انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة السابعة

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة محمد عبد الله عبد فزع المعموري       12/03/2017 11:01:47
الاسبوع السابع

عصر الخلافة (316-422هـ / 929-1031م)
تولى عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الإمارة ولُقب بالناصر لدين الله سنة 300هـ/912م وهو في الثالثة والعشرين من عمره وقد رشحه جده للإمارة قبل وفاته على الرغم من وجود أعمامه وأعمام أبيه الذين هم أحق منه بالإمارة شرعاً، وذلك لمؤهلاته وصفاته الحميدة.
من أجل السيطرة وضبط البلاد أتبع عبد الرحمن الناصر (الثالث) سياسة تقوم على الترغيب والترهيب أو على الشدة واللين مع المتمردين والثوار، فاصدر منشوراً عاماً إلى الثوار، يطلب منهم فيه ضرورة العودة إلى الطاعة وقدم لهم الوعود لكل من يستجيب من مال وسلطان، ويهدد كل من لا يمتثل منهم بالحرب والتشريد ومصادرة الأموال، وأرسل الكتب بذلك إلى نواحي البلاد، فاستجاب بعضهم، واستبشر الناس بهذا الأمير خيراً، ثم أعد جيشاً كبيراً لمحاربة بقية الثوار الذين لم يستجيبوا منهم: عبيد الله بن أمية المعروف بابن الشالية في جيان، وتمكن من إخماد ثورته كذلك أحمد بن محمد بن حجاج في أشبيلية الذي أذعن للأمير الأموي، ثم رأى من الضروري أن يقضي على رأس الأفعى عمر بن حفصون وأولاده في ببشتر (مالقة) كما ذكرنا سابقاً.
وفي سنة (317هـ/930م) تمكن الخليفة عبد الرحمن من إخماد ثورة الجليقي في بطليوس بعد حصاره لمدة سنة، كما حارب الثائر ابن سعيد بمدينة باجة ودخلها بعد هدم أبراجها وقتل من عصاه من أهلها. وهكذا قضى على الفتن وعادت الوحدة إلى بلاد الأندلس من جديد.
كذلك قام بتغيرات في النظم الإدارية وتعيين وزراء وقضاة أكفاء ومن المتغيرات إعلان الخلافة الأموية في الأندلس سنة (316هـ/929م).
في سنة 316هـ/929م قرر الأمير عبد الرحمن الثالث إعلان الخلافة في الأندلس وتلقب بلقب خليفة وأمير المؤمنين وأتخذ لقب الناصر لدين الله على غرار ألقاب الخلفاء العباسيين والفاطميين وأمر أن يخاطب بذلك في المراسلات الرسمية ويدعى له به على المنابر ويُثبتذلك في أعلامه وطرازه وسكته (النقود) فكان أول من يتخذ ألقاب الخلافة من أمراء بني أمية في الأندلس.
ويعود ذلك لعدة أسباب أهمها:-.
1- ضعف الخلافة العباسية في تلك الآونة وتحكم القواد الأتراك بالحليفة حتى أصبح ألعوبة بأيديهم.
2- قيام خلافة شيعية فتية معادية في المغرب ومصر هي الخلافة الفاطمية زاد من شدة المنافسة بين الأمويين والفاطميين.
3- انتصار الأمير عبد الرحمن الثالث على الثوار والتمرد وخاصة عمر بن حفصون وسيطرته على البلاد وإنهاء حالة الفوضى والاضطرابات وعودة وحدة البلاد شجعته على إعلان الخلافة.
4- الإستجابة لرغبة الأندلسيين في أن يكون خليفة للمسلمين والذين كانوا يلقبونه بأمير المؤمنين قبل إعلانه للخلافة.
وبهذا الإعلان أصبح في العالم الإسلامي ثلاثة خلفاء في آن واحد بعد إن كانت الخلافة وحدة واحدة لا تقبل التجزئة وكانت ردة الفعل الشديدة لإعلان الخلافة الأموية في الأندلس من قبل الفاطميين إذ اعتبروه تحدياً لهم وتعدياً على حق من حقوق أئمتهم واستمرت المنازعات بينهم ولم يلبث ذلك أن تطور إلى الصِدام المسلح بين هاتين الخلافتين الأموية في قرطبة والفاطميةفي القاهرة.

الحكم المستنصر (350-366هـ/ 961-976م)
تولى الحكم المستنصر الخلافة وكان قد قارب الخمسين من عمره وكان حكيماً عالماً واسع الثقافة خبيراً بشؤون الحكم والسياسة إذ أن أباه أشركه في تدبير شؤون الدولة وكان يميل إلى الحياة الهادئة وكان محباً للقراءة والعلم والاهتمام بجلبه الكتب من مراكز الثقافة في المشرق ولاسيما بغداد وكان له وكلاء في هذه المراكز يبادرون إلى شراء كل جديد منها ويرسلونه إليه حتى ضمت مكتبته ما يزيد على 400 ألف مجلد في مختلف فنون العلم والمعرفة. كما جذب بلاطه بقرطبة نخبة من العلماء من المشرق والمغرب على حد سواء مثل أبي علي الغالي صاحب كتاب (الأمالي)، والمؤرخ القرطبي ابن القوطية صاحب كتاب (تاريخ افتتاح الأندلس)، ومحمد بن حارث الخشني الذي استدعاه الحكم المستنصر من القيروان إلى قرطبة تقديراً لعلمه فعاش في كنفه، وألف له كتاب (قضاة قرطبة) فكان شغفه بالعلم وإكرامه العلماء سبباً هاماً في وضع الحركة العلمية في الأندلس إلى الأمام، ولكن هذا النشاط العلمي لم يصرفه عن شؤون الحكم والسياسة والعمل على المحافظة على المكانة السامية التي بلغتها الدولة الأموية في عهد أبيه، فواصل السياسة الخارجية التي أنتهجها أبوه، خاصة السياسة العدائية للخلافة الفاطمية في المغرب ثم انتقالها إلى مصر والعلاقات الدبلوماسية مع الدولة البيزنطية ودول وإمارات المغرب الإسلامي.

المصدر: محاضرات في تاريخ المغرب والاندلس، د. رضا هادي عباس، د. كريم عاتي الخزاعي


ثالثاً:- الدولة العامرية (فترة الحجابة) (366-399هـ/976-1009م)
توفي الخليفة الحكم المستنصر سنة (366هـ) وتولى مكانه ولده هشام المؤيد على الرغم من صغر عمره (12 سنة)، ولهذا ظهر اختلاف في الرأي فمن يتولى الخلافة، ولم يلبث هذا الخلاف أن أدى إلى ظهور أحزاب ما بين مؤيد ومعارض لخلافة هشام وآخر لا مبالي وكانت تولية هذا الطفل للعرش الأموي في الأندلس غلطة كبيرة وقع فيها الحكم المستنصر لأنه ولاه الخلافة على الرغم من وجود أخوته المؤهلين لمثل هذا المنصب.
وفي النهاية انتصر حزب السياسيين على حزب العسكريين من أمراء الصقالبة، ويقود حزب السياسيين محمد بن أبي عامر المعافري حيث فرض الوصاية على الخليفة الطفل، الذي لم يبق له من سلطات الخلافة غير الاسم، وأنتقل حكم الدولة في الحقيقة من الأسرة الأموية إلى الأسرة العامرية المتمثلة بالوالد محمد بن أبي عامر المعافري والملقب المنصور وولديه عبد الملك المظفر وعبد الرحمن شخول الذي استمروا حتى سنة (399هـ) وبعدها ظهرت الفتنة الكبرى التي أدت إلى إلغاء الخلافة الأموية نهائياً سنة (422هـ).
ومن هنا يمكن القول أن حكم بني أمية للأندلس ينتهي بوفاة الحكم المستنصر سنة (366هـ)
ليبدأ عهد جديد هو (الدولة العامرية) الذي أخذت شرعيتها من حماية الخليفة هشام المؤيد
والحكم باسمه.
استطاع المنصور بن أبي عامر أن ينفرد بالسلطة في الأندلس من خلال استحواذه على الأمور وعزل الخليفة هشام المؤيد الذي لم يبقى له في الحكم غير الاسم وأصبح محمد بن أبي عامر الذي شغل منصب الحاجب (رئيس الوزراء) في عهد الخليفة الحكم المستنصر هو الحاكم الفعلي بعد أن نجح في القضاء على منافسيه من أفراد الأسرة الأموية ومن رجالات الدولة البارزين والقوى المعادية له في البلاد، متبعاً سياسة التفرقة وتحريض البعض على البعض الآخر، وحبك الدسائس والمؤامرات مع كسب ود الفقهاء ونساء القصر.
وبعد أن صفى له الجو ودانت له الأمور تلقب بالمنصور وبذلك يقول ابن الخطيب في كتابه أعمال الإعلام (تاريخ إسبانيا الإسلامية) "كان بن أبي عامر آية في الدهاء والمكر والسياسة عدا لمصحفي على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب على المصحفي حتى قتله ثم عدا بجعفر بن علي من الأندلس على غالب حتى استراح منه ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه. ثم أنفرد ينادي صروف الدهر: هل من مبارز فلما لم يجده حمل على حكمه، ما نقاد له وساعده واستقام له أمره منفرداً بسابقة لا يشاركه فيها غيره".
وبعد انفراده بالسلطة، وليكسب شعبية كبيرة وجه نشاطه إلى جهاد الممالك المسيحية في الشمال الإسباني، فأخذ بغزوهم بنفسه بالصوائف والشواتي، وتقول المصادر التاريخية أنه غزاهم سبعاً وخمسين غزوة رغم مرضه بعلة النقرس (داء الملوك).
وسار في سياسته في المغرب على نفس سياسة الناصر والمستنصر التي تقوم على ضرورة الاحتفاظ بهذه العدوة (ضفة المغرب الإسلامي) تحت السيطرة الأموية لتكون خط الدفاع الأمامي ضد الخطر الفاطمي، ونجح في ذلك نجاحاً كبيراً بعد اصطناع زعماء قبيلة زناته وسنتحدث
عن بقية أعماله وولديه عبد الملك المظفر وعبد الرحمن شنجول في موضوع أهم الأحداث
في الدولة العامرية.
توفي المنصور بن أبي عامر في رمضان سنة (392هـ) عن عمر 65 سنة بعد أن تولى الحكم حقبة تقارب 25 سنة كانت في بعض جوانبها استمراراً لعصر الخلافة الأموية (عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر) وخاصة في ضبط الأمن والقضاء على الفتن داخل البلاد وغزواته ضد الممالك الإسبانية في شمال إسبانيا .
تولى الحكم بعده ابنه عبد الملك المظفر سنة 392هـ/1002م حيث ورث كثيراً من صفات أبيه، كالشجاعة والكفاءة الإدارية والبراعة السياسية والحزم وصلابة الإرادة، وكانت سياسته امتداداً لسياسة أبيه في مختلف النواحي، فقد استهل عهده بالقضاء على حركة قام بها الفتيان الصقالبة الذين استغلوا وفاة المنصور لإستعادة نفوذهم القديم، ثم أتبع نفس سياسة أبيه الجهادية ضد النصارى الإسبان الذين تنفسوا الصعداء حين توفي المنصور وأخذوا يعتدون على مناطق الثغور، فغزاهم سبع غزوات، وأوغل في أراضي برشلونة وقشتالة حتى أجبرهما على طلب الصلح المهادنة فعقده لهما، الأمر الذي جعل ملكيها يعترفان بقوة سلطانه، وليس ذلك فحسب، بل يحتكمان إليه في ما نشب بينهما من خلافات، كما سار على نفس سياسة أبيه الحازمة في العدوة المغربية، مما جعل زعماء قبائل زناته يستمرون في الخضوع له، الأمر الذي جعل الزنتانيين يصبحون من رجالاته فالحق أعداداً غفيرة منهم في جيشه جرياً على سياسة أبيه في إصطناع البربر، كما كافأ (المعز بن زيري بن عطية المغراوي الزناتي) ابن خصمه القديم، بأن ولاه على ممتلكات الأمويين في العدوة المغربية بدلاً من قائده (واضح الصقلبي) الذي استدعاه إلى الأندلس لحاجته إليه في مشاريعه الجهادية، واصطنع عبد الملك المظفر كذلك بني زيري بن مناد الصنهاجي وهو من حُكام الدولة الزيرية المتولية الإفريقية والمغرب للفاطميين أعداء الخلافة الأموية في الأندلس، فوفد إلى الأندلس بعض أمراء هذا البيت زاوي بن زيري فأكرمهم وأنزلهم بنواحي غرناطة فاستقروا فيها.
عندما توفي الحاجب عبد الملك المظفر سنة (399هـ/1009م) بالذبحة الصدرية في طريق عودته إلى قرطبة من غزوة كان قد غزا فيها إمارة قشتالة بعد حكم لم يستمر أكثر من سبع سنوات، فقام بالأمر بعده أخوه الحاجب عبد الرحمن المعروف بلقب (شنجول) لشبهه الكبير بجده شانجه من أمه وهو أحد الملوك الإسبان الذي حاول أن يرضي المنصور بن أبي عامر فأكرمه ابنته فتزوجها الحاجب المنصور وقتئذ فولدت له عبد الرحمن الذي أصبح الآن حاكم الأندلس.
كان الحاجب عبد الرحمن شنجول شاباً طائشاً مغروراً بنفسه، فاساء التصرف، وأنفق الأموال في غير وجهها ونسبت إليه أباطيل من القول والفعل، حتى كرهه الناس، وليس ذلك فحسب، وإنما سلك سلوكاً مغايراً لمسلك أبيه وأخيه مع الخليفة الأموي هشام المؤيد، ذلك انهما اكتفيا بالقبض على زمام السلطة الفعلية أي السلطة الزمنية، وتركا لهشام السلطة الروحية بوصفه الخليفة، وكانا يديرا دفة الحكم باسمه، أما شنجول، فطمع في هذه السلطة الروحية التي بقيت لهشام، وأراد أن يستأثر بها هي الأخرى لنفسه، أي طمع في الخلافة ذاتها، لذلك ولعلمه بأن هشاماً كان طيباً لا يرد طلباً، فضلاً عن أنه كان مغلوباً على أمره، فقد طلب منه شنجول أن يعهد إليه بولاية العهد، فوافق هشام على ذلك، وكتب له عهداً بولاية العهد وتلقب بالمأمون، الأمر الذي أغضب أراء البيت الأموي، فأحتجوا على شنجول وحتى على الخليفة هشام لأنه أطاعه في هذا الأمر، وهكذا حفر شنجول قبره بيده، إذ أن فكرة إغتصاب الخلافة من البيت الأموي في حد ذاتها كانت وحدها كفيلة بإثارة أهل الأندلس عليه، وكانت نتيجة هذا التصرف الأخرق وبالاً عليه بطبيعة الحال لم يكن في حسبانه، إذ لم يلبث أهل قرطبة انتهزوا فرصة مغادرته مدينتهم في طريقه لغزو النصارى في الشمال وأعلنوا الثورة عليه في سنة 399هـ ولم يكن قد تجاوز طليطلة بعد، ودعمت القبائل المضرية بني أمية الذين كان بدورهم يساندون هذه الثورة التي تزعمها الأمير الأموي محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر والذي خلع هشام المؤيد وأعلن نفسه خليفة وتلقب بالمهدي، وحينما علم الحاجب شخول بما جرى عاد إدراجه ليقضي على هذه الثورة ولكنه حينما أقترب من قرطبة تفرق عنه جنده من البربر ثم قُتل بعد ذلك، وبمقتله أنقضى عهد الدولة العامرية لتشتعل في الأندلس نار الفتنة الكبرى، والذي كان تصرفه الغير مسؤول السبب المباشر في إشعالها، والتي كانت لها نتائج سلبية بعيدة المدى كما سيأتي ذكره.

الفتنة الكبرى في الأندلس (الفتنة البربرية) (399-422هـ / 976-1031م)
بعد مقتل عبد الرحمن شخول، عاشت الأندلس في دوامة من الصراعات السياسية حول تسلم المناصب القيادية في البلاد ولم يكن الخليفة الأموي الجديد محمد المهدي بالمستوى المطلوب من الكفاءة والحنكة السياسية، فأرتكب العديد من الأخطاء الجسيمة التي تسببت في نشوب نار الفتنة، فلم يتخذ أعوانه من تسيير أمور الحكم من ذوي البيونات المشهورة والأكفاء الذين تمرسوا في السياسة وشؤون الحكم والإدارة، بل أتخذهم من العامة والغوغاء الذين لا خبرة لهم في مثل هذه الأمور الضرورية لاستقرار الدولة، وكان أول عمل قام به هو أن أرسل بعض أنصاره إلى سجن العامة فأطلقوا سراح من كان فيها من اللصوص والمجرمين، وأخذ هؤلاء اللصوص والغوغاء يعتدون على أهالي قرطبة بالسلب والنهب وخاصة مدينة الزاهرة وكان قد أعتصم فيها بعض أنصار الحاجب عبد الرحمن شخول الذي تبع هؤلاء حشود من العامة على مدينة الزاهرة (مقر الحكم) وتمكنوا من نهبها وتخريب قصروها ثم أمر الخليفة المهدي بتدميرها.
ولعل ما ذكره ابن الرقيق القيرواني في كتابه تاريخ إفريقية والمغرب يُعد أبلغ وصف لما حدث إذ يقول: "وأعجب ما روي أنه من نصف نهار يوم الثلاثاء لربع بقين من جمادي الآخرة إلى نصف نهار يوم الأربعاء، فتحت قرطبة، وهُدمت الزاهرة، وخلع الخليفة هو المؤيد، وولي خليفة وهو المهدي، وزالت دولة بني عامر العظيمة، وقتل وزيرهم محمد بن علاجة وأقيمت جيوش من العامة، ونكب خلق من الوزراء، وولي الوزارة آخرون، وكان ذلك علي أيدي عشرة فحامين وجزارين وزبالين وهم جُند المهدي".
ولم يكتف الخليفة المهدي بما فعله، بل ارتكب خطأ فادحاً آخر، إذ أخذ يستفز البربر ويظهر كراهيته لهم ويُحرض العامة في قرطبة عليهم، مع أنه بايعوه بالخلافة، ولذلك أظهر أهل قرطبة الكراهية للبربر ثم أنفجرت هذه الكراهية إلى عدوان، إذ هاجم عوام أهل قرطبة ونهبوا دورهم وأعتدوا على حريمهم ثم تم طردهم من قرطبة، وقام المهدي بالقبض على هشام وأخيه أبي بكر الأموي حيث قُتلا بين يديه، فكان ذلك خطأ آخر أرتكبه، إذ كان ذلك سبباً آخر للخلاف والفتن، إذ تسبب مقتلهما في تصدع البيت الأموي الحاكم وإنشقاق أفراده على أنفسهم.
فكان أن فر الأمير الأموي سليمان بن الحكم من قرطبة ولحق بالبربر الذين تجمعوا بظاهرها فبايعوه بالخلافة ولقبوه بالمستعين بالله، ونهضوا به إلى طليطلة وطلبوا العون من شانجه أمير قشتالة في شمال إسبانيا، فأمده بقوات كبيرة زحف بها وبما تجمع لديه من قوات البربر إلى قرطبة، فخرج الخليفة المهدي بأهلها، والتقى الفريقان في معركة أسفرت عن انتصار المستعين وقتل العديد من أهل قرطبة، حتى قيل أن عددهم بلغ عشرين ألفاً، ودخلها المستعين، حيث فر منها المهدي إلى طليطلة والذي لجأ هو الآخر إلى طلب المساعدة من الأمير القشتالي شانجه الذي غير سياسته وأمد المهدي بالعون وهكذا استمرت الحرب الأهلية بين مصادر القوى في الأندلس وخاصة في قرطبة التي أصبحت مسرحاً للفوضى والفساد، وخشي الناس فيها على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وانتشر اللصوص والمجرمون وقطاع الطرق في النواحي في غياب السلطة الرادعة يزيدون الأمور تعقيداً.
أما المستعين، فلم يتمتع بثمرة نصره طويلاً، إذ أن الفتنة فتحت باب الإنقلابات السياسية الذي بدأت تتوالى بشكل متواصل مما زاد في سوء الوضع وزاده تعقيداً، فلم تلبث أن نشبت ثورة كبيرة عليه تزعمها علي بن حمود أحد أمراء الأدارسة حيث تمكن من قتل الخليفة المستعين والاستيلاء على الحكم، ولكن لم يلبث أن قتل هو الآخر بعد فترة وجيزة فخلفه أخوه القاسم بن حمود الذي حاول أن يعيد الهدوء إلى قرطبة تمهيداً للقضاء على الفتن ولكن البربر الذين لم يكن يعجبهم ذلك، فتخلوا عنه وبذلك فقد قوته مما جعل أهل قرطبة يقومون بإقصائه وتنصيب أمير أموي آخر في منصب الخلافة، ولهذا فأن الفتنة الكبرى في الأندلس خلال الفترة (399-422هـ) أزالت حرمة الخلافة من النفوس، فأصبح من السهل خلع الخليفة أو قتله وإستبداله بآخر وفق الأهواء والمصالح وقد تمكن يحيى بن علي بن حمود الأدريسي من الوصول إلى الحكم، إلا أنه تم اغتياله بعد فترة وجيزة ونصب مكانه الخليفة هشام الثاني، وأخيراً نقول بأن نتيجة هذه الانقلابات والفتن كانت وبالاً على الأسرة الأموية بخاصة وعلى الأندلس بوجه عام، إذ أن ذلك أدى إلى سقوط الخلافة الأموية في الأندلس في سنة 422هـ/1031م بعد عزل آخر خلفائها هشام الثالث الملقب بالمعتمد بالله وإجلاء من تبقى من أبناء البيت الأموي عن قرطبة كما قال ابن الخطيب في كتابه أعمال الأعلام "مشى البريد في الأسواق والأرباض بأن لا يبقى أحد في قرطبة من بني أمية ولا يكفلهم" حيث قامت بقرطبة حكومة جماعية عُرفت بحكومة الجماعة كانت أشبه بالجمهورية برئاسة أبي الحزم بن جهور، أما باقي بلاد الأندلس فتمزقت إلى كيانات عدة وهي التي عُرفت في التاريخ بأسم عصر إمارات الطوائف (422-484هـ/ 1031-1091م).
أسباب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس
1- غياب القائد العادل والقيادة القادرة على ضبط الأمور وضُعف الخلفاء الأمويين بعد الحكم والمستنصر بسبب النظام الوراثي في الحكم.
2- الفصل بين السلطة الروحية وبين السلطة الزمنية.
3- التركيبة الاجتماعية في الأندلس من مكونات وعناصر مختلفة من عرب وبربر (مغاربة) وموالي وصقالبة ومولدين ومستعربين ويهود ونصارى التي كانت تميل إلى التكتل في بؤر عمرانية خاصة بها.
4- الإستعانة بأمراء وملوك الممالك الإسبانية في الشمال، لأن النصارى كانوا يناصرون فريقاً على الآخر بموجب المبدأ القديم الجديد "فرق تسد".
5- سياسة إضعاف العصبية العربية التي أتبعها الخليفة الناصر ومن جاء بعده، ذلك أن العرب كان هم سياج الدولة الأموية في الأندلس بالرغم من سلبياتهم وبتراجع مكانتهم وحلول البربر والصقالبة مكانهم، اضعف الدولة الأموية في الأندلس.
6- دور النساء في التدخل بشؤون السلطة والتحريض على التآمر على الحجاب العامريين كالسيدة صُبح أم الخليفة الأموي هشام الثاني وهي إسبانية الأصل والزلفاء أم محمد المهدي التي أتهمت بقتل الحاجب عبد الملك المظفر والحاجب عبد الرحمن شنجول.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .