انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية
القسم قسم التاريخ
المرحلة 4
أستاذ المادة كريم مطر حمزة الزبيدى
11/02/2016 09:26:18
نجم الدين اربكان...الصعود الى السلطة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ *
سورة هود ،الاية (56).
المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله خاتم الانبياء وسيد المرسلين وعلى اله الطيبين الطاهرين واصحابه الغر المنتجبين . لم تثر شخصية تركية من الجدل والاختلاف في النصف الثاني من القرن العشرين ماأثاره السياسي والمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور نجم الدين أربكان ، الذي أسس خمسة أحزاب سياسية وحكم وسجن وحظر نشاطه السياسي غير مرة ، وفرضت عليه الإقامة الجبرية . فقد مثل ظهور سياسي إسلامي في تركيا العلمانية يرتقي إلى السلطة بالوسائل الديموقراطية دون أن يتخلى عن مبادئه الإسلامية هي ظاهرة فريدة بالنسبة للدول الإسلامية . فالنظام العلماني طوال ثلاثة عقود كان يضع العراقيل تلو العراقيل أمام أربكان دون أن يثنيه ذلك عن مواصلة السير بأتجاه أسلمة المؤسسات العلمانية عبر طريق شاق ووعر، كانت له أصداؤه اللافتة للنظر لدى القارئ المسلم وأثيرت تساؤلات كثيرة في حينها حول إمكانية قيام تركيا من جديد بدور فاعل في الإسلام . كانت تركيا طيلة الحكم العثماني راعية للدين الإسلامي وسببا في وصول الإسلام إلى جنوب ووسط أوربا ، وأزالت من الوجود ممالك وإمارات أوربية قوية ، ومن ثمة أصبح هاجس الخوف من الإسلام مرتبطاً بتركيا ، لذلك سعت الكنيسة الكاثوليكية والصهيونية الماسونية إلى سلخ تركيا من تراثها الروحي وجذرها الإسلامي ، وإن أية محاولة لإعادة تركيا إلى صفوف الدول الإسلامية يقظ مضاجع الاوربيين قبل دعاة العلمانية في تركيا ، وأثبتت الأيام أن الكمالية لم تضرب بجذورها داخل المجتمع التركي وكانت طلاء باهتا لحقيقة مضمونها أن هذا المجتمع لم يتخل عن موروثه الإسلامي . فكان الصراع سياسيا واجتماعيا وفكريا بين التغريب والأسلمة ، لكن انحياز الدولة صوب التغريب جعل كفته الأرجح دائما ، مع ذلك لم يثن الإسلاميين عن مواصلة طريق إحياء الهوية الإسلامية لتركيا . وفي بحثنا هذا سعينا لتتبع منعرجات المواجهة بين الإسلاميين والعلمانيين ودور نجم الدين أربكان فيها ، ويمكن أن نستشف من ذلك الآتي :- ليس من قبيل المبالغة أو الانحياز أن يؤشر على نجم الدين أربكان بوصفه القائد الفعلي للحركة السياسية الإسلامية المعتدلة في تركيا بفعل عوامل عديدة منها مطاولته عبر أكثر من ثلاثة عقود وإصراره على أهدافه التي آمن بها وجاهد وعوقب من أجلها غير مرة ولم يتزحزح عن مواقفه الإسلامية أو يلجأ إلى ألتخلي عنها تحت أي ظرف من الظروف . إن برامج كل الأحزاب التي أسسها أربكان بدءاً من النظام والسلامة والرفاه والفضيلة والسعادة ، تنطلق من أساس إسلامي ثابت على الرغم من كل مانتج هذا الأساس من ضرر لمؤسسها وأصحابه . حاول أربكان المزاوجة بين الإتجاه الإسلامي والديمقراطية بمعنى إنه أراد أن يتولى الإسلام قيادة تركيا لكن بالأسلوب والمنهج الديمقراطي ، فلم يسع إلى إعلان ثورة إسلامية على غرار إيران ، ولم يلجأ إلى التنظيمات السرية أو الحركات المتشددة التي تؤمن بالعنف وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية . في سلوكه كان منسجما دائما مع الاعتبارات الدستورية وحتى مغادرته لمنصبه رئيسا للوزراء قد جاء وفقا لهذه الاعتبارات ، فضلا عن ذلك إن انتقاداته لممارسات خصومه كانت دائما من خلال التنبيه على خرقهم للدستور وللممارسات الديمقراطية فقدم انطباعا مغايرا عن المسلم السياسي فظهر رجلا أنيقا في ملبسه واسعا في تفكيره يحوز أعلى الشهادات في التخصصات العلمية ويجيد كل مقتضيات السلوك العصري المهذب . استخدمت في هذا البحث مجموعة من المصادر التي تناولت التاريخ التركي المعاصر واهمها كتاب ( السيف والهلال ) لرضا هلال وهو كتاب مهم تناول الطموحات للحركات الاسلامية في مواجهة العلمانية ودعم الجيش للعلمانية وانقلاباته المتكررة كلما يشعر قادة الجيش بتوسع نطاق النظام الاسلامي او عودته الى السلطة في تركيا . كما استخدمت كتاب ( تركيا وقضايا السياسة الخارجية ) لخورشيد حسن دلي وهو كتاب بحث في معطيات ومتغيرات السياسة الخارجية واثر الجيش وتدخل الدول العظمى او ضغطها احيانا على السياسة الخارجية التركية ، واستطيع القول الذي افادني كثيرا هي رسالة الباحثة منال محمد صالح والذي وجدت فصلا منها منشورا في مجلة جامعة كركوك حيث تناولت الرسالة فكر اربكان الاصلاحي الاقتصادي ومدة رئاسته للوزراء ومعالجاته للازمة الاقتصادية ورغبته في انشاء سوق اسلامية مشتركة كبديل للسوق الاوربية التي حاول السياسيين الاتراك الانضمام اليها لتحسين مستوى الاقتصاد التركي . وفي الختام ارجو ان يكون البحث اضافة علمية يستفيد منها الباحثين وطلبة الدراسات العليا المختصين بالشأن التركي ، والله من وراء القصد .
المبحث الاول اربكان - نشأته ، دراسته ، افكاره نشأته : ولد نجم الدين أربكان في 29 تشرين الاول عام 1926م في مدينة "سينوب" على ساحل البحر الأسود ، وأنهى دراسته الثانوية عام 1943م ثم تخرج في كلية الهندسة الميكانيكية بإسطنبول عام 1948م ، وكان الأول على دفعته فاشتغل معيدًا في الكلية نفسها ، ثم أرسلته جامعته في بعثة علمية إلى جامعة "آخن" الألمانية وقد ابتكر عدة ابتكارات وهو يدرس في ألمانيا لتطوير محركات الدبابات . أنهى الدكتوراه في ألمانيا في سنٍّ مبكرة ، عام (1956) ، وعمل أثناء دراسته في ألمانيا رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات "كلوفز - هومبولدت - دويتز" بمدينة كولونيا. وقد توصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات التي تعمل بكل أنواع الوقود ، وأخَذ أربكان صدًى واسعًا في الأوساط العلميَّة الألمانية ، وعَمِل بجانب أكبر المختصين الألمان في ذلك الوقت ، وبعد رجوعه إلى تركيا عُيِّن أستاذًا مساعدًا ، ليُعَد أصغرَ أستاذ مساعد في تركيا وكان عُمره عندئذ 27 عامًا(1) . وترقَّى أربكان في مناصبه العلمية ، حتى وصَل إلى أن أصبح "بروفسورًا" ، جاءت له فرصةٌ لأن يمكثَ في ألمانيا للعمل ، إلا أنه رفَض ، وقال: أنا أخذتُ العلم لأخدم بلدي ، فقام ووضَع حجرَ الأساس للصناعة القوميَّة ، حتى لا يكون الأتراك محتاجين إلى الغرب ، وكان أول إنجازٍ له تأسيس أوَّل مصنع للمحرِّكات ، والتي أصبحتْ تُنْتَج في كل أنحاء تركيا ، وتُصْنع ببراءة الاختراع إلى الآن، أسس مصنع "المحرك الفضي" مع نحو ثلاثمائة من زملائه. وقد تخصص هذا المصنع في تصنيع محركات الديزل ، وبدأ إنتاجها الفعلي عام 1960، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن ، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا واستطاع أن يُخْرِج هو وزملاؤه أوَّل "أوتوموبيل" قومي(2) . عمِل اربكان أستاذًا بجامعة إسطنبول ، كما كان عضوًا بارزًا في حزب العدالة برئاسة سليمان ديميريل ، وكذلك لمع اسمه كواحد من رجال الصناعة في تركيا بعدما تولى عددًا من المناصب التجارية والاقتصادية خلال عقد الستينيات من القرن الماضي . قبل ظهور الأستاذ أربكان سعَتْ جميع الأحزاب بشتَّى أفكارها لاستقطاب الشخصيات الإسلامية ؛ للاستفادة من أصواتها في الانتخابات ، وكسْب تأييدها ، ولقد بدأ الأستاذ أربكان بالظهور رسميًّا على الساحة السياسية عام 1969. هو العام الذي وُلِدت فيه حركة نجم الدين أربكان ونشَأ ما يُسمى بـ: الإسلام السياسي، وهو نقطة الكسْر في العلاقة بين الدين والسياسة في تاريخ تركيا الحديث ، ولم يُخْفِ الرجل حينها ميوله الإسلامية - التي أثارت حوله جدلاً واسعًا من قبل العلمانيين الأتراك الذين بدأوا حينها حربًا إعلامية ضده ، مما جعل ديميريل يرفض إدراج اسمه على قوائم الحزب الانتخابية في انتخابات 1969م تأكيدًا على الطابع العلماني لحزب العدالة ، بعدما شعر بتنامي قوة المجموعة ذات التوجه الإسلامي داخل حزبه (3). وقد لقب (بأبو السبعة ارواح) و(الخوجة)(4). افكاره : نشأ أربكان في كنف الطريقة النقشبندية برعاية شيخها "محمد زاهد كوتكو"(5) ، وأنشأ عام 1970 بدعم من تحالف طريقته مع الحركة النورسية حزب النظام الوطني الذي كان أول تنظيم سياسي ذا هوية إسلامية تعرفه الدولة التركية الحديثة منذ زوال الخلافة عام 1924(6) . صنع أربكان تيارا سياسيا واسعا أطلق عليه حركة «مللي جوروش» (فكر الأمة) عام 1969م ، وهي حركة تعكس أفكاره ورؤاه ، فقد أفرزت هذه الحركة كافة الأحزاب التي ألفها أربكان خلال نضاله السياسي ، بدءا بحزب النظام وانتهاء بحزب السعادة ، وحركة «مللي جوروش» هي أول حركة اسلامية ذات آلية تنظيمية حقيقية قامت في تركيا بعد سقوط الخلافة العثمانية ، وهي اسلامية تتبنّى الاسلام في منهجها وتدافع عن قضايا المسلمين في أنحاء العالم ، بالاضافة الى دخولها العمل السياسي ، والذي يُعَدُّ من أهم انجازاتها ، حيث استطاع رائدها ان يصل الى سُدة الحكم ، ويقدم نموذجه الاسلامي القائم على الاستقلال الاقتصادي ، واعطاء أهمية كبيرة للتربية . وتقوم هذه الحركة على ثلاثة أعمدة أساسية لها ، وهى ( المعنويات ، واعتلاء الحق ، وتربية النفس) والمعنويات تقوم على أساس ان العمل في الحركة هو الارتباط بالله عز وجل ، وهو شكل من أشكال الجهاد ، والسياسة أداة من أدوات الحركة ، فهي تستخدم السياسة كأداة للعمل لخدمة الاسلام ، أما فكرة الاعتلاء بالحق فتنطلق من ان الحضارة المعاصرة تحتل صدارتها بالقوة لا بالحق ، ولذلك يجب اعادة ميزان الصدارة والعلو ليكون بالحق ، أما فكرة تربية النفس فتنطلق من التسليم بأوامر الله عز وجل والمحاسبة الدائمة للنفس ، والاستعداد ليوم القيامة . ويعتقد أربكان ان هذه الأعمدة الثلاثة هي كيمياء الحركة ، وهي التي تمنح الأفراد الملتزمين بها الهداية بمعرفة الحق والباطل ، والفراسة بالفصل بينهما ، والدراية بطرق الدفاع عما تؤمن أنه حق ، ويعتقد أربكان ان الشخص الذي يمتلك تلك الهوية يستطيع ان يؤسس حضارة(7) . تأسيس حزب النظام الوطني : تولى البروفيسور أربكان رئاسة مجلس إدارة شركة مصانع المحرك الفضي (1956 - 1963م ) ، إلى جانب منصب مديرها العام ، ثم تولى منصب الأمين العام لاتحاد غرف التجارة والصناعة والبورصة التركية في عام 1967م ، وفي عام 1968م أصبح رئيساً للاتحاد حيث تخصصت الشركة التي اسسها اربكان وزملاؤه في تصنيع محركات الديزل وبدأت إنتاجها في عام 1960(8). وكان هناك مجموعة من التجار محتكرين هذه الصناعة ، فاجتمعوا به وقالوا له( إما تغلق المصنع أو نضربك في السوق ) فقال لهم ( التوفيق من الله) . فبدأوا ينزلون في الأسعار إلى أقل من سعر التكلفة لإخراجه من السوق ، فذهب لمدير غرفة التجارة اشتكي عليهم لمخالفتهم القوانين ، وفوجئ بأنهم قد رشوه فأصبح يتجاوز لهم ، لهذا قرر خوض انتخابات غرفة التجارة ، وفعلاً دخل الانتخابات وفاز وأصبح هو مدير غرفة التجارة ، وكانت هذه بداية تحول أربكان من التجارة إلى السياسة ، ثم بدأ يواجه مشاكل مع وزير التجارة الذي كان مرتشياً أيضاً(9) . فذهب للحزب الأقوى في الانتخابات وقال لهم: أنا أضمن لكم أصوات الإسلاميين بشرط أن أكون معكم وآخذ وزارة التجارة ، وفعلا وافقوا وفازوا بالانتخابات وأعطي أربكان حقيبة وزارة التجارة ، فبدأ بإصلاحات واسعة ، وفتح المجال للتجار الإسلاميين ، فبدأ رئيس الوزراء يضايقه ، وهنا جاءت فكرة إنشاء أول حزب إسلامي سياسي تركي ، وأسس حزب «الخلاص الوطني» ، كما كان سليمان ديميريل له دور للتحول في حياة أربكان ؛ عندما رفض ديميرل ادراج اسم اربكان في قوائم مرشحيه للانتخابات ، حيث رشح نفسه كنائب مستقل عن مدينة قونية ، التي كانت على امتداد تاريخ تركيا الإسلامي ، معقلاً إسلاميًّا ، وبالفعل استطاع أربكان تحقيق نصر كبير بفوزه بأغلبية أصوات أبناء المدينة. ولم يكتف أربكان بهذا بل بمجرد دخوله البرلمان استطاع لم شمل النواب الإسلاميين في البرلمان ليقوموا تحت زعامته في عام 1970م بإنشاء حزب جديد باسم "النظام الوطني" يعبّر ولأول مرة منذ إسقاط الخلافة عن ارتباطه الصريح بالإسلام ؛ حيث ورد صراحة في بيانه التأسيسي: "أما اليوم فإن أمتنا العظيمة التي هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل ألف سنة ، والذين فتحوا إسطنبول قبل 500 سنة ، أولئك الذين قرعوا أبواب فيينا قبل 400 سنة.. وخاضوا حرب الاستقلال قبل خمسين سنة.. هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها تجدد عهدها وقوتها مع حزبها الأصيل (النظام الوطني) الذي سيعيد لأمتنا مجدها التليد ، الأمة التي تملك رصيدًا هائلاً من الأخلاق والفضائل يضاف إلى رصيدها التاريخي ، وإلى رصيدها الذي يمثل الحاضر المتمثل في الشباب الواعي المؤمن بقضيته وقضية وطنه"(10). وقد لاقى الحزب قبولاً كبيرًا من الشعب التركي ، خاصة من التجار الصغار والحرفيين والرجال المتدينين في الأناضول ، فتوسع الحزب في مدة قصيرة جدًّا وبدأ يشكل تهديدًا خطيرًا للأحزاب العلمانية(11) . بالطبع لم يحتمل العسكر طويلاً مثل هذه المستجدات على الساحة التركية فجاءت ضربة الجيش التركي عن طريق القيام بثاني انقلاب عسكري بعد أتاتورك ، وفي شهر نيسان من عام 1971م أقامت الحكومة دعوى ضد الحزب ، فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قراراً بحلِّ حزب النظام الوطني ومصادرة أمواله وممتلكاته بعد أن جرَّمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني ، والعمل على إلغاء العلمانية ، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا ، و العمل ضد مبادئ أتاتورك ، وحكمت المحكمة بمنع أي عضو في الحزب من العمل في حزب آخر، أو تأسيس حزب آخر، أو ترشيح نفسه للانتخابات ولو بشكل مستقل ، وذلك طيلة خمس سنوات ، وبعد صدور حكم محكمة أمن الدولة العليا بحلِّ حزب النظام الوطني وحرمان مؤسسه وأعضائه من العمل السياسي لمدة خمس سنوات غادر البروفيسور أربكان تركيا(12). حزب السلامة الوطني : شعاره (سبابة متجهة الى الاعلى) وتعني عندهم (الله واحد) ، شارك في الحكم في ثلاث وزارات ائتلافية واحدة مع حزب الشعب الجمهوري واثنان مع حزب العدالة(13) . لم ييأس أربكان وعاد -بعد 17 شهرًا من إغلاق حزب النظام- ليؤسس حزبًا جديدًا بأسم "السلامة الوطني" في 11 تشرين الاول 1972م، ولكن بزعامة شخص آخر هو رفيقه في حزب النظام الوطني سليمان عارف ، إذ كان من الصعب تولية نجم الدين أربكان ، خاصة وأن الحزب كان مُقدم على انتخابات عام 1973م ، التي نجح الحزب في خوضها تحت زعامة سليمان عارف ، وحصل على 48 مقعدًا بالبرلمان التركي ، ثم ليعلن عارف إخلاء موقعه لزعيم حزب السلامة الحقيقي نجم الدين أربكان(14) . حانت الفرصة عندما احتدم الخلاف بين الحزبين الرئيسين في البرلمان (حزب العدالة والشعب الجمهوري) فاضّطُرا للائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان ، الذي استثمر هذه الفرصة ببراعة واستطاع الحصول على سبع وزارات مهمة - منها الداخلية والعدل والتجارة والصناعة- في الحكومة الائتلافية في عام 1974م ، بل وتقلد أربكان منصب نائب رئيس الوزراء ليستطيع بذلك أربكان أن يصنع أول اختراق إسلامي حقيقي للسلطة التنفيذية في الجمهورية العلمانية منذ تأسيسها على يد أتاتورك(15) . وقد حدث في هذه المدة الغزو التركي لقبرص، و كان غزوًا عسكريًا تركيًا بدأ في 20 تموز عام 1974 وحتى شهر اب من العام نفسه . ونزلت القوات التركية على الاراضي القبرصية ردًا على دعم المجلس العسكري اليوناني للانقلاب على نظام الحكم في قبرص وانتهى التدخل التركي في شهر أب من العام نفسه ، وقد انتهت العملية العسكرية بانتصار القوات التركية ، بعد انزال تركيا لجنودها في الجزء الشمالي من جزيرة قبرص في بداية الحرب (20 تموز عام 1974)، وسقوط المجلس العسكري اليوناني في أثينا بعدها بثلاثة أيام ، واعلان استقلال جهمورية شمال قبرص التركية على الجزء المحتل من شمال قبرص(16). اصل الازمة القبرصية بدأت المشكلة مع نيل قبرص الموحدة استقلالها من بريطانيا في أب 1960م ، فقد حصل الاستقلال بعد أن اتفق كل من القبارصة الأتراك واليونانيون على الغاء خطتي الإتحاد مع اليونان ومع تركيا ، وضم الاتفاق أن تحكم قبرص بموجب الدستور الذي يقسم المناصب الوزارية والمقاعد البرلمانية ووظائف الخدمة المدنية على نسب متفق عليها بين الطائفتين ، ولكن هذا التقسيم لم يحل المشكلة ، وخلال ثلاث سنوات من الحكم بدأ التوتر يطفو على السطح بين القبارصة اليونانيين والأتراك(17) . في 15 تموز 1974 قام القبارصة اليونانيون بانقلاب عسكري يدعمهم المجلس العسكري اليوناني وعزل الرئيس مكاريوس من منصبه وتولى نيكوس سامبسون فادعت تركيا أنه وبموجب معاهدة الضمان لعام 1960 فإن الانقلاب كان سببا وجيها للقيام بعمل عسكري لحماية الشعب القبرصي التركي ، فشرعت تركيا بإرسال حملة عسكرية إلى قبرص يوم 20 تموز 1974 ، فشل الانقلاب بعد تدخل تركيا العسكري وعاد مكاريوس إلى قبرص . وبدأت القوات التركية بالشروع في السيطرة على شمال الجزيرة (حوالي 37 ? من اجمالي مساحة قبرص) بعد عدة عمليات عسكرية في 1974م(18) . وفي القضية الفلسطينية ضغط أربكان على الحكومة الائتلافية ، إذ ما لبث أن صوتت تركيا في الأمم المتحدة لأول مرة منذ إعلان الجمهورية لصالح الحق الفلسطيني في استرداد أرضه المغتصبة من قِبل الصهاينة ، بل وزادت الحكومة بضغوط من جناح أربكان بالتصويت إلى جانب القرار الدولي الذي يعد الصهيونية حركة عنصرية ، فضلاً عن اعتراف تركيا بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني(19) . استطاع أربكان كذلك أن يحقق العديد من النجاحات ، مثل قيادة حملة للتنمية الصناعية ، مركّزًا على الصناعات الثقيلة ، إذ نجح في إقامة 70 مصنعًا خلال سنتين ، وذلك فضلاً عن افتتاح 30 مدرسة ، كما بلغ في عهد هذا الائتلاف عدد طلاب مدارس الأئمة والخطباء ما يزيد عن خمسين ألف طالب ، وعدل الاسم بموجب قانون 1739لعام 1973 لتكون(معاهد امام-خطيب) وسمح لخريجي هذه المعاهد بالدخول الى الجامعة التركية ، كما اقرت الحكومة الائتلافية في العام 1974-1975 التربية الاسلامية مادة الزامية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة(20). كما شهدت هذه المدة بداية ظهور الشاب رجب طيب أردوجان الذي تخرّج من مدارس الأئمة والخطباء ، وتولى منصب رئيس فرع الحزب في مدينة إسطنبول ، ولاقى نشاطه إعجاب الزعيم نجم الدين أربكان ، ثم ليتحول بعد ذلك الإعجاب إلى احتضان ورعاية للشاب الموهوب أردوجان ، الذي تنبأ له أربكان بمستقبل باهر(21). وعندما شعر حزب السلامة بقوته ، وبأنه صار جزءًا من الحياة السياسية في تركيا ، شرع مُنَظِّرو الحزب بشن حملة إعلامية منظمة على أسس العلمانية في تركيا وبينوا للناس إن الإطار السياسي لتركيا الجديدة يناقض المبادئ الأساسية للإسلام ، حيث يقضي الإسلام بتوحيد السلطات السياسية والدينية تحت سيطرة الدين ، وفي هذا المعنى ، فإن العلمانية ، والنظام العلماني ضد الإسلام ، والشريعة والدين وخاصة تطبيقها في تركيا ، وإن الخونة والكذابين هم وحدهم الذين يقولون بأن الدين والسياسة شيئان منفصلان ، لأن المسلمين لا يفصلون شؤون الدنيا عن شؤون الآخرة . وإن خالق القوانين الإسلامية هو نفسه خالق الإنسان ، لقد خلق الله الإنسان وفق هذه القوانين . وإن الإسلام نظام يصلح لكل زمان ، فهو يمثل كلاًّ من الدين والدولة ، وإن القرآن لم ينزل ليقرأ في القبور أو يغلق عليه في أماكن العبادة ، وإنما أنزل القرآن ليحكم . إلى جانب مطالبة الحزب بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني ، وضرورة وقف التعامل بالربا ، ووقف محاولات الانضمام إلى السوق الأوربية المشتركة ، وتركيزه على الدعوة لإنشاء سوق إسلامية مشتركة(22) . وبقدوم عام 1980م كانت السماء السياسية في تركيا ملبدة بالغيوم وتنذر بالكثير من الصواعق الخطرة ، فلقد نفذ صبر جنرالات الجيش التركي – حارس العلمانية - فأخذوا يتحينون الفرصة للانقضاض على حزب السلامة وزعيمه أربكان . وكانت الشرارة عندما أقام حزب السلامة مهرجانًا جماهيريًّا في مدينة قونية بعنوان "تحرير القدس"، وحضره مائة ألف تركي ، وعلته الشعارات الإسلامية ، والهتافات المنادية بتأسيس دولة إسلامية ، فسارع الجيش التركي بالانقلاب والاستيلاء على السلطة في 12 ايلول 1980(23). واتخذ الانقلابيون قرارًا بحظر حزب السلامة الوطني ، ووجهت لزعيمه أربكان وزملائه المجاهدين تهم تدور حول حرص حزب السلامة على إعادة دولة الإسلام لتركيا والتخلص من الأفكار العلمانية والمبادئ الكمالية(24) .
المبحث الثاني : اربكان وتأسيسه للأحزاب الاسلامية اربكان وحزب الرفاه الاسلامي . بعد مرور ثلاث سنوات على الانقلاب العسكري رفعت معظم القيود عن النشاط السياسي ، وسُمح للأحزاب السياسية بالتشكيل من جديد ، وكان من بين الأحزاب التي شكِّلت في هذه المدة "حزب الرفاه الإسلامي"، الذي تقدم المحامي علي توركان بطلب لوزارة الداخلية التركية في 9 اب 1983م لتأسيسه، بتنسيق مع زعماء حزب السلامة ، ومراعيًا أن يكون برنامجه الإسلامي أكثر غموضًا من برنامجي النظام والسلامة ، وتم قبول الحزب ، وما أن رُفع الحظر عن السياسيين التابعين لحزب السلامة بزعامة أربكان إلا وسارعوا بالانضمام لحزب الرفاه في ايلول 1987م ، ليتم اختيار نجم الدين أربكان رئيسًا للحزب في 11 تشرين الاول من العام نفسه . واستطاع حزب الرفاه بزعامة أربكان تحقيق فوز كبير في الانتخابات البرلمانية لعام 1991م ليعود إلى البرلمان التركي بـ 62 نائبًا ، وتتوالى نجاحاته باستحواذه على نسبة 18% من إجمالي الأصوات في الانتخابات المحلية التي أجريت في ايار 1994م ، ويفوز برئاسة البلديات العامة في 6 مدن كبرى على رأسها إسطنبول التي تولّى رئاستها تلميذ أربكان النجيب رجب طيب أردوجان(25). ثم يكلل أربكان نجاحاته السابقة بانتصاره الأكبر الذي حققه في الانتخابات النيابية عام 1995م بنسبة 21% من إجمالي أصوات الشعب التركي ، ليبلغ حزب الرفاه ذروة صعوده السياسي ؛ فلأول مرة يستطيع حزب إسلامي تحقيق المركز الأول من بين أحزاب البرلمان ، ليفرض حزب الرفاه نفسه حجرًا للزاوية في أي تشكيلة حكومية جديدة يراد لها الاستقرار والاستمرار، ويفتح أخيرًا المجال أمام وصول أول إسلامي إلى رئاسة الحكومة في تركيا ، وذلك عن طريق الائتلاف الذي ترأسه زعيم الرفاه نجم الدين أربكان ، بمشاركة حزب (الطريق القويم او الطريق الصحيح) في حزيران 1996(26). ان النموذج الذي صنعه اربكان حقق نتائجه عند اول تجربة له في المشاركة بالحكم وانعكس ذلك جليا في اختيار الحقائب الوزارية التي أسهمت في تحقيق نموذجه ، ففي عام 1996 عهد اليه الرئيس التركي سليمان ديميرل برئاسة الحكومة من خلال تحالف مع زعيمة حزب الطريق الصحيح (تانسو شيلر) تقاسم بموجبه اعضاء الحزبين المناصب السياسية ، وخلال مفاوضات تقسيم المناصب ركز اربكان على الوزارات التي ترتبط بنموذجه ، فمنح شيلر كل المناصب السيادية التي تثير حساسية العسكر ( الخارجية ، الدفاع ، الداخلية ، التعليم ، الصناعة والتجارة ) ، في حين تولى الرفاه الوزارات الخدماتية ( المالية ، الزراعة ، العمل ، الشؤون العامة ) ولم تفلت من يديه سوى وزارة التربية التي مثلت اكبر مطالبه واستعاض عنها بوزارة الثقافة لتساعده في نشر ارائه وافكاره(27) . وقام أربكان بطرح رؤيته الاقتصادية التي لا تعالج الوضع المتدهور في تركيا فقط , بل تعد علاجًا لأزمات العالم أجمع ، وذلك من خلال بلورته للـ"نظام الاقتصادي العادل" الذي يعالج فيه أمراض تركيا الاقتصادية والتي عدّها في خمسة أمراض هي: 1- الربا. 2- الضرائب المجحفة. 3- صك النقود بلا رصيد. 4- النظام المصرفي الجائر. 5- نظام القروض(28). كما دعا أربكان من خلال رؤيته لاعتماد السوق الإسلامية المشتركة بديلاً عن السوق الأوربية المشتركة(29). إلى جانب ما أنجزه أربكان على الصعيد الديني حيث أقام جامع ضخم في منطقة "تقسيم" –أحد الأحياء الراقية في إسطنبول- ، وآخر في محيط القصر الجمهوري في أنقرة ، وسماحه للموظفات بارتداء الحجاب في الدوائر الرسمية ، والسماح للحجاج بالتوجه لأداء مناسك الحج كل سنة برًّا عبر الأراضي السورية توفيرًا للنفقات بدلاً من إلزامية التوجه جوًّا(30) .
فكر اربكان الاصلاحي تقوم فلسفة اربكان الاصلاحية المسماة (النظام الاقتصادي العادل) على طرح مناهج اصلاحية تتناول الجوانب المختلفة للمجتمع التركي ومن بينها الاقتصاد ، حيث يرى ان دور الدولة يجب ان يتمثل بأعداد الخطط للمناطق المختلفة وخطة عامة للدولة ككل وللفعاليات الاقتصادية ليسيرها الافراد بحيث تكون الدولة مجرد مساعد لهم في فعالياتهم وبحيث يستطيع المواطن في قطاع الزراعة والصناعة والخدمات ان يختار المشروع ذو الربح الجيد ويعمل اما عن طريق الافراد او عن طريق الشركات او الافادة من الاوقاف ، كما يجب على الدولة ان لا تقتصر بخدماتها على كبار المستثمرين وانما تفتح المجال لكل شخص لاختيار المشروع الذي يناسبه مع تحديد الضرائب وسعر الصرف ، وقال اربكان" انه يجب ان لايكون سبيلنا الاقتصادي من اتى الي بمشروع سأدعمه) ، فمن حق المواطن الحصول على القروض التي يطلبها ، ويجب على الدولة تجنب طبع العملات بدون رصيد لان ذلك سيؤدي الى خلل في الاستقرار(31). دعا اربكان الى تقليل الضرائب الباهضة التي تجنيها الدولة ، وهذا يعني حرمان الدولة من مورد مهم من مواردها الا انه يرى بأن فرض ضرائب عالية لها انعكاس سلبي على الاقتصاد حيث انها ستقلل من نسبة الاستهلاك لدى الطبقات الدنيا وبالتالي سيقل الطلب على الانتاج فيضعف الانتاج(32) . من وجهة نظر اربكان ان بأمكان الدولة دعم مواردها بطرق اخرى من خلال ملكيتها لعدد كبير من الموارد من امثال الغابات والمعادن والمؤسسات العامة التي تستطيع ان تتيح للمستثمر الافادة منها لقاء حصة معينة ، وعليه يرى اربكان ان على الدولة فرض الضرائب مقابل الخدمات التي تؤديها وليس من حق الدولة فرض الضرائب كيفما تشاء لتخالف بذلك (النظام الاقتصادي العادل)(33) . اما فيما يتعلق بالفوائد (الربا) فقد عالجها اربكان في النظام الاقتصادي العادل بوضعه لسبعة انواع من القروض كلها بدون فائدة ولا تسبب التضخم وهي ( الشراكة ، القروض مقابل حق مكتسب ، القرض مقابل العمل ، القروض مقابل الرهن ، القروض مقابل سندات السهم او الطلب التجاري ) وسندات السهم تحل محل التي يصدرها النظام الرأسمالي (الربوي) ، أكد اربكان انه في حالة تطبيق اسس النظام العادل فأن الاسعار سترخص ولن يكون هناك تضخم لان التضخم هو مرض النظام الرأسمالي وسيزيد الانتاج وتزول البطالة وتزداد الصادرات ، لأن الاسعار في الدولة التي تطبق النظام الاقتصادي العادل ستكون ارخص من مثيلاتها في اي مكان اخر وهذا يمنع الخلل من توزيع الثروة القومية ، طرح اربكان سوق اسلامية مشتركة بديلا ( للسوق الاوربية المشتركة ) ، لامتلاك العالم الاسلامي ثروات هائلة ونسبة سكان عالية تتجاوز 1،5 مليار نسمة ، وهذا يمكن ان يخلق سوقا اقتصاديا ضخما تلبي احتياجات اقطاره وتحقق نهضة كبيرة وشاملة(34) .
اربكان رئيسا للوزراء عندما تولى اربكان رئاسة الحكومة التركية حزيران 1996 طرح برنامجه الحكومي على البرلمان التركي وتضمن ثلاث محاور تهم الجمهور وتؤكد على الناحية الاقتصادية والتحول من النظرية الى التطبيق ، والاستمرار في محاربة الفساد والرشاوي التي كانت متفشية سابقا ، ووضع خطط صناعية ومشاريع كبرى مثل خطوط الغاز والبترول ومحطات الهيدروليك والمحطات النووية والحرارية ، وكان من بين المشاريع التي سجلت لصالح حكومة اربكان اقرار انشاء مفاعل نووي لانتاج الطاقة الكهربائية في موقع (ال كويونلو) التابع لقضاء سليفه على البحر المتوسط قبالة جزيرة قبرص ، كما عمل اربكان مع قضية الديون الداخلية والخارجية والضرائب واوجد الحلول لها . اما في علاقاته الخارجية فقد نادى اربكان منذ ظهوره على المسرح السياسي على ضرورة اقامة العلاقات التركية مع الدول العربية والاسلامية في كافة المجالات ولاسيما الاقتصادية ، وكان قد زار السعودية في السبعينات للمشاركة في مؤتمر القمة الاسلامي الذي انعقد بالرياض في اذار 1974 ، وكانت اول مشاركة لتركيا في مؤتمر اسلامي ، وعندما تسلم السلطة في حزيران 1996 قام بجولة اسيوية زار فيها ( ايران ، باكستان ، سنغافورة ، اندونيسيا ، ماليزيا ) لغرض فتح منافذ جديدة للتعاون الاقتصادي وذلك من خلال عقد الاتفاقيات الاقتصادية وقد رافقه 150 شخصا من رجال الاعمال والتجار والخبراء والاقتصاديين الاتراك(35). عقد مع ايران صفقة لتجهيز تركيا من الغاز الطبيعي الايراني وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين ، اما مع سنغافورة واندونيسيا وباكستان وماليزيا فقد وقع معها عدد من البروتوكولات في مجالات الصناعة والتجارة والتعليم وزيادة حجم التبادل وتوظيف رؤوس الاموال في انشاء المشاريع في ماليزيا ، كما انه زار مصر في 2 تشرين الاول 1996 ووقع عدد من الاتفاقيات شملت الاستثمارات التركية المصرية واقامة معارض للمنتجات المصرية والتركية في ميناء الاسكندرية ، وقد اصر اربكان على زيارة ليبيا بالرغم من المعارضة له وكان هدف الزيارة اعادة العلاقات معها وللمطالبة بمستحقات شركات تركية بذمة ليبيا ولفتح مجالات اقتصادية مع الجمهورية الليبية(36).
مشروع الدول الثمانية حقق اربكان واحدا من اهم طموحاته التي عبر عنها في حملاته الانتخابية في اتجاه تطوير علاقات تركيا مع العالم الاسلامي فقد تمكن من تأسيس مجموعة الدول الثمانية الاقتصادية التي ضمت (تركيا، ايران، باكستان، بنغلادش، اندونيسيا، ماليزيا، نيجيريا، مصر) ، وقد ولدت هذا المشروع لقناعة اربكان بعدم الجدوى من انتظار موافقة الاتحاد الاوربي على انضمام تركيا اليه(37) . فقد كان اربكان ومنذ اواخر الستينات من اشد المعارضين لانضمام تركيا للاتحاد الاوربي ، وقد وصفه في حملته الانتخابية عام 1995 بأنه ( نادي مسيحي ) تشكل بناءا على توصية البابا(38) ، وطرح اربكان فكرة المبادرة لأنشاء سوقا اسلامية مشتركة وتوسيع علاقات تركيا التجارية مع الدول الاسلامية بدلا من السعي الى عضوية المؤسسات الامبريالية(39) . شعر الجيش التركي بالخطر على النظام الأتاتوركي ، فقام بتصعيد ضغوطه على حكومة أربكان من خلال مطالبتها بتنفيذ العديد من الإجراءات – بلغت 18 مطلبًا - بذريعة حماية علمانية الدولة التركية ، مما وضع أربكان في وضع بالغ الحرج ؛ فهو لا يستطيع قبول هذه المطالب التي تهدم ما بناه في سنوات وسنوات ، مثل مطالبتهم بمنع أي دعوات مؤيدة لتطبيق الشريعة الإسلامية ، وحظر ارتداء الحجاب للنساء ، إضافة إلى تجريم أي نشاط سياسي له دوافع دينية ، وإغلاق مدارس تعليم القرآن الكريم التابعة للإسلاميين ، ووقف بناء المسجد الجديد في حي "تقسيم" بإسطنبول ، فضلاً عن فصل 160 من ضباط الجيش لارتباطهم بالتيار الإسلامي ، وفصل بعض حكام الولايات لانتماءاتهم الإسلامية . ولم يكن في استطاعة أربكان تجاهل "إملاءات" الجيش التركي مما دفعه للاستقالة ليتم ما أراده الجيش في عام 1997م فيما سمّي "بالانقلاب الأبيض" ، الذي اكتملت معالمه بحظر حزب الرفاه ، وتقديم أربكان إلى المحاكمة العسكرية بتهمٍ كثيرة أهمها انتهاك علمانية الدولة ، ليصدر قرارها بمنع أربكان من مزاولة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات كاملة(40) .
تأسيس حزب الفضيلة وحزب السعادة : لم يكن قرار المحكمة الدستورية بحل حزب الرفاه مفاجئًا للإسلاميين ، بل كانوا يتوقعونه في أية لحظة ، وكان أربكان يخطط لمواجهة هذا الموقف عند حدوثه ، فوضع مشروعًا لتأسيس حزب يخلف الرفاه في حالة حله ، وبعدما مُنع أربكان من العمل السياسي أعلن إخوانه وتلامذته الذين لم يصدر بحقهم أحكام تأسيس حزب "الفضيلة" ، الذي انتخب لرئاسته رجائي قوطان في كانون الاول 1998م . خاض حزب الفضيلة الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نيسان 1999م ليفوز بـ 115 مقعد ، وتم التجديد لقوطان في انتخابات الحزب عام 2000م ، بعدما نال أغلبية الأصوات بمجموع 632 صوتًا في مقابل 521 صوتًا نالها منافسه "الشاب" عبد الله جول ، وكانت هذه المنافسة غير المألوفة أولى بوادر الظهور الإعلامي لجيل جديد من أبناء الحركة الإسلامية يحمل نفس القناعات ولكنه بدأ يفكر في تطوير أساليب العمل السياسي بما يتوافق مع الوضع التركي المعقد ، ومحاولاً الاستفادة من الخبرات التي تكونت لدى أبناء الحركة الإسلامية التركية على مر السنين ، وكان عبد الله جول ورجب طيب أردوجان من أبرز رموز هذا الجيل الشاب(41) . على أية حال فقد واجه حزب الفضيلة ما واجهته الأحزاب الإسلامية التي سبقته ، عبر حملات شنتها الصحف ووسائل الإعلام العلمانية ، في الوقت نفسه حرص أركان النظام التركي على تشديد الحصار حول نجم الدين أربكان ، ولم يكتفوا بالحكم الصادر بمنعه من العمل السياسي ، فتم استصدار حكم في 5 تموز 2000م من محكمة التمييز يقضي بسجن أربكان لمدة عام ، بتهمة التحريض على " الكراهية الدينية والعرقية "، وحرمانه من العمل السياسي مدى الحياة(42). ثم قررت المحكمة الدستورية التركية في حزيران 2001م حل حزب الفضيلة الإسلامي ، والذي كان يعد القوة السياسية الثالثة في البلاد ، حيث وجه له الادعاء التركي تهمة تهديد النظام العلماني في البلاد ، وبأنه استمرار لحزب الرفاه الإسلامي(43) . جاء حل حزب الفضيلة ليؤكد اقتناع جيل الشباب الذين أطلق عليهم في تركيا "المجددون المعاصرون" بحاجة الحركة الإسلامية أن تعيد ترتيب أوراقها بما يناسب الحالة التركية ، ومن هنا كان تأسيس هذا الجيل الجديد لحزب جديد واختاروا له اسمًا موحيًّا وهو "العدالة والتنمية" ، بينما سار "شيوخ" الحركة في اتجاه تأسيس حزب جديد باسم "السعادة" على نفس النهج الأربكاني في الأحزاب الأربعة التي سبقته(44) . بعد إصدار قرار من المحكمة الدستورية بإغلاق حزب الفضيلة في 22 حزيران 2001 م ، اتجه التيار المحافظ في حزب الفضيلة لتأسيس حزب أطلق عليه اسم السعادة في أب 2001 م ، ويحمل شعار الهلال وبه خمس نجوم ، فالهلال رمز للمحبة والشفقة والتسامح ، والنجوم يقصد بها الأحزاب الإسلامية السابقة والتي تعرضت لمضايقة وحل ، من قبل السلطات العلمانية على مر السنين ، والخمس هم حزب النظام والسلامة و الرفاه والفضيلة وأخرها السعادة ، إضافة لذلك فإن النجوم الخمس تعبر عن الحب والسلام ، والأخوة والعدالة ، والحرية و العزة والشرف ، وتعبر عن حماية حقوق الآخرين وصولاً للرفاهية(45) . وفي الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت في تشرين الثاني 2002م استطاع حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوجان رئيس بلدية إسطنبول السابق تحقيق نصر ساحق باحتلاله لـ363 مقعدًا من البرلمان التركي ، فيما أخفق حزب "السعادة" بزعامة رجائي قوطان في الدخول إلى البرلمان حيث لم يتمكن من الحصول على نسبة 10% من أصوات الناخبين(46) . ترأس أربكان حزب السعادة في عام 2003م ، وفي ايار 2007م بدأ الزعيم الإسلامي تطبيق عقوبة الحبس المنزلي - عقوبة تطبق في تركيا على كبار السن والشيوخ المحكوم عليهم بالحبس لمدة تقل عن 3 سنوات - لمدة سنتين وأربعة أشهر الصادرة ضده من المحكمة العليا بأنقرة في ادعاء وتهمة تبديد مبلغ يساوي مليون دولار من المخصصات الرسمية التي تمنحها الدولة للأحزاب البرلمانية ، وذلك وقت أن كان رئيسًا لحزب الرفاه ، وكان الحكم الصادر ضد الزعيم الإسلامي أجل تنفيذه 4 مرات ؛ بسبب حالة أربكان الصحية . وفي أب 2008م صدَّق تلميذ أربكان الرئيس التركي عبد الله جول على عفو رئاسي يرفع عقوبة الحبس الصادرة ضد أربكان ، ليعود الزعيم مجددًا إلى ساحة العمل السياسي ويتم انتخابه في تشرين الاول 2010م رئيسًا لحزب السعادة ، المنصب الذي ظل يشغله حتى وافته المنية(47) . توفي في يوم الأحد 27شباط 2011م الموافق 23 ربيع الأول 1432 هـ في أحد مستشفيات أنقرة عن عمر ناهز 84 عاماً. شيعه ملايين الأتراك ، ومن ورائهم المسلمون في أصقاع العالم ، وذلك بمشاركة الرئيس عبد الله جول ، ورئيس الوزراء رجب طيب أردوجان ، الذي قطع زيارة رسمية لأوربا لحضور جنازة "المعلم" والمؤسس للحركة الإسلامية الحديثة في تركيا ، ورفيق دربه رجائي طوقان . إلى جانب زعماء إسلاميين منهم المرشد العام السابع لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف ، ورئيس حزب النهضة في تونس الشيخ راشد الغنوشي ، وممثلون عن حركة حماس ، وزعماء إسلاميون، والكثير من العلماء والقيادات الإسلامية في العالم(48) .
الخاتمة من صفات نجم الدين اربكان الصبر والاصرار على مشروعه السياسي الذي مثل التيار الاسلامي في تركيا لمدة طويلة ، وحاول ان يكون اتاتورك بصفة الاسلام لا بصفة العلمانية ، فأذا كان مصطفى كمال اتاتورك ابا النظام العلماني في تركيا الحديثة ، فأن اربكان كان ابا الاسلام السياسي هناك ، وحاول جاهدا في ارجاع تركيا سواء اقتصاديا او اجتماعيا او سياسيا الى المسار الذي عرفه الاتراك عبر التاريخ ، مسار السلام والتقيد بقوانينه ، ولكن كان الجيش التركي في طليعة المتصدين لتيار اربكان ، وعلى الرغم من ذلك لم يتوانَ الإسلام السياسي في العمل، على الرغم من المحاولات العديدة من قبل العلمانيين والتي سعت إلى إضعافهم و?ايقافهم عن العمل، لجوءاً منهم لتوظيف كل إمكانيات الدولة للإطاحة بهم ، مما دفع بالاسلاميين الجدد أخذ العبر والدروس من الماضي اقتناعاً بضرورة التناغم مع العلمانيين والتعايش معهم ، ضمن رؤية جديدة تكفل للجميع العمل بحرية . وأثبت الإسلام السياسي بثورته الصامتة بدءاً بأربكان ووصولاً لأردوغان ، مدى الإصرار والعزيمة لديهم ، في الوصول للهدف دون الاكتراث بالعراقيل التي كانت توضع أمامهم ، مع وجود فارق بين المحافظين والجدد في الإسلام السياسي ، والذي أظهر حزب العدالة والتنمية في تأكيده على ضرورة مواكبة التطور، وهذا يتحقق من خلال توجه تركيا للغرب ، والذي يتطلب إثبات أن نظام الحكم أصبح نظاماً مدنياً وديمقراطياً ، وهذا يستدعي من تركيا عدم الدخول في صراع قد يؤثر على وضعها الإقليمي والدولي ، والذي كانت أسبابه عبر السنوات الماضية هو الصراع بين العلمانيين والإسلاميين . إن الاختلاف بين الإسلاميين والعلمانيين لم ينتهي ، لكن نستطيع القول أن طرق الصراع فيما بينهم اختلفت عن السابق ، فأدواته الجديدة من الممكن وصفها بالأدوات الناعمة إذا ما قورنت بأدوات الماضي . ويبقى نجم الدين اربكان علامة فارقة في تاريخ تركيا السياسي لصموده الكبير بوجه العلمانية ، ورفع الاسلام من جديد في الواجهة السياسية التركية رغم ماتعرض له من عراقيل وملاحقات من الجيش .
الهوامش 1- منال محمد صالح ، نجم الدين اربكان مفكرا اقتصاديا ، مجلة جامعة كركوك للدراسات الانسانية ، العدد 2، السنة الرابعة (2009) ص97. 2- طلال يونس عبد الجليل ، قراءة في افكار النخبة السياسية في تركيا ، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل ، 2007 ، ص70. 3- راغب السرجاني ، قصة اردوغان ، ط4، دار الكتب المصرية ، القاهرة ، 2012 ، ص50. 4- منال محمد صالح ، المصدر السابق ، ص97. 5- محمد زاهد كتكو:هو احد مؤسسي تكية اسكندرباشا للطريقة النقشبندية ، اتخذ من جامع اسكندر باشا مقرا له منذ عام 1958 ، كان معروفا بعدائه للغرب ومؤمنا بأهمية التصنيع للتحرر من الهيمنة الاجنبية وكان له اثر كبير في صياغة افكار اربكان الاسلامية . للمزيد ينظر : طارق عبد الجليل السيد ، الحركات الاسلامية في تركيا المعاصرة ، دراسة في الفكر والممارسة ، تقديم الصفصافي احمد المرسي ، ط1، جواد الشرق للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2001 ، ص244. 6- المصدر نفسه ، ص262. 7- المصدر نفسه ، ص262. 8- المصدر نفسه ، ص89. 9- طلال يونس ،المصدر السابق،ص90. 10- محمود شاكر ، التاريخ الاسلامي ، التاريخ المعاصر تركيا 1924-1989، ج17، ط2، المكتب الاسلامي ، بيروت (د ت) ، ص175. 11- راغب السرجاني ، المصدر السابق ، ص49. 12- اريك زوركر ، تاريخ تركيا الحديث ، ترجمة عبد اللطيف الحارس ، مراجعة سعد ضاروب ، ط1، دار المدار الاسلامي ، بيروت ، 2013 ، ص371. 13- محمود شاكر ، المصدر السابق ، ص183. 14- محمد نور الدين ، تركيا الجمهورية الحائرة ، ط1، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتأليف ، بيروت ، 1998 ، ص89. 15- راغب السرجاني ، المصدر السابق ، ص50. 16- خورشيد حسن دلي ، تركيا وقضايا السياسة الخارجية(دراسة)،د ط، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، مكتبة الاسد الوطنية ، دمشق ،1999 ، ص31. 17- المصدر نفسه ، ص 31 . 18- محمود شاكر ، المصدر السابق ، ص176. 19- خورشيد حسن دلي ، المصدر السابق ، ص41. 20- محمد نور الدين ، تركيا الجمهورية الحائرة ، ص129. 21- معين القحيف ، قناديل التغيير، ج1 ، مجموعة مقالات منشورة على الانترنت ، ص14. 22- خورشيد حسن دلي ، المصدر السابق ، ص43. 23- اريك زوركر ، المصدر السابق ، ص379. 24- صباح الدين اوجار، المصدر السابق ، ص2. 25-- معين القحيف ، المصدر السابق ، ص14. 26- هدى درويش ، الاسلاميون وتركيا الحديثة نموذج الامام سليمان حلمي ، ط1، دار الافاق العربية ، القاهرة ، 1998 ، ص188. 27- المصدر نفسه ، ص188. 28- طارق عبد الجليل السيد ، المصدر السابق ، ص262. 29- منال صالح يونس ، المصدر السابق ، ص104. 30- محمد نور الدين ، تركيا في الزمن المتحول قلق الهوية وصراع الخيارات، د ط ، رياض الريس للكتب والنشر، لندن ، 1997 ، ص67. 31- منال محمد صالح ، المصدر السابق ، ص105. 32- المصدر نفسه ، ص107. 33- المصدر نفسه ،ص107. 34- محمد نور الدين ، تركيا الجمهورية الحائرة ، ص94. 35- ياسر احمد حسن ، سلسلة العلوم الاجتماعية ، تركياالبحث عن المستقبل ، د ط ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2006 ، ص136. 36- طلال يونس ، المصدر السابق ، ص77. 37- مجموعة من المؤلفين ، تركيا بين تحديات الداخل ورهانات الخارج ، اشراف مركز الجزيرة للدراسات ، تحريرمحمد عبد العاطي ، ط1، الدار العربية للعلوم ، 2009 ، ص277. 38- منال محمود صالح ، المصدر السابق ، ص180. 39- هدى درويش ، المصدر السابق ، ص189. 40- رضا هلال ، السيف والهلال تركيا من اتاتورك الى اربكان ، ط1 ، دار الشروق ، القاهرة ، 1999 ، ص217. 41- راغب السرجاني ، المصدر السابق ، ص68. 42- المصدر نفسه ، ص 68 . 43- ارنست خوري ، تركيا بلا اربكان ، الاسلاميون ليسوا يتامى، صحيفة الاخبار ، العدد350، 28شباط 2011، الانترنت. 44- عبد الكريم المشهداني ، العلمانية واثارها على الاوضاع الاسلامية في تركيا ، ط1، منشورات المكتبة الدولية ، الرياض ، مكتبة الخافقين ، دمشق ، 1983 ، ص123 45- فادي محمود صبري صدم ، المعارضة السياسية في تركيا (الاسلاميون نموذجا) في فترة 1996-2007، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الاداب والعلوم الانسانية ، جامعة الازهر، غزة ،2012 ، ص 114 46- راغب السرجاني ، المصدر السابق ، ص69 47- ارنست خوري ، المصدر السابق. 48- الانترنت ، موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، http://ar.wikipedia.org/wiki
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|