صحيحٌ أنّ الملاحظة بكلّ أشكالها تعني إخضاع مجتمع الدراسة لرقابة الباحث ولكن هذا لا يقضي أن يحدهّا بالإدراك المرئي حصراً، بل عليه أن يحشد على حدّ قول “لابلاتين” François Laplatine مجموع الفطنة والمهارة والحساسية المفترض تواجدها عند الباحث والتي تقوده عبر النظر والشمّ والسمع واللمس والتذوق إلى التركيز على مختلف الآثار والأحاسيس التي يلتقيها ويُفَصِلُها بدقة[3]. إنّ عليه وعلى حدّ تعبير “مالينوفسكي” أن يلاحظ “توافه الحياة اليومية” فلا يفرّق بين مألوف وغريب، هي ملاحظة ومراقبة لكل الاشياء والتقاليد الشفهية والمكتوبة، للتعابير الجسدية والإشارات والإيماءات؛ ويتمّ ربط كل ذلك بشبكة من العلاقات بحيث يُفهم الجزء من خلال علاقته بالكل[4]. وهذا ما يساعد في قراءة الملاحظات وتحليل المعطيات والخروج باستنتاجات اكثر دقة استنادًا الى تشبع saturation الكاتب بثقافة المجتمع المدروس. وهذا هو الفارق المهم بين باحث عايش الميدان وتشبع بثقافته وادرك رمزية كل سلوك من سلوكياته وبين باحث آخر جلس يقرأ المعطيات عن بعد محاولًا تحليلها. فجدارة الباحث تكمن فيما اكتسبه بشكل لاواعٍ من خلال مشاركة الجماعة المدروسة لمعاشها اليومي كما تكتسب اللغة بالممارسة.
ليست الملاحظة بالمشاركة ملاحظة عشوائية سهلة وإنّما يلزمها الكثير من الدقة والتنظيم. يحرص بعض الأنتربولوجيين منذ بداية البحث على إنشاء دليل للملاحظة (شبكات ملاحظة) وهو عبارة عن قائمة مرجعية تتضمن العناصر التي سيتّم ملاحظتها من قبل الباحث بشكل منتظم في الحقل؛ وهذه الشبكات نوعين: مغلقة ومفتوحة ويختلف اعتمادها تبعًا لنوع البحث وحاجات الباحث[5].
وإذا ما كان الباحث يستخدم عادة بطاقة الملاحظة أو المفكرة لتدوين ملاحظاته في الميدان إلا أنّه يمكن أن يستعين بوسائل أخرى منها التصوير الفوتوغرافي والفيديو والأفلام الاتنوغرافية.
يبقى أن نشير إلى المشكلة التي تعترض الباحث أثناء ملاحظته بالمشاركة وهي أنّ عددًا كبيرًا من سلوكيات الجماعة المدروسة لا بدّ أن يتأثر بوجود الباحث نفسه فيعمل أفراد هذه الجماعة على اخضاع انفسهم للمراقبة الذاتية وتصنّع بعض التصرفات والاستجابات وهذا ما يفترض بالانتربولوجي التقاطه بشكل او بآخر مع العلم أن بقاء الباحث ضمن الميدان لفترة طويلة نوعًا ما واندماجه الاجتماعي (الذي لا يلغي قدرته على الملاحظة) هو ما يضعف هذا التكلّف ويفرض العودة الى عفوية التصرفات وبالتالي ملاحظتها[6]. هذا مع العلم أن هناك من الباحثين من يرى ضرورة الاستفادة من التغيير السلوكي الذي يقوم به الناس بوجود الباحث، بمعنى أنّ على الباحث أن يجهد في ملاحظة وضبط تلك التغيرات والنظر اليها كمؤشر أساسي خلال التحليل. وقد كان “ديفرو” Devreux في فرنسا من اوائل الذي فكروا في استثمار تلك الاضطرابات التي تخلقها الملاحظة ضمن حقل العلوم الاجتماعية[7]، وفيما يلي أكد “ألتابي”Althabe على الفائدة المنهجية التي يمكن أن يحققها فعل النظر الى “الانتربولوجي نفسه باعتباره أحد الفاعلين ضمن الحقل الاجتماعي”[8].
وفي الخلاصة نؤكد أن الملاحظة المشاركة هي من أبرز وأهم تقنيات البحث الأنتربولوجي التي تتميز باستمراريتها في العمل البحثي منذ لحظة اختيار الموضوع حيث تكون ذهنية/ معرفية وصولاً لمرحلة تحليل المعطيات مرورًا بالمشاركة الحياتية التي يعيشها الباحث الى جانب الجماعة المدروسة معتمدا بشكل أساسي يعيشها الباحث الى جانب الجماعة المدروسة معتمدا بشكل أساسي على ملاحظاته المباشرة.
كاتبة المقال : سوسان جرجس : كاتبة وباحثة في مجال الأنثروبولوجيا من لبنان. تركز اهتماماتها على الدراسات الجندرية. تهوى الكتب والمطالعة وكتابة الشعر والقصة القصيرة. تكتب في بعض المواقع الإلكترونية العربية مثل مجلة معارج الفكر ومجلة صدى الفصول الشعرية.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|