عدم تعرض إنجلترا للغزو الخارجي مثل باقي دول أوروبا(لم يستطع نابوليون بونابرت غزوها)،فتوفر لها الاطمئنان مما ساعد على تقدمها الاقتصادي والصناعي كما ساعد الموقع الجغرافي للجزر البريطانية في الابتعاد عن ويلات الحرب التي عاشتها اوربا خلال القرن السابع عشر حتى قيام الثورة الفرنسية من ظهور نابليون فلم تجر على الارض البريطانية اية حروب او معارك كالتي شهدتها اوربا . وهكذا استقرت الاحوال في الجزر البريطانية مما ساعد البريطانيين على الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والصناعية بينما كانت اوربا تعاني من ويلات الحروب.
4- قوة أسطولها و اتساع مستعمراتها حيث راجت مصنوعاتها وتوفرت لها الاسواق ومصادر المواد الاولية ذات الاهمية الكبرى في تطور الصناعة.
ثالثا :اسباب اقتصادية :
1-الحركة التجارية ونمو الرأسمالية البريطانية:
انعكس استقرار الحالة السياسية في بريطانيا على الحركة التجارية فيها بشكل ايجابي ومؤثر نقصد بهذه الحركة (التجارة الخارجية) التي اولتها الحكومة البريطانية عناية فائقة منذ بدايات القرن السادس عشر لأنها تدر ثروات كبيرة من المعادن الثمينة كالذهب والفضة مما ادى الى تراكم رأس المال الهام في قيام الصناعة ، ولذلك قامت ببناء الاساطيل البحرية والتجارية واصدرت مجموعة من القوانين التي نظمت عمليات التبادل التجاري لصالح بريطانيا .
2- توفر اليد العاملة الرخيص:.
لقد ادى انتقال المخترعات في بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر من مجال البحث الى حيز الانتاج الاقتصادي الى نشوء العمل وظهور الحاجة لليد العاملة التي كانت ترتبط بالزراعة والريف وقد كانت بريطانيا من الدول التي شهدت زيادة في السكان زيادة والتي نتج عنها استهلاك متزايد للسلع الغذائية والمواد الاولية مما ساعد على تقدم كبير في التقنيات الزراعية وقد حدث هذا بشكل خاص في بريطانيا.
3- تطور صناعة النسيج :
ارتبطت صناعة النسيج التي هي اقدم الصناعات في بريطانيا بالنشاط الزراعي وبالمناخ البريطاني الذي تتلائم رطوبته مع هذه الصناعة و صناعة الغزل والنسيج كانت من اولى الصناعات التي تطورت عن كونها صناعات حرفية واسعة الى صناعات مصنعية كبيرة.
4- وفرة مصادر الطاقة وتطورها: ان تطور عمليات استخراج الفحم الحجري في بريطانيا والذي كان يمثل مصدر الطاقة الاساسي قد ساعد على توفير الطاقة المستعملة في التعدين وانتاج الحديد دون حاجة الاستيراد والتي كانت بريطانيا تعتمدها من روسيا والسويد مقابل تصدير الحديد المهم في الصناعة سابقا.


رابعا: أسباب اجتماعية :
1-إتجاه إنجلترا على العناية بالعلوم الطبيعية.
2- لم يترفع نبلاء إنجلترا عن كسب المال عن طريق المصانع والمناجم (بعكس نبلاء فرنسا). فظهر من بينهم العلماء والمخترعون أمثال ( جيمس وات).
3-قيام حركة الاختراعات:ــ المقصود بها ابتكار مجموعة من الآلات ووسائل الانتاج لكي تجل الادوات والوسائل القديمة وكانت اول الدول التي شهدت هذه الظاهرة هي بريطانيا فأصدرت قانون براءة الاختراع الذي يحفظ للمخترع حق استعمال اختراعه.
نتائج الثورة الصناعية:
1_ بروز الطبقة العاملة الكادحة: والتي كانت تستغل بشكل كبير حيثادى تطور المصانع الى الحاجة الى المزيد من العمال، مما زاد في تركز السكان بالمدن و تخليهم عن أملاكهم وأراضيهم الفلاحية مقابل مبالغ لا تعبر عن قيمها الحقيقية.
2_ ظهور الطبقة البرجوازية: وهي الطبقة المالكة لرؤوس الأموال التي تدعم المصانع والشركات، ومنه فقد احتلت هذه الطبقة مكانة اجتماعية و اقتصادية مرموقة و أصبحت تملك النفوذ و السلطة.
3_ زيادة كمية الإنتاج بنسب كبيرة و تنوع المنتجات و الابتكارات.
4_ ارتفاع مستوى المعيشة و ظهور ضروريات جديدة كالحاجة للكهرباء و النقل بالوسائل المبتكرة آنذاك .
5_ ظهور النقابات العمالية المطالبة بحقوق العمال.
6_نمو التجارة الخارجية و امتدادها لأقطار عديدة من العالم.
لائحة الاصلح الدستوري لسنة 1832م
لقد لعبت الثورة الصناعية دوراً كبيراً في تطور نظام الحكم في بريطانيا ، ويعود ذلك للتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المجتمع الانكليزي ، حيث نمت الطبقة الوسطى ، والتي تركت أثراً واضحاً في تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي في المدن والأرياف ، وحدث تغيير في حجم المدن واضمحلال بعضها وظهور أخرى وتراجع دور الريف ، مما أدى إلى تغيير حجم التمثيل البرلماني لمجلس العموم ، وساهمت تلك المتغيرات في إصدار لائحة الإصلاح (Bill Reform) لسنة 1832، وقد عالجت اللائحة مشكلة الانتخابات التي كانت تجرى في إطار ضيق ، وضمنت للطبقة الوسطى بعض الحقوق إذ توسع حجم الانتخابات ، لكنها في الوقت نفسه أهملت حقوق الطبقة العاملة .
وابرز ما يميز لائحة الاصلاح من اهمية هي ما يلي :
1. ازدياد عدد الناخبين في انجلترا بعد توسيع حقوق الانتخابات .
2. ازدياد الاهمية السياسية للطبقة الوسطى واصبحت المحور الذي تتقرب اليه جميع الاحزاب السياسية وبذلك استطاعت الطبقة الوسطى ان تشارك في حكم البلاد دون استثناء ديني او مذهبي.
انقسم المجتمع الانكليزي على نفسه بين مؤيد ومعارض ومتردد حول لائحة سنة 1832 ، وقد عارض الراديكاليون (Radical) ، الذين يمثلون الطبقة الكادحة اللائحة على اعتبارها لا تحقق مبتغاهم وأهدافهم ، فعمدوا إلى تأسيس الجمعيات والنقابات ، وقادوا حركات عديدة للوصول إلى حقوقهم ، وكانت أهمها الحركة الجارتية (Chairitism) ، أي التعاهدية ، واعتبرت السلطة متعهدة في تنفيذ رغبات الشعب ومصالحه ، وقد قدمت الحركة لائحة لإصلاح الأحوال السياسية والاجتماعية في البلاد إلى الملكة فكتوريا ، جاء فيها :
1- شمول جميع الذكور الراشدين في عملية الانتخاب.
2- ان يكون التصويت بشكل سري لضمان عدم تعرض المصوتين للضغط أو الخوف ولضمان إعطاء صوته بحرية وعدم تعرضه للأذى من قبل السلطة أو المتنفذين .
3- ان تكون الدورة البرلمانية لسنة واحدة .
4- منح النواب الرواتب والمخصصات بهدف انصرافهم إلى خدمة البلاد بإخلاص .
5- إلغاء الشرط القاضي بامتلاك الناخب لملك خاص .
6- تقسيم المملكة إلى مناطق انتخابية وتمثيلها حسب السكان وبشكل عادل .
لم تلق اللائحة قبولا ، ليس من قبل حزب المحافظين فحسب ، بل حتى من قبل حزب الأحرار ، فماتت الحركة في مهدها .
لم ينته دور الراديكاليين بنهاية الحركة الجارتية ، بل ظهرت عدة حركات أخرى بين الحين والآخر ، أعطت دفعة قوية للديمقراطية بشكل خاص وحقوق الإنسان بشكل عام في بريطانيا ، وكانت تلك الحركات تبني أهدافها على أفكار عدد من المفكرين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والقرن التاسـع عشـر.
وقد صدرت نتيجة لتلك الأفكار والحركات عدة لوائح قانونية في السنوات 1867 و1884 و1885 ، وقد أكدت تلك اللوائح على توسيع المشاركة في التصويت ، وأصبح مجلس العموم بموجبها أكثر فاعلية في الساحة السياسية البريطانية وعلى أساسها بدأت المؤسسات الحكومية تتبلور على أساس ديمقراطي مع بداية قرن العشرين .

الملكة فكتوريا وسياستها الداخلية والخارجية
كانت أعظم من اشتهر في تاريخ إنجلترا. ولدت فيكتوريا في قصر كنسينغتون في لندن في 24 ماي عام 1819، وعندما تُوفي عم فكتوريا، الملك وليام الرابع في ، ولم يكن له وريث، خلفته فكتوريا على العرش، وتُوجت ملكة في كنيسة وستمنستر في عام 1838، كان اللورد ملبورن أول رئيس للوزراء في عهدها وقام بتعليمها شؤون السياسة والحكم.
تزوجت الملكة فكتوريا عام 1840 من ابن خالها ألبرت، أمير ساكس وأنجبت منه أربعة أبناء وخمس بنات، كان الأمير عالما ورجل أعمال محبا للخير وكان الشعب يُكن له حبًا واحترامًا كبيرين. ساعد الأمير ألبرت زوجته بهمة ونشاط في القيام بتصريف واجباتها الملكية، وشاءت الأقدار أن تُوفي الأمير ألبرت عام 1861، فلم تستطع الملكة التخلص من أحزانها على فقدانه، إذ اعتزلت الحياة العامة وأنشطتها ولبست ثياب الحداد السوداء لسنين عديدة.
شغلت حياتها القرن التاسع عشر كله تقريبا، وشهدت انتقال انجلترا من ظلمة العصور الوسطى إلى الحضارة الحديثة، فلا غرابة إذا عد عصرها أجل عصر عرفته المملكة البريطانية، إذ عرفت فترة حكمها كثيرا من الأحداث المهمة، حيث خاضت بريطانيا حرب الأفيون في الفترة الممتدة بين 1839و1842 ضد الصين واحتلت جزيرة هونغ كونغ، كما شنت بريطانيا الحرب المعروفة باسم حرب القرم ضد روسيا في الفترة الممتدة من عام 1853 وحتى عام 1856، وشهدت سنوات حكمها الأخيرة اندلاع حرب البوير (1899-1902) لحماية مصالح بريطانيا في جنوب إفريقيا.
نقلت الملكة فيكتوريا السلطة على الهند في عام 1858 من شركة الهند الشرقية وهي شركة تجارية إلى الحكومة البريطانية ونُصِّبت فيكتوريا إمبراطورة على الهند ، كما احكمت بريطانيا في عهدها قبضتها على مصر ومناطق أخرى كثيرة ووحّدت مستعمراتها في أستراليا وكندا.
أدى التوسع الكبير في رقعة الإمبراطورية إلى جعل بريطانيا أغنى دولة في العالم، بعد أن أنهت بريطانيا فرض القيود على التجارة الخارجية وأصبحت مستعمراتها مصدرا للمواد الخام وأسواقا لمنتجاتها في الوقت نفسه، وشملت الإمبراطورية البريطانية ربع مساحة العالم وربع سكانه.
كانت الملكة فيكتوريا متزنة التفكير تتمتع بقدرات جيدة، ورغم ذلك فإن قوة بريطانيا ترجع أساسا إلى رؤساء وزرائها القادرين، وهم: اللورد ملبورن والسير روبرت بيل والفيكونت بالمرستون وبنجامين ديزرائيلي ووليم غلادستون وماركيز سالزبري، إذ أدركت الملكة فيكتوريا تدريجيا أنه من أجل بقاء الملكية في بريطانيا يتحتم عليها أن تتنازل عن بعض صلاحيتها وتنقلها إلى وزرائها ليقوموا بتصريفها من داخل المجلس التشريعي، فقبلت فيكتوريا أن تتحوّل من حاكم سياسي وتنفيذي إلى حاكم رمزي وهذا هو السبب الرئيسي في بقاء الملكية في بريطانيا.
ورغم ذلك حافظت الإمبراطورة فيكتوريا على دور فعال في الحياة السياسية، فشاركت رؤساء الوزارة في اتخاذ القرارات، بينما لم يكن لها موقف معلن إزاء الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، فكانت تحاول دائما الظهور كطرف محايد.
حكمت هذه الملكة بريطانيا العظمى مدّة أربعة وستّين عاماً وتوفّيت عام 1901م .

ثالثا: روسيا بين عامي (1815ـــ1856)

على الرغم من أن الإمبراطورية الروسية لعبت دوراً قياديًا هامًا في سياسية القرن التاسع عشر، بفعل هزيمة الإمبراطورية الفرنسية والقضاء على نابليون راسم الخريطة الجغرافية والسياسية الأوروبية، إلا أن الإبقاء على نظام الاستعباد حال دون أي تقدم اقتصادي ملحوظ.
وفي الفترة التي أخذت دول أوروبا الغربية تحقق خلالها نمواً اقتصاديًا مطرداً بفعل الثورة الصناعية، التي كانت قد بدأت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أخذت روسيا تظهر تخلفًا وتراجعًا أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي خلق لها مشاكل جديدة، وهدد مركزها كقوة عظمى، نتيجة عدم كفاءة حكومتها، وعزلتها عن الشعب، وتخلفها الاقتصادي.
الا انه رغم ذلك فقد جرت محاولات للاصلاح في عهد الكسندر الاول ، واقتربت روسيا اقترابا كبيرا من المدينة الاوربية خلال القرن التاسع عشر وحاولت رغم تأخرها ان تتحين الفرص لإجراء الاصلاح وتفتح ذراعها لتلقي التطور , ثم صارت هي بدورها تقوم بقسط وافر من الانتاج في حقول الادب والموسيقى والاجتماع .

الكسندر الاول وسياسة روسيا الداخلية والخارجية:
تولى الكسندر الاول مقاليد الحكم بعد يوم واحد من اغتيال والده في سنة 1801 م وكان حاكما محبوبا وله جماهيرية وحضور في أوساط الشعب بسبب أفكاره الليبرالية التحررية واهتمامه بطبقة الفلاحين كما أنه أسس نظاما تعليميا شاملا وناهض القنانة (عبودية الأرض) لكنه لم يكن قادرا على الغائها وكانت اغلبية الفلاحين لاتزال مستعبدة جاهلة لا تفرق حالتها عن حالت الفلاح الانكليزي او الفرنسي.
وفي عهد الكسندر الأول ترافقت محاولات تحديث الدولة الروسية مع تضخم الجهاز الإداري للدولة وإحلال النظام البوليسي في البلاد. وفي عام 1822 أصدر مرسوما بمنع نشاط المحافل الماسونية بعد أن أصبحت منظمة شبه حكومية في البلاد بفضل دعمه الشخصي لها، كما نص المرسوم على حظر نشاط الجمعيات السرية الأخرى، ولم يتسن له طيلة حكمه تذليل مشاكل البلاد عن طريق إجراء الإصلاحات فقد بقيت معظم القضايا السياسية والاجتماعية في روسيا بدون حل.
وفي عهده ايضا تمّ السماح باستيراد الكتب من أوروبا وإنشاء مطابع خاصة، كما أُسّس مجلس الشيوخ الذي كان بمثابة هيئة رقابية وقضائية في منظومة إدارة الدولة، كما تم تكليف أحد كبار المسؤولين (نيكولاي نوفوسيلتسيف) بإعداد مسودة الدستور الروسي. ولكن بعد الانتهاء من إعداد هذا الدستور تقرر تأجيل إصداره.
كان الاسكندر الاول يعين الوزراء ويطردهم متى يشاء ويأمر بالقاء القبض او السجن او ينفي او يعدم من يريد دون ان يستشير احد وكانت له السلطة الشخصية حتى على الكنيسة الروسية القديمة نفسها وكان يؤمن بالافكار الحرة في شبابه ولكنه بعد ان عاد من مؤتمر فينا اخذ يطرد الامراء من مستشاريه ويكره كل شيء جديد ويسمح لموظفيه بفعل كل ما يرونه لازما للقضاء على الاراء الحرة التي ناصرها شابا وحاربها كهلا ، فشدد الرقابة على الصحف حتى خنق الجرائد الحرة ،وطرد اساتذة العلوم الحديثة من الجامعات .
اما سياسته الخارجية فقد كانت معتدلة وحاول اقامات علاقة صداقة مع فرنسا وبريطانيا لكنه أعلن الحرب على نابليون سنة 1804 م ودفع الغزو الفرنسي لروسيا عام 1812 م المعارضة إلى الالتحاق بالقوات الثورية. في النهاية عمل ألكسندر مع حلفاءه على هزيمة نابليون وهذا ما تم له في مؤتمر فيينا عام 1815 م.
اذ رجع القيصر اسكندر الاول من مؤتمر فينا الى عاصمته بطرسبورغ وهو يتباهى بكبرياء وعظمة فقد اشترك في اسقاط نابليون ونجح في تكوين اتحاد مقدس بين ملوك اوربا وصار يحكم نصف القارة الاوربية بنفسه ، اما العناصر الداخلية في امبراطوريته هذه فكانت مختلفة متباينة في لغاتها وآدابها وتقاليدها ، فمنهم الفنلنديون والالمان والبولنديون واليهود التتر والارمن والمغول وغيرهم .
ان العنصر الروسي نفسه امتد حتى استولى على سهول روسيا الأوربية و الجنوبية وانتشر نحو الشمال الشرقي حتى وصل سيبيريا وكون كتلة كبيرة من سكان الامبراطورية الواسعة فكانت اللغة الروسية تدرس في المدارس وتستعمل في دوائر الحكومة ، وكان اهل دوقية فنلندا العظمى يكرهون الخضوع لسيدتهم روسيا ، كما كان البولونيون ينظرون الى اليوم الذي يتخلصون فيه من الاستعمار الروسي ويكونون دولة مستقلة لها دستورها ولغتها، توفي بعدها بعشر سنين وخلفه شقيقه القيصر نيكولاي الأول.

نيقولا الاول (1825- 1855)
خطفت يد الموت اسكندر الاول بغتة في ديسمبر1825 فاغتنمت الجمعيات الثورية هذه الفرصة واولعت نار الثورة المعروفة باسم (مؤامرة ديسمبر) ولكن الحركة لم تكن منظمة فقضت عليها بضع طلقات واركعتها على ركبتيها ثم تم شنق بعض زعمائها.
اعلن نيقولاي نفسه امبراطورا في كانون الاول عام 1825، وقد استهلّ عمله بالقضاء على الثورة، وإعدام خمسة من قادتها، ونفي الآخرين إلى سيبريا، أو إيداعهم السجن.
لم ينس نيقولا الاول الذي خلف اسكندر الاول الثورة التي كانت فاتحة عهده بالملك لذلك عمل على ان لا يترك مجالا للحرية وان يحكم بكل شدة وطغيان فكان من اظلم الملوك الذين ورد ذكرهم في تاريخ روسيا .

اصلاحاته الداخلية :
نمّى نقولا الأوّل الجيش حتى استهلك نحو 40% من الموازنة، ، وحاول إدارة روسيا كما لو كانت وحدة عسكرية. وعلى الرغم من أنّ حرية الفكر كانت منتشرة بشكل واسعً، فقد عمل منذ عام 1826م على تأسيس «الفرع الثالث» الخاص بمكتب القيصر من أجل القضاء على الحركة الثورية، والمعارضة الجماهيرية، وملاحقة الأفكار التقدمية المتزايدة للمثقفين. وأنشأ شرطة سريّة لمنع أي نشاط معادٍ للحكومة. وعزّز الجهاز العسكري البيروقراطي، وركّز السلطات في يده، ووضع الصحف تحت الرقابة، واضطهد الكتّاب الروس، وسيطر على الجامعات، وطالب الجميع بالولاء للقيصر والكنيسة الأرثوذوكسية الشرقية والأمة الروسية. فعرف بحكمه القاسي، وتميّز عهده بالتنكيل الدموي للحركات المطالبة بالحرية، وحركات الاستقلال في المناطق البعيدة، ومطاردة اليهود، فكانت ضحايا حكمه الاستبدادي كثيرة، وحَكَمَ على كثير منهم بالنفي والأعمال الشاقة. وفي عهده تفاقمت أزمة نظام الرق الإقطاعي؛ لكنه بالمقابل أدخل العديد من الإصلاحات والتنظيمات الاجتماعية والاقتصادية. ففي عهده صدرت أوّل مجموعة قانونية روسية حديثة عام 1835م، وتمّت الموافقة على تحسين مستوى حياة الفلاحين العاملين في أراضي الدولة، مع الإشارة إلى واجباتهم، وعمل على إصلاح إدارة الدولة، ومع أنه كان حريصاً على عدم مسِّ مصالح طبقة النبلاء (الأشراف) بأذى، لا بل كان اتجاهه الأساسي في إدارة الحكم هو حرصه على ترسيخ دولة النبلاء الإقطاعيين، فإن تطور النظام الرأسمالي وضغط البرجوازية الناشئة، دفعته إلى التساهل والنزول عن كثير لمصلحة طبقة الصنّاع والتجّار (البرجوازية)، ففي سنة 1828م أنشأ مجلس مصانع النسيج، وافتتح معهداً تقنياً لتجهيز فنيين مختصين، نظموا فيما بعد معارض صناعية، ووافق على بناء سكة حديد روسيا.

سياسته الخارجية :
ركزت سياسة روسيا الخارجية في عهده على ثلاثة محاور: محاربة الدولة العثمانية، وقمع الحركات الثورية في أوربا، وتوسيع الإمبراطورية الروسية.
حاول نيقولا زيادة قوة روسيا في آسيا وجنوب شرقي أوروبا وخاضت روسيا في عهده عدة حروب ضد الدولة العثمانية، أوّلها: بين عامي 1828- 1829م حيث تمكنت الامبراطورية الروسية في عهد نيقولا الاول من إضعاف مواقع الدولة العثمانية في الحرب الروسية التركية 1828-1829 التي أسفرت عن الزام السلطان العثماني بالاعتراف باستقلال اليونان وبمنح الحكم الذاتي لصربيا. واعلنت روسيا نفسها راعية لرعايا السلطان المسيحيين ، وثانيتها: حرب القرم بين عامي 1853- 1856م. وفي كلتا الحربين تدخلت الدول الغربية وخاصة بريطانيا وفرنسا إلى جانب الأتراك لمنع روسيا من القضاء على الدولة العثمانية، وعدم السماح لها بالوصول إلى البحر المتوسط وتهديد مصالحهم. وفوق هذا كانت روسيا تدعم وتساند حركات التحرر الوطني في البلقان ضد السلطنة العثمانية.
اتسم نيقولاي الاول بمقاومته لروح التغيرات في اوروبا، لذا فانه قمع الثورتين البولندية عام 1831 والمجرية عام 1848 بكل شدة وكانت بولندا عندئذ جزءًا من الإمبراطورية الروسية الواسعة، وألغى الحكم الذاتي البولندي وتقسيم البلاد الى محافظات.
واستعد نيقولاي في مطلع الخمسينات من القرن التاسع عشر لتوجيه ضربة قاسية اخيرة الى الدولة العثمانية. وبدأت الحرب معها بالنصر اللامع للاسطول الروسي في خليج سينوب التركي والذي حققه الاميرال بافل ناخيموف.
وأثارت نجاحات روسيا العسكرية الاستياء لدى الغرب الذي لم يرغب في زيادة نفوذ روسيا في الشرق على حساب الدولة العثمانية المنهارة، مما شكل أساسا لتشكيل التحالف بين بريطانيا وفرنسا. وادت سياسة وزير الخارجية الروسي نيسيلرودي الى عزلة روسيا على الصعيد الدولي. ودخلت بريطانيا وفرنسا عام 1854 في الحرب ضد روسيا الى جانبالدولة العثمانية وقامتا بالانزال البحري في شبه جزيرة القرم وحاصرتا مدينة سواستوبول.

حرب القرم ( 1853 – 1856)
ترجع الأسباب العامة لهذه الحرب، التي قامت بين روسيا من ناحية والدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا وبيدمونت من ناحية أخرى،إلى المسألة الشرقية التي ظلت دون حل وكانت ذريعتها المباشرة النزاع بين روسيا وفرنسا حول الإشراف على الأماكن المقدسة بفلسطين، إذ تحدت فرنسا ادعاء روسيا حق الوصاية على تلك الأماكن. فحصلت 1852 من السلطان عبد المجيد على بعض الامتيازات للكنائس اللاتينية. ورفضت الدولة العثمانية 1853 المطالب المماثلة التي تقدمت بها روسيا وذلك بتأثير السفير الإنجليزي سترتفورد دي رادكليف. وفي حزيران 1853 ردت روسيا على ذلك الرفض باحتلال البغدان والأفلاق.
كما حاولت روسيا السيطرة على الأقاليم التابعة للدولة العثمانية مستغلة ضعف الدولة العثمانية، و فعرضت مشروعها التقسيمي على الدول الأوربية، متخذة من الدين ذريعة لإعلان الحرب على الدولة العثمانية الا ان هذه الدول رفضت ذلك .
كما كانت مصالح روسيا الجغرافية و المادية و الاستراتيجية تقتضي منها ضرورة سيطرتها على المضايق وتحديدا مضيقي البوسفور و الدردنيل -اللذان يمثلان المنفذ الوحيد لروسيا والممر الوحيد لسفنها نحو المياه الدافئة- إما عن طريق القضاء على الدولة العثمانية المالكة لهذه المضائق، أو التغلغل في أوصالها لتحريك سياساتها، أو على الأقل ضمان حرية المرور لسفنها التجارية و الحربية في كل الأوقات بهذه الممرات، و إغلاقها أمام السفن المعادية لروسيا.
بدات روسيا الحرب باحتلال إقليمي: الافلاق، و البغدان (رومانيا الحالية) التابعتين للدولة العثمانية عام 1853 م، وتقدمت جيوشه جنوبا أمام ضعف الجيش الإنكشاري الأمر الذي دفع بريطانيا وفرنسا إلى التدخل لحماية ممتلكات الدولة العثمانية ومن خلالها حماية مصالحهما، فأرسلتا أسطولا مشتركا إلى المياه العثمانية، ليقف إلى جانب الدولة العثمانية ضد التحدي الروسي. فتشجع الباب العالي و أعلن الحرب على روسيا في 4 نوفمبر 1853 م و لكن أسطوله انهزم في ميناء "سينوب" على البحر الأسود في 30 نوفمبر 1853 م على يد الأسطول الروسي، و عندئذ اقتحم أسطول الحلفاء البحر الأسود لمحاصرة القوات الروسية، و قامت فرنسا و انجلترا بإعلان الحرب على روسيا، و هاجمت القوات الروسية في " الأفلاق و البغدان " و أرغمتها على الانسحاب، ووضع الإقليمين تحت إدارة النمسا مؤقتا، و حاولت روسيا أن تستدرج قوات الحلفاء إلى داخل روسيا للقضاء عليها، و لكن الحلفاء تفطنوا للمكيدة و نقلوا الحرب إلى " شبه جزيرة القرم " اتجاه ميناء سيباستوبول ،حيث كان يرابط جزء من الجيش الروسي، فأرغموه على الانسحاب منها بعد هزيمته في معركة " ألما " في سبتمبر 1854 م ، ثم فرضوا حصارا على ميناء سيباستيول ، و انضمت مملكة بيدمونت إلى فرنسا وبريطانيا ضد روسيا لكسب عطف الدولتين إزاء تطلعاتها الوحدوية.
وفي ايلول 1855 تمكنت قوات الحلفاء من احتلال ميناء سيباستيول فاضطرت روسيا الى القبول بالصلح واجبرت على توقيع معاهدة باريس .




معاهدة باريس 1856 :
بعد سقوط ميناء سباستيول بفترة قصيرة توفي نيقولا الاول وخلفه الكسندر الثاني وكان اكثر اهتماما بأمور روسيا الداخلية ولذا قرر الموافقة على الدعوة الى مؤتمر سلام عقد في مدينة باريس وانتهى بمعاهدة الصلح التي تعرف بمعاهدة باريس عام 1856 ، وشاركت فيها فرنسا،
بريطانيا، الدولة العثمانية، بيدمونت، النمسا و روسيا، ومن اهم نصوصها النقاط الاتية :
1.منع روسيا من استخدام البحر الأسود لأغراض عسكرية و عدم السماح لسفنها الحربية بعبور
مضيق البوسفور و الدردنيل.
2. تنازل روسيا عن جنوب بسارابيا لرومانيا.
3. منح الاستقلال الذاتي للولايات العثمانية صربيا و رومانيا.
4. تعهد فرنسا و بريطانيا بضمان و حماية استقلال الدولة العثمانية ووحدتها.
5. حرية الملاحة في نهر الدانوب لجميع الدول الأوربية.

نتائج حرب القدم :
لا شك ان المطابع والمخاوف والنزعات القومية تعتبر من ضمن العوامل التي دفعت بالدول الى حرب القدم وقد كان من ابرز النتائج التي ترتبت عن هذه الحرب انها حطمت التحالف الروسي النمساوي الذي كان بمثابة الضمان للأنظمة التقليدية في اوربا فبعد سنة 1860 وجدت كل من ايطاليا والمانيا اوضاعا اكثر ملائمة لتحقيق الوحدتين الايطالية والالمانية .
ومن ناحية اخرى اصبحت روسيا بعد الحرب اكثر اهتماما بشؤونها الداخلية واهملت لفترة من الزمن شؤون القارة الاوربية اضافة الى ذلك فان البيان الذي صدر عن معاهدة باريس في سنة 1856 قد وضع الاسس والقواعد الدولية للحصار البحري وشروط حماية الدول المحايدة , ومن نتائج هذه الحرب من الناحية الطبية ظهور منظمة الصليب الاحمر التي تأسست رسميا بموجب اتفاقية جنيف .








رابعا : فرنسا بين (1815ــــ 1848)

اعيد لويس الثامن عشر الى عرش اجداده في فرنسا على اسنة حراب جيوش الحلفاء التي احتلت فرنسا فكانت بعيدة عن المجد والعز اللذين تتعطش اليهم الامة الفرنسية الا ان عودة الملكية الى فرنسا لم يؤد الى اعادة عجلة التاريخ الى الوراء خصوصا بعد درس حكم المائة يوم الذي اقنع لويس الثامن عشر واوربا انه لا بد من اتباع سياسة الموازنة بين الواقع ومتطلبات السياسة الجديدة وذلك لان التحول الذي اوجدته الثورة الفرنسية ونابليون كان عميق الجذور في المجتمع الفرنسي مما يصعب اعادة الامور الى ما كانت عليه من قبل سنة 1789 لهذا بقيت قوانين المساواة والحرية الشخصية سارية المفعول .

شارل العاشر وقيام ثورة تموز 1830:
اقدم شارل العاشر على حل البرلمان الفرنسي لرفضه فرض مزيد من الرقابة على اقدم الصحف وفي الانتخابات التي جرت سنة 1828 فاز تحالف الملكيين الدستوريين وبعض الاحرار والجمهوريين المعتدلين بالأغلبية ومع ذلك استمر شارل العاشر ينتهج سياسة متطرفة فعين كوليناك المعروف بعدائه للتحرر رئيسا للوزراء فحكم البلاد بلا برلمان لمدة سبعة شهور متحديا المعارضة العنيفة للغاية التي وقفت ضده وقد بدأت بوادر الثورة في الجلسة الاولى لمجلس النواب التي عقدها في 30 آذار 1830 حينما طالب المجلس المشاركة في الحكم ونزع الثقة عن الحكومة فغضب الملك وحل البرلمان لكن الانتخابات الجديدة اعطت نصرا قويا للأحرار وزاد عدد نوابهم في مجلس النواب ومع ذلك لم يكف شارل العاشر محاولاته في اعادة السلطة المطلقة لعرش ال يوريون وقد توزقع ان نجاح الغزو الفرنسي الاستعماري للجزائر سنة 1830 واقيلاء الحزينة الفرنسية الفارغة بحوالي خمسين مليون فرينك ذهبي سلبت من اموال الشعب العربي
في الجزائر سيمكنه من تنفيذ احلامه فتحدى المعارضة باصدار اربعة مراسيم في 25 تموز 1839 مضت بحل المجلس الجديد وتقيد حرية الصحافة وتعديل الانتخابات لصالح الفئات المساندة له وكان من الواضح ان شارك العاشر وبوليناك لم يبغيا من تعديل القانون رفض المطلب الخاص بتوسيع دائرة الناخبين وهو المطلب الذي كانت تتصاعد ويزداد شدة خلال تلك السنة بل انهما قصدا مؤتمر تمزيق الدستور ذاته .
ادركت المعارضة نوايا التوجه الجديد لشارل العاشر فكان الرد اندلعت الثورة في باريس يوم 27 تموز 1830 أي بعد يومين من صدور المراسم ودار قتال في شوارع باريس حتى 29 تموز احتلت الجماهير في نهاية قصر الملك شارل العاشر وسيطرت على العاصمة كلها وقد حاول الملك استرضاء الجماهير بالتراجع عن مدارسه الاربعة, لكن ذلك لم ينفع ما اضطر شارل العاشر الى الحرب الى خارج البلاد وقضي بذلك على حكم ال بوريون في فرنسا الى الابد .
حكيم لويس فيليب (1830ــ 1848)
لقد قررت باريس مصير فرنسا واختفى العلم الملكي الابيض قبل ان يستفيق انصار شارل العاشر في الاقاليم من غفوتهم فدعى دوق دورليان ليصبح ملكا باسم فيليب كان دورليان زعيما لعائلة اورليان العريقة وابن الدوق فيليب الذي ناصر الثورة الفرنسية منذ ايامها الاولى رغم قرايته للويس السادس عشر بل انه صوت في حينها الى جانب اعدامه قبل ان يفصل رأسه عن المفصلة في عهد الارهاب ومع ذلك بقي ابنه دوليان بعيدا عن اوساط المهاجرين فلم يتأمر معهم ولم يعاد الشعب او حكم الامبراطور وبقيت علاقته ممتازة بالأوساط التحررية بعد سقوط نابليون لقد كانت ثورة تموز 1830 اضربة خطيرة لمقررات اوربا في مؤتمر فينا , ففيها انهار جزء اساسي من النظام الاوربي وهم سلالة ال بوربون , ان حكم لويس فيليب في سنواته الاولى كان ناجحا في جلب الاستقرار الى فرنسا ووضع حد للشهوات الفرنسية في الثورة او المغامرة في حرب خارجية , ويعود هذا النجاح الى قرره لويس فيليب في ادارة دفة الحكم ووجود ساسة اذكياء تعاونوا معه في خدمة الدول مثل جيزو والذي اشتهر بايجاد نظام تعليم الدولة.
الا انه مع تقدم السنين ظهرت عوامل اضعفت حكم لويس فيليب منها ان نظام الحكم لم يكن جمهوريا ولا ملكيا , ولم تكن تحيط به تلك الابهة التي رآها الشعب الفرنسي عند اصحاب ايتجان . كما ان النظام كان باهتا لا يمتلك الصرامة وذلك الصبت الحذلي المجيد الذي تميز به نابليون بل عن العكس كانت سياسته الخارجية تمتاز بالتساهل والتسوية مع بريطانيا ورغبته في تجنب اية مخاطرات او مجازفات براقة من جانب اخر اغضب سياسة التعليم التي اعتمدت على مبادئ غير مذهبية ومما زاد في غضب الكنيسة ان حكومة فيليب لم تحفل بأمر رجال الدين تماما وفي مجال الحرية والانتخابات رفضت الحكومة اية مطالبة بتطوير واصلاح الانظمة الانتخابية.
وسط هذا التوتر السياسي العام واضطراب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية بدأت بوادر ثورة 1848 بباريس منذ صيف 1847 اخفق الاحرار في اجبار الحكومة على اعطاء بعض المنح فدعى زعيمهم بارد الى حملة جماهيرية في طول البلاد وعرضها للمطالبة بإصلاح وتوسيع دائرة حق الانتخابات لم تستجب الحكومة للمطالب ومنعت عقد مأدبة كان من المقرر اقامتها في 22 فبراير شباط 1848 ومنعت الاجتماعات السياسية مما ادى الى اصطدام القوات الحكومية مع الشعب ليلة 22ــ 23 شباط بباريس وتسقط عدد من الضحايا فتطور الامراء الى عصيان , وانتصب المتاريس في شوارع باريس وارتفع علم الثورة صبيحة يوم 23 شباط واستمر القتال الى اليوم التالي وتحصن الثوار المثقفين والعمال خلف المتاربس واستبدل الهتاف بالإصلاح الى الهتاف بالحياة الجمهورية.
خامسا : ايطاليا( 1815 ــ 1870 )

كانت ثورات وانتفاضات 1830 و1843 طريقا للوصول الى الوحدة القومية والحرية في الدول الاوربية غير الموحدة والتي كانت تتمثل فيها مقومات الامة في اللغة الواحدة والارض الواحدة والتاريخ المشترك والعادات والتقاليد والشعور بالمصير الواحد . وكلما نجحت الدول الاخرى في تحقيق حريتها او الاصلاحات الدستورية نجحت الامتان الايطالية والالمانية في تحقيق وحدتها وحريتها وكان لكل منهما طريقه الخاص الذي اظهر الى الوجود والى اول مرة في تاريخ اوربا الدولة القومية الحديثة التي تقوم على اساس الوحدة بعد التجزئة .

الدويلات الإيطالية
كانت ايطاليا في عام 1789 وقبل اشتعال الثورة الفرنسية الكبرى مقسمة الى عدة امارات مثل:
1. ممالك ــ مملكة نابولي ــ مملكة بيدمونت
2. دوقيات مثل : ميلان , ووسكانية , بارما , فيورنتينا , لوكا
3. جمهوريات مثل , البندقية ,. جنوى , دومانكو , سان مارينو
4. الولايات البابوية ـ منطقة المارشى , واميريا ،ورومانا
وهكذا كانت ايطاليا حتى ذلك العهد مقطعة الاوصال يقف دون تحقيق وحدتها عدة عوامل منها وجود اسرة نمساوية في الشمال وملوك ال بوربون الاسبان في الجنوب ورغبة البابا كرئيس ديني للحفاظ على سلطاته الدنيوية وتفكك الإيطاليين السياسي والمنافسة القديمة بين الإيطاليين .
وما كادت الثورة الفرنسية تشتعل وتنشر افكارها عن الحرية والمساواة والاخاء حتى اثر ذلك في ايطاليا بل خطا بها الخطوة الاولى في سبيل وحدتها القومية لا سيما في عهد نابليون حيث قضى على الولايات العديدة التي كانت قائمة بها واوجد ثلاث ممالك هي:
1. مملكة ايطاليا 1805 وكانت تشتمل لمبارديا والبندقية والجزء الشمالي من ساحل الادرياتيك كان هو ملكا عليها ثم جعل يوحنا بوهاتية ابن زوجته نائبا عنه.
2. مملكة نابولي1806 وشملت الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة وحكمها جوزيف بونابرت ثم مورا صهر نابليون.
3. مملكة بيرمنت شملت جزءا كبيرا من الساحل الغربي لشبه الجزيرة وضمت الى فرنسا في المدة 1802ــ 1809
ويعتبر نابليون احد الذين انشأوا ايطاليا الحديثة, حيث نبه الإيطاليين الى اهمية الحكومة الصالحة بطرد الحكام القدامى واقامته نظام اداري صالح ساوى فيه بين المجتمع مما اثار في نفوس الايطاليين الرغبة القومية في تأليف امة قوية موحدة بحيث يمكن القول ان نظم قواعد الحياة القومية في ايطاليا قد وجدت اثناء الاحتلال الفرنسي كذلك كان من اثار نابليون الحسنة على ايطاليا ان يقضي على بقايا الاقطاع وحد من سلطة الكنيسة وجعل البابا رئيسا دينيا فقط , وليس سياسيا واصلح قوانين النظم الا ان الدول المجتمعة في فيينا في 1815 لم تراع هذه التطورات , واعادت النظام القديم في كل الولايات والامارات, حيث اعاد مؤتمر فيينا تقسيم ايطاليا الى عشرة اقسام لا يوجد من بينها قسم قوي يستطيع السيطرة على بقية الاقسام الاخرى , ويوحد ايطاليا وارتبطت معظم هذه الاقسام بالنمسا التي اصبحت صاحبة النفوذ الاكبر في ايطاليا.

الجمعيات الايطالية
ثورات الكاربوناري :
كان الشعب الأيطالي بعد ان هزت مشاعره مبادئ الثورة الفرنسية , احس بمزايا الوحدة , لم يقبل للخضوع لحالة التمزق , وفي مواجهة بطش الحكومات المتحالفة معا النمسا , لجأ الشعب الأيطالي إلي تكوين الجمعيات السرية التي تسعى إلي تحقيق أهدافه القومية , من اشهر هذه الجمعيات جمعية الكاربوناري أي حارقو الفحم وهي جمعية سرية تشبه في مراسمها وتشكيلاتها تشكيلات الماسونية , وظهرت في نابولي و في سنة 1820 تمكن الكاريوناري من اشعال الثورة في نابولي و ارغمت الملك على انشاء دستور جديد و سرعان ما انتقلت إلي بيدمونت و جعلت الملك يتانزل عن حكمه لولي عهده و لكن تحركة جيوش النمسا و سرعان ما استعادت زمام الامور وأخمدت نيران الثورة في كل مكان .وعلى اثر قيام ثورة سنة 1830 في فرنسا تجددت ثورات الكاربوناري , و تركزت في الولايات الباباوية و دوقيات الوسط , و تمكن الثوار من السيطرة على بعض هذه الدوقيات لكن سرعان ما ان تحرك الجيش النمساوي وقضى على تجمعاتهم , ولم تقدم فرنسا بعد نجاح الثورة فيها على المساعدة التي كان ينتظرونها الأيطاليين لكن ساعدت في قمع الثورة بعد تجددها في الولايات البابوية في عام 1832 .
وكان سبب فشل ثورات الكاربوناري ترجع اخفاقها بسبب عدم انتشارها بين صفوف الشعب و طبقاته المختلفه , و أيضاًعدم وضو أفكارها .

جمعية إيطاليا الفتاة :
ومن بين اعضاء الكاربوناري السابقين برزت شخصية جوزيف ماتزيني (1805-1782) الذي كرس حياته لتحقيق الوحدة الأيطالية, وتعرض في سبيل ذالك إلي السجن و النفي و صدر عليه حكم غيابي بالأعدام و اسس ماتزيني 1831 وهو في المنفى في مارسيليا جمعية أيطاليا الفتاة , و اشعل في قلوب مواطنيهنار الوطنية وزودهم بقوة الأمل بأن ((أيطاليا ملكة العالم , و ارض دانتي , مركز الباباوية , مهد النهضة ,ومبعث النور و الحرية لن تموت , بل ستبعث و تعيد سيرتها الأولى)) و قال ذالك لن يحدث إلى إذا قدم الأيطاليون ارواحهم فداء للوطن و عانوا من النفي و السجن بسبب المعتدي الغاصب النمسا و حدد ماتزيني الهدف الذي يسعى إليه وهو إقامة الجمهورية في إيطاليا الموحدة .
وهكذا لم تكن إيطاليا الفتاة مجرد حزب او جمعية إنما كانت روح سرت في إيطاليا بعثت فيها الحيوية و الأقدام و لهذا اطلق على ماتزيني (روح الثورة الايطالية ونبي الوحدة الايطالية ).
إلي جانب إيطالية الفتاة ظهرت بعض الأحزاب الأخرى التي سعت أيضاً إلي توحيد إيطاليا و النهوض بأبنائها , وان اختلفت
في ايطاليا الفتاة عن عدم ايمانها بالاتجاه الجمهوري ومن أهم هذه الاحزاب:
الحزب الباباوي الاتحادي: الذي تزعمه البابا بيوس التاسع الذي قام بإطلاق سراح المعتقليين السياسين , ووافق على انشاء مجلس استشاري من العلماننين , و جيش اهلي يحل محل المرتزقه , و انشأ مجلساً بلدياً لمدينة روما , وساوى القساوسة بالأهالي في دفع الضرائب و قد ازعجت هذه الأصلاحات طاغيت النمسا مترنيخ و صرح قائلاً : لقد كنا نتوقع كل شيء ماعدا ظهور بابا حر , و الأن قد ظهر فلا حد لما سنراه في المستقبل .
الحزب الملكي : الذي تزعمه المللك شارل البرت بيدمونت منذ 1831 و هو الذي اخذ يتجاوب معا الحركات الحرة ووافق على مراجعة القانون الجنائي وتخفيض الرقابة على المطبوعات , و تعديل قانون الأجتماعات العامة , واعلن استعداده لخوض حرب ضد النمسا لتحرير إيطاليا .

ثورة 1848 والحرب مع النمسا

اندلعت ثورات عام 1848 في أماكن عديدة من إيطاليا و كذلك في أجزاء أخرى كثيرة من أوروبا. نتيجة لذلك اضطر تشارلز ألبرت ملك بيدمونت و ليوبولدو الثاني دوق توسكانا الأكبر لتقديم تنازلات للديموقراطيين. شملت الثورات فيينا نفسها، و ميلانو (خمسة أيام من ميلان) و البندقية (جمهورية سان ماركو، التي أعاد النمساويون السيطرة عليها في 1849) المدينتان الرئيسيتان في مملكة لومبارديا فينيشيا التابعة حينها للحكم النمساوي. طردت الثورة في صقلية (عدا ميسينا) جيوش البوربون. كما اضطر تشارلز الثاني من البوربون أيضاً لمغادرة دوقية بارما.
قررت مملكة سردينيا استغلال ما يبدو لحظة مواتية و أعلنت الحرب على النمسا في تحالف مع الولايات البابوية و مملكة الصقليتين و هاجموا ممتلكات النمسا الضعيفة في إيطاليا.
نجم عن الحرب فشل سردينيا في هزيمة النمسا بمفردها. دفع هذا سردينيا إلى التماس حلفاء ضد النمسا، و وجدت مبتغاها في فرنسا (1859) و بروسيا في (1866) حيث تمكنت في النهاية من طرد النمساويين من شمال إيطاليا.

2- مملكة سردينيا وتحقيق الوحدة الإيطالية
ظلت مملكة سردينيا او بيدمونت معقد الآمال في تحقيق الغاية العظمى للإيطاليين وهي الوحدة القومية ، وقد توفرت لهذه المملكة عدة عوامل جعلتها في مركز أفضل من سائر الولايات الإيطالية لتحمل هذه المسؤولية :
1)- فعلى الرغم من هزيمتها كانت تملك جيشا حسن التنظيم والقيادة .
2)- كان لها دستور يقوم على المبادئ الحرة .
3) ظهرت فيها شخصية سياسية فذة هي شخصية (كافور) الذي استطاع أن يوفر لها الخطط والأسباب التي جمعت إيطاليا في النهاية في وحدتها المنشودة ، واتبع في سياسته الخطوات التالية:
* اعتنى كافور بالناحية الإقتصادية للإمارة ، فطور الصناعة والزراعة ، وفرض الضرائب على
ممتلكات الكنيسة ، ودعم الحياة النيابية ، وحرر القوانين من التقاليد الدينية ، ووضع ميزانية ، واهتم بإصلاح الطرق ومد السكك الحديدية ، وأبرم سلسلة من المعاهدات التجارية مع بعض البلدان .
* إعتنى بالناحية العسكرية ، فدرب الجيش وسلحه ونظمه وطور أساليبه الحربية وفقا للتطورات الجديدة .
* اهتم بإيجاد حلفاء له يقفون إلى جانبه عندما يحين الوقت لمحاربة النمسا ، فاشترك بجيوشه في حرب القرم( 1854 م- 1856 م) ضد روسيا ، وضمن بذلك صداقة فرنسا وانجلترا .
* استمال إليه نابليون بعد وقوفه إلى جانب فرنسا في مؤتمر الصلح 1856 م ، واتفق معه في بلومبير1858 قرب الحدود الفرنسية أن تقف إلى جانبه فرنسا ضد النمسا و فق الشروط التالية بعد الإنتصار :
- تضم لمبارديا والبندقية إلى بيدمونت ، وتكون منها مملكة إيطالية .
- تبقى الولايات الوسطى والجنوبية و أملاك البابا مستقلة .
- يكون إتحاد إيطالي من كل الولايات تحت زعامة البابا .
- ضم سافوا و نيس إلى فرنسا .

حروب الوحدة:
1)- الحرب ضد النمسا :
أخذ كافور يقوي الجيش ويمده بالأسلحة ، ويقوم بمناورات على الحدود ، فأثار ذلك النمسا ضده ،وأرسلت إليه إنذار بتجريد الجيش من السلاح ، فرفض كافور ، وأعلنت النمسا الحرب عليه في 1859م فوقفت فرنسا إلى جانب بيدمونت ، وتوالت هزائم النمسا ، وفجأة توقف نابليون عن مواصلة الحرب ، وعقدت هدنة مؤقتة ثم أبرم صلح بين الفريقين المتحاربين في (زيوريخ) بدون رضا كافور نص على ما يلي :
* تنازل النمسا لبيدمونت عن مقاطعة لمبارديا فقط على أن تحتفظ بالبندقية .
* يتنازل نابليون عن نصيبه في سافوي ونيس .
* اضطر ملك بيدمونت إلى الرضوخ للأمر الواقع ، واعتبر ذلك إهانة له، فاستقال من منصبه ، غيرأنه سرعان ما عاد إليه بعد أن تبينت له حكمة الملك (ايما نويل الثاني) ، ورأى أن المعاهدة لا تحول دون الوصول إلى هدفه خاصة بعد إجماع السكان على الانضمام إلى بيدمونت.
2) حركة غاريبالدي وانضمام الجنوب :
كانت الخطوة التالية إلى الوحدة الإيطالية هي ض م (نابولي) وقد قام بذلك غاريبالدي الذي استماله كافور وأمده بالمال والسلاح فكون لنفسه جيشا عرف (بذوي القمصان الحم ر ) ، اتجه إلى مساندة الثورة التي قامت في (بالرمو) عاصمة صقلية سنة 1860 م وهزم ملك نابلي و صقلية و سيطر على الجزيرة ، ثم قطع مضيق مسينا إلى نابلي نفسها واستولى على عاصمتها بسهولة ، وهناك وافاه ملك بيدمونت (ايمانويل الثاني ) بجيشه و قرر شعب الإمارة بالإجماع الانضمام إلى بيدمونت ثم نصب ايمانويل الثاني نفسه ملكا إيطاليا الموحدة.
د- قيام الوحدة :
لم يبق من الولايات الإيطالية خارجا عن نطاق الوحدة إلا: البندقية وروما.وكلاهما تمثل مشكلة وتتطلب جهدا وعناء ، ويتوقف ضمهما على التغيرات التي تطرأ على التوازن الدولى في أوروبا .وعندما قامت الحرب بين النمسا وبروسيا عام 1866 م.
إستغلت إيطاليا الفرصة وضمت البندقية إليها ، وعند قيام الحرب بين بروسيا وفرنسا 1870 م.
إستغلت إيطاليا الفرصة وضمت روما ، وحولت إلى عاصمة إيطاليا استجابة لرغبة الشعب.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .