انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المظاهر الفكرية والسياسية لليقظة العربية

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 4
أستاذ المادة زينب حسن عبد اسود       03/03/2018 19:09:52
1 المظاهر الفكرية لليقظة العربية:
تعددت المظاهر الفكرية لليقظة العربية إبان القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين لكن يمكن إجمالها فيما يلي:
3-1-1 انتشار حركة التعليم وتنوع أهدافها:
تحدثنا عن التعليم كعامل من العوامل الداخلية لليقظة العربية في القرن التاسع عشر سواء ما كان يتم منه برعاية الدولة العثمانية وأشرافها، أو بواسطة المؤسسات الوطنية أو الإرساليات الأجنبية التبشيرية، وقد أدى كل ذ لك إلى توسع ملموس في حركة التعليم فازدادت أعداد المدارس بأنواعها المختلفة: الأكاديمية والمهنية الابتدائية والتجهيزية والعالية، حتى أصبحت تعتبر من أهم المظاهر الفكرية لنهضة العرب الحديثة . وتعتبر انتشار حركة التعليم في مصر إبان حكم محمد علي باشا، وازدياد أعداد المدارس فيها خير مثال على تلك النهضة، وبخاصة عندما ننظر إلى تنوع برامج التعليم التي تبناها محمد علي، فافتتاحه لمدارس الطب، والهندسة، والصناعات، ومدرسة الألسن، وغيرها من المدارس التي كان المجتمع العربي في مصر في أمس الحاجة إلى وجودها آنذاك.
وقد نمت أعداد المدارس وتنوعت أغراضها، في العراق وفي بلاد الشام أيضاً، نتيجة لعوامل متعددة، منها سياسة إبراهيم باشا التعلمية في سوريا وسياسة التنظيمات العثمانية الإصلاحية وبخاصة في عهد حكم مدحت باشا لكل من العراق وسوريا كما أسلفنا، فبعد ان كان التعليم مقتصراً على القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، والحساب ويؤدي في كتاتيب القرى والمدن، تطوراً كثيراً اثر تنظيم الدولة العثمانية له، بموجب نظام خاص بالمعارف صدر في عام 1869م، وصبغ في (198مرة) وبموجبه انقسمت مراحل التعليم إلى خمس، تبدأ بالمرحلة الابتدائية التي كان التعليم فيها إلزامياً، ومدة القراءة فيها أربع سنوات، ويتم التدريس فيها باللغة التركية ويليها المرحلة الثانية التي تسمى بالمرحلة الرشدية ومدة القراءة فيها أربع سنوات، يدرس الطلبة فيها العلوم الدينية، واللغة التركية ومبادئ اللغتين العربية والفارسية، وكانت اللغة العربية تدرس في هذه المرحلة للاستفادة منها في تفسير القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف كما كانت الفارسية تدرس للاستعانة بها في تدريس الأدب العثماني، ولا يتعلم الطلاب في هذه المرحلة أي لغة أجنبية، أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الإعدادية وتؤسس في مراكز الاقضية والألوية، التي يتجاوز عدد سكانها (1000) بيت، ويدرس الطلبة فيها اللغة التركية، والحساب والهندسة، والقانون العثماني، والتاريخ العام، والجغرافية، والطبيعة، والمنطق، والكيمياء، والجبر، والرسم، ولغة أجنبية واحدة هي الفرنسية، ولا تدرس اللغة العربية في هذه المرحلة.
وتسمى المرحلة الرابعة، مرحلة المدارس السلطانية ويقبل فيها الطلبة الناجحون من المرحلة الإعدادية، ولا توجد هذه المدارس إلا في مراكز الولايات العثمانية، ويدفع الطلاب فيها رسوماً تختلف من طلب لآخر، حسب الوقت الذي يدرس فيها الطالب ليلاً أو نهاراً، وتنقسم القراءة في هذا النوع من المدارس إلى قسمين: الأول منهما القسم العادين ومدة القراءة فيه ثلاث سنوات أما القسم الآخر: فهو القسم العالي، والقراءة فيه ست سنوات، والمناهج التي تدرس في هذا النوع من المدارس، تشبه تلك التي تدرس في المدارس الإعدادية، مع زيادة يسيرة في بعض المواد، ومن أراد متابعة دراسته بعد نجاحه في تلك المرحلة، فعليه أن يلتحق بالمدارس العالية في العاصمة استانبول.
أما المرحلة الخامسة والأخيرة، فهي المدارس العالية، وتشمل دار المعلمين والمعلمات، ودار الفنون في استانبول ومكاتب الفنون، والصنائع المختلفة، ومدة القراءة فيها تختلف من تخصص لآخر، ففي الشعبة الرشدية يدرس الطلاب ثلاث سنوات، ومدة القراءة في دار الفنون ثلاث سنوات أيضاً وتنقسم القراءة فيها إلى ثلاث شعب، تختص الأول بتدريس الفلسفة والأدب، والثانية بتدريس الحقوق، والثالثة بتدريس العلوم الطبيعية والرياضية، ومدة القراءة في كل شعبة ثلاث سنوات، أما أولئك الطلبة الذين يعدون أنفسهم للتدريس فمدة دراستهم أربع سنوات.
وكان إلى جانب التعليم الحكومي هناك تعليم خاص، انقسم إلى مدارس وطنية وأخرى تبشيرية، وعلى الرغم منت أن التعليم في سوريا على سبيل المثال، كاد أن يكون مفقوداً حتى منتصف القرن التاسع عشر إلا من الكتاتيب، رأينا عدد المدارس أخذ في الزيادة الملحوظة نتيجة للعوامل التي أشرنا إليها آنفاً، فبلغ عدد المدارس التي أنشأتها الدولة العثمانية، والأهالي حتى عام 1896م ما مجموعه (291)، مدرسة يدرس فيها 10647 طالباً و 1488 طالبة، وبلغ عدد المدارس غير الإسلامية التي أسسها المسيحيون من رعايا الدولة العثمانية، ما مجموعة (107) مدارس، أما المدارس الأجنبية فقد بلغت (54) مدرسة ونتيجة لزيادة عدد المدارس، ازداد عدد المتعلمين، وبالتالي ازداد عدد النابهين والمفكرين من المثقفين الذين أسهموا في النهضة الفكرية، وكانوا جزءاً من مظهرها العام.
3-1-2 انتشار الجمعيات الأدبية والعلمية
ظهرت أول هذه الجمعيات في بيروت عام 1847م، تحت اسم (جمعية الآداب والعلوم) تضم بين أعضائها ناصيف اليازجي وبطرس البستاني وكثير من الأمريكان، والكولونيل تشرشل الإنجليزي الذي كان يقيم في بلاد الشام، ولكنها لم تضم بين أعضائها أحداً من المسلمين أو الدروز، وهي أول جمعية من نوعها تؤسس في الوطن العربي، وكانت تعقد اجتماعاتها في بيروت، وتلقى فيها المحاضرات الأدبية والعلمية، وتنشر تلك المحاضرات في مجلة تابعة لها، أنشأتها تلك الجمعية وأطلقت عليها اسم (المجلة السورية) وكان اليازجي والبستاني يتوليان تحريرها، وأنشأت هذه الجمعية مكتبة خاصة يتردد أعضاؤها عليها، وكان من أهم أهدافها الاحتكاك بالثقافة الغربية، ونشر العلوم والمعرفة بين الكبار بعيداً عن المسائل الخلافية بين أتباع الديانات السماوية.
وتشكلت على غرار تلك الجمعية جمعية أخرى ، قادها اليسوعيون الأمريكان عام 1850م، وأطلقوا عليها اسم (الجمعية الشرقية) وكان كل أعضائها من النصارى والأجانب، ولكن هاتين الجمعيتين لم تعمرا طويلاً، فانحلتا لتقوم بدلاً منهما جمعية جديدة عام 1857م، أطلق عليها اسم (الجمعية العلمية السورية) وقد أنشأت بناء على رغبة عدد من المثقفين المسلمين، بتشكيل جمعية لا يكون بين أعضائها أحدج المبشرين الغربيين، وضمت بين أعضائها النصارى والدروز والمسلمين، وكان هدفها المعلن هو الاعتزاز بالتراث العربي وإحيائه وبعضه، والنهوض بالأمة كوحدة قومية وهكذا كان المظهر الفكري والثقافي، قد ولد مظهراً آخر له بعد سياسي، إذ عدت هذه الجمعية مهداً لحركة العرب القومية، حين انطلق من أحد جلستها صوت إبراهيم اليازجي في قصيدته التي مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طغى الخطب حتى غاصت الركب

تعددت تلك الجمعيات العلمية والأدبية، التي كانت تعنى بالأدب العربي وإحياء التراث من جهة، ومعالجة قضايا العرب مسلمين ومسيحيين ودروز ذكوراً وإناثاً من جهة أخرى، وكان منها على سبيل المثال لا الحصر، جمعية زهرة الآداب التي تأسست في بيروت عام 1873م، والجمعية التاريخية التي تأسست في دمشق عام 1875م ، وجمعية المقاصد الخيرية في بيروت عام 1881م، وكان هدفها النهوض بالمسلمين وجمعية النشأة التهذيبية في حلب عام 1907م، وجمعية المعارف الدرزية في بيروت عام 1911م، والجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست في حمص عام 1913م، وجمعية نور العفاف الأرثوذكسية في حمص عام 1913م، وجمعية يقظة الفتاة العربية، التي تأسست في بيروت عام 1914م.

3-1-3 انتشار الصحف
كانت الصحف في المدارس من عوامل اليقظة، ولكن عندما ازدادت أعدادها بشكل كبير في جمعي أرجاء لوطن العربي، في القرن التاسع عشر ولاسيما في النصف الثاني من ذلك القرن- أصبحت الينبوع الذي ينهل منه العرب ثقافتهم وفكرهم فشكلت عندئذ مظهراً من مظاهر يقظتهم الحديثة.
وكانت صحيفة جرنال الخديوي الصادرة في مصر عام 1827م، من أوائل الصحف الصادرة في الوطن العربي، وتلتها صحيفة الوقائع المصرية التي ترأس تحريرها المصلح والمفكر المصري الكبير، رفاعة الطهطاوي الذي حولها من مجرد صحيفة حكومية إلى منبر يعنى بالقضايا السياسية والاجتماعية للشعب المصري.
وشهدت بلاد الشام نشاطاً صحفياً كبيراً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولاسيما صحف بيروت ودمشق ، ففي عام 1858م صدرت صحيفة حديقة الأخبار كأول جريدة تصدر في بلاد الشام لصاحبها خليل الخوري، وفي عام 1860م صدرت الجوانب في الأستانة لصاحبها أحمد فارس الشدياقن وفي السنة نفسها ظهرت جريدة نفير سوريا في بيروت، لصاحبها بطرس البستاني، ومن الجدير بالملاحظة أن كل الصحف التي صدرت في بلاد الشام قبل عام 1875م، كانت صحفاً إسلامية، ثم ازداد عدد الصحف انتشاراً ليرتفع إلى مئة وخمسين صحيفة، في الفترة ما بين عامي (1876 و1914م). وفي بيروت لوحدها بلغ عدد الصحف نحو ثلاثين صحيفة، بين مجلة وجريدة منها ثماني صحف يومية، وفي مصر بلغ عدد الصحف عام 1882م، حوالي ثلاث وثلاثين صحيفة، ومما لاشك فيه أن هذه الصحف عالجت جميع قضايا العرب السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغدت مظهراً يدل دلالة واضحة على يقظة العرب الحديثة.


3-1-4 انتشار الثقافة وتنوع التوجهات الفكرية
لقد شهد الوطن العربي في القرن التاسع عشر، حركة ثقافية وفكرية ونشطة، في جميع أرجائه في المشرق والمغرب، ففي الجزيرة العربية ساد الفكر الإصلاحي السلفي، ونمت معه حركة ثقافية واسعة عنيت في الدرجة الأولى بنشر مبادئ الحركة الوهابية، والتركيز على الإصلاح الديني، ولكنها في الوقت نفسه اهتمت اهتماماً كبيراً باللغة العربية وإحياء التراث العربي، ومهدت الطريق للعديد من المثقفين والمفكرين للتأليف ونشر أبحاثهم ودراساتهم المؤيدة أو المعارضة للحركة الوهابية، وبذلك أغنت التيار الفكري الإصلاحي السلفي، الذي كان يهتم بإصلاح أحوال المسلمين ومحاربة البدع والعودة إلى نقاء الإسلام الفطري، ومنابعه الصافية الأصيلة، كما أنها أسهمت في بعث نهضة أدبية وبخاصة في مجال الشعر بأغراضه المختلفة من مديح وفخر وغير ذلك، ولم تقتصر تلك النهضة على شعراء وأدباء نجد بل تعدتها إلى جميع أرجاء الجزيرة العربية كالحجاز وعسير واليمن.
كما لم يقتصر أثر الحركة السلفية النجدية على الجزيرة العربية وحدها، بل تعداها إلى أجزاء أخرى من الوطن العربي، مثل ليبيا والسودان بشكل خاص، حيث انتشرت حركات نهلت من الفكر السلفي كالحركة السنوسية ثم المهدية، وكانت زوايا الحركة السنوسية " تعتبر بمثابة خلايا تمتد منها الحياة إلى سائر جسم الأمة الإسلامية، كما أنها صارت مراكز توجيه للحياة العامة فهي بذلك مراكز إصلاح شامل من النواحي الدينية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية " .
وقد امتد هذا التيار الإسلامي الديني فيما بعد، ليصل إلى مصر على يد المفكر السيد جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وإن اختلف عن التيار السلفي في الوسيلة فإنه يتفق معه في الهدف بالعودة إلى الإسلام النقي ؛ لإصلاح أحوال المسلمين والعرب معاً فيما عرف بحركة الجامعة الإسلامية التي ساندتها الدولة العثمانية، بعكس الفكر السلفي النجدي الذي حاربته ورأت فيه خطراً على كيانها ووجودها، وخشيت أن ينجح في استعادة الخلافة العربية الإسلامية منها، الأمر جعل بعض المفكرين يعتبرون الفكر السلفي النجدي احد الأسس التي أسهمت في بعث اليقظة العربية الحديثة.
