انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

تاريخ العرب القديم/ مملكة الحيرة

الكلية كلية التربية الاساسية     القسم قسم الجغرافية     المرحلة 1
أستاذ المادة قيس حاتم هاني الجنابي       10/03/2019 19:46:10
مملكة الحيرة
الموقع والتسمية:
تقع الحيرة في ضمن منطقة السهل الرسوبي لبلاد ما بين النهرين عند الأطراف الشمالية الغربية لبادية السماوة، وهي تبعد عن مسافة (15كم) إلى الجنوب الغربي من مدينة الكوفة، ونحو (10كم) جنوب شرقي النجف، نشأت مدينة الحيرة في منطقة سهلة منبسطة على حافة البادية، وفيما بين نهر الفرات و(بحر النجف( ))، وذكر (الحموي) أن الحيرة: ((مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على موضع يقال له النجف زعموا أن بحر فارس كان يتصل به . . . ويقال لها الحيرة الروحاء))، ويتميز موقع الحيرة بميزات رائعة يصفها (القلقشدي): ((بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها تصلح للخف والظلف … محل الملوك ومزارهم ومسكنهم ومثواهم)).
أما التسمية فقد وردت فيها آراء عديدة، فمنهم من قال أنها سميت الحيرة لان تبعاً الأكبر لما قصد خراسان خلف ضعافاً ومرضى جنده بذلك الموضع، وقال لهم حيروا به أي أقيموا به، أو أنها سميت الحيرة لأن تبعاً لما أقبل بجيوشه فبلغ موضع الحيرة ضلَّ دليله وتحير فسميت الحيرة، وأورد (الحموي) رواية مفادها أن الاردوان وهو أحد ملوك النبط قد بنى حيراً فأنزله من أعانه من العرب في حربه ضد الملك الفارسي أردشير، فسمي ذلك الحير الحيرة، وهناك من يرى أن التسمية جاءت من الـ(حير) وهو الموضع المطمئن الوسط المرتفع الحروف، وسميت بالحيرة البيضاء لحسنها، وهناك رأي هو أن التسمية مشتقة من كلمة حرتا Harta الآرامية أو حيرتو السريانية، وكلا الكلمتان تعنيان المخيم أو المعسكر أو المقام.

السكان:
وسكن هذه المنطقة قبائل عربية مختلفة هاجرت إليها منذ أزمان بعيدة، كان في مقدمتها هجرت الأكديين الذين أسسوا أول دولة مركزية موسعة في التاريخ، ثم أعقبتها هجرات عربية كبيرة أخرى، وكان من نتائجها نشوء دولة المناذرة.
كان أغلب سكان هذه المنطقة من العرب، من سكان الحيرة أيضاً (النبط) وهم بقايا الكلدانيين والسريان، وكانوا يمتهنون الزراعة وتربية الحيوانات، ويسكنون القرى، فضلاً عن اليهود الذين هم من بقايا السبي البابلي، واستقروا في المنطقة، وشيدوا المدارس، وكان لجاليتهم رئيس خاص يدعى (رأس جالوتا).
ويقسم المؤرخون العرب سكان هذه المنطقة على ثلاث أقسام هي: تنوخ والعباد والأحلاف فضلاً عن شرائح اجتماعية أخرى، وتنوخ كانوا أصحاب المظال وبيوت الشعر ينزلون غربي الفرات فيما بين الحيرة والأنبار فما فوقها، ولا ينزلون بيوت المدر، وكانوا يسمون عرب الضاحية، ويعتقد أن المقصود بتنوخ هم من كان يشتغل بالزراعة ومن كان يعيش عيشة البادية من سكان المنطقة المحصورة بين الحيرة والأنبار، ولم يقصد بها قبيلة معينة، أما العباد فهم الذين سكنوا الحيرة وابتنوا بها، وهم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية بالحيرة، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد وقالوا نحن العباد، وقد اختلف المؤرخون العرب في رأيان في سبب هذه التسمية، فمنهم من رأى أن التسمية جاءت لرفعهم شعار (يا لعباد الله) في أثناء حربهم ضد سابور ذو الأكتاف، فسموا العباد، والرأي الثاني هو أن معظم أسمائهم تبدأ بكلمة (عبد)، أما الأحلاف فهم الذين لحقوا بأهل الحيرة ونزلوا فيها، وهم ليسوا من تنوخ ولا من العباد، وكانت هذه القبائل تتجول في أطراف الحيرة وأحياناً تستقر فيها، ويتوقف عددهم على قوة المناذرة وامتداد حكمهم.

اقتصاد المناذرة:
كان لتوافر المياه والتربة الصالحة للزراعة في بلاد ما بين النهرين أثر بالغ في توافر المنتجات الزراعية بمختلف أنواعها، وقد صدرت الحيرة الفائض من منتجاتها الزراعية، وقد تمتعت بلاد ما بين النهرين بموقع إستراتيجي، فبلاد ما بين النهرين بموقعها المتميز بين قارات العالم القديم جعل منه جسراً لعبور التجارة بين الشرق والغرب، وكان لازدياد طلب البيزنطيين على بضائع الشرق لاسيما البضائع الهندية وبضائع جنوب شبه جزيرة العرب، أثر في بروز دور بلاد ما بين النهرين كحلقة وصل مهمة تربط موانئ البحر المتوسط بالهند في عصر لم يعرف فيه رأس الرجاء الصالح، فضلاً عن سهولة التنقل في أرضه، فكانت الحيرة محطة مهمة من محطات التجارة العالمية التي تمر ببلاد ما بين النهرين، الأمر الذي كان له أثر بارز في الرقي الحضاري والانتعاش الاقتصادي.
وقد اشتهر نصارى الحيرة الذين يعرفون بـ(العباديين) بمهنة الصيرفة، والمعروف أن سكان بلاد ما بين النهرين تعاملوا بالدراهم الفضية الفارسية قبل الإسلام، في حين تعامل سكان سوريا بالدنانير الذهبية البيزنطية، إلا أن ذلك لا يعني اقتصار تعامل أهل الحيرة على النقود الفضية بل تعاملوا كذلك بالنقود الذهبية، واستعملوا العملة النحاسية وأطلقوا عليها اسم (نميا) و(فلوس).
الأحوال السياسية في الحيرة:
يكتنف الكثير من الغموض تاريخ الحيرة السياسي قبل الميلاد، لنقص لكتابات التي تشير إلى زمن تأسيس الحيرة، وقد وردت إشارات عابرة في المصادر العربية ترجع زمن تأسيس الحيرة إلى الملك البابلي (بختنصر) (نبوخذنصر الثاني) (604-562ق.م) الذي جلب القبائل العربية وبنى لهم حيراً على النجف وحصنه ثم ضمهم فيه، والمعلومات عن الحيرة تصبح أكثر وضوحاً بعد الميلاد، حيث تشير إلى تولي المناذرة حكم منطقة الحيرة، وقد سميت بدولة المناذرة نسبة إلى أسماء بعض ملوكها ممن اسمه (المنذر)، وتشير المصادر إلى تولي سلالتين عربيتين السيادة في غربي الفرات بصورة عامة ومنطقة الحيرة بصورة خاصة، وهاتان السلالتان هما: السلالة التنوخية والسلالة اللخمية.
وأجمعت المصادر العربية على أن: التنوخيون هم مزيج من قبائل عدة اجتمعت بالبحرين وتحالفوا على التنوخ (الإقامة) وتعاقدوا على الوحدة فيما بينهم تحت اسم تنوخ، ثم ارتحلوا بعد ذلك إلى العراق وأقاموا فيه وكانت منازلهم فيما بين الحيرة والأنبار وبقة وهيت وناحيتها وعين التمر وأطراف البر وما والاها، أما اللخميين فنسبة إلى لخم وهي قبيلة من اليمن من آل عمرو بن عدى ابن نصر اللخمى.
نشأت دولة المناذرة أيام حكم الفرس الساسانيون للعراق، إذ كانت القرى والمزارع التابعة للساسانيبن على حافة الصحراء الغربية تتعرض من حين لآخر لغارات القبائل العربية البدوية، فشعر الساسانيون بحاجة إلى عرب يملكونهم على ثغور العراق يصدوا غارات البدو، فملكوا اللخميون على الأطراف الغربية للسواد، وبنى اللخميون في هذه المنطقة عددا من المدن أو القرى والقلاع أهمها الحيرة على حافة الصحراء الغربية.
وكان أول ملك تنوخي هو مالك بن فهم الأزدي، وكان منزله مما يلي الأنبار، خلفه أخوه عمرو بن فهم الأزدي، ثم جذيمة بن مالك بن فهم الأزدي المعروف بالأبرش، يلقب كذلك بـ(الوضاح) لبرص كان فيه، ويعد أشهر ملوك هذه السلالة، حيث امتدت سيادته على نواح كثيرة في العراق، كما غزا طسم وجديس ومنازلهم في اليمامة، وحاول أن يمد نفوذه إلى منطقة البحرين جنوباً، وإلى بادية الشام غرباً، وذكر (القلقشندي) أن جذيمة أول من جلس على السرير من ملوك العرب، وأول من احتذى النعال من العرب، وأول من اتخذ المنجنيق من العرب، وانتهت حياة جذيمة على يد الزباء.
وبعد مقتل جذيمة يبدأ حكم السلالة اللخمية (آل لخم)، وتسمى هذه السلالة آل نصر أيضاً، حيث خلفه ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عمم بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب بعد أن كان ملوك التنوخيين لا يستقرون في مدينة، ومن أشهر الملوك الذين جاءوا من بعده الملك النعمان الأول بن امرئ القيس(403-413م)، وقد عرف هذا الملك باسم (النعمان الأعور)، وذكرت المصادر العربية أنه كان من اشد ملوك العرب نكاية في أعدائه، غزا الشام مراراً وأكثر من المصائب في أهلها وسبى وغنم، ويذكرون أيضاً أنه جند الجند على نظام خاص عرف به، فكان عنده من الجيش كتايبتان: الأولى اسمها (الشهباء)(لأن رجالها كانوا بيض الوجوه) وهي مؤلفة من رجال الفرس، والثانية من عرب تنوخ اسمها (الدوسر)، فكان يغزو بهما من لا يدين له من العرب، فضلاً ًعن ثلاث كتائب أخرى هي: (الرهائن) وكانوا خمسمئة رجل رهائن العرب يقيمون على باب الملك سنة ثم يحل محلهم خمسمئة آخرون في فصل الربيع، و(الصنائع) وهم بنو قيس وبنو تيم اللآت ابني ثعلبة، وكانوا خواص الملك لا يبرحون بابه، و(الوضائع) وكانوا ألف رجل من الفرس يضعهم ملك فارس في الحيرة نجدة لملوك العرب، وكانوا يرابطون سنة ثم ينصرفون ويأتي مكانهم ألف جدد، واهتم هذا الملك بالبناء والعمران، حيث اشتهر ببنائه لقصر الخورنق الشهير، وبناء قصور بمثل هذه الفخامة يدل على قوة الاقتصاد الذي كان يتمتع به المناذرة، وفي عهد هذا الملك بدأت المسيحية تنتشر في الحيرة، فقد سمح بحرية ممارسة المسيحية في الحيرة، وتشير المصادر العربية إلى أن الملك النعمان بينما هو جالس في قصر الخورنق ينظر منه إلى مابين يديه من الفرات وما عليه من النخل والأجنة والأشجار إذ ذكر الموت فقال: وما ينفع هذا مع نزول الموت وفراق الدنيا؟، فتنسك وتخلى عن الملك ولبس المسوح وساح في الأرض، وسمي بـ(النعمان السائح).
ومن الملوك المشهورين في هذه السلالة أيضاً الملك المنذر بن ماء السماء (413-442م) وقد حارب هذا الملك ضد البيزنطيين في سورية، وبلغ بغاراته إنطاكية، أما آخر ملوك المناذرة فكان النعمان الثالث بن المنذر الرابع (585-613م)، حيث قتل هذا الملك على يد الملك الفارسي كسرى أبرويز، وتذكر المصادر العربية أن قصة مفادها أن ملك الفرس طلب من المنذر الرابع أن يرسل له أحداً يترجم له الكتب، فبعث له بعدي بن زيد وأخوين له يترجمون لملك الفرس، وكان النعمان بن المنذر قد تربى في كنف آل عدي بن زيد، ولما توفي المنذر الرابع تمكن عدي بن زيد أن يجعل النعمان بن المنذر ملكاً على الحيرة بدهائه وذكائه، وهذا الأمر أوغل الحقد في نفوس إخوة النعمان، وتمكنوا من أن يوقعوا بالنعمان، إذ أوغلوا صدره على زيد بن عدي، الأمر الذي دفع النعمان إلى قتل زيد بن عدي، وبالمقابل تمكن عمرو بن زيد بن عدي أن يثأر لأبيه، وكان يعمل لكسرى عمل أبيه في ترجمة الكتب، وطلب كسرى يوما جارية وصف صفتها فلم يعثروا له على من بها مثل هذه الصفات، وأشار له عمرو بن عدي أن عند النعمان بنات وقريبات على أكثر مما يطلب الملك، فوجه كسرى إلى النعمان يأمره أن يبعث إليه ابنته ليتزوجها، فقال النعمان: أما في عين السواد وفارس ما يبلغ الملك حاجته؟، فلما سأل كسرى عما يعنيه بالعين؟، قال عمرو بن عدي: أراد البقر ذهابا بابنته عن الملك، فغضب الملك، ثم كتب كسرى إلى النعمان يأمره بالقدوم إليه، وعلم النعمان بنية كسرى، فحمل سلاحه وما قوى عليه حتى نزل في بطن ذي قار في بني شيبان، وأودعها عند هاني بن مسعود الشيباني، ومضى إلى كسرى فنزل ببابه، فأمر أن يطرح تحت الفيلة فداسته حتى قتلته وقرب للأسود فأكلته، وولى الحيرة من بعده أياس بن قبيصة الطائي إلى جانب مقيم فارسي يمثل كسرى، ووجه كسرى إلى هاني بن مسعود الشيباني أن يرسل له مال وسلاح وبنات النعمان، فأبى هاني وقومه أن يلبوا طلبه، وقد ثار العرب لمقتل ملكهم، وأرسل كسرى أبرويز حملة تمكن العرب من هزيمتها في معركة (ذي قار)، وقد وصلت أصداء هذا الانتصار إلى جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتذكر المصادر التاريخية أن الرسول ? لما سمع بانتصار العرب على الفرس في معركة (ذي قار) قال: ((هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا))، ويمكن القول أن السبب في رفض النعمان تزويج بناته لملك الفرس كون أن بنات النعمان كن نصارى مترهبات، وكان كسرى أبرويز مجوسياً زرادشتياً لا تحل له النصرانية، فرفض النعمان عرض الزواج، وأُوِلَتْ إلى ما أُوِلَتْ إليه قصة الرفض.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .