مما لاريب فيه أن المجازر البيئية التي تخلقها النشاطات البشرية جراء رغبة التهافت الجشع في الاستحواذ على ثروات الطبيعة بكل السبل والأساليب المتاحة وتلك الثروات التي نسجها التطور عبر مئات ملايين السنين حتما- كما يجمع علماء الطبيعة- تؤدي إلى تدمير المنظومة البيئية خصوصا و أن ذلك التهافت التخريبي الجشع لا يتيح للطبيعة ترميم ذاتها وموازنة مفردات المعادلة دون أن يدرك الإنسان أنه إنما يحفر قبره بيديه شاء ذلك أم أبى
ويعتبر التلوث واحدا من أبرز عوامل الفساد في الأرض في زماننا هذا فقد أسهم هذا النوع في إخلال توازن البيئة الطبيعية وفي اضطراب توازن الهواء والماء والتربة مما نتج عنه الكثير من الأضرار الجسمية التي نزلت بالإنسان و الحيوان والنبات وكافة الأحياء البرية والبحرية
لقد أصبح التلوث البيئي ظاهرة عالمية واكبت التقدم العلمي حيث شملت الدول النامية والمتقدمة مع اختلاف نوعية التلوث وتعددت تعريفات التلوث وإن كان أشملها هو:
"كل تغير يطرأعلى الصفات الفيزيائية أوالكيميائية أو البيولوجية لهذا المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ويؤثر على صحته أو يؤثر على مشاركيه في البيئة من الكائنات "
أما التلوث البيئي فقد عرفته منظمة التعاون و التنمية الأوربية بأنه :
"قيام الإنسان بطريق مباشر أو غير مباشر بالإضرار بالبيئة الطبيعية و الكائنات الحية "
إن سلامة البيئة هي العنصر الأساسي في حماية ثروات الدول ومواردها البشرية وتنعكس السلامة البيئية سلبا أو إيجابا على هذه الثروات بمختلف صورها و البيئة هي الإطار الذي نعيش فيه من تربة وهواء وماء وبما يحتويه من مكونات جمادية أوتنبض بالحياة وما يسوده من شتى المظاهر من طقس ومناخ
ويشكل تلوث التربة جانبا هاما من جوانب مشكلة التلوث البيئي التي منيت بها البشرية في العصر الحديث كنتيجة للتدخل الغير مدروس من جانب الإنسان في القواميس الكونية ومحاولاته المستمرة في فساد النظم البيئية بغرض الزيادة المؤقتة في إنتاجية الأراضي الزراعية و السيطرة على الآفات ومن الصعب الفصل بين الجوانب المختلفة للقضية البيئية إذ يرتبط كل جانب بغيره من الجوانب لأن ما يلوث الهواء قد يلوث الماء ويلوث التربة لأن نظم الماء و التربة والهواء يرتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا وإن أي اضطراب في أحد النظم يؤدي إلى اضطراب بقية النظم الأخرى
إن المحافظة على خصوبة التربة الزراعية له أهمية كبيرة في ضمان المستوى العالي من الإنتاج الزراعي وبالتالي استقرار حياة شريحة كبيرة من السكان وهم المزارعون وتوفير الرخاء لهم ومن المعروف أن التربة نظام ديناميكي متوازن حيث توجد الكائنات في حالة اتزان مع بعضها وتؤدي هذه الكائنات دورا مهما في زيادة خصوبة التربة و تحسين نفاذيتها وتهويتها
إن التلوث المستمر يتلف طبيعة التربة الرقيقة الخصبة التي تعطي نسبة كبيرة من سطح الكرة الأرضية والتي تعد البيئة الصالحة للزراعة ولقد استغرقت العمليات الطبيعية آلاف السنين لتكوين هذه التربة الصالحة للزراعة ولكن التعامل غير الحريص علاوة على ممارسات الإنسان الخاطئة يمكن أن تتلف هذه التربة في خلال سنوات قليلة ويمكن أن يحدث التلوث للتربة بصورة فورية أو تدريجية حسب نوعية وصفات التربة المعرضة للتلوث و العوامل الطبيعية و الظروف المناخية السائدة وينقسم تلوث التربة من حيث أسبابه إلى أنواع عديدة أهمها :
1-التلوث بمبيدات الآفات :وهذا يتوقف على نوع المبيد ودرجة ذوبانه والكمية المستخدمة ودرجتي رطوبة وحرارة التربة و العوامل الجوية ويؤدي الإسراف في استخدام المبيدات إلى تلوث التربة الزراعية حيث تبقى نسبة من هذه المبيدات في التربة تصل إلى 51% من كمية المبيد المستعمل ولا يزول أثره إلا بعد انقضاء عشر سنوات و أكثر وأخطر تأثيرات المبيدات على التربة هو تقليل عدد الكائنات الدقيقة المفيدة للنبات
2-التلوث الكيميائي :الاستخدام المفرط للأسمدة الكيميائية وخاصة الأمونيا يؤدي إلى تلوث مصادر المياه السطحية و الجوفية وخاصة أن النبات لا يستهلك كل كمية الأسمدة المضافة و يؤدي عدم الإتزان بين العناصر الغذائية داخل النباتات وتراكم كميات كبيرة من النترات في أوراق النباتات وجذوره إلى تغير في طعم الخضروات والفواكه وألوانها ورائحتها وتنتقل مركبات النترات والنتريت إلى جسم الإنسان عبر السلاسل الغذائية وتسبب نوعا من فقر الدم عند الأطفال و سرطان البلعوم والمثانة عند الكبار
3- التلوث الفيزيائي :تتلوث التربة بالمعادن الثقيلة كالرصاص و الزئبق و الكادميوم و الألمنيوم و الزرنيخ و الزنك و النحاس وهي معادن سامة تتركز في أنسجة النباتات وثمارها وتنتقل عبر السلاسل الغذائية على الإنسان وتصل هذه المعادن إلى التربة مع النفايات التي يتم طمرها في التربة أو مع مياه الري الملوثة أو نتيجة لتساقط المركبات العالقة في الهواء و الحاملة لهذه المعادن
4-التلوث الإشعاعي :من المحتمل أن تحتوي التربة بطبيعتها على مواد مشعة ضمن مكوناتها (اليورانيوم-التوريوم) علاوة على مصادر التلوث الإشعاعي غير الطبيعية مثل المخلفات الناجمة عن صناعة الوقود الذري وبقايا النظائر المشعة المستعملة في المجالات الطبية أو الزراعية أو الأبحاث العلمية أو نتيجة الغبار الذري الناتج من التفجيرات النووية التي يحدثها الإنسانفي كوكب الأرض
5-الأمطار الحامضية :قد يكون التلوث عن طريق سقوط الأمطارالحامضية وهي الأمطار التي تحتوي على الكبريتك و النتريك اللذين يؤثران على الكائنات الدقيقة في التربة فيختل التوازن بينها مما يؤدي إلى فقد بعض الأملاح و العناصر الهامة الموجودة في التربة
6- ملوثات أخرى : قد يكون عن طريق الملوثات المصاحبة أوالذائبة في مياه الري أوالمياه الجوفية أوعن طريق الكائنات الدقيقة الموجودة في مياه الصرف الصحي مثل الديدان المعوية المسببة للكوليرا وفيروس الكبد الوبائي وكلها تنتقل إلى الإنسان عن طريق الأغذية
معالجة تلوث التربة :
من واجبات الإنسان الذي أسهم في تلوث التربة أن يحاول إصلاح ما أفسد بإتباع مايلي:
1- مكافحة السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى حدوث التلوث بكافة صوره وإتباع طرق ري ملائمة حتى تحتفظ التربة بمستوى معين من الملوحة يتناسب مع النباتات المزروعة ونوعية التربة مع توفير نظام صرف جيد حتى لا تتراكم الأملاح في التربة
2- التوسع في استخدام الأعداء الطبيعيين للحشرات و الديدان بدلا من المواد الكيماوية
3- العودة إلى استخدام الأسمدة العضوية لأنها تعتبر من أهم عوامل خصوبة التربة وتحسين خواصها الفيزيائية و الكيميائية و الحيوية مع قصر استخدام الأسمدة الكيميائية على التربة التي تحتاج إلى أنواع معينة من العناصر
4- عدم السماح للمصانع بتصريف مخلفاتها نهائيا في مجاري المياه الطبيعية وخاصة في الأنهار
في النهاية لا يسعنا إلا أن نقول
أنه من المؤسف أنه مازال هناك تصور لدى الكثيرين من البلدان في العالم المتقدم والنامي يقصر رؤيته على البيئة هي الماء والهواء و الحفاظ عليها من التلوث وتصور آخر لايقل خطأ
أن الحفاظ على البيئة يعوق جهود التنمية وكلا التصورين خاطئ لأنه لايعكس الفهم السليم للقضية ولأن الإنسان هو الغاية من كل تنمية وتطوير ومن حقوقه الطبيعية أن يعيش في بيئة سليمة ونظيفة بجوها ومياهها وجماليتها وقياس مدى نجاح الإنسان في الحفاظ على هذه الغاية إنما يتوقف على مدى تحكمه وتسخيره للإمكانيات المتاحة للحصول على المنفعة الكاملة من البيئة والحيلولة دون انتشار الملوثات التي تسبب الأمراض وتزهق الأرواح