وقد تبنى التيار الإصلاحي الذي تزعمه الأفغاني، والشيخ محمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ضرورة المطالبة بتعميم اللغة العربية في الدولة العثمانية، وجعلها اللغة الرسمية، وتوحيد الأتراك والعرب في (امة عربية بكل ما في اللسان من معنى، وفي الدين الإسلامي من عدل، وفي سيرة أفاضل العرب من أخلاق، وفي مكارمهم من عادات)، وان هذه المعاني تدل بجلاء على أن حركة الجامعة الإسلامية على الرغم من تمسكها بالدولة العثمانية، قد أسهمت بطريقة أو بأخرى في بعث النهضة العربية الحديثة عن طريق الاهتمام باللغة العربية وبالتراث العربي.
لم يكن التيار الديني الإصلاحي هو التيار الفكري الوحيد في مصر، في القرن التاسع عشر فقد سبقه تيار فكري تزعمه رفاعة الطهطاوي الذي غلبت عليه النزعة المصرية المتأثرة بتاريخ مصر الفرعونية، وكان من أوائل العائدين إلى مصر مع خريجي البعثات، التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا حيث ان إماماً للبعثة الأولى، ومثل رفاعة الطهطاوي التيار الفكري الذي حمله أولئك العائدون من البعثات الدراسية في أوربا، وكان هؤلاء قد عادوا بعلوم جديدة وعقلية جديدة، وعملوا في المدارس وفي مصالح الدولة المختلفة، فألفوا وترجموا وخططوا، وبذلك يكونون قد وضعوا أسس الحركة الثقافية والأدبية الحديثة في مصر. وكانت مدرسة الألسن التي تولى الطهطاوي إدارتها، تعتبر من أهم مظاهر النهضة الثقافية في مصر آنذاك، فكانت تلك المدرسة تعنى بتدريس اللغات الفرنسية، والتركية والايطالية والفارسية إلى جانب آداب اللغة العربية، والعلوم الأخرى، كالشريعة الإسلامية والتاريخ والجغرافيا، وقد استطاع الطهطاوي أن يسجل للغة العربية نصراً أدبياً عظيماً، في زمن كان الأتراك فيه يسيطرون على كل شيء في مصر تقريباً، وكانت خدمته الأولى والجلى للغة العربية، تتمثل في أنه جعل المادة العربية في جريدة الوقائع المصرية، التي تولى رئاستها – تشغل النصف الأيمن، والتركية النصف الأيسر، بعد أن كان العكس قبل ذلك.
ونتيجة لانتشار الثقافة تزايد أعداد المثقفين، والمفكرين من الأدباء، والكتاب والشعراء، والمؤرخين، وكان بعضهم يمثل التيار الإسلامي في بلاد المغرب العربي، مثل خير الدين التونسي وأحمد أبي الضياف في تونس.
ولم يكن التيار الإسلامي الذي مثل حركة الجامعة الإسلامية، هو الوحيد الذي اهتم باللغة العربية وآدابها، والدفاع عنها خلال القرن التاسع عشر، بل كان التيار القومي قد سبق إلى الاهتمام باللغة العربية وإحياء التراث العربي.
وقد انخرط في هذا التيار عدد كبير من المثقفين العرب من نصارى بلاد الشام، وخاصة بعد أحداث فتنة عام 1860م التي حدثت بين النصارى والدروز في منطقة جبل لبنان، وقد ركز بع هؤلاء المثقفين إلى ضرورة الابتعاد عن الطائفية، ودعوا إلى توحيد العرب من المسلمين، والمسيحيين ضمن إطار الدولة العثمانية، فكان على رأس هؤلاء ناصيف اليازجي وبطرس البستاني كما أسلفنا، وإذا كنا قد المحنا إلى اليازجي آنفاً، فيجدر بنا أن نشير إلى جهود البستاني في هذا المقام.
ولد بطرس البستاني في عام 1819م في إحدى قرى إقليم الخروب بقضاء الشوف، في جبل لبنان من عائلة عرفت بحب العلم، تلقى علومه الأولى على يد الخوري ميخائيل البستاني، ثم التحق بمدرسة عين ورقة بلبنان، فأمضى فيها عشر سنوات حتى أتقن اللغة العربية وآدابها، وتلقى في هذه الفترة دروساً في السريانية، واللاتينية والايطالية، وفي الفلسفة واللاهوت والتاريخ والجغرافيا، والحساب، ثم عمل مدرساً في نفس المدرسة بعد تخرجه منها . وفي عام 1840م التحق البستاني للعمل مدرساً للغة العربية، في دار المعلمين في قرية عبية، تلك الدار التي كان يشرف عليها المبشران الأمريكيان إيلي سمث، وكورنليوس فانديك، ثم عمل مع إيلي سمث واليازجي في ترجمة التوراة، ولكن أهم أعماله في خدمة اللغة العربية تمثلت في تأليفه قاموس (محيط المحيط) باسم (دائرة المعارك) وقد صدر منها ستة أجزاء قبل وفاته عام 1883م ولكن أبناءه وبعض أفراد أسرته تابعوا جهده في إتمام ذلك العمل، فصدرت الموسوعة في أحد عشر جزءاً.
وقد اتجه البستاني إلى الصحافة للتعبير عن آرائه، فاصدر عام 1860م جريدة أسبوعية تحمل اسم "نفير سوريا" والتي تعتبر أول جريدة عربية سياسية غير رسمية صدرت في الوطن العربي، ووقفت هذه الجريدة معظم جهودها لمحاربة الحقد الطائفي من جهة ونشر الثقافة من جهة أخرى، لأنه كان يرى أن الثقافة تؤدي إلى الاستنارة العقلية وهذه بدورها تؤدي إلى القضاء على التصلب والتعصب والتنابذ والتنافر بين الطوائف المتعددة، والأديان المختلفة، وكان كلام البستاني يحمل في طياته نواة فكرة القومية العربية، وسار البستاني خطوات أخرى لتحقيق تلك الفكرة، فأنشأ عام 1863م مدرسة عالية في بيروت اسماها " المدرسة الوطنية " وكان يقبل فيها الطلبة على اختلاف طوائفهم وأديانهم، وكان التعليم فيها يقوم على أساس فكرة التسامح الديني، وقد ساعده في عمله التربوي هذا زميله ناصيف اليازجي، وحرس البستاني على إلقاء المحاضرات مرتين في الأسبوع، على طلاب هذه المدرسة الذين جاء بعضهم من مصر، وبعضهم الآخر من العراق والشام، وكرس تلك المحاضرات للإشادة باللغة العربية وبالثقافة العربية وبدور العرب في بناء الحضارة الإنسانية.
وفي عام 1870م اصدر البستاني مجلة أدبية سياسية نصف شهرية، أطلق عليها اسم (الجنان) وجعل شعارها : " حب الوطن من الإيمان" ، ولم يكن مثل هذا الشعار شائعاً في الوطن العربي آنذاك، وكان الهدف من إنشاء هذه المجلة محاربة التعصب الديني، والعمل من أجل التفاهم والاتحاد وخير الوطن.
وفي عام 1870م اصدر بالتعاون مع ابنه سليم، جريدة سياسية أطلق عليها اسم (الجنة)، وتعتبر هذه الصحيفة من أقدم الصحف في بلاد الشام، ثم اصدر (الجنينة) تولى تحريرها ابن عمه سليمان البستاني، وقد كان الهدف من إنشاء تلك الصحف عرض أفكاره المتعلقة بالتسامح الديني، والدعوة إلى العمل الوطني، والتلويح بأمجاد العرب الماضية وضرورة بعثها.
وعلى الرغم من أن دعوته كانت قومية علمانية، إلا أنه كان يعتبر بانتمائه إلى العرب، ولكن بعد صدور الدستور العثماني نشر مقالاً في مجلة (الجنان) عام 1877م قال فيه " إن الإمبراطورية العثمانية هي وطننا ولكن بلادنا هي سورية..".
وهكذا نلاحظ أن الوطن العربي خلال القرن التاسع عشر، نهض نهضة ثقافية واسعة، شملت جميع أقطاره في المغرب والمشرق، وظهر فيه العديد من المثقفين الذين أسهموا بدور فاعل في بعث اليقظة العربية الحديثة.
3-2 المظاهر السياسية لليقظة العربية:
لقد شهد القرن التاسع عشر عزيزي القارئ، العديد من المظاهر السياسية لليقظة العربية، والتي يمكن أن نوجزها فيما يلي:
1 – الحركات السياسية:
تحدثنا في الوحدة الخامسة عن العديد من الحركات السياسية، التي ظهرت في الوطن العربي أبان القرن التاسع عشر، وكان في مقدمتها الحركة السلفية الإصلاحية في نجد، التي أطلق عليها أسم الحركة الوهابية، والتي نجحت في إقامة الدولة السعودية الأولى، حوالي عام 1745م، وقد تطورت وتوسعت فشملت الحجاز وعسير والأحساء، وشكلت خطورة على الدولة العثمانية، وعلى الوجود الاستعماري البريطاني في منطقة الخليج كما أسلفنا، وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية انتدبت واليها على مصر آنذاك محمد علي باشا لقتال الوهابيين، فخاض هو وأبناؤه طوسون وإبراهيم معارك طاحنة، وحرباً ضروساً ضدهم، واستطاعت قواته إسقاط عاصمتهم الدرعية عام 1818م، إلا أن هذه الحركة عادت من جديد، فكونت الدولة السعودية الثانية، على يد تركي بن عبد الله، الذي استطاع أبنه فيصل أن يستعيد سيطرته على معظم أرجاء الجزيرة العربية، وامتد نفوذه إلى ساحل عمان كما أسلفنا، واستطاع أحد أحفاده، وهو الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، تكوين الدولة السعودية الثالثة، بعد استعادته عاصمة آبائه الرياض عام 1902م، ثم نمت دولته وتوسعت، وغدت فيما بعد المملكة العربية السعودية.
وهذا دليل واضح على أن إحدى الحركات السياسية التي قامت في القرن التاسع عشر، استطاعت أن تلعب دوراً أساسياً في تاريخ الوطن العربي آنذاك، وشكلت مظهراً من المظاهر السياسية المبكرة لليقظة العربية.
ولم تكن الحركة الوهابية هي الحركة السياسية الوحيدة، التي ظهرت في الوطن العربي في القرن التاسع عشر، بل تلاها حركات أخرى كالسنوسية، والمهدية، والعرابية، وحركة الأمير عبد القادر الجزائري الثورية، وقد تناولناها جميعاً بالقراءة في الوحدة الخامسة وهي تشكل عزيزي الدارس في مجملها أحد الظاهر السياسية المبكرة لليقظة العربية.
الجمعيات السرية والأحزاب السياسية:
شكلت الجمعيات السرية، والأحزاب السياسية العربية في الدولة العثمانية، وظهراً سياسياً واضحاً لليقظة العربية الحديثة، فقد عملت جاهدة للمطالبة بحقوق العرب، ورفع الظلم عنهم وتبني قضاياهم، كما طالبت بإصلاح ولاياتهم العربية، وربما كانت قصيدة إبراهيم اليازجي التي مطلعها (تنبهوا واستفيقوا أيها العرب) الشرارة الأولى لدعوة العرب للتحرر، أسوة بغيرهم من الشعوب التي كانت تخضع للدولة العثمانية، ويمكن أن نلقي نظرة على أهم تلك الجمعيات والأحزاب خلال مرحلتين: الأولى قبل الانقلاب الدستوري عام 1908م والثانية بعده.



أ – الجمعيات السرية في المرحلة الأولى قبل الانقلاب الدستوري عام 1908م:
1 – جمعية بيروت السرية:
كان أول جهد جماعي منظم في الحركة العربية القومية الحديثة قد بدأ عام 1875م، عندما شكل خمسة من الشباب المسيحيين العرب الذين كانوا قد درسوا في الكلية البروتستنتية السورية – في بيروت أول جمعية عربية سرية، أطلق عليها أسم جمعية بيروت السرية، وقد وضعوا برنامجاً سياسياً يهدف لتحقيق ما يلي:
1- استقلال سوريا متحدة مع لبنان.
2- الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في البلاد العربية.
3- إلغاء الرقابة والقيود الأخرى، التي تحول دون حرية الرأي، وانتشار العلم.
4- عدم استخدام الجنود العرب إلا ضمن حدود بلادهم.
وقد أعلنت الجمعية برنامجها هذا، من خلال منشورات تم إلصاقها في شوارع بيروت، خلال عامي 1880-1879م، وعلى الرغم من أن هذه الجمعية كانت سابقة لأوانها، إلا أنها دلت على جراءة منتسبيها، التي بدت واضحة في دعوتهم السافرة إلى أهداف سياسية محددة،سواء كان بتأثير اليقظة الأدبية التي تكلمنا عنها آنفاً، أو بسبب حوادث عام 1860م، وعلى أي حال فإن هذه الجمعية لم تجد الوسط الملائم لانتشار أفكارها، ولم يعلم بها معظم السكان الذين كانوا على استعداد لتقبل أفكارها الثورية، وقد ضيقت الدولة العثمانية الخناق على منتسبيها، مما أدى إلى هجرة بعضهم إلى مصر، وقد أدى ذلك إلى شل الجمعية عن متابعة عملها، وكان أثرها ضئيلاً، ولكنه خطيراً بالنسبة لليقظة العربية.



2 – جمعية حقوق الملة العربية:
وقد تأسست هذه الجمعية في بيروت عام 1881م، ودعت العرب من مسلمين ومسيحيين في بيانها الأول، إلى ضرورة العمل من أجل الاتحاد، والمطالبة بحقوقهم القومية، ولفت ذلك البيان الأنظار، إلى ظلم الأتراك للعرب.
3 – حلقة دمشق الكبرى (أو حلقة الشيخ طاهر الجزائري):
وهي عبارة عن جمعية سرية سياسية، تكونت من أتباع ومريدي الشيخ طاهر الجزائري، أحد رواد الحركة الفكرية في دمشق آنذاك، وقد أدرك أتباع هذه الجمعية، ما آلت إليه الأوضاع العامة من سوء، فتزايد عدد أعضائها، وكان منهم بعض الأتراك، ومعظمهم من العرب، وبعضهم من العسكريين أمثال الضابط سليم الجزائري، والضابط أسعد درويش الطرابلسي، وأما القسم الأكبر فكان من المدنين، مثل شكري العسلي، وفارس الخوري، وعبد الوهاب الإنجليزي، ومن الأتراك أمير اللواء بدري بك، ومدير المعارف حسين عوني بك، وكان من أهم أهدافها، مقاومة استبداد السلطان عبد الحميد، وكان لمنتسبي هذه الجمعية اتصالات سرية مع رجال (تركيا الفتاة).
4 – حلقة دمشق الصغيرة:
جمعية سرية تأسست في دمشق عام 1903م، من طلبة الصفوف الأخيرة في مدرسة الحكومة الثانوية بدمشق، بالإضافة إلى عدد من الشباب الذين كانوا يدرسون في الخارج، وتأثروا بحلقة الشيخ طاهر الجزائري، ونتج عن احتكاكهم بحلقة الشيخ طاهر، أن تولدت لديهم نزعة قومية عربية، فألفوا جمعية دمشق الصغيرة، تميزاً لها عن جمعية دمشق الكبيرة، التي كان يرأسها الشيخ طاهر، وكان ألمع نجوم حلقة دمشق الصغيرة محب الدين الخطيب، الذي كان صلة الوصل بين الحلقتين، وكان هدفها المعلن قراءة اللغة العربية وآدابها، وقراءة التاريخ العربي الإسلامي، وأما الهدف الخفي فكان بعث العروبة من رقادها، وكان برنامج هذه الجمعية السياسي محدداً، يطالب بحكم لا مركزي، وجعل اللغة العربية لغة رسمية، في مدارس الحكومة، ودواوينها، ومحاكمها.
5 – جمعية النهضة العربية:
تأسست في الأستانة عاصمة الدولة العثمانية عام 1905م، وكان منتسوبها أصلاً هم من منتسبي حلقة دمشق الصغيرة، الذين جاءوا للعاصمة العثمانية للقراءة معاهدها العليا، وكان محب الدين الخطيب، وعارف الشهابي من روادها، الذين عكفوا على تعليم الطلاب العرب لغتهم العربية، وبثوا فيها الفكرة القومية بحذر شديد، وقام عبد الكريم الخليل، وشكري الجندي بتأسيس هذه الجمعية، وجعلا مركزها دمشق، وانتخب محب الدين الخطيب رئيساً لها في الأستانة ثم في دمشق، ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الجمعية، تعتبر أول جمعية قويمة عربية منظمة، وكان لها فضل كبير في بعث الشعور القومي.
ب – الجمعيات والأحزاب السياسية في المرحلة الثانية، بعد الانقلاب الدستوري عام 1908م:
تعددت الجمعيات العربية والأحزاب السياسية في البلاد العربية، بعد الانقلاب الدستوري عام 1908م، وبخاصة في بلاد الشام، ويمكن أن نستعرض أهم تلك الجمعيات والأحزاب كم يلي:
1 – جمعية الإخاء العربي العثماني:
تعتبر هذه الجمعية أولى بوادر التكتل العربي العلني وأكبرها، وقد نشأت من تجمع رجالات العرب الواعين، وممثليهم في الأستانة، إثر الانتخابات النيابية الأولى، التي جرت بعد إعلان الدستور العثماني، عام 1908م بفترة وجيزة، ومن مؤسسي هذه الجمعية شفيق العظم، وصادق العظم، وشكري الأيوبي من دمشق، ويوسف شتوان من طرابلس الغرب، وشكري الحسيني من القدس، وكان ممن لبى الدعوة، وانتسب للجمعية وأيدها، عبد الوهاب الإنجليزي، وحقي العظم، وعبد الحميد الزهاوي، ورضا الصلح، وحسن حيدر، والشيخ رضا، وقد نص نظامها الأساسي على حق كل عربي بالانتساب إليها شريطة أن يكون حسن الخلق والسيرة، وغير فاقد لحقوقه المدنية، وتم تحديد صفة العربي في نظامها الأساسي، بأنه الشخص المولود في بلاد العرب، ويتكلم اللغة العربية، والذي اتخذ بلاد العرب وطناً له، وهو تعريف مرن، يتماشى مع فكرة الانفتاح العربي، لإتاحة الفرصة لكل من يريد الانتماء للعرب، أو الاندماج في العروبة من غير أصل عربي.
وقد نص نظام الجمعية كذلك على أهدافها، التي يمكن أن نوجزها فيما يلي:
1- معاونة جمعية الاتحاد والترقي، في سبيل المحافظة على أحكام القانون الأساسي.
2- جمع كلمة الملل المختلفة بدون تفريق في الجنس والمذهب، وتمكين الرابطة الجامعة بينهم لخدمة الدولة العثمانية، وإصلاح الشؤون المختلفة.
3- السعي لإعلاء شأن الأمة العربية، واتخاذ جميع الوسائل والتدابير، لنشر أنوار العلوم، والمعارف بين أبنائها، ومن ذلك تأسيس المدارس وطبع الجرائد، وزيادة ثروة الأهالي ببذل النصح والإرشاد لهم، وإقناعهم بتأسيس المعامل، والشركات الزراعية، والتجارية، والصناعية، وتوطين البدو، وتنوير عقولهم بالعلم، وصيانة حقوق أبناء العرب جميعاً، وتبليغ شكاياتهم إلى مراجعه الرسمية.
4- بذل أقصى الجهود لتحقيق المنافع الخيرية، والسعي في تأييد العدل، والحرية، والمساواة بين عناصر الأمة العثمانية، وإزالة الضغائن، وسوء التفاهم من بينهم (دروزة، محمد عزة، نشأة الحركة العربية الحديثة ص350)، وقد قررت الجمعية أن تفتح لها فروعاً في الأقاليم العربية جميعها، وأنشأت لتلك الغاية جريدة تبنت آراءها وأهدافها، ولكن الاتحاديين قاوموا هذه الجمعية، والتي كانت ترغب جادة في معاونتهم، وطاردوا منتسبيها من الضباط العرب، وقرروا إغلاقها عام 1909م، وإغلاق الجريدة الناطقة باسمها، والتي كانت تصدر باللغة العربية في بيروت، باسم جريدة المفيد، التي كان يرأس تحريرها عبد الغني العريسي.

2 – المنتدى الأدبي:
تم إنشاء هذا المنتدى عام 1909م، في السنة التي تلت إعلان الدستور العثماني، وبعد أن تم خلع السلطان عبد الحميد وإغلاق جمعية الإخاء العربي العثماني، وكان معظم الذين أقدموا على تأسيسه من الطلاب العرب، الذين كانوا يدرسون في الأستانة، ومن أبرزهم عبد الكريم قاسم الخليل، من مدينة صور، ويوسف سليمان حيدر، من بعلبك، وجميل الحسيني، من القدس، وسيف الدين الخطيب، من دمشق، وعاصم بسيسو، من غزة، ورشدي صالح ملحس، من نابلس، ورفيق سلوم من حمص، وقد بدأ المنتدى بداية متواضعة حيث سلم شكري الحسيني، أمين صندوق جمعية الإخاء العربي العثماني، ما تبقى في الصندوق من مال، وقيمته ستون ليرة ذهبية لرئيس المنتدى عبد الكريم الخليل، وسلمه أيضاً ما كان في نادي تلك الجمعية من أثاث، بعد أن كان الاتحاديون قد أغلقوها كما أسلفنا.
وكان المنتدى مكاناً يلتقي فيه الشباب العرب في الأستانة، يقيمون فيه الحفلات التي تلقى فيها القصائد والخطب، والكلمات في المناسبات المختلفة بهدف التوعية القومية، وكان ذلك يقوي الروابط بين المترددين على هذا المنتدى، ويسهم في التوعية القومية، وأدبية والعلمية، وكان طابع العروبة هو السائد في المنتدى، فاجتمع في رحابه المسلم السني والشيعي، والدروز والمسيحيين على اختلاف طوائفهم، كأخوة عرب متحابين، هدفهم مجد العروبة وبعثها.
وغدا المنتدى بيتاً يجتمع فيه أبناء العروبة من شتى بلدانهم، بغض النظر عن مذاهبهم وأديانهم، فنجحت فكرته واستمر يؤدي رسالته، لمدة ست سنوات أي حتى سنة 1915م، وظل مزدهراً طوال تلك الفترة، يخدم الفكرة العربية، ويعمل من أجل بعث اليقظة العربية الحديثة.
وكان أبناء العرب يترددون عليه على اختلاف مشاربهم وميولهم، من نواب، وطلاب، وموظفين وسياسيين، فيتبادلون الأحاديث، ويبحثون في الوسائل والسبل التي تساعدهم على بعث العروبة، وتذكير العرب بأمجادهم القومية، وحقوقهم وضمانها، وقد أصدر المنتدى مجلة باسمه، وأسند الإشراف عليها للسيدين أحمد عزت الأعظمي، وعاصم بسينو، وكانت هذه المجلة تتناول في دراساتها، كل ما له علاقة بتاريخ العرب، ولغتهم وآدابهم، وكانت تخصص صفحاتها لأقلام شعرائهم، وأدبائهم، وعلمائهم، وكتابهم.
وكان عبد الكريم الخليل، الذي اختير لرئاسة المنتدى شخصاً نشطاً، وداعياً قوياً للقومية العربية، وكان شديد الحرص على إثبات ولاء العرب للإخاء التركي، والدولة العثمانية، ولكن عدداً كبيراً من الشباب الذين انتموا إلى المنتدى، كانوا من منتسبي الجمعيات السرية، التي تطورت أهدفها، وراحت تدعوا إلى الانفصال عن الدولة العثمانية، خاصة بعد عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913م، وبعد أن تطور موقف الاتحاديين من المطالب العربية، وتنكرهم لها، بدئهم في مقاومة الحركة العربية، وشعر الاتحاديون أن المنتدى أصبح من أكبر العوامل المؤثرة في بعث القومية العربية من رقادها، وكبح جماح العنصرية التركية، فأصدروا قرارهم بإغلاقه عم 1915م، وملاحقة رموزه، وخاصة رئيسه عبد الكريم الخليل، الذي كان من أوائل الضحايا، الذين ضحوا بأرواحهم من أجل دعوتهم لبعث القومية العربية، وقد ذكرت المصادر عدداً من نشيطي ذلك المنتدى، منهم عزت الجندي من حمص، وسامي الصلح من بيروت، وأحمد قدري، وعبد القادر الجزائري من دمشق، وخليل حمادة، وهو عربي من مصر، والزعيم العراقي طالب النقيب، والضابط المصري المشهور في الجيش العثماني، عزيز علي المصري، ونواب العرب في الأستانة، مثل شفيق العظم، ورشدي الشمعة، وشكري العسلي، ورضا صالح، وعبد الحميد الزهاوي، وغيرهم كثير، حتى بلغ عدد منتسبي هذا المنتدى حوالي 800 عضواً، كما أن بعض المدن العربية في بلاد الشام والعراق أنشأت أندية على غراره، وانضم إليها مئات الشباب من العرب.
3 – الكتلة النيابية العربية:
حزب نيابي عربي تكون في آذار عام 1911م، للدفاع عن حقوق العرب في جميع أرجاء الدولة العثمانية، بغض النظر عن ميولهم الحزبية الأخرى، وكان من أبرز رجاله والقائمين عليه شكري العسلي، وعبد الحميد الزهاوي، وشفيق المؤيد العظم، ورشدي الشمعة من دمشق، وسليم سلام، من بيروت، وروحي الخالدي، وسعيد الحسيني، من القدس.
الجمعية القحطانية:
تأسست في الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية عام 1909م بصورة سرية، وقد اختلف الباحثون حول أسم مؤسسها، فمنهم من قال بأنه عبد الكريم الخليل، ومنهم من قال بأنه سليم بك الجزائري، وآخرون ذهبوا إلى أنه خليل باشا حمادة، وهي أول جمعية سرية عربية، تتكون بعد إعلان الدستور العثماني، من عسكريين ومدنيين، وكانت غايتها الأساسية جمع كلمة العرب، وتوحيد صفوفهم، وقد أنظم إليها عدد من رجالات العرب، مثل عبد الكريم الخليل، وحسن حمادة، والدكتور عزت الجندي، وعلي النشاشيبي، وعادل أرسلان، وأمين لطفي وحافظ وغيرهم، وقد اتخذ أعضائها السرية سبيلاً لتحقيق أهدافها، التي من أهمها تكوين دولة ذات تاج مزدوج، أي أن السلطان العثماني يضع على رأسه في عاصمته تاج المملكة العربية، وتاج المملكة التركية، وأن تتكون المملك العربية من جميع الولايات العربية، ويكون لها مجلس نيابي خاص وإدارة محلية مستقلة، وقد كانت هذه الدعوة جريئة، تؤدي في نهاية المطاف إلى تمزيق وحدة الدولة العثمانية، وإعطاء العرب كياناً سياسياً خاصاً بهم، وكان من أهم أهدافها أيضاً إعادة تحويل الدولة العثمانية إلى اتحاد عربي- تركي، على شاكلة الاتحاد النمساوي – المجري.
الجمعية العربية الفتاة:
تعتبر من أهم الجمعيات العربية السرية، التي نشئت بعد إعلان الدستور العثماني، حيث فكر عدد من الشباب العرب، الين يدرسون في استانبول، بتكوين جمعية تضمهم، كما كانت جمعية الاتحاد والترقي تخص الأتراك، فالفكرة بدأت في عاصمة الدولة العثمانية، واختمرت في دمشق، ولكنها رأت النور في باريس، في 14 تشرين الثاني عام 1909م، وكان هدفها من البداية، العمل للنهوض بالأمة العربية إلى مصاف الأمم الحية، والعمل بكل جد لتحقيق هذه الأمنية، مع عدم الانفصال عن الدولة العثمانية، ولكن هذا البرنامج تم تعديله في ربيع عام 1915م، وأسفر ذلك التعديل عن برتوكول دمشق في أيار عام 1915م، حين اتجهت النية نحو العمل لاستقلال بلاد العرب وتحريرها، وبعد عودة المؤسسين من باريس إلى بلاد الشام، انتقل رمز الجمعية إلى بيروت عام 1913م، وتولى الدكتور أحمد قدري إدارة فرعها في دمشق، ولكنها اضطرت إلى نقل مقرها العام إلى دمشق، بعد إعلان الحرب العالمية الأولى، وكان أعضاء هذه الجمعية خليط من العسكريين والمدنيين، وعرف من بينهم رستم حيدر، ومحمد الحمصاني، وجميل مردم، وعوني عبد الهادي، وعبد الغني العريسي، وتوفيق الناطور، ورفيق التميمي، وكان تأثير هذه الجمعية في بلاد لشام كبيراً جداً.
وكان على كل عضو من منتسبيها، أن يقسم اليمين بأنه عليه(بذل كل جهد لإيصال الأمة العربية إلى مصاف الأمم المتقدمة، الحرة المستقلة الكبرى)، وكان يقسم أيضاً بأن عليه أن يضحي بالنفس، والمال في سبيل المبدأ، وقد اتصفت هذه الجمعية، بإتباع التكتم الشديد في دعوتها السرية، التي كانت تهدف أولاً إلى النهوض بالأمة العربية، وتمتعها بالحكم الذاتي، ولكنها طورت أهدفها كما أسلفنا، وسعت للعمل من أجل استقلال العرب عن الترك، وإنشاء دولة عربية ذات سيادة، في المنطقة العربية الواقعة في غربي أسيا، وظل العثمانيون يجهلون مقر الجمعية، ولا يعلمون عن أعضائها شيئاً لشدة تكتمهم وإخلاصهم لمبادئها، حتى في أحلك الأوقات التي تعرضوا فيها للتعذيب، والإرهاب والسوق إلى المشانق، حيث كان للجمعية أسلوبها الخاص في اختيار أعضائها، فلم تضم إلا من عرف بحسن الخلق، والأمانة، الكتمان، وقوة النفس والجراءة، بالإضافة إلى التشبع بالفكرة القومية، والتحمس لها.


حزب اللامركزية الإدارية العثماني:
نشا هذا الحزب في كانون الأول عام 1912م، على يد بعض أفراد الجالية السورية في مصر، وهو حزب سياسي، غايته أن تتولى كل ولاية إدارة شؤونها الداخلية بنفسها، لأن ذلك سيؤدي إلى إصلاح شؤونها، وإبعاد الخطر عنها، وقد نمت فكرة هذا الحزب وتطورت في أعقاب الحرب البلقانية، التي أدت إلى انفصال إقليم البلقان عن جسم الدولة العثمانية، فأسرع دعاة اللامركزية إلى تأسيس هذا الحزب، خشيت أن تنفصل الأقاليم العربية عن الدولة العثمانية، أسوة بالأقاليم البلقانية أيضاً، وكان من أشهر الرجالات الذين قاموا على تأسيسه، رفيق العظم، ومحمد رشيد رضا، والدكتور شبلي شميل واسكندر عمون، وحقي العظم، ومحب الدين الخطيب، وسامي الجريديني، وعزت الجندي، ونعمان أبو شعر، وقد أختار هؤلاء من بينهم رفيق عظم ليكون رئيساً للحزب، واسكندر عمون نائباً له، وحقي العظم، سكرتيراً عاماً ومحب الدين الخطيب، مساعداً له، وكان برنامج الحزب يقوم على المطالبة بجعل الإدارة الحكومية في الولايات، قائمة على أساس اللامركزية، لا في الولايات العربية وحدها، بل في جميع ولايات الدولة العثمانية الأخرى.
وكان رجال جماع الاتحاد والترقي يراقبون أعماله، ويتابعون نشاطه بعدم الرضى، لأن الحزب كان يقوم بدور نشط في المجال السياسي، قبيل قيام الحرب العالمية الأولى، وكان لأعماله أثر واضح في بعض اليقظة القومية العربية، فقد كان له فروع في معظم المدن الشامية، وكان على اتصال بالجمعيات والأحزاب الأخرى، في بلاد الشام، والعراق، ومع المنتدى الأدبي في الأستانة، وكان الدخول في الحزب مباح لكل عثماني بلغ العشرين من العمر، متمتعاً بالحقوق المدنية، وغير محكوم عليه بحكم مخل بالشرف.
وظل الحزب قائماً بعد قيام الحرب العالمية الأولى، وكان له دور واضح في المؤتمر العربي الأول، الذي عقد في باريس في حزيران عام 1913م.
7 – جمعية بيروت الإصلاحية(أو الجمعية العمومية الإصلاحية):
تكونت هذه الجمعية في بيروت، في 31 كانون الأول عام 1912م، أثر وصول حزب الحرية والائتلاف العثماني إلى الحكم، الذي تبنى اللامركزية في الإدارة، وسمح للولايات بتكوين جمعيات عمومية إصلاحية فيها، من أعيان المدينة المسيحيين والمسلمين، وقد بلغ عدد الأعضاء الذين وقعوا لائحتها الأساسية – بعد أن عقدوا عدة جلسات في دار بلدية بيروت – 86 عضواً منتخبين، لتمثيل جميع الطوائف والمذاهب، وكانت اللامركزية هي الأساس، الذي ارتكزت عليه المطالب الإصلاحية لهذه الجمعية، وكان في مقدمة مطالبها جعل اللغة العربية لغة الدوائر الحكومة الرسمية، وأن يكون رؤساء تلك الدوائر ممن يعرف العربية، كما طالبت بأن يكون موظفو كل ولاية من أبنائها، وأن يؤلف مجلس تمثيلي خاص بكل ولاية، وأن تكون اللغة العربية لغته الرسمية، وأن يكون من اختصاصه إقرار الميزانية الخاصة بولايته، وأن تتولى كل ولاية الأعمال المحلية للحكومة في الولاية، كالمعارف، والتجارة، والزراعة، والأشغال العامة والصحة، وغير ذلك، وأن يقضي أبناء الولاية خدمتهم العسكرية في ولاياتهم في غير أيام الحرب، (وأين يكون في دوائر الولاية الحكومية مستشارون من دولة أجنبية، توافق العاصمة على اختيارهم وتعينهم).
وقد أعلنت الجمعية عن برنامجها في شباط عام 1913م، فلاقى ترحيباً كبيراً في بلاد الشام، وتأييداً شعبياً في العراق ومصر، وراحت تظهر جمعيات إصلاحية على غرار هذه الجمعية في البصرة، وبغداد، وغيرها من البلاد العربية، فأسرعت حكومة الاتحاديين بحل الجمعية متعذرة بحجة إدخال مستشارين أجانب في الجمعية، وقد نتج عن حل هذه الجمعية استياء كبير في جميع الأوساط العربية.
وقد أحتج أهالي بيروت على أمر الوالي بإغلاق جمعيتهم الإصلاحية وأرسلوا ذلك الاحتجاج في برقيات إلى الصدر الأعظم، ووزير الداخلية العثماني والى صحف الأستانة، ومما جاء فيها (نحن الموقعين بذيله، ملاكين وتجار، وصيارف، وأطباء، ومحامين، وصحفيين، وأدباء من كافة طبقات الشعب، وجميع لطوائف في بيروت نعرض لفخامتكم، أن الحكومة المحلية أصدرت أمراً بحل الجمعية العمومية الإصلاحية، مع أنها شكلت بصورة شرعية، وحصلت على إيصال من الوالي السابق اعترافاً بقانونيتها، وأن مطالبها ليست مغايرة للقانون الأساسي، بل إنها مجرد حاجات للسكان، وجاءت إظهاراً لرغبات الأهالي، لذلك نحتج على هذا العمل بكل قوانا).
وأرسل حزب اللامركزية في مصر، برقية احتجاجية إلى الصدر الأعظم بهذا الخصوص، جاء فيها (مصادرة والي بيروت لجمعيتها الإصلاحية في عملها القانوني، استبداد منكر، ومضيع لآمال الأمة، وموجب للتقاطع بين الهيئتين، تداركوا سوء العاقبة بعزل الوالي، ونقض عمله ولا تسنوا للشعب سنة سيئة بمخالفة القوانين) (دروزة، المصدر نفسه ص142)، ولكن الوالي لم يغير موقفه، وأيدته الوزارة في ذلك، ثم راح يصدر أمراً بتعطيل الصحف الإصلاحية، وبمطاردة من اعتبرهم المحرضين للناس على الإضراب، وقد منيت الحركة الإصلاحية في دمشق بنفس ما حصل في بيروت، فاستعمل الوالي عارف المارديني الشدة مع الناس، واعتقل بعض المتحمسين، وعطل الجرائد الداعية للإصلاح).
وأما عن العراق فقد استطاعت حركة الإصلاح هناك وبخاصة في مدينة البصرة، أن تصمد أكثر من غيرها بفضل حيوية ونشاط زعيمها طالب النقيب، وأنصاره الذين التفوا حوله، ثم بفضل حيوية ونشاط النادي العلمي في بغداد، وجريدة الدستور البغدادية، التي راحت تنشر المقالات الاحتجاجية على السياسية التي انتهجها الاتحاديون آنذاك.
وهكذا نلاحظ عزيزي القارئ، أن هذه الأحزاب والجمعيات، وغيرها من الجمعيات التي لم نعرض لها، مثل الجمعية الثورية العربية، وحزب العهد الذي أسسه عزيز علي المصري، من الضباط العرب عام 1913م، وجمعية العلم الأخضر وغيرها، كلها كانت تهدف إلى التوعية القومية، وإصلاح أحوال العرب، ونادت في البداية بضرورة تحسين أحوال العرب، وبقائهم تحت الراية العثمانية، ولكن معاملة الاتحاديين القاسية كانت سبباً في تطور العلاقات العربية التركية تطوراً سلبياً، وهذا ما سنبينه في الموضوع التالي، المتعلق بالعلاقات العربية التركية، بعد الانقلاب الدستوري عام 1908م، وحتى قيام الحرب العالمية الأولى 1914م.
المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913م:
لم تمض أيام قليلة على حل الجمعية الإصلاحية في بيروت، حتى قام خمسة من الشباب العرب، الذين كانوا يدرسون في باريس آنذاك وهم: عبد الغني العريسي، وعوني عبد الهادي، ومحمد المحمصاني، وتوفيق فايد، وجميل مردم، وكلهم من أعضاء الجمعية السرية (العربية الفتاة)، بالدعوة إلى عقد مؤتمر يدعى إليه أحرار العرب، لمناقشة أوضاع العرب في الدولة العثمانية، واتصلوا من أجل تحقيق ذلك الغرض ببعض الشخصيات العربية المتواجدة في باريس آنذاك، ممن هم أكبر منهم سنناً وأكثر خبرة، مثل شكري غانم، وندرة مطران، وغيرهما، واستقر الرأي في النهاية، إلى دعوة الجالية العربية في باريس، إلى اجتماع من أجل ذلك الهدف، فتم الاجتماع يوم 11 آذار عام 1913م، وانتخبوا هيئة تحضيرية للمؤتمر من ثمانية أشخاص، وبدأت على الفور مراسلة حزب اللامركزية في مصر، على اعتبار أهداف ذلك الحزب هي أهداف المؤتمر، وطلبت من الحزب أن يكون هو راعي للمؤتمر، وبعد حصوله على موافقة الحزب، وجهت دعوة عامة لأبناء الأمة العربية، للاشتراك في المؤتمر، أو تأييده بالبرقيات والرسائل، وحددت المواضيع التي سيبحثها ذلك المؤتمر على النحو التالي:
1- الحياة الوطنية ومناهضة الاحتلال.
2- حقوق العرب في المملكة العثمانية.
3- ضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية.
4- المهاجرة من سوريا والى سوريا.
وتم افتتاح المؤتمر في 18 حزيران عام 1913م، حيث عقدت جلسته الأولى في قاعة الجمعية الجغرافية في باريس، برئاسة السيد عبد الحميد الزهاوي، وعقد المؤتمر أربع جلسات، كان أخرها يوم 23 حزيران 1913م، وبحث في جلساته تلك، الموضوعات أنفة الذكر، وقد أكد المؤتمر في النهاية على أمرين:
1- أن العرب أمة واحدة، تربط بينها وحدة اللغة، والتاريخ، والآمال، والمصالح المشتركة.
2- المطالبة بنظام اللامركزية في الحكم لاعتبارات، منها، أن الاستقلال التام لا يلقى تأييد المسلمين في الدولة، كما أنه يتضمن خطر الوقوع تحت سيطرة الدول الأوربية.
وأما عن أسباب عقد المؤتمر، فقد تحدث رئيسه عبد الحميد الزهاوي قائلاً (... إن ما حدث في ولايات الدولة العثمانية بأوربا من الحوادث الخطيرة الشأن، دعانا إلى التفكير في الحال الجديدة التي دخلت فيها، واتخاذ الوسائل الضرورية لاتقاء نتائجها، ذلك من جهة، ومن جهة ثانية، فإن العرب يؤلفون عنصراً مهماً بوحدة لغته، وعاداته وميوله، وإن هذه الصفات أحدثت له حقوقاً كانت مهملة حتى الساعة، ولذلك جئنا لنطلب بصفة عثمانية أن نشترك بالإدارة العامة، وأن نعرض على الحكومة بصفتنا عرباً – مطالب خاصة بقوميتنا).
وكانت كلمة اسكندر عمون، أكثر الكلمات التي تمثل الاتجاه العربي في المؤتمر، وقد جاء فيها (توهم بعض أنصار النظام المركزي من أخواننا الأتراك، أن الغرض من النهضة العربي، الانفصال عن الدولة وهو أمر بعيد عن الصحة.. ثم قال والنتيجة أن الأمة العربية لا تريد الانفصال عن الدولة، وإنما نريد استبدال نظام الحكم الحاضر، بنظام يناسب حاجة كل العناصر على اختلاف شؤونها، فيكون بمقتضاه لأهل كل ولاية الكلمة العليا في إدارة شؤونهم الداخلية، ومعنى ذلك أننا نريد حكومة عثمانية، لا تركية، ولا عربة، حكومة يتساوى فيها جميع العثمانيين بالحقوق والواجبات، فلا يستأثر فريق بحق من الحقوق، ولا يحرم فريق من حق من الحقوق، لا بداعي الجنس، ولا بداعي الدين).
أما موقف الدولة العثمانية من المؤتمر، فقد عارضته أولاً ولكنها بعد أن فشلت في التقليل من شأنه، انتدبت مدحت شكري، وهو أحد أقطاب جمعية الاتحاد والترقي لحضور المؤتمر، فسافر إلى باريس واجتمع برجالات المؤتمر، وبعد المباحثات تم الاتفاق بين الطرفين، فعاد عبد الكريم الخليل، بصحبة مدحت شكري إلى استانبول، وأعلنت حكومة الاتحاديين عزمها على إدخال الإصلاحات التي طالب بها المؤتمر في الولايات العربية، وأصدر السلطان فرماناً حول ذلك في 3أب عام 1913م، ولكن الاتحاديون تنكروا فيما بعد للاتفاق، ودفع كل من الزهراوي، والخليل، وغيرهما من رجالات العرب، حياتهم ثمناً لتلك المطالب على يد جمال باشا، على الرغم من أن الزهاوي والخليل، كانا من دعاة الانسجام مع الدولة العثمانية، والقبول بما أعطته حكومتها كخطوة أولى.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .