انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

العالم والمتعلم في المنظور الإسلامي

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التربية وعلم النفس     المرحلة 4
أستاذ المادة كريم فخري هلال السريراتي       21/04/2014 06:51:01
العالم والمتعلم في المنظور الإسلامي


ا.م.د.كريم فخري هلال السريراتي
الأمين العام للمكتبة المركزية
جامعة بابل




2014







بسم الله الرحمن الرحيم

?إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ إلاِصْلاَحَ ما اّسْتَطعْتُ وما تَوْفيقىِ إلا باللهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْْتُ وَإَلِيْهِ أُنِيبُ?
صدق الله العلي العظيم
( سورة هود : من الآية 88)





ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئٍ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء


العالم والمتعلم في المنظور الإسلامي
ا.م.د.كريم فخري هلال السريراتي/ الأمين العام للمكتبة المركزية/ جامعة بابل

لقد أهتم الدين الإسلامي بالعلم ودعا إلى تحصيله والبحث عنه والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه ،والقران الكريم يشير إلى مزية العلم وقيمته وكرامته ،ويكفي للعلم وأهلهِ فخرًا أن تكون أول سورة نُزلَ بها القران الكريم وهي تشير إلى العلم وفضله وهي تحوي ست مفردات عن العلم في خمسة آيات، و كانت القراءة أول أمر الهي من الله سبحانه وتعالى كونها تمثل الاساس الذي يبنى عليه العلم ومفتاحه ، وتكررت كلمة "اْقرَأْ" مرتين في آياتِ ثلاث... و كلمة "عَلمَ" ثلاث مرات،و إلى القلم مرة واحدة وهو الأداة التي يتعلم بها الإنسان العلم من قول الله سبحانه و تعالى:?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ?(العلق:1-5) ان هذا الامر الالهي لنبيه المصطفى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول جبرائيل عليه السلام بهذه السورة القرانية المباركة تؤكد حقيقة لاجدال فيها على ان الدين الاسلامي هو دين العلم وثورة علمية حقيقية على الجهل الذي كان سائدا في العصر الجاهلي المتمثل بالتخلف والظلالة والخرافات والاباطيل، وأن تسمى ثاني سورة نزلت من القرآن الكريم بسورة"القلم"وأن يُقسم الله تعالى في مطلعها بأداةالعلم:"القلم"من قوله تعالى: ? نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ?(القلم:1).

وقد ورد في القرآن الكريم (670 آية قرآنية) تؤكد فضل العلم والعلماء والحث على طلبه وهي تمثل (عشر 1/10 آيات) القرآن الكريم البالغ عددها ( 6217 ) آية قرآنية ،و تتضمن هذه الآيات( 880 مفردة) عن العلم والعالم والمتعلم .

وتتابعت آيات كثيرة تؤكد دور العلم منها قوله تعالى: ?يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ? (المجادلة : الآية 11) . والى طلب العلم وتعلمه ،اذ وجه الله عزوجل الناس وأرشدهم إلى أن ما حصّلوه من العلم قليل،حيث قال:?وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً?(الإسراء:85) .ويدعو الله سبحانه وتعالى رسوله ونبيه المصطفى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)على طلب العلم والتزود منه لكونهِ عملية مستمرة ما دامت الحياة قائمة، فالعلم لا نهاية له لذلك أمره الله تعالى بالازدياد من العلم،بقوله:?وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْما?(طـه:114) وقول المصطفى محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)( اطلب لعلم من المهد الى اللحد) وقوله ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وقد ميز الله تعالى عباده بالدرجة والمنزلة والمقام إذ لم يتساوٌ في رحمته المتعلم والجاهل فالله تعالى يمنع المساواة بين العالم والجاهل،من قوله تعالى :? قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ?(الزمر:9) وذلك لما قد خُصّ به العالم من فضيلة العلم،فالعالم هو الذي يعقل أمر الله ويفهم زجر الله،من قوله تعالى:? وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ?(العنكبوت:43). وقوله سبحانه وتعالى ? إنما يخشى الله من عباده العلماء ? ( فاطر: الآية 28 ) ، قال يعني بالعلماء من صدق قوله فعله ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم .
وقوله عز وجل? وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ? (سورة يوسف: الآية 76).

العلم صفة الله

أن هذه الآيات القرآنية تحث على طلب العلم وتحبيبه إلى الناس جميعاً كون (العلم صفة الله) عز وجل, والعلم في الإسلام يحتل مكانة بارزة،فكفى بالعلم تنويهاً ورفعاً لقدره وقدر أهله أن كان صفة من صفات الله تعالى،فهو جل شأنه:العالم والعليم والعلام والحكيم .

وهذا يدلل على أن عمل المعلم( الأستاذ الجامعي ) ( عمل رباني) ودوره في بناء المجتمع وتقدمه وتطوره مكملاً لدور الرسول الأكرم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجميع الأنبياء والأوصياء وآل بيت محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام وصحابته الكرام ، وهنالك العديد من الآيات القرآنية التي نزلت وأشادت بفضل العالم والمتعلم والمنزلة والمقام الرفيع الذي يمتلكه كل منهما ، من قوله تعالى: ?يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا ? ( البقرة : الآية 269 ) وكفى بأهل العلم شرفاً وفضلاً وجلالاً ونبلاً أن بدأ سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بملائكته وثلّث بأهل العلم،وذلك في قوله تعالى:?شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ?(آل عمران:18).

من هنا ينبغي على المعلمين والعلماء أن يعرفوا المكانة والمنزلة التي منحها الله سبحانه وتعالى لهم كي يستشعروا بالمسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقِهم فكلما ارتفعت مكانتهم ومقامهم وبالأخص عند الله ورسوله الكريم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تزداد حجم المسؤولية لذلك تقع عليهم المسؤوليات الكبيرة التي تستدعي الحفاظ على هذه المزايا. فضلا عن ذلك ان للعلم وللعلماء فضل بَين في كلام الله وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) واهل البيت (عليهم السلام) حيث جاء لفضل العلم واهله في كتاب الله المجيد على اختلاف في اللفظ والمعنى المراد منه فأتى ذكرهم باوتوا العلم في عدد من الآيات القرانية من قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) و قوله تعالى (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) وغيرها من الايات الكريمة التي ذكرت العلم وفضله.

ولقد ورد في سورة الكهف في تفضيل العبد الصالح الخضر (عليه السلام) الذي يتولى تعليم نبي الله سيدنا موسى(عليه السلام ) بقوله سبحانه وتعالى ?فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً ?(الكهف:الآية66 ).

وكان سيدنا موسى (عليه السلام) طالباً للعلم وساعياً إليه بأدب وتوقير لمعلمه وهو نبي الله وكليمه, وقد ذهب إلى مكان العبد الصالح الخضر (عليه السلام) وطلب منه العلم فهو الذي سعى إليه من قوله تعالى: ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً قال أنك لم تستطع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني أن شاء الله صابراً ولا اعصي لك أمرا ) ( الكهف 66 – 69 ).

خرج المصطفى محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذات يوم فرأى مجلسين أحدهما يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه والثاني يعلمون الناس فقال: ( كلا المجلسين خير إما هؤلاء فيسألون الله فأن شاء أعطاهم وأن شاء منعهم وأما هؤلاء فيعلمون الناس وإنما بعثت معلماً ، ثم عدل وجلس معهم ) .

وقد أكد الإسلام على أهمية العلماء ونبه إلى الدور الخطير الذي يقوموا به في بناء الفرد وإصلاح المجتمع وتطوره ، لذلك جاءت الأحاديث النبوية الشريفة التي ترفع من شأن العلم والعلماء وتجعلهم ورثة الأنبياء وتعد عملهم من أجل تعليم الناس من خير الأعمال الصالحة وفي درجة العبادة والجهاد في سبيل الله .

روي عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قال: (دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: (ما هذا؟ فقيل: علامة. فقال: وما العلامة في رأيكم؟ قالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، والأشعار العربية.

فقال (صلّى الله عليه وآله): ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه؛ ثم قال النبي (صلّى الله عليه وآله): إنما العلم ثلاثة:ـ آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، وما خلاهنّ فهو فضل).

ودعا الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ربه أن يزيده علماً نافعاً بقوله

( اللّهمّ انفعني بما علّمتني، وعلّمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد للّه على كلّ حال) رواه الترمذي (3599) واللفظ له ، وابن ماجه (المقدمه 251، 3833 الدعاء وله شاهد من حديث أنس- رضي اللّه عنه- في الحاكم (1879، 1/ 510)

من قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( تعلموا وعلموا، فأن أجر العالم والمتعلم سواء، قيل وما أجرهما، قال:مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة ). فالذي يذهب إلى الصلاة في المسجد له من الأجر (27 درجة) على سواه الذي يؤديها في المنزل لكن دور العلم أعطاها الله سبحانه وتعالى مائة درجة وهذه يدلل على قدسية الجامعة ودورها في بناء الإنسان والمجتمع . * عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله وسلم) : العلم خزائن ومفاتيحه السؤال ، فاسألوا رحمكم الله فإنه يؤجر أربعة : السائل ، والمتكلم ، والمستمع ، والمحب لهم . (البحار ج74 ص144 ح39) .
* العلم: هو إدراك الشيء بحقيقته ومعرفة الشيء على ما هو عليه. فالعِلم كمرادف للمعرفة، ونقيضه الجهل. فيقال "فلان على عِلْمٍ بالأمر أي يَعرفُه". المحيط (1993)وفي قوله تعالى {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} (النجم 35). وتنسب المعرفة عادةً، في بعض السياقات، للإدراك الجزئي أو البسيط لا للمفاهيم الكّلية والمركبة فيقال "عَرفتُ الله" ولا يقال "عَلمتُ الله". مشكاة الانوار ج1 ص 102 : عن ابي عبد الله ((عليه السلام)) قال : جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله ما العلم ؟ قال : الانصاف ، قال : ثم مه ، قال الاستما((عليه السلام))له ، قال ثم مه ، قال : الحفظ له ، قال : ثم مه يا رسول الله ، قال : العمل به ، قال : ثم مه يا رسول الله ، قال : ثم نشره.

عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): العلم مصباح العقل. (عيون الحكم والمواعظ ص50) .
* عن الإمام الباقر (عليه السلام): قال أبو ذر: إن قلباً ليس فيه شيء من العلم كالبيت الخراب الذي لا عامر له. (البحار ج1 ص182 ح74).

عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : قلب ليس فيه شيء من الحكمة كبيت خربٍ ، فتعلموا وعلموا ، وتفقهوا ، ولا تموتوا جهالاً ، فإن الله لا يعذر على الجهل . (كنز العمال ج10 ص147 ح87502) .

زكاة العلم نشره:-

ينبغي على العالم أن ينشر علمه ولا يحتكره لنفسه ذلك حتى يفيد به الآخرين. لأنّ العالم الذي يخزن علمه ويبخل به على سواه كالغني البخيل يخزن ماله فلا يفيد نفسه ولا يفيد غيره. لكن على العالم أيضاً أن يعرف أين ينشر علومه. عليه أن يضع الشيء في مواضعه، فلا ينشره إلا عند أهله. ذلك أن الماء يسقي به الزارع الأرض الخصبة وليس الأرض الرملية.

وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( أن من الصدقة أن نتعلم العلم ونعلمه ابتغاء وجه الله عز وجل ).
وحث الإسلام على نشر العلم (زكاة العلم نشره) وعلى تعليم الناس الخير من كل علم صالح نافع يُقرب الناس من الله ويحقق لهم عمارة وفلاح الآخرة،قال الله تعالى?وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?(التوبة:122)،وقال تعالى:?وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً?(فصلت:33)،وقال تعالى:?ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ?(النحل:125) ، وفي ذلك يقول الرسول(صلى الله عليه واله وسلم ):(من دعا إلى هُدى كان له من الأجر،مثل أجور من تبعه لا يُنقص ذلك من أجورهم شيئاً) ،وقال:(نضّر الله امرأً سمع مقالتي فبلغَّها،فرب حامل فقهٍ غير فقيه، ورب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه).
عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه: (البحار ج2 ص25 ح80)
* عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): ما تصدق الناس بصدقة أفضل من علم ينشر. (كنز العمال ص157 ح28809) . وقوله(صلّى الله عليه وآله): أربع يلزم من كل ذي حجى وعقل من أمتي، قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: 1ـ استماع العلم. 2ـ وحفظه. 3ـ ونشره عند أهله. 4ـ والعمل به. : قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدّك عن طريق محبتي، فإنّ أولئك قطاع طريق عبادي المريدين).
عن الإمام علي (عليه السلام): ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. (نهج البلاغة ص247 ح486)
وحرم الدين الاسلامي كتمان العلم وذم الذين يكتمونه ولا يبلغونه للناس فقال الله تعالى:?وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُون? (آل عمران:187)،وقال تعالى: ?وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ?(البقرة:146)،وقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):(من سُئِلَ عن علمٍ فكتمه، أُلجمَ يوم القيامة بلجام من نارٍ). * عن الإمام الحسن (عليه السلام): علم الناس علمك، وتعلم علم غيرك، فتكون قد أتقنت علمك، وعََلمَت ما لم تعلم. (البحار ج75 ص111 ح6).

عن النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم):(من كتم علماً نافعاً عنده ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار ) (كنز العمال ج10 ص216 ح29142).

عن الإمام علي (عليه السلام) : من كتم علماً فكأنه جاهل . (البحار ج2 ص67 ح12) .
عن الإمام علي (عليه السلام): إن العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، تلعنه كل دابة من دواب الأرض الصغار. (الوسائل ج11 ص510 ح2

وعن الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم)( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع )
أن الظروف الأمنية التي يمر بها عراقنا العزيز جعلته ساحة معركة واستشهاد وهي معركة حقيقية فالطالب الذي يخرج في طلب العلم والأستاذ الجامعي الذي يذهب إلى عمله فهو كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى منزله .

وفي واقعة خيبر قال الرسول محمد ( صلى اله عليه وآله وسلم ) للأمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) حين سلمه الراية : ( لِئن يهدي الله بك رجلاً ، خير لك من الدنيا وما فيها ).

وهذا تأكيد على أهمية المعلم الذي يعد دوره حمل الرسالة السماوية وهذا فضل من الله كبير. فينبغي له أن يعرف قدره وكل من لا يعرف قدر نفسه فسوف يهدر هذه النعمة.

وعن الأمام علي بن أبي طالب( عليه السلام) قوله: (كفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره ) فالمعلم الذي يعلم شخصًا واحدًا ويزود المجتمع بالمتعلمين يعطي درجة كمن أحيا الناس جميعا ? ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا?.

وقوله (عليه السلام) : ( من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة ، وتخصه بالتحية ، وأن تجلس أمامه ، ولا تشيرن عنده بيدك ، ولا تعمدن بعينك غيره ، ولا تقولن قال : فلان خلاف قوله ولا تغتابن عنده أحداً ،ولا تلح عليه أذا كسل,ولأتشبع من طول صحبته,فإنما هو كالنخلة تنتظر يسقط عليك منها شيْ).

وفي غزوة بدر الكبرى أوصى الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد المعركة بحسن معاملة الأسرى وطلبة ممن يعرف القراءة والكتابة منهم أن يعلم (10) عشرة من المسلمين في المدينة لقاء فك أسره وهذا دليل على اهتمامه بالعلم ورغبته في أن يكون من بين أبناء أمته معلمون ومتعلمون .
وعن معاذ بن جبل قوله: ( صلى الله عليه وآله وسلم )

( تعملوا العلم فأن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح. والبحث عنه جهاد , وتعليمه لمن لا يعلم صدقة ، وبذله لأهله قربة ، فإنه معالم الحلال والحرام ، وبيان سبل الخير ، والمؤنس في الوحشة ، والصاحب في الغربة ، والدليل محل السراء والضراء والسلاح على الأعداء ، والقرب عند الغرباء والزين عند الأخلاء ويرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم ، وائمه في الخير تقتفى أثارهم ، ويوثق بأعمالهم وينتهي في أرائهم حتى كل رطب ويابس لهم يستغفر ، حتى الحيتان في البحر وهوامه ، وسباع البر وإنعامه ، والسماء ونجومها لأن العلم حياة القلب من الجهل ومصابيح الأبصار في الظلمة ، وقوة الأبدان في الضعف ، ويبلغ به العبد منازل الأحرار ومجالس الملوك ، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ، الفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ، ويعبد العبد ربه وبه يعمل الخير وبه يتورع وبه يوحد وبه يصل الأرحام ، وبه ينتهي عن الشر وبه يعرف الحلال والحرام والعلم يبلغ العمل ، والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ، ويحرمه الأشقياء ) صدق رسول الله . عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : فاطلبوا العلم فإنه السبب بينكم وبين الله عز وجل . (البحار ج1 ص172 ح25).

* عن الإمام الصادق (عليه السلام) : لو علم الناس ما في طلب العلم لطلبوه ولو بسفك المهج وخوض اللجج . (البحار ج1 ص177 ح53) .
* عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً. (البحار ج1 ص177 ح50).
* عن الإمام علي (عليه السلام): لا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه. (نهج البلاغة ص232).

العلم بين النظرية والتطبيق

وفي التأكيد على اكتساب المهارات والجمع بين النظرية والتطبيق أي بين العلم والعمل به قوله تعالى
? يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون ? (الصف: الآية3) ولا قيمة لعلم لا ينتج عنه سمو في أخلاقيات الإنسان وقدراته ومعرفته بربه ولايودي الى تطوير المجتمع ورقيه وتقدمه،ولقد نعت الله من لا ينتفع بعلمه بالحمار الذي يحمل الكتب،حيث لا ينتفع منها بشيء،قال الله تعالي?مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ?(الجمعة: 5).
كان النّبيّ محمد( صلّى اللّه عليه واله وسلّم) يتعوذ من العلم الذي لا ينفع ويدعوا ربه بقوله :
( اللّهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع »
النسائي (8/ 284) وقال الألباني في صحيحه: صحيح (3/ 1113)، (5053). وابن ماجة (250) واللفظ له.
وقوله الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام): ( يا حملة العلم اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ، ووافق علمه عمله ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم ، يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم ، يجلسون حقاً يباهي بعضهم بعضاً حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه ، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى ).

وأكد الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الاهتمام بالجانب العملي والتطبيقي بقوله ( طوبى لمن عمل بعلمه ، وأنفق الفضل من ماله , وأمسك الفضل من قوله ) وقوله: ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( كل علم وبال على صاحبه إلا من عمل به ) ، وقول الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) (والعلم مقرونً بالعمل ، فمن علم عمل ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه) والعمل في الإسلام شرطه الضروري العلم،لكي يصح ويستقيم على أمر الله، سواء كان هذا العمل عبادة لله أم معاملة للناس،قال الله تعالى:?فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ?(محمد:19)، فجاء العلم قبل العمل،وذلك لأن الإنسان إذا فقه عمل وأحسن ما عمل. عن الإمام علي (عليه السلام) : ثمرة العلم : العمل به ، ثمرة العلم : العبادة . ثمرة العلم: إخلاص العمل. (غرر الحكم ح4600)


وروي عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام).
عن الأمام علي بن أبي طالب( عليه السلام):( كل يومٍ لا أزداد فيه علماً فلا بورك لي من طلوع ذلك اليوم ، وليس الخير أن يكثر مالك وولدك , ولكن الخير أن يكثر علمك وأدبك ).

روضة الواعظين::عن الإمام علي ((عليه السلام)): يا مؤمن إن هذا العلم والأدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمهما، فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك فإن بالعلم تهتدي إلى ربك، وبالأدب تحسن خدمة ربك، وبأدب الخدمة يستوجب العبد ولايته وقربه، فاقبل النصيحة كي تنجو عن العذاب.

لذلك يقول"الماوردي":إن من ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه، ووضعه في غير منزلته التي وصفه الله بها،وقال بعض العلماء:لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته–نهايته–لكنا قد بدأنا العلم بالنقيصة،ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل،ونزداد في كل يوم من العلم،وقال البعض الآخر:المتعمق في العلم كالسابح في البحر،ليس يرى أرضاً ولا يعرف طولاً ولا عرضاً.

وقول الرسول محمد ( صلى الله عليه وآل وسلم): ( أذا مات أبن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولد ٍ صالح يدعو له ). * عن الإمام علي (عليه السلام): العالم حي وإن كان ميتاً، الجاهل ميت وإن كان حياً. (غرر الحكم ح1124-1125 عَنْ ابنِ مَسْعودِ رضيَ الله ُ عنهُ قال قالَ رسول اللهِ صلى اللهُ عليْهِ وسلَمَ: « لا حَسَدَ إلاَّ في اثنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاه اللهُ مَالاً فسَلَّطَهُ عَلى هَلَكتِهِ في الحَقَّ ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِها وَ يُعَلِمُّها » رواه البخاري ( 1409) و مسلم ( 1933)

وقوله( صلى الله عليه وآله وسلم):( من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء ، وأن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وأن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بخط وافر ).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ).

وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم):(أن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير ). مشكاة الانوار ج1 ص 102 :عن ابى جعفر " (عليه السلام)" قال : قال رسول الله : اغد عالما او متعلما ، وإياك ان تكون لاهيا متلذذا .

العلم خيرٌمن المال :-

وفي هذا الصدد قال الأمام علي( عليه السلام) بإيجاز محكم مخاطباً ( كميل بن زياد ألنخعي ) مبيناً فضائل العلم يا كميل:{ (العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الأنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله ).
يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة". يا كميل "معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم والمال محكوم عليه )}. منية المريد ص110:عن الامام علي ((عليه السلام)): العلم أفضل من المال بسبعة: الأول: أنه ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص بها، الثالث: يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، الرابع: العلم يدخل في الكفن ويبقى المال، الخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، السادس: جميع الناس يحتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال، السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه.
وقال ابن عباس( رضي الله عنه) : خُيَر سليمان بن داود (عليهما السلام) بين العلم والمال والملك فأختار العلم فأعطى المال والملك معه. وقال أبو الأسود الدؤلي (رضي الله عنه): ليس شيء أعز من العلم ، الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك .

لذلك فأن الأمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام) يرى( أن قيمة المرء بعلمه وأدبه ).ومن قوله (عليه السلام) :( أقل الناس قيمة أقلهم علماً ) من هنا ينظر إلى العلم على إنه القيمة الأخلاقية العليا بقوله : ( لا شرف كالعلم ) لذا فإن هذه المكانة للعلم والعالم أوسع من كل شئ بقوله( عليه السلام): ( كل وعاء يضيق بما جعل فيه إلا وعاء العلم فأنه يتسع )):
( كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لا يحسنه ، ويفرح أذا نسب إليه ، وكفى بالجهلِ ذماً أن يتبرأ منه من هو فيه )
وقوله( عليه السلام): ( ليس شئ أحسن من عقل زانه علم ، ومن علم زانه حلم ، ومن حلم زانه صدق ، ومن صدق زانه رفق ، ومن رفق زانه تقوى) .

لذلك فإن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يرى (أن قيمة المرء بعلمه وأدبه). ومن قوله( عليه السلام) (أقل الناس قيمة أقلهم علماً).
من هنا ينظر عليه السلام إلى العلم على أنه القيمة الأخلاقية العليا ومن المبادئ الأساسية للحاكم العادل في التعامل مع الرعية من وجهة نظر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): ( التقرب إلى أهل العلم والحكمة والمعرفة ، لأن في ذلك شرفاً وتنويراً وتطويراً وإبداعا ، وإضافة تقوي الصلاح ، وتزيل الباطل وتحل محله الصالح ، وتزود النظام بعوامل القوة والتقدم). لذلك يؤكد عليه السلام بمجالسة العلماء والحكماء ومن قوله: ( وأكثر مدارسة العلماء ، ومناقشة الحكماء ، في تثبت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس قبلك،

من هنا فلا بد للعالم أن يكون مخلصاً في عمله ابتغاء وجه الله عز وجل كون الإخلاص سراً إلهيا يمنحه الله سبحانه وتعالى لمن يحبه من المؤمنين الصادقين كما جاء في الحديث القدسي.
( الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من عبادي )
الصفات اللازم توافرها بالمعلم في الاسلام
فلا بد أن يكون هنالك شخصاً توكل إليه هذه المهمة فالإسلام أوكلها للمعلم ولكن وضع مجموعة من الخصائص والصفات و أكد القرآن الكريم إلى الأسلوب الذي من الواجب أن يتبعه المعلم ومن قوله تعالى : ?أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن? (النحل:125).

وقول الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): (علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف).
وقوله: (لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه). * عن الإمام علي (عليه السلام): تواضعوا لمن تتعلمون منه العلم ولمن تعلمونه، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم. (غرر الحكم ح4543) .
* عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) : حق سائلك بالعلم ، فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيماً لهم فيما آتاك من العلم ، وفتح لك من خزائنه ، فإن أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ، ولم تضجر عليهم ، زادك الله من فضله وإن أنت منعت الناس علمك وخرقت بهم عند طلبهم العلم منك كان حقاً على الله عز وجل أن يسلبك العلم ، وبهاءه ، ويسقط من القلوب محلك . (البحار ج71 ص5 ح1)

* عن الإمام علي (عليه السلام): إذا رأيت عالماً فكن له خادماً. (غرر الحكم ح8704) وقال: من وقر عالماً فقد وقر به. (غرر الحكم 4044) .
* عن الإمام الصادق (عليه السلام) : على العالم إذا علم أن لا يعنف ، وإذا علم أن لا يأنف . (غرر الحكم ح3826)
من هنا ينظر الإسلام إلى التعليم على أنه مهنة تحتاج إلى مران والمعلم يجعل نفسه قدوة لطلبته ويراعي حاجاتهم ورغباتهم واستعداداتهم وينمي فيهم الثقة بالنفس ورفع الروح المعنوية وتحفيزهم وزيادة دافعيتهم لتحقيق طموحاتهم ومراعاة فروقهم الفردية.

نظرة الاسلام للفروق الفردية:-
وأشار (صلى الله عليه وآله وسلم): إلى الاهتمام بالفروق الفردية في قوله: (يا أبن عباس لا تحدث قوماً حديثاً لا تحتمله عقولهم). إن الفروق الفردية والتفاوت بين الناس من صميم الحياة الدنيا،قال الله سبحانه تعالى:?وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ?(الأنعام:165)، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي والمناظر والأشكال والألوان، وقال تعالى:?وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْق?(النحل:71)،ومن الناس الغني والفقير،ولله الحكمة البالغة في هذا الاختلاف الذي به يتحقق المعاش ويجتمع الناس وتصلح أحوال الدنيا . ، ولقد كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):المعلم الأول للبشرية خير المراعين لهذا الجانب فكراً وتطبيقاً فكان(صلى الله عليه وآله وسلم): يراعي الفروق الفردية والتباينات العقلية بين الناس،لذلك كان"إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه.

ولولا الاختلاف والتباين لهلك الناس وفسدت الأرض،يقول"الأصمعي:"لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا" لأن الاختلاف مدعاة للتعاون والتواصل بين الناس، يقول" الماوردي":واعلم أن الدنيا لم تكن قطُّ لجميع أهلها مُسعدة،ولا عن كافة ذويها معُرضة، لأن إعراضها عن جميعهم عطب،وإسعادها لكافتهم فساد.لائتلافهم بالاختلاف والتباين،واتفاقهم بالمساعدة والتعاون،فإذا تساوى حينئذ جميعُهم،لم يجد أحدهُم إلى الاستعانة بغيره سبيلا وبهم من الحاجة والعجز ما وصفنا،فيذهبوا ضيعة،ويهلكوا عجزا.وأما إذا تباينوا واختلفوا،صاروا مؤتلفين بالمعونة متواصلين بالحاجة لأن ذا الحاجة وَصُول، والمحتاج إليه موصول ،قال الله عزوجل:?وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً ?(الزخرف:32)،حيث يُسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا لذاك.
وهذا الاختلاف والتباين لم يكن على مستوى الإنسان العادي فقط،بل حتى كان على مستوى رسل الله وأنبيائه ، حيث "فضل الله بعضهم على بعض في الأحوال ، والخصوص والكرمات والألطاف والمعجزات المتباينات"،قال الله تعالى:?تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ?(البقرة:253)،وقال تعالى:?وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ?(الإسراء:55).

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أمرنا معاشر الأنبياء، أن نحدث الناس على قدر عقولهم).
وقال الرسول: (صلى الله عليه وآله وسلم): (من حدث الناس بحديث لا يفهمونه كان فتنة على بعضهم). فالناس على كل حال لا يزالون مختلفين، قال الله تعالى:?وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ?(هود:118)،والاختلاف أن يأخذ كل واحدٍ طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله،والمعنى لو شاء الله لخلق الناس كلهم على نسق واحد وباستعداد واحد.. نسخاً مكررة لا تفاوت بينها ولا تنويع فيها.وهذه ليست طبيعة الحياة المقدرة على هذه الأرض.وليست طبيعة هذا المخلوق البشري الذي استخلفه الله في الأرض.
وهذا يوضح أن الاختلاف والتباين من أصل الفطرة البشرية،وهو من فضل الله على الناس،فلولا التباين بين الناس لتقطعت أوصال البشرية،ولم يكن ليتاح لها الوجود الجماعي المنظم الذي تتداخل فيه المصالح والعلاقات وتتشابك فيه الأسر والجماعات.
وهذا التباين يقتضي الاختلاف والتباين في معاملة الناس، فلا تصح مع هذا التباين طريقة واحدة في المعاملة ولا يصح كذلك أسلوب وحيد في التعليم والتهذيب والتربية ، بل أساليب متنوعة تراعي الفروق والتباينات بين الناس،وتعطي كل واحد على قدر فهمه ووسع ذكائه وجهده،وتلك هي الجودة بعينها.

فضلاً عن مراعاته في علاقاته معهم بالعطف والرحمة والحلم اللين. ومن قوله( صلى الله عليه وآله وسلم): (من لا يرحم لا يرحم). (وقوله صلى الله عليه وآله وسلم) :( لا يحق للمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه).
وهنالك العديد من الصفات التي وضعها أعلام التربية الإسلامية للمعلم الناجح منها على المعلم أن يشفق على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنية ، وأن لا يدع من نصح المتعلم شيئاً وأن ينبهه إلى أن الهدف من طلب العلم هو القرب من الله تعالى وأن يهتم بأخلاق التلاميذ واهتمامه بعقولهم وأن يزجرهم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ، ولا يصرح بالزجر إلا عند الضرورة ، وعليه أن يختار للمبتدئ المسائل البسيطة كثيرة الوقوع لأن ذلك أقرب إلى الفهم والضبط . وعلى المتكفل ببعض العلوم أن لا يقبح علوم الآخرين في نفس المتعلم وعلى المعلم أن لا يتردد في أن يقول لا أعلم إذا كان لا يعلم . كما أن على المعلم أن ينمي لدى التلاميذ ملكة الاجتهاد والنظر إلى الأمور لا مجرد التقليد والتسليم كي يكونوا مستقلين لا نسخة من معلمهم.

اراء العلماء المسلمين في العلم

قال الإمام الشافعي (150هـ) : (من أراد الدنيا فعليه بالعلم ، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم) ، وقوله :(وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدونني). وعن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه)

قوله: (باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع، وباب من العلم نعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعاً).

وفي هذا الصدد قول أبي الدرداء : (مذاكرة العلم ساعة خير من قيام الليل).
وعن الحسن البصري قوله:(لأن أتعلم باب من العلم فأعلمه مسلماً أحب من أن تكون لي الدنيا كلها في سبيل الله تعالى).
وعن وهب بن منبه قال : (يتشعب من العلم الشرف وأن كان صاحبه دنيناً ، والعز وأن كان مهيناً ، والقرب وأن كان قصياً ، والغنى وأن كان فقيراً ، والنبل وأن كان حقيراً ، والمهابة وأن كان وضيعاً ، والسلامة وأن كان سفيهاً) وعن سعيد بن جبير قوله : (لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك العلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون ، وينبغي أن لا يمنعه ارتفاع منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه ، فقد كان كثيرون من السلف يستفيدون من تلامذتهم ما ليس عندهم) هذا القول جاء لما ذكر من قول الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : (لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم فان ظن أنه علم فقد جهل) .
وأعتمد الفارابي (257-339هـ) في إصلاح (المدينة الفاضلة) على التربية كوسيلة تهدف إلى أعداد شخصية الإنسان القدوة الذي يتصف بالفهم والتصور بالطبع ، ويكون جيد الحفظ والفطنة ذكياً ، ويكون لسان قدوته قويماً ، وحسن العبارة في لغته ومحباً للتعليم ولا يؤلمه تعب التعليم ، وأكد على النهج التعليمي للتربية لذلك طالب قدوته أن يتحمل مسؤولية العلم وأن يكون معلماً ومتعلماً في الوقت ذاته .
وقد اشترط القابسي (324-403) في المعلم معرفة القرآن والنحو والشعر وأيام العرب إلى جانب شخصيته الدينية وسمعته الطيبة، وهو بهذا يتفق مع ابن سحنون ويتفق معه أيضا في مطالبة المعلم بعدم الانشغال عن تعليم الصبيان، وعدم طلب الهدايا منهم أو إرسال تلاميذهم في قضاء حوائجهم والحصول على طعام باسمهم في مناسبات الأفراح أو إحضار الطعام والحطب من بيوتهم، ولا يجوز للمعلم أن يترك عمله للصلاة على الجنازة أو السير فيها، أو عيادة المرضى لأنه منهي عن الانشغال عن التعليم وهو واجبه، بأعمال أخرى. وأعطى للمعلم سلطة كبيرة على الصبي تساوي سلطة الوالد، ولكنه حمّل المعلم المسؤولية والنتيجة النهائية لعمله، وليس له أن يعتذر عن فساد النتيجة بنقص سلطته أو إلقاء اللوم على الصبيان؛وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان، لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو، وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه، من الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل، وإنما ينبه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب ولهذا صح عقاب المعلم ومحاسبته على التقصير في أعماله، وقد يصل العقاب إلى حد منعه من الاشتغال بالتعليم. ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب؛ ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه، وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان؛ فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها ما يلي :
لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب، أن يكون العقاب على قدر الذنب، أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك، أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان، أن يكون الضرب على الرجلين ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم، أن آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا.
ولذا يوصي المعلم بتوجيه الصبيان إلى العادات الحسنة وإبعادهم عن العادات الرذيلة، وأول الصفات الطيبة التي يتحلى بها الصبيان في نظره، الطاعة وهي ليست واجبة عليهم نحو المعلم فحسب، بل هي واجبة نحو الله والرسول وأولي الأمر كما جاء في القرآن الكريم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ (النساء : 59).
فضلا عن احترام النظام فالفوضى مفسدة للصبيان ويقتضي النظام من الصبيان الانتظام في الحضور وعند الانصراف من الدرس، والتحلي بالنظام في الدرس من الأعمال المدرسية والعبادات الإسلامية خير ما يعود الإنسان على الطاعة والنظام؛ ولذا كانت ممارستها واجبة، والمعلم مطالب بتعليمها للصبيان باعتبارها أصل الفضائل وعصمة من الرذائل.
أما أبن سينا (370هـ) فقد طالب بالعديد من الصفات التي ينبغي أن تتوافر في المعلم منها أن يكون وقوراً بعيداً عن الخفة والسخف ، وأن يتصف بالمرونة وأن لا يكون جامداً بل حلواً لبيباً ذا مروءة ونظافة ونزاهة ، وأن يكون حازماً وصادقاً ورحيماً ومتواضعاً وصبوراً وحليماً وكتوماً للسر .
وتحدث أبن سينا عن المتعلم فقد أكد على أن تكون أخلاق المتعلمين حسنة ، ومرضية عاداتهم ، وأن طبيعة المتعلمين تختلف وميولهم تتفاوت لذلك مطلوب من المتعلمين الانتباه على ذلك وتحدث أبن سينا عن التدريب المهني وإعداد المتعلم للمهنة التي تناسبه فأشار أولاً إلى معرفة طبيعة المتعلم ،
وذلك عن طريق قياس طبع المتعلم، واختبار ذكاءه فيختار له أحدى الصناعات التي تناسبه. وكان أبن سينا لا يفضل التعليم الفردي وذلك لأن انفراد الطالب الواحد بالمعلم أجلب الأشياء لضجرها.

وأكد أخوان الصفا وخلان ألوفا كما يسمون أنفسهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري في مدينة البصرة إلى تعليم غيرهم وتوسيع نطاق دعوتهم وعدم اكتفائهم بأعضاء جمعيتهم المؤسسين لها ، وهم جماعة سرية من الفلاسفة عاشت في مدينة البصرة وقد دون إخوان الصفا فلسفتهم في اثنتين وخمسين رسالة سموها رسائل[إخوان الصفا] وكتموا أسمائهم. وأكدوا على أن المعلم يؤدي واجبه نحو غيره فيعلمهم ، لا بد أن يؤدي واجبه نحو نفسه ويظل يتعلم دون توقف أو انقطاع . ونصح أخوان الصفا بمراعاة الفروق الفردية للتلاميذ والاهتمام بإعطاء كل فرد من العلوم ما يتلاءم مع قدراته وميوله ، وفي ذلك يقولون (ثم أعلم أن الله تعالى خلق لكل نوع من العلوم والآداب آية من الناس ، وجعل في حيلة نفوسهم محبة معرفتها ، ومكنهم من طلبها وتعلمها .....) ويعزون الفروقات الفردية بين الأفراد إلى التأثيرات البيئية والاجتماعية التي ينشأ فيه الفرد فضلا عن تأثير الناحية البيولوجية ،وكذلك العادات والتقاليد والقيم السائدة والميول والرغبات والاتجاهات التي تلعب دوراً كبيرا فيها .و تأثير النجوم وحركات الكواكب. وهذه العوامل لا تؤدي على الاختلاف بين الأفراد فقط ، بل وبين الأمم أيضاً . كما أن هذه الاختلافات تكون في نواحٍ متعددة منها الإطلاق، والطباع، والاختلاف في الآراء والمذاهب واللغات.
ومما يؤدي إلى الفروق والتفاوت بين عقول الأفراد. هو اختلاف جواهر النفوس لديهم مما يؤدي إلى اختلاف أفعالهم وهذا ناتج عن اختلاف أمزجة أبدانهم وقالوا : (ثم اعلم أنه ليس كل علم وأدب يليق بكل إنسان أن يتعلم مالا يسعه جهله وواجب عليه طلبه) كما أكدوا على اجتذاب التلاميذ على المادة العلمية المتعلمة وإثارة دافعيتهم وشوقهم إليها فضلاً عن تأكيدهم على استخدام التعزيز والثواب والمكافأة أي استخدام الحوافز في التعليم ولم يتحدثوا عن العقاب مثلما تحدث عنه عدد من التربويين المسلمين أمثال القابسي ، وأبن خلدون . فالمعلم من وجهة نظرهم هو أب روحي للتلاميذ وعلاقته بهم أقوى من علاقته بأولاده الذين تربطه بهم رابطة الدم ، فهو القائد والقدوة والمثل الأعلى إذ يعبرون في ذلك بقولهم (وأعلم أن المعلم والأستاذ أب لنفسك وسبب لنشوئها علة حياتها ، كما أن والدك أب لجسدك ، وكان سبباً لوجوده ، وذلك أن والدك أعطاك صورة جسدية ، ومعلمك أعطاك صورة روحية) .
ومن وصاياهم للمعلم في التعامل مع من يعلمون أن يستخدموا الرفق والشفقة وقلة الضجر والصبر عليهم في تعليمهم وأن يتعرفوا على أسمائهم وعاداتهم وميولهم ورغباتهم ، فضلاً عن أن يكونوا القدوة الحسنة في كل شيء وأن يتمتعوا بالعلاقات الإنسانية وأن يكونوا على صلة ومودة مع طلبتهم وفي سعيهم هذا كانوا مسترشدين بمبادئ الدين الإسلامي التي تؤكد أن المؤمن لا يكتمل إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، فضلا من آراءهم التي ترتبط بفلسفتهم التي تؤكد على أن النفوس الناجية تزداد سعادتها ولذتها في ملكوت السماء كلما ازداد عدد المنتسبين لها .
وأعلم يا أخي بأن العلم هو صورة في نفس العالم، وضده الجهل وهو عدم وجود تلك الصورة من النفس. واعلم بأن أنفس العلماء علامة بالفعل وأنفس المتعلمين علامة بالقوة وأن التعلم والتعليم ليسا شيئاً سوى إخراج ما في القوة، يعني إلا مكان إلى الفعل، يعني الوجود. فإذا نسب ذلك للعالم سمي تعليماً، وأن نسب إلى المعلم سمي تعلماً.
ويرفض إخوان الصفا القول بأن المعرفة فطرية في النفس ويعني ذلك أن كل إنسان عندهم قادر على أن يتعلم ، وأن الحواس هي بداية المعرفة ، غير أن المعرفة عن طريق الحواس هي المعرفة التي تميز عامة الناس ، ويعتمد عليها الصبيان في سن الصبا فضلا عن الوسيلة العقلية الأخرى المعروفة بالقياس
ومن المبادئ الأساسية عندهم دعوتهم إلى اعتماد الإنسان على نفسه في البحث والكشف عن الحقائق والابتعاد عن تقليد غيره ، وكلما أمكنه البحث والكشف عما يريده من علوم بالبرهان فعليه أن يترك التقليد لهؤلاء الذين يرتضونه لأنفسهم ألا وهم الصبيان والنساء وضعاف العقول .
فليس التعليم عندهم مجرد حشو أذهان التلاميذ بفنون العلوم المختلفة أو الاكتفاء بهذا بل لابد من أن ينعكس علم الإنسان على عمله وبعبارة أخرى يرى الإخوان وجوب أن يعمل الإنسان بما تعلمه من علوم ، وذلك أن من علم ولم يعمل لا ينفعه علمه . وكذلك من علم ولم يعمل يضل سعيه

ومن وصاياهم للمعلم في التعامل مع من يعلمون أن يستخدموا الرفق والشفقة وقلة الضجر والصبر عليهم في تعليمهم وأن يتعرفوا على أسمائهم وعاداتهم و مراعاة ميولهم ورغباتهم ، فضلاً عن أن يكونوا القدوة الحسنة في كل شيء وأن يتمتعوا بالعلاقات الإنسانية وأن يكونوا على صلة ومودة مع طلبتهم .
ويعتقد أبو حامد الغزالي (450-505هـ) أن التعلم صناعة من أشرف الصناعات ، مستشهداً في ذلك بقول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : (إنما بعثت معلماً) قول الغزالي : (وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس ، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه ، والمعلم مشتغل بتكميله ، وتجليله ، وتطهيره وسياقاته إلى القرب من الله عز وجل فتعليم العلم عن وجه عبادة الله تعالى ، ومن وجه خلافة الله تعالى ، وهو من أجل خلافة الله فإن الله قد فتح على قلب العالم العلم الذي هو أخص صفاته فهو كالخازن لأنفس خزائنه) والتربية من وجهة نظر الغزالي : (أن معنى التربية يشبه حقل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمل ريعه) .

ويؤكد الغزالي على عدم التمادي في عقاب التلاميذ والإقلال من التأنيب والتشهير بمساؤئ أعمالهم ومكافئتهم على جميل خلقهم وحميد فعلهم ، فضلاً عن ذلك يوصي . بمراعاة الفروق الفردية لهم، وأن لا يعاملون المعاملة نفسها بل ينبغي أن يختلف علاجهم باختلاف أمزجتهم وطبائعهم وبيئاتهم، وأعمارهم بقوله: (وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم كذلك المعلم أو المربي).

ولقد أولى الغزالي اهتماماً خاصاً بالمعلم إذ يقول في ذلك (من علم وعمل بما علم فهو الذي يدعى عظيماً في ملكوت السموات فأنه كالشمس تضئ لغيرها ، وهي مضيئة في نفسها ، وكالمسك الذي يطيب عبيره وهو طيب ، ويوصي الغزالي أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذب قوله فعله ، ولا ينهي عن خلق ويأتي مثله وذلك لأن العلم يدرك البصائر والعمل بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر .

للغزالي نظرة ومفهوم متكامل للتربية ، وينظر إلى التعليم نظرة واقعية متميزة يعدُه ضمن الصناعات إذ أشار لذلك في كتابة (إحياء علوم الدين) (فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوة ، إفادة العلم وتهذيب النفوس من الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعلم) .
ولقد استمد الغزالي آراءه عن الإنسان من مصادر متعددة ، أهمها الكتب السماوية ، وقد تأثر في آرائه عن الإنسان بالقرآن والحديث بصفة خاصة . وبما جاء فيهما من أن الله قد خلق الإنسان على الفطرة وأن البيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان والثقافة التي يتأثر بها ويتفاعل معها. هي التي تشكل شخصيته . والتربية عنده تبدأ بالأسرة حيث يهتم بالطفولة والأطفال ثم يتعهد بالطفل إلى مرب ، ولقد أشار كثير من الباحثين إلى استخدام الغزالي وغيره من المربين وفلاسفة التربية المسلمين إلى التعليم أكثر من التربية واستخدموا مصطلح .. التعليم. أكثر من التربية لأنه أشمل . ولأنهم انطلقوا في نظرتهم لما ورد في القرآن الكريم حيث إن التربية وكأنها فقط لمرحلة الطفولة: قال تعالى: ( وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيراً ?
وقال تعالى : ( قال ألم نريك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين ? ولكن الغزالي حاول المزاوجة والتوفيق بين من نقل عنهم وبين الإسلام . ويشير في قوله عن الحكمة قول الله عز وجل : ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً ) ( البقرة : الآية 269 ) .
إلا أن أبن جماعة (639 هـ - 733 هـ)، يقول:"ينبغي على المعلم أن لا يطيل الدرس تطويلاً يُملّ،ولا يقصّره تقصيراً يُخلّ ويُراعي في ذلك مصلحة الحاضرين في الفائدة والتطويل،ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك،فلا يقدمه عليه ولا يؤخِّره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذلك وترجِّحه( )..
وأكد ابن جماعة على مبدأ الدافعية, حيث توصل إلى أن التلاميذ يتعلمون بصورة أفضل إذا ما اشتدت رغبتهم في التعلـّم وحسنت نيتهم, وكان ذلك في بداية النشاط, وقد رأى أن المتعلم ينبغي أن يكون نشيطـًا لما يريد أن يتعلمه, وأن التعلـّم يتناسب مع ما يبذله المتعلم من جهد, وأن هذا الجهد يجب أن يكون موجهـًا لغرض, ولا يقتصر بذل النشاط والجهد على نوع التعلـّم اللفظي, وإنما يتعداه لكل أنواع التعلـّم. وفي مبدأ ( الحوافز) الثواب والعقاب (الرغيب والترهيب).

توصل ابن جماعة إلى أن المكافأة تثبت المتعلم, وأن أفضل أنواع المعززات التي يمكن للمعلم استعمالها عند تعامله مع تلاميذه هي القبول والثناء (الثواب ) وهو مايسمى في علم الادارة (بالحوافز الايجابية ).


عا ابن جماعة إلى استخدام أنواع مخففة من العقوبة (الحوافز السلبية) لأنها بواعث على التعلـّم, بحيث لا تسبب ألمـًا ولا أذى, ولا تجرح كبرياء أو تلحق إهانة. وفي مبدأ معرفة نتائج التعلـّم كان رأي ابن جماعة أن تعرّف نتائج التعلـّم تجعل التعلم بالنسبة للتلاميذ أكثر تشويقـًا, كما تحملهم على المنافسة وبذل الجهد و دعا إلى بعض الآداب التي ينبغي على المعلم أن يلتزم بها في درسه ، مثل : النظافة في الجسم والملبس , والسلام على الناس إذا وصل مجلس التدريس , واختيار الوقت المناسب للتدريس , والجلوس في مكانٍ بارزٍ ليراه طلاب العلم ، ومعاملة الناس معاملةً حسنةً ، وتقديم الأهم فالمهم من الدروس

ويرى عبد الرحمن بن خلدون (732-808هـ) أن تراعي المقدرة العقلية للمتعلم من حيث الكيف والكم ولا تقدم له في بداية عهده بالتعلم المسائل الصعبة ، وأكد على أن الاستعداد للتعلم ضروري جداً ويوصي على تجنب الشدة في التعامل مع الطلبة كونها تفسد معاني الإنسانية عندهم وتؤدي الى الانصراف عن العلم ، والانحراف في السلوك وركز على المناقشة والمحاضرة واهتم أبن خلدون بالناحية التطبيقية في العملية التعليمية من طريق ربط الأفكار بتطبيقها وليس المهم معرفة القواعد والقوانين والاصطلاحات في حد ذاتها وإنما المهم المقدرة على استخدامها والإفادة منها عملياً .
وقد ساوى أبن خلدون بين التعليم النظري والتعليم العملي من حيث القيمة والضرورة للمجتمع، وساوى بينهما من حيث تكوين الملكة في كل منهما وقد حرص أبن خلدون على مشاركة المتعلم للمعلم في الرأي والتباحث والتحاور والمناقشة في أغراض العلوم.
وتأسيساً لذلك فلا بد للمعلم أن يتصف بهذه الصفات التي أكد عليها القرآن الكريم والرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): وآل بيته والأنبياء والمرسلين( عليهم السلام) والصحابة أجمعين والعلماء والمفكرين المسلمين، وأن يكون متواضعاً.من قول الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما نقصت صدقة من مالٍ، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).

وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ( التواضع ما وجد بشئ الا زانه ،وما فقد من شئ الا هانه).
وعن الفضيل بن عياض قوله : (أن الله عز وجل يحب العالم المتواضع ويبغض الجبار ، ومن تواضع لله تعالى ورثة الحكمة ، وينبغي أن يكون حريصاً على تعليمهم) .

أوقات الحفظ والدراسة والبحث
لقد حدد علماء التربية المسلمون الأوقات التي تصح فيها المذاكرة ويتم فيها البحث والمطالعةفي هذا الصدد يرى"ابن جماعة":على المتعلم أن يقسِّم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقى من عمره،فإن بقية العمر لا قيمة له.وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار،وللكتابة وسط النهار،وللمطالعة والمذاكرة الليل
اما "الخطيب البغدادي": فأن يقول ان للحفظ ساعات ينبغي لمن أراد الحفظ أن يراعيها،أجود الأوقات الأسحار ثم بعدها وقت انتصاف النهار،وبعدها الغدوات دون العشيات،وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار".
من هنا فالعلم في المنظور الإسلامي لا يطلب لذاته بل أن قيمته الحقيقية وهدفه الرئيس هو النفع وليس مجرد الحفظ والتلقين فضلاً عن كونه عبادة وقربى إلى الله تعالى فالدين الإسلامي لا يفرق بين العلوم الطبيعية ، والشرعية ، كمعرفة وتفكير وأسلوب بحث ، وإنما ينظر إليها على أنها وحدة متكاملة هدفها معرفة الله والانقياد إلى أوامره والعمل على سعادة الإنسان وتربيته وتنمية نوازع الخير فيه كي تعم الفائدة للإنسانية جمعياً .
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا ، وينفعنا بما علمنا أنه السميع العليم مع تحيات وأمنيات
د.كريم فخري هلال السريراتي/ الامين العام للمكتبة المركزية / جامعة بابل 2014


يتبع

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
download lecture file topic