ظهرت الإمبراطورية الفرنسية إلى الوجود مع تتويج نابليون بونابرت إمبراطوراً لفرنسا في الثاني من كانون الأول سنة 1804 . وقد مهدت لظهور الامبرطورية النابليونية عوامل داخلية وخارجية تتعلق بالعلاقة مع بريطانيا والمؤامرات الداخلية التي دبرت لاغتيال نابليون والتخلص منه
:-
1
-العوامل الخارجية :
-
ترتبط العوامل الخارجية بعدم التزام كل من بريطانيا وفرنسا بصلح أميان حيث بدأ كل فريق يتصرف وفق مصالحه الخاصة دون الاهتمام بمعاهدة الصلح ففي مجال الاقتصاد وضع نابليون العراقيل أمام دخول البضائع البريطانية إلى الأسواق الفرنسية والمناطق الخاضعة له ، وعمل بالمقابل على تنمية وتطوير الصناعة الفرنسية مما كان يشكل تهديداً للمصالح البريطانية في الأسواق العالمية لان بريطانيا كانت من اكبر الدول المصدرة للمنتوجات الصناعية . أما في مجال الاستعمار والسيطرة فقد أظهرت تحركات نابليون لبريطانيا عن تصميمه لتحويا موازين القوى في أوريا والشرق لصالح فرنسا حيث بدأ يتطلع لترسيخ أقدام فرنسا في مستعمرات ما وراء البحار وركز على علاقاته بالشرق فكان يرسل الوفود إلى الباب العالي في الدولة العثمانية كما أغاظ الانكليز عندما أرسل الجنرال سبستياني في مهمة إلى مصر حيث لقيت زيارته حماساً كبيراً وتهليلاً في صحافة فرنسا وقد كتب في إحدى الصحف عند عودته عن حب الشرق ومودته للفرنسيين وسهولة إعادة فتح مصر . كما عقد نابليون معاهدات صداقة مع طرابلس الغرب وتونس والجزائر مما دفع بريطانيا إلى عدم تطبيق ما ورد في صلح أميان بتخليها عن جزيرة مالطة ، لقد وجدت بريطانيا في بقائها في هذه الجزيرة ضرورة عسكرية وإستراتيجية مهمة لإحباط مخطط نابليون التوسعي في البحر المتوسط خصوصاً وان التعليمات السرية التي أصدرها نابليون لأحد قادته العسكريين (الجنرال ديكاين) أظهرت إن المشروع الخاص بالتوسع الفرنسي في الهند قد تم إعداده يضاف إلى هذا كله تحركاته في أوربا نفسها حيث ضم العديد من المناطق في ايطاليا وسويسرا وغيرها ورفض الجلاء عن هولندا وأبقى فيها حامية فرنسية دائمة عززت عن موقفه في بلجيكا التي لا تبعد غير أميال معدودة عن المرافئ البريطانية ، لقد تفجرت الأزمة بشكل واضح حين طلب الفرنسيون في فبراير –شباط 1803 من الانكليز الجلاء عن مالطة فأجابهم الانكليز بمطالبتهم بالجلاء عن هولندا وسويسرا . ان التوتر الذي عاشته فرنسا من جراء هذه التطورات والتي استهدفت تحدي فرنسا في شخص نابليون قد دفعت الفرنسيين إلى التفكير بتعزيز مكانة نابليون بإعلانه إمبراطوراً تخلصاً من المحاولات البريطانية في إعادة آل بوربون إلى الحكم حيث أصبحت مقراً للمهاجرين الفرنسيين الذين اتخذوا من بريطانيا قاعدة لهم لمهاجمة نابليون في الصحف وفي التآمر على حياته .
2
-العوامل الداخلية
:-
ترتبط العوامل الداخلية بشكل أو بآخر بالعوامل الخارجية التي دفعت إلى إعلان الإمبراطورية من ناحية أن بريطانيا أصبحت مركز التجمعات الفرنسية المعادية لنابليون ومنطلقا لتدبير المؤامرات هذه ، من جانب آخر كان الشعب الفرنسي يريد حكم نابليون الذي جلب له مكاسب كثيرة وكان يرى ضرورة حمايته من أخطار الكائدين له من اليعاقبة والملكيين ، تلك الأخطار ظهرت بشكل مؤامرات لاغتياله إما بإلقاء القنابل عليه أو بمحاولة اغتياله بهجمة مباغتة مسلمة كتلك التي دبرها الملكيون سنة 1800 وأخفقت في إصابة هدفها . وفي سنة 1803 كشف النقاب في باريس عن مؤامرة محكمة واسعة خطط لها أحد زعماء الملكيين الذي كان يقيم في انكلترا وله صلات وثيقة مع الوزراء والمتنفذين البريطانيين وهو الكونت لقد كان هدف المؤامرة اختطاف نابليون أو قتله إذا تعذر ذلك والقضاء على نظام والعودة بفرنسا إلى النظام الملكي ومما أشار اشمئزاز الشعب الفرنسي وفزعه إن بعض من مشاهير قادة الجمهوريين كانوا ضالعين في المؤامرة وهم أصحاب مراكز سياسية وحكومية عليا مثل فورا وبشجرد اللذين كانا من اقرب آل بوربون لتسلم العرش ونزل المتآمر الأول كادوال على الساحل الفرنسي في بريطانيا حيث بقي مدة طويلة يهيئ للانقلاب قبل اعتقاله وكان له أعوان كثيرون ساعدوه في إقامته على الساحل .
لقد كسفت هذه الإحداث لنابليون وللشعب الفرنسي جسامة الخطر المحدق بنظام فرنسا ، وقد وجد الجميع بما فيهم الجمهوريين من مؤيدي نابليون أن أفضل من قطع دابر المؤامرات ولتقوية النظام هو في جعل الحكم وراثياً مما يفقد الملكيين كل أمل في استعادة العرش . ويوقف بريطانيا وتدخلها في شؤون فرنسا الداخلية عند مدها إلا إن نابليون لم يكن يرغب بأن يصبح ملكاً يرث عرش آل بوربون فيتشبه بهم بل أراد أن يتشبه بشارلمان فيتوسع سلطانه إلى خارج حدود فرنسا وليصبح إمبراطوراً تخضع له أوروبا وهكذا ، وفي سنة 1804 وافق مجلس التربيون على مقترح من احد أعضائه في إدخال المبدأ الوراثي في الحكم ، وفي آيار من السنة نفسها منح مجلس الشيوخ نابليون اللقب فصوت 99% منهم لصالحه وقد توجه البابا بيوس الثاني عشر إمبراطورا في الثاني من شهر كانون الأول من عام 1804 في كنيسة نوتردام . ثم قام نابليون في حفل التتويج نفسه بوضع التاج على رأس زوجته جوزفين ، وقد خلدت هذه المناسبة إحدى اللوحات الزيتية الرائعة الموجودة حاليا في متحف اللوفر بباريس .
سقوط نابليون
كان نابليون من الشخصيات المهمة والبارزة التي ظهرت في التاريخ وكان له كثير من المعجبين والمحبين مثلما كان له العديد من الخصوم والكارهين . لقد امتاز نابليون بنبوغه العسكري وقيادته البارعة ونشاطه المتناهي مما ساعده على تحقيق طموحاته في التوسع وتكوين شهرة عالمية . لقد كان في معاركه الأولى مطمع أنظار الجماهير التي وجدت فيه محرراً لها من حكامها المستبدين ، إلا انه سرعان ما خيب آمالها عندما تحول الى حاكم مستبد ، ومع كل هذه المزايا الشخصية المهمة فقد كانت له أخطاؤه التي سببت سقوطه ويمكن تلخيص تلك الأسباب بما يأتي :-
1-
كان نابليون شديد الاعتماد على نفسه مؤمنا بذاته بحيث وصل إلى مرحلة أخذ يشك بأقدر رجاله الذين كانوا موضع ثقته أمثال تاليران وزير خارجيته وفوشيه وزير داخليته ، فكان يتخلص من أية شخصية تبرز في ميدان السياسة بفرنسا خوفاً من منافسته ، إلا إن الاعتماد على النفس بهذه الطريقة لم يكن من إدارة شؤون الدولة بعد أن أصبحت إمبراطورية تمتد من نهر البوفي في ايطاليا إلى البحر الشمالي ومن جبال البرانس وأملاك البابا إلى الراين . وإذا كان نابليون يمتلك موهبة فذة وكفاءة نادرة فان ذلك لا يكفي لإدارة الأمور على الوجه الأكمل بنفسه .
2-
حمل نابليون الشعوب الخاضعة له أكثر مما تتحمل ، فقد استنفذت حروبه الكثير من أموالها ورجالها ، وإذا كان جيشه الفرنسي يمتلك في بداية الأمر روح الحماسة والإيمان فإنها قد تحولت فيما بعد إلى روح الغطرسة والأنانية في معاملة الشعوب الأخرى ، وعندما طالت الحرب دب التذمر في جيشه وانعدمت الحماسة ومما ساعد على ذلك أن الجيش يضم العديد من الجنسيات الأوربية بعد إقامة إمبراطوريته .
3-
كان الحصار القاري من العوامل المهمة في سقوط نابليون حيث نفر منه الأوربيون وعانى منه الفرنسيون ، وغالى نابليون في استعمال القوة التطبيقية إلى الحد الذي أدى الى اصطدامه بحليفه قيصر روسيا فكانت الضربة القاضية لنابليون في حملته على روسيا .
4-
الانتفاضات القومية ضد نابليون وتطرف نابليون في مقاومته لتلك الروح التي بشرت بمبادئ الثورة الفرنسية وقد ظهر ذلك واضحاً في اسبانيا التي ثارت عليه حتى تحررت سنة 1813 وبروسيا التي تحالفت مع الروس للقضاء عليه لقد بشر نابليون الشعوب الأخرى بمبادئ الحرية والآخاء والمساواة ثم طلب منها أن تخضع له ولم يكن من الممكن التوفيق بين الاثنين .
5-لم يأبه نابليون لمشاعر الشعوب الأخرى في منحه على الأقل حكما ذاتياً بل عمل على توزيع التيجان الأوربية على أقاربه بعد ان صار امبراطوراً لأوروبا وملكاً على ايطاليا ، فوضع أوجين ابن زوجته جوزفين حاكماً على فينيسيا وعين شقيقه جوزيف حاكماً على نابولي ثم ملكاً على وستفاليا ونصب شقشقته أليز أميرة على توسكانيا في ايطاليا ، فكان حكم عائلته نابليون عاملاً في سخط الشعوب عليه