انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المناخ العسكري

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم الجغرافية     المرحلة 2
أستاذ المادة محمد حميد عباس الساعدي       5/22/2011 9:33:08 AM

 

 

عوامل الطقس الحرجة في العمليات العسكرية

 

 

 

 

 

 

 

يتشابه المناخ climate والطقس weather في أنهما يعبران عن حالة الجو ، لكنهما يختلفان في الفترة التي يغطيانها ، فالمناخ هو معدل حالة الجو لمكان أوإقليم خلال الفصول والسنة ، وذلك خلال فترة زمنية طويلة يقترحها البعض 35سنة لإمكانية تعاقب الأحوال العادية والشاذة فيها . أما الطقس فهو حالة الغلاف الجوي للأرض في الوقت الراهن ، وكذلك المتوقع مستقبلا من حيث درجةالحرارة والضغط الجوي والرياح وغير ذلك. ولحالةالجو الراهنة أو المتوقعة الأثر البالغ والدور الخطير على العمليات ، وذلك منذ أقدم العصور وحتى الوقت الحالي .

 

وتهتم الجغرافيا العسكرية بدراسة الأرض التي تجري عليها العمليات العسكرية، ومنذ فجر التاريخ الإنساني تشكّل المعلومات الجغرافية عنصراً مهماً من عناصر النزاع العسكري، وتتخذ العمليات العسكرية طابعاً جغرافياً لأنها تجري على موقع ما، ولذلك الموقع بيئته الطبيعية المتميزة، ومناخه، ونظامه الثقافي. والعمليات العسكرية منظومة معقدة ثلاثية الأبعاد تتألف من الفعل وردود الأفعال، وتمتد من جبهة القتال حتى منشأ الإمداد والتموين عبر الأجواء والمحيطات، وتتألف أساساً من منظور جغرافي من الوقت والمسافة، وطبيعة الأوضاع السائدة ضمن إطار ذلك الوقت وتلك المسافة.

 

 

 

ورغم أن الأسلحة والقيادة والتدريب وتخطيط المعركة، تؤثر إلى حدٍ كبير على الحملات، فإن الجغرافيا لها تأثير حاسم على النتيجة النهائية التي تسفر عنها الحرب أو المعركة، لذا ينبغي أن يضع المخططون العسكريون هذه العلاقة الجوهرية نصب أعينهم عند التخطيط للعمليات العسكرية، لاسيما عمليات عسكرية بحجم ونطاق العملية التي تجري أحداثها في أفغانستان. ومن هذا المنطلق ينبغي على القادة العسكريين على كافة المستويات دراسة الأوضاع الطبيعية والثقافية التي حددت نتائج المعارك عبر التاريخ، فجميع العمليات بغض النظر عن حجمها ونطاقها تتحكم فيها بيئة العمليات التي تشمل: الطقس، والمناخ، والأرض، والأوضاع الثقافية، إذ يتحتم على المخطط العسكري الناجح دراستها، وتقدير تأثيراتها، واختيار طرق العمل الملائمة، وتعديل خططه وفقاً للتحليلات الدقيقة للعوامل الجغرافية التي يتميز بها موقع معين.

 

 

 

 

 

 

 

                 

 

وتتفاوت تعريفات الجغرافيا العسكرية من باحث إلى آخر، فيعرّفها أحدهم تعريفاً واسعاً بأنها: "تطبيق المبادئ الجغرافية على الشؤون أو الأوضاع العسكرية"، ومن التعريفات الشائعة للجغرافيا العسكرية: "أنها دراسة العلاقة بين الناس والأوضاع الطبيعية والثقافية ذات العلاقة باستخدام القوة العسكرية"،  وهناك تعريف حديث يصلح للمتطلبات العسكرية الراهنة، وهو أن الجغرافيا العسكرية "هي استخدام المعلومات والأدوات والتقنيات الجغرافية لحل المشاكل العسكرية"،. وعند دراسة البيئة العسكرية لأفغانستان من المفيد أن نركّز في هذا التقويم المختصر على أوضاعها الطبيعية، وموقعها، ووصف أرضها ومناخها وطقسها، وغيرها من العوامل الطبيعية التي تؤثر على العمليات العسكرية في المنطقة.

 

 

 

 

 

الموقع:

 

 

 

 

 

يكتسب موقع أفغانستان أهمية بالغة في المعلومات اللازمة لفهم تعقيد البيئة العسكرية الأفغانية ودورها في الأحداث الراهنة، حيث يشكل موقع أفغانستان عاملاً محورياً لوصف بيئتها الطبيعية والثقافية، وتقع أفغانستان بين خط عرض 33ْ شمالاً و 65ْ شرقاً (انظر الخريطة رقم 1). وبذلك تقع أفغانستان ضمن حزام الأراضي الجافة وشبه الجافة في العالم، ومعنى ذلك أن أرض أفغانستان تتأثر بالعمليات الجيومورفية (شكل الأرض وسمات سطحها) التي تجعل منها أكبر منطقة جبلية في العالم، حيث بها جبال الهملايا وسلسلة الجبال المرتبطة بها مثل سلسلة جبال هندوكوش، علاوة على ذلك فإن موقع أفغانستان يدل على أنها تتأثر بالرياح الموسمية الآسيوية، وما يصبحها من أحوال جوية سيئة. وأخيراً فإن موقع أفغانستان يجعلها ملتقى طرق حضارات وتتنوع فيها الجماعات الإثنية، ولكن يمثل المسلمون الغالبية العظمى من سكان أفغانستان، فماذا يعني موقع أفغانستان لمجمل المجهود الحربي حالياً؟

 

إن أفغانستان ليس لها منفذ مائي، وهي بعيدة عن البحار والمحيطات، ويتحتم على الوحدات العسكرية المنتشرة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية أن تقطع حوالي 594،11 كلم جواً حتى تصل إلى مناطق العمليات، وقد تستغرق تلك الرحلة الجوية حوالي 13 ساعة دون توقف بوسائط النقل العسكري، أما القوات المنتشرة دون توقف من الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية فتقطع حوالي 10858 كلم في حوالي 5،12 ساعة طيران. أما المسافة من المناطق الأمامية في الولايات المتحدة الأمريكية قد تكون أفضل حالاً. ويتطلب الانتشار من وسط أوروبا قطع مسافة 4900 كلم و 2400 كلم و 4500 من دول الخليج العربي وجزيرة ديجو غارسيا على التوالي. ويعلم كل من سافر في رحلات جوية طويلة مدى تأثير الوقت والمسافة على جسم الإنسان. أما قطع تلك المسافات بالبحر فأكثر مشقة، حيث يلزم الوحدات البحرية المنتشرة من الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية قطع مسافة 15200 كلم عبر قناة السويس و 21920 كلم عن طريق رأس الرجاء الصالح خلال 14 23 يوماً من الإبحار، أما مسافة الإبحار من الساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية فتصل إلى حوالي 000،20 كلم، وبناء على ذلك يتطلب الأمر أن يزامن المخططون العسكريون حركة القوات بدقة عبر نصف العالم تقريباً لضمان حشد القوات في الوقت والمكان الحاسمين.

 

وهناك طريقة أخرى في الجغرافيا العسكرية لوصف موقع الدولة يطلق عليها اسم الموقع النسبي، لوصف موقع الدولة مقارناً بمواقع وثقافات مجاورة. ويتأثر ذلك بالمسافة وإمكانية الوصول إلى موارد أخرى وأناس أخرين ومؤثرات أخرى في المنطقة نفسها، وبناء على ذلك يمكن القول إن موقع أفغانستان النسبي يُعدّ عنصراً أساسياً في تحليلات المهتمين بالجغرافيا العسكرية لتاريخها وثقافتها وأوضاعها السياسية والاقتصادية التاريخ والجغرافيا وأخيراً العمليات العسكرية.

 

وأفغانستان دولة ليس لها منفذ مائي كما سبقت الإشارة وتحدّها من الشمال تركمنستان وأوزبكستان، وتاجكستان، ومن الشرق الصين، ومن الشرق والجنوب باكستان، ومن الغرب إيران (انظر الخريطة رقم 1)، ومساحة أفغانستان أصغر بقليل من مساحة ولاية تكساس الأمريكية، ولكنها تعتبر ملتقى طرق لدول غرب آسيا، وقد ساهم الغرب في إقامة دولة أفغانستان، فقد أقيمت هذه الدولة كدولة حاجزة بين الامبراطوريتين الروسية والبريطانية سابقاً، ورغم أن دولة أفغانستان قد نالت استقلالها منذ عام 1909م، إلاّ أن قربها من هاتين الامبراطوريتين السابقتين قد ترك بصماته على أوضاعها وسكانها، فتضافرت الجغرافيا والتاريخ على تمزيق أفغانستان؛ فقد وطئتها أقدام الجيوش الغازية منذ عام 2000 ق.م، ثم تلتها موجات متعاقبة من سكان آسيا الوسطى أو أحكمت قبضتها على المنطقة منذ غزو الإسكندر الأكبر عام 330 ق.م؛ علاوة على ذلك فإن هذه الدولة بما فيها من جبال عالية ووعرة في الشرق وسهول مقفرة في الشمال والجنوب الغربي قد لعبت دور الدولة الدينية العازلة، حيث اجتمع فيها المذهبان الإسلاميان: الشيعي والسنّي، كما انتشرت فيها الديانات السيخية والهندوسية والبوذية على مرّ الحقب التاريخية المتعاقبة.

 

وهكذا انتقل إليها خليط لا يُحصى من البشر واستقر فيها، مثل الإغريق والأتراك والعرب والأوزبك والفرس وهلم جرا؛ فلم تكن هناك أغلبية عرقية واضحة من بين هذه الأجناس المتنوعة التي يبلغ تعدادها حسب الإحصاءات الحديثة حوالي 26 مليون نسمة (من بينهم 4 ملايين لاجئ). وبالأحرى فهي دولة أقليات (انظر الخريطة رقم 2)، يغلب عليها البشتون في الشرق إذ يمثلون حوالي 40% من السكان (، وتنتسب معظم حركة طالبان الحاكمة إلى البشتون، ويتألف تحالف الشمال في معظمه من الطاجيك والأوزبك، ولذلك كانت الانقسامات العرقية هي السمة البارزة في أفغانستان، واتسم تاريخها بسلسلة من النزاعات الداخلية ورغم هذا التنوع العرقي يظل الإسلام هو العامل الأهم في الدولة، إذ يمثّل المسلمون نسبة 90% من الأفغان، من بينهم 85% من السنّة. ورغم ذلك ساهمت هذه الانقسامات المذهبية في تمزيق أفغانستان خلال تاريخها الحديث. وتتمسك حركة طالبان الحاكمة بتفسيرات متشددة للإسلام والقرآن، بينما ترفض جماعات عرقية أخرى هذه التفسيرات الأصولية المتشددة؛ ولاشك أن هذه الاختلافات المذهبية في تمزيق أفغانستان.

 

 

 

 

 

الأرض:

 

 

 

 

 

أفغانستان أرض جبلية وعرة، بها بعض التضاريس الرأسية المتعرّجة التي تغطي ثلثي مساحة القطر (انظر خريطة رقم 1)، ومتوسط ارتفاعها حوالي 2200 متر، وتبلغ أقصى ارتفاعاتها حوالي 800 متر في مرتفعات باميير في الجزء الشمالي الشرقي، ولذلك تلعب الممرات الجبلية دوراً بارزاً في العمليات العسكرية لكونها أرض حيوية للعمليات، وتمثّل جبال هندكوش حاجزاً بين الولايات الشمالية وبقية أجزاء القطر. وتقسم سلسلة جبال هندكوش أفغانستان إلى ثلاثة أقاليم بارزة: المرتفعات الوسطى، والسهول الشمالية، والسهول المنبسطة في الجنوب الغربي وتشكل المرتفعات الوسطى حوالي 70% من أرض أفغانستان، ويتكون هذا الإقليم بصفة أساسية من جبال هندكوش التي تحتل الجزء الأوسط من القطر (انظر الخريطة رقم 1)، وهي مرتفعات وعرة تكثر عليها الثلوج ويصعب اختراقها. وتمتد سلسلة جبال هندكوش لمسافة 1000 كلم في اتجاه الجنوب الغربي من ممر بوخان الضيق بالقرب من الحدود الإيرانية في الغرب. وبالإضافة إلى سلسلة جبال هندكوش تنتشر سلاسل جبال أخرى في جميع الاتجاهات، مثل سلسلة جبال بامير شمال شرقي ممر بوخان، وسلسلة جبال بادقشان شمال شرق أفغانستان، وسلسلة جبال بارو بامسيوس، في الشمال، وسلسلة جبال سفيد كوه التي تشكل جزءاً من الحدود الأفغانية الباكستانية.

 

وتتكون السهول الأفغانية الجنوبية من سهول مرتفعة وصحارى رملية، وهي الأراضي المنخفضة في أفغانستان، وتشمل: سهول تركستان وأراضي حيرات في الشمال الغربي، وحوض نهري سيستان وهيلماند في الجنوب الغربي، وصحراء ريفستان في الجنوب (انظر الخريطة). وتتصف التربة في هذه المناطق بالخصوبة الشديدة باستثناء الأراضي الواقعة على ضفاف الأنهار في الشمال الغربي. ويبلغ متوسط الارتفاع في هذه المنطقة حوالي 900 متر فوق مستوى سطح البحر. وتسهل حركة القطعات العسكرية في معظم هذه المناطق، إلاّ أن عدد السكان بها قليل، ولا توجد بها بنية تحتية تستفيد منها القوات العسكرية، علاوة على ذلك تكثر العواصف الرملية في الصحارى والسهول الجدباء، مما يعرقل العمليات الجوية والسهول الشمالية هي أكثر أراضي أفغانستان خصوبة، وهي تمثل حوالي 15% من مساحة القطر. وتتكون من سفوح الجبال والسهول التي يخترقها نهر أموداريا (انظر الخريطة رقم 1)، ويبلغ متوسط ارتفاعها حوالي 600 متر فوق مستوى سطح البحر. وفي ظل هذا الموقع الجغرافي الصعب لنا أن نتساءل: ما هي النتائج المترتبة على العمليات العسكرية من جراء أرض أفغانستان الجبلية التي تتألف ثلثي مساحتها من جبال شديدة الانحدار، ووعرة، وصعبة الاختراق؟ لاشك أن الأرض الجبلية مثل تلك الموجودة في أفغانستان تعيق الحركة وتحدