انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية : الانسحاب البريطاني من الخليج العربي :-

Share |
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/29/2011 9:09:12 AM

المحاضرة الثانية : الانسحاب البريطاني من الخليج العربي :-

 

في 16 كانون الثاني 1968 أصدرت الحكومة البريطانية بيانا سياسيا أعلنت عن نيتها في الانسحاب التام من الخليج العربي، في موعد أقصاه نهاية عام 1971. فما هي أسباب هذه الانسحاب مع العلم إن منطقة الخليج العربي تحتل أهمية خاصة في نظر السياسة البريطانية ، وما هي اثأر الانسحاب على الأوضاع المحلية في المنطقة ؟ للإجابة على التساؤلات لابد من معرفة التحولات التي طرأت على السياسة البريطانية من جهة ، وبيان مدى تأثيرها على تلك السياسة من جهة أخرى

 

لم يكن التبدل الذي طرا على السياسة البريطاني قد حدث بصورة عفوية. وإنما جاء بسبب التغير السريع في الإستراتيجية البريطاني بمنطقة الخليج العربي منذ عام 1957 التي أصبحت تعرف بإستراتيجية شرق السويس – إي المنطقة الواقعة بين عدن غربا وسنغافورة شرقا بما في ذلك الخليج العربي. و وفقا لهذه الإستراتيجية فان بريطاني أرادت الاحتفاظ بنفوذها في المنطقة عن طريق قواعد عسكريا فعالة يمكن الانطلاق منها في إي وقت، ومن اهو هذه القواعد:عدن سنغافورة والبحرين. وعد وجود القواعد نوعا من تامين المصالح الاقتصادية البريطانية دون الحاجة إلى احتلال شامل كما في عهد الاستعمار التقليدي.ازدادت أهمية عدن في السياسة البريطانية خلال تلك التغيرات ، وأصبحت في الستينات تخدم بوصفها قاعدة في إرسال المساعدات إلى مناطق عديدة في الخليج العربي وشرق فريفيا وجنوب شرق أسيا . إلا إن الوجود البريطاني في عدن واجه صعوبات جمة في عدن والجنوب العربي ، نتيجة نمو الحركات الوطنية التي تطورات بشكل كبير ، مما دفع بحكومة العمال البريطانية إلى إعلان عن إعادة النظر في سياستها الدفاعية شرق السويس ، التي تضمنت "الانسحاب من عدن في موعد لا يتجاوز عام 1968 .

 

وزادت أهمية الخليج العربي في خطط الدفاع البريطانية ، بعد إن قررت بريطانيا تصفية قاعدتها العسكرية في عدن ونقلها إلى الخليج العربي ، وبالذات إلى البحرين والشارقة لتكون قواعد بديلة لقواعدها المتداعية في عدن والجنوب العربي . ووفقا لذلك فان الإستراتيجية شرق السويس قد تركزت في منطقة الخليج العربي من اجل استخدام قواعدها العسكرية قوة رادعة ضد الحركات الوطنية المناهضة للوجود البريطاني. فلقد جاء في عدد من التصريحات التي أعلنها المسئولون البريطانيون بان الغرض الرئيسي من تزايد القوات البريطاني في المنطقة هو "تمكين بريطانيا من حماية مصالحها النفطية الضخمة .. والحفاظ على الاستقرار في المنطقة "

 

ولعل الاستقرار المقصود الذي عنته تلك التصريحات هو منع قيام الحركات الوطنية المعارضة للوجود العسكري البريطاني في المنطقة، شبيهة بتلك التي حلت به في عدن والجنوب العربي.

 

غير انه لم يكد يمضي وقت طويل على التصريحات السابقة حتى صدرت تصريحات جديدة عن وزارة الدفاع البريطانية في عام 1967 متضمنة تخفيض القوات العسكرية البريطانية في شرق السويس ، ومن ضمنها الخليج العربي . وقد أكدت حكومة العمال البريطانية تلك التصريحات عندما أعلنت إعادة النظر في سياستها الدفاعية في كانون الثاني عام 1968. وقد ورد هذا التأكيد على لسان هارولد ويلسن ، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك ، إمام مجلس العموم البريطاني في 16 كانون الثاني عام 1968 حيث قال :"لقد قررنا الإسراع في بسحب قواتنا من شرق السويس في موعد لا يتجاوز نهاية عام 1971 ، وهو يعني عمليا انسحابنا من الخليج العربي ".

 

ولكن كانت هناك ملاحظة على إعلان ويلسن ، وهي ان لم يتضح منه ما إذا كان انسحاب بريطانيا سيعني إلغاءها لمعاهدات التي وقعتها مع حكام الخليج ؟ وإن كان يفهم من الدوافع التي ادت إلى إعلان هذه السياسة ان بريطانيا كانت تعتزم بالفعل إلغاء هذه المعاهدات للسبب الطبيعي وهو أنها كانت تتحمل بموجب هذه المعاهدات التزامات عسكرية بما في ذلك الدفاع وتقديم الحماية للإمارات المرتبطة بها ، غير أن هذا الموضوع لم يجذب إليه الانتباه فحتى لو احتفظت بريطانيا بمعاهداتها واتفاقياتها مع إمارات الخليج فإن هذه المعاهدات سوف تفقد فاعليتها في حالة انسحابها للسبب البسيط ، وهو أن هذه المعاهدات لن تصبح مدعومة بقوة عسكرية كان من المقرر ان تتخلى عنها بريطانيا بانسحابها في الموعد الذي حددته في إعلانها .

 

وعلى أية فإن الدوائر الرسمية البريطانية لم تلبث ان أوضحت ن سياسة الانسحاب ستشمل إنهاء الوجود العسكري والتزامات بريطانيا السياسية بما في ذلك شؤون الدفاع والعلاقات الخارجية التي كانت تقوم بتمثيل الإمارات فيها ، وذكرت أن ذلك سينطبق على جميع امارات الخليج باستثناء سلطنة مسقط و عمان التي لن تتأثر من قرار الانسحاب بسبب وقع السلطنة ( المستقل ) وعدم ارتباطها معها بمسؤوليات عسكرية ، وإن كانت تقوم بتمثيلها في المنظمات الدولية وغيرها بتكليف من السلطان نفسه بسبب عدم وجود تمثيل خارجي للسلطنة ، والجدير بالذكر أن الحكومة البريطانية كانت حريصة في الاتفاقية العسكرية التي وقعتها مع سلطنة عمان ومسقط في يوليو 1958 على أن يكون الضباط الانجليز الذين تقدمهم إلى قوات السلطنة جزءا لا يتجزأ من قواتها .

 

وفي خلال الثلاث سنوات التالية من إعلان سياسة الانسحاب في يناير 1968 حتى تنفيذها في نهاية 1971 اتخذت الحكومة البريطانية عدة إجراءات من شأنها ضمان حالة الاستقرار في المنطقة ، وبالتالي المحافظة على الأوضاع والانظمة السائدة حتى لا تتعرض لنفس النتائج التي ترتبت على انسحابها من جنوب اليمن مما أدى إلى عزل السلاطين وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية باتجاهاتها اليسارية ، ومن أهم النتائج التي كانت تتوقعها الدوائر البريطانية والامريكية بالنسبة لسياسة الانسحاب هي :

 

أولا : الاضطرابات التي يمكن ان تنشأ داخل الامارات ذاتها ، ولعل ذلك يرجع في الدرجة الأولى إلى تأثير التطور الذي مرت به بعض هذه الامارات بسبب انتشار التعليم وتدفق العناصر العربية الوافدة من العالم العربي للعمل في المنطقة ، مما ساعد على قيام وعي سياسي يمكن ان يترتب عليه نتائج قد تمس الأوضاع السياسية ، كما قد تؤدي إلى حدوث اضطرابات في حقول النفط .

 

ثانيا : يمكن ان يؤدي انسحاب بريطانيا إلى تعقيدات أخرى ناجمة عن عدم الاستقرار في الخليج ، ذلك الاستقرار الذي لم يتحقق إلا بالوجود العسكري البريطاني منذ القرن الماضي ، فاذا انسحبت بريطاني فمن المحتمل تجدد الصراعات والادعاءات الاقليمية والمنافسات التقليدية ، بل و إلى ظهور صراعات ومشاكل أخرى يمكن أن تثار نتيجة تغير الظروف السياسية .

 

ثالثا : سيترتب على انهاء الوجود العسكري البريطاني نمو نفوذ قوة غير مرغوب فيها يفترض انها الاتحاد السوفييت ، وعلى الرغم من أن قرار الانسحاب كما قرر الخبراء السياسيون والعسكريون لا يعني توجيه دعوة مفتوحة إلى موسكو إلا مجرد إعلان الغرب عدم اهتمامه بالمنطقة يمكن أن يعده الاتحاد السوفييتي بمثابة دعوة صريحة له ، وخاصة بعد أن اصبح للاتحاد السوفييتي نوايا واضحة في الخليج تستهدف مواجهة الاحتكارات الغربية وترسيخ وجوده البحري والنفاذ منه إلى الاقطار المجاورة في آسيا وافريقيا .

 

أما عن الموقف في داخل بريطانيا فمما لا شك فيه أن قرار حكومة العمال الخاص بالانسحاب في عام 1968 أثار معارضة شديدة من جانب حزب المحافظين الذي كان في المعارضة ، حيث اكد زعماؤه بأن تنفيذ الحكومة البريطانية هذا القرار من شانه أن يضعف النفوذ البريطاني في مناطق توجد لبريطانيا فيها ، وكذلك للدول الغربية الاخرى ، مصالح نفطية واقتصادية كبيرة ، وصرح السير اليك دوجلاس هيوم بأن حكومة المحافظين المقبلة ستعدل برنامج ويلسن إذ ان انسحاب بريطانيا من شأنه أن يعرض الخليج إلى توتر وعدم الاستقرار .

 

ومع ذلك فقد كان من الواضح أن حزب المحافظين لن يتمكن من قد القرار حتى في حالة وصوله إلى الحكم بسبب ان الانتخابات البريطانية كان ستجري في يونيه عام 1970 ، أي بعد أكثر من نصف المدة التي حددتها حكومة القوات البريطانية يكون قد غادر بالفعل ، كما أن اتفاقيات ومعاهدات الحماية القائمة بين بريطانيا وإمارات الخليج تكون قد ألغيت ، أو على الاقل في  طريقها إلى الالغاء .

 

وعلى أية حال فإن حزب المحافظين معارضته قرار حكومة العمال قد احتفظ لنفسه مسبقا بخط الرجعة ، إذ قبل ان يصل المحافظون إلى  الحكم قام ادوارد بجولة استطلاعية في الخليج العربي ، والدول المحيطة به في ابريل 1969 اجتمع في خلالها بكثير من حكام الخليج ، وتحت ضغط إقناع الحكام بالمشكلات التي يمكن ان تحدث في المنطقة تمكن من الحصول على موافقات شفهية من بعضهم للإبقاء على الوجود البريطاني العسكري في الخليج ، بل إنه أعطى وعودا إذا تسلم حزبه الحكم أن يستبقي القواعد البريطانية العسكرية باعتبارها " صمام أمان ضد الاطماع الخارجية في الخليج " .

 

ويجدر التنويه هنا ان قرار بريطانيا الخاص بالانسحاب وجد معارضة شديدة حتى من بين المسؤولين البريطانيين أنفسهم ، فإن المبلغ المخصص للانفاق  على الوجود العسكري البريطاني والصيانة العسكرية ، هو لا يتعدى خمسة عشر مليونا من الجنيهات ، مبلغ ضئيل بالقياس إلى المنافع التي تستفيدها بريطانيا من نفط الخليج ، ولذا كانت الدعوة إلى تاخير الانسحاب إلى عام 1977 باعتبار ذلك أكثر ملاءمة لعلاقة بريطانيا بالمنطقة ، وأن المبلغ الذي تتحمله الخزانة البريطانية يمكن اعتباره بمثابة قسط تأمين سنوي مقابل حماية شركات النفط العاملة في الخليج والتي تتحصل بريطانيا منها على مبالغ كثيرة ، كما يمكن اعتباره أيضا تأمينا لمنطقة نفوذ الاسترليني التي تحتل دول وإمارات الخليج دورا رئيسا فيها .

 

كذلك عارضت كثير من الصحف البريطانية المحافظة سياسة الانسحاب مؤكدة أنه من الضروري إبقاء قوات عسكرية للمحافظة على رؤوس الأموال المستثمرة في صناعات النفط ، والتي تبلغ ما لا يقل عن ألف مليون جنيه استرليني في العام ، وأنه ليس ما يمنع في مقابل ضمان هذه الاستثمارات الكبيرة أن تتحمل بريطانيا تكاليف الدفاع عن المنطقة ، هذا فضلا عن أن الانسحاب لن يحقق أي وفرة على الاقل في خلال السنوات الثلاث القادمة ، أي إلى تنفيذ هذه السياسة في نهاية عام 1971 ، بل إنه من المحتمل أن تتعرض الاستثمارات البريطانية للخطر من النتائج المتوقعة التي ستعقب الانسحاب البريطاني العسكري  من الخليج ، ولكن على الجانب الاخر كان الاتجاه واضحا في أنه ما دام قد اتخذ قرار الانسحاب فإنه من الصعب التراجع عنه إذ أن مجرد التفكير في هذا التراجع سيؤدي إلى مزيد من التوتر ، وقد يؤدي إلى حلول قوة أخرى في المنطقة .

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
download lecture file topic