الديمقراطية في العراق
لعل المألوف تاريخياً أن يستجير الناس بالديمقراطية نظاماً عادلاً ومنصفاً على ما سواها من الأنظمة لا أن يستجيروا بأي نظام آخر على الديمقراطية!!
ولعل المألوف أيضاً أن الناس تنشد الأمن والاستقرار والعيش الكريم في ظلال الديمقراطية, لا أن يتحولوا إلى ضحايا وإلى جثث وركام في تلك الظلال.
يحدث هذا يومياً في العراق, حيث تتساكن الديمقراطية مع الفوضى والقتل والركام, وحيث لا يزال الرهان الأميركي قائماً رغم احتراق كل الأوراق وانهيار كل الوعود والعناوين على أرضية الزيف والرياء السياسي, وحيث يستجير العراقيون بالمنظمة الدولية وبمجلس الأمن أن يرفع عنه وبطريقة ما, أية طريقة ولو كانت تدخلاً دولياً, أن يرفع وطأة ذلك النموذج الأميركي للديمقراطية, الذي حولهم إلى ضحايا يسقطون على مدار الساعة, ووطنهم إلى ركام وخراب?
وحين تتعارض طموحات الناس وأحلامهم من أمن واستقرار وعيش كريم مع الديمقراطية, أياً كان نموذجها, فإن في ذلك دلالة حقيقية على أن ثمة خللاً يشوب تلك الديقمراطية ولا يشوب الناس, إذ كيف يمكن للناس أن ترفض الديمقراطية لو كانت حقيقية عادلة وآمنة?
على هذا, فإن ما جاء به الأميركيون وإداراتهم المتطرفة إلى العراق ليس ديمقراطية تتلبس الاحتلال عباءة أو ممراً, بل العكس احتلال يتلبس الديمقراطية, وبأكثر نماذجها تضليلاً وخداعاً, معبراً وممراً إلى العراق وإلى ثرواته.
ودول الجوار العراقي معنية بأمن العراق واستقراره لأنه يتكامل مع أمنها واستقرارها, وأي خلل في أحدهما سيجد آثاره في الآخر حتماً غير أن البحث عن الأمن والاستقرار في العراق, وبعد إخفاق النموذج الديمقراطي الأميركي المزيف فيه, لا يكون من مهمة دول ذلك الجوار فقط, بل بالعودة إلى الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تردي الأمن وانهيار الاستقرار في العراق, أي الاحتلال الذي تلبس بالديمقراطية وجعلها عباءة وممراً له.
ولعل المدخل الأساس إلى تلك الحالة الأمنية المستقرة في العراق, والتي يمكن أن تهيئ بدورها الديمقراطية حقيقية في لبها وظاهرها, هو إنزياح الاحتلال الأميركي ومنح العراقيين حرية قرارهم واختياراتهم وحينئذ لن تكون الديمقراطية في العراق فوضى, بل خلاقة!
ويرى البعض إن المؤسسات الديمقراطية لاتظهر عادة الا في بعض الاحوال الاجتماعية والثقافية وان التنمية الاقتصادية والتحديث تدفع هذه الظروف في الاتجاه الصحيح مع فهم إن التحديث هو متلازم مع التغيرات الاجتماعية المرتبطة بالتصنيع والتوسع الحضرى وارتفاع مستوى التعليم والنمو الاقتصادى
ويرى البعض الاخر عكس ذالك فالكاتب الامريكى صامويل فيليبس هنتغتون في كتابه ( النظام السياسي في مجتمعات متغيرة ) وهو العمل الذي تحدى فيه النظرة التقليدية لمنظرى التحديث والتى كانت تقول بان التقدم الاقتصادى والاجتماعى سيؤديان إلى قيام ديمقراطيات مستقرة في الدول الحديثة الاستقلال ويرى ايضا إن الغرب فاز بالعالم ليس بتفوق افكاره أو قيمه أو دياناته ولكن بتفوقه في تطبيق العنف المنظم والغربيون غالبا ماينسون تلك الحقيقة الا إن غير الغربيين لاينسونها ابدا واكد هنتغتون إن التغيير في البنية السياسية الجغرافية يتطلب من الغرب إن يقوى نفسه داخليا ويتخلى عن عالمية الديمقراطية والتدخل المسلح ويرى الفيلسوف جارودى إن الديمقراطية عبارة عن مشاركة الافراد الناضجين في وضع القيم التي تنظم حياة الجماعة
والديمقراطية وفق هذه النظرة تعنى مشاركة الافراد ومنحهم القدرة على التاثير في صنع السياسات العامة في دولهم ولا خلاف في إن المشاركة هي جوهر واساس الديمقراطية .
وفى عالمنا المعاصر نشاهد تراجعا للديمقراطية كما هو الحال في بنغلادش ونيجيريا والفلبين وروسيا وتايلند وفنزويلا اما محاولة ادارة بوش لاقامة ديمقراطية في أفغانستان والعراق فإنها تركت كلا البلدين في فوضى عارمة هذه التطورات مع تزايد قوة الصين وروسيا دفع الكثير من المراقبين إلى القول إن الديمقراطية قد تراجعت .
إن تاريخ العراق لم يعرف الديمقراطية الحقيقية التي تقوم على الحرية السياسية حتى بمفهومها الاسلامى الشورى ففى العصر الاموى رغم ايجابياته كان الحكام يلزمون الناس بالطاعة بقوة السيف ويعاقبون من يعارضهم على الظن والشبهة وفى العصر العباسى رغم عظمته وازدهاره الا إن الجانب الديمقراطى كان غائبا حيث كانت الدولة بعيدة عن اى مفهوم للمشاركة بابسط صورها .
ونتيجة لهذه السياسة البعيدة عن الديمقراطية ظل العراق مسرحا لظهور حركات مناوئة للسلطة الرسمية وكانت تلك الحركات اجتماعية غايتها تحقيق اهداف اجتماعية ودنيوية لكنها غالبا ما كانت تتخذ الدين ستارا لها .
وهكذا فان هنالك عدة اسباب تدعو لوضع علامة استفهام على الديمقراطية في العراق حيث ساد استخدام القوة وفرض الصح والخطا ضمن مفهوم التجربة الانسانية دون مراعاة لابسط حقوق الانسان وكانت مدخلا خطيرا جر البلاد إلى ويلات واضحة للعيان .
وما تمخض عن تلك الحقبة التاريخية الدامية التي انتهت بدخول الاحتلال إلى بغداد حيث كانت هنالك حقيقتان ساعدتا على الغزو الاجنبى للبلاد : -
1. غياب الديمقراطية , ثقافة, وتقاليد وممارسة وغياب روح التسامح وتجذر ثقافة العنف كاسلوب وحيد لحل الخلافات .
2. تزايد الشعور بالمظلومية لدى فئات واسعة من الشعب في بلد خليط من مكونات مختلفة .
وهكذا يمكن القول إن الديمقراطية في العراق ولدت بعملية قيصرية وبايدى اجنبية اميركيةوهى ولدت يتيمة وبدون مفكرين ديمقراطيين فهى بدون ثقافة ديمقراطية متجذرة .
فالديمقراطية في العراق تختلف عن مثيلتها في الغرب للاسباب التالية :-
1. الديمقراطية في الغرب عرفت طريقها للتطبيق بعد مخاضات عسيرة .
2.الديمقراطية في العراق ولدت بدون ثقافة ديمقراطية عن طريق الوجود الامريكى والاحتلال .
فالمنظور الامريكى للتغيير الديمقراطى في العراق واجه نكسة كبيرة حيث رات امريكا إن التغيير الديمقراطى في العراق عنصر حاسم في تثبيت مصالحها في العراق والمنطقة من خلال السعى لاقرارنموذج مقبول اجتماعيا ا ولكن انه كان من الغباء بالنسبة للولايات المتحدة حين أنها لم تدرك أو استخفت بتعقيدات المجتمع العراقى لان التغيير الديمقراطى يجب إن ياتى من داخل المجتمعات وفق سياقات التطور التاريخى ولا يفرض عليها ذالك انه لايمكن تحقيق بقائه وديمومته عن طريق الوصفات الجاهزة القادمة من الخارج .
كشفت الأزمة السياسية التي أعقبت الإنتخابات البرلمانية في العراق، التي إستمرت لفترة أكثر من أربعة أشهر، عن هشاشة المحتوى الديمقراطي للعملية السياسية في العراق، سواء على مستوى الثقافة والفهم أم على مستوى الممارسة والفعل أم على مستوى المؤسسات والشخوص، أم على مستوى النخبة السياسية و الجماهير الشعبية، الى درجة يمكن فيها توصيف الحالة السياسية العراقية بانها محاولة لبناء ديمقراطية بلا ديمقراطيين. فثمة ضحالة هائلة في التجربة السياسية، حيث لا توجد طبقة سياسية متمرسة في العمل السياسي بإستثناء الوضع في كردستان، ويعود هذا الى سببين الأول منهما هيمنة الدكتاتورية لمدة طويلة تعذر معها نشوء طبقة سياسية متمرسة، من جهة، وبقاء المعارضة (السياسية) في الخارج في إطار العمل التعبوي والتحريضي والإعلامي من جهة ثانية. وثمة هشاشة كبيرة في الإلتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية، فضلا عن السطحية في فهمها وقبولها والإستعداد للإلتزام بها والعمل بموجبها. وإذا كانت التسويات السياسية القائمة على أساس التنازلات المتبادلة تمثل واحدة من هذه القواعد فإننا نرى إصراراً غريباً على المواقف والمواقع يمنع حصول أي حراك وتزحزح، ما يجسده على سبيل المثال قول صارخ للدكتور ابراهيم الجعفري يقول فيه: (مبدأ التنازلات بالنسبة لي غير وارد اطلاقاً)، هذا رغم انه اعلن في مقاله المثير للجدل الذي نشر في احدى الصحف الاميركية ان الديمقراطية بالنسبة له تمثل مسألة (إيمان). وثمة فقر مدقع في الثقافة الديمقراطية لدى النخب والجمهور في آن واحد.والطرفان معذوران كون النظام السابق قد حرم أصلاً تداول هذا النوع من الثقافة، وعلى مدى حوالي ثلاثة عقود ونصف، ما أنتج نخباً وجمهوراً ليس لهما من الثقافة الديمقراطية إلا الشيء القليل الذي لا يغني عن جوع ولا يسمن . وتكشف عن هذا الفقر في الثقافة الديمقراطية قائمة الكتب التي طبعتها دار الشؤون الثقافية،وهي المؤسسة الرسمية المعنية بنشر الكتاب في العهد السابق، حيث لا يوجد فيها ما يؤمن إشاعة الثقافة الديمقراطية بين صفوف المواطنين والمعنيين. وثمة ضعف ينتاب المؤسسات التي تمثل العمود الفقري للديمقراطية وفي مقدمتها المجالس التمثيلية المنتخبة، والتي تمت إقامة إثنين منها هما: الجمعية الوطنية الإنتقالية التي اضطلعت بكتابة مسؤدة الدستور الدائم ومجلس النواب الذي تشكل بموجب هذا الدستور. فقد كان المجلسان مثالا للمجالس الصورية التي ليس لها من الدور السياسي الا الشيء اليسير والقدر النزير حيث تمت ادارة العملية السياسية وراء جدران سميكة لغرف ذات ابواب محكمة الغلق، لا تصادر فقط حق الناس في ان يعرفوا ما يدور، وهذا مبدأ اخر من مبادئ الديمقراطية، وإنما تهمش دور المجالس التمثيلية المنتخبة بشكل يجعلها هياكل بلا فعالية وأجساما بلا حياة. والأمر نفسه يقال على الإعلام الذي يلعب عادة دوراً رقابياً ونقدياً كبيراً في المجتمعات الديمقراطية، الى الدرجة التي تجعل منه سلطة رابعة، ربما كانت أكثر تأثيرا وأمضى قوة من السلطات الثلاث الأخرى. فقد أثتبت تجربة السنوات الثلاث الماضية ان العديد من رجال النخبة السياسية المتصدية للشأن العام يشعرون بحساسية زائدة إزاء ما يكتب في الصحف وما يقال في الاعلام. ومرة اخرى يأتي الدكتور ابراهيم الجعفري في مقدمة هؤلاء، الأمر الذي كشف عنه قيامه بتشكيل جهاز للرصد، حسب تعبيره، وظيفته متابعة ما يكتب في الصحف، من أجل تشخيص الأعداء ومعرفة الأصدقاء. وقد جرت فعلا عمليات معاقبة للأعداء وتكريم للأصدقاء. وهو اسلوب معروف لإسكات الأصوات الحرة وشراء الاصوات الذليلة. كل هذه الظواهر تدعو الى دراسة آفاق التجربة الديمقراطية في العراق، ومستقبلها، من خلال تحليل بيئتها السياسية والإجتماعية والثقافية والأمنية، وهي بيئة تحتوي على عوامل إعاقة للتجربة وعوامل تعزيز لها. وهي خطوة تستدعيها ضرورة الإنتباه الى عوامل الإعاقة من اجل معالجتها ومواجهتها، من جهة، والإنتباه الى عوامل التعزيز، من أجل ترسيخها والإفادة منها. تشرع مجلة (الإسلام والديمقراطية) بالتصدي لهذه المهمة التحليلية والدراسية الكبيرة في هذا العدد وفي الأعداد الماضية من خلال الدراسة التي تقدمها للقارئ عن معيقات إقامة الديمقراطية في العراق، في مقابل العوامل المساعدة على ذلك. وهما محوران مفتوحان للنقاش والمشاركة
الديمقراطية وسيلة إجرائية يتم من خلالها تداول السلطة، وإذا كان أصلها اليوناني يعني حكم الشعب، فان فهمها بهذا الشكل لا يوضح حقيقتها، لذا جرت محاولات كثيرة لتعريفها، فهذا (ليسلي لييبسون) يقول:
إن الديمقراطية ((هي نظام سياسي يترك سلطة زعمائها أبدا تحت المراقبة، وقيد الإشراف مع إفساح المجال لعبقرية الفرد السياسية للتعبير عن ذاتها))(1)، وعرفها(ليوناردو وولف) ((بأنها الفكرة القائلة بان أية حكومة، إنما تقوم بغرض السهر على مصلحة مواطنين أحرار ومتساوين اتحدوا سياسيا من اجل تحقيق هدف عام وهو سعادة الفرد والمجتمع))(2).
الهوامـش
1- خالد عليوي، الديمقراطية في الفكر القومي العربي المعاصر، رسالة ماجستير(غير منشورة) مقدمة إلى مجلس عمادة كلية العلوم السياسية/ جامعة بغداد، 2000،ص7.
2- المصدر نفسه، ص8.
3- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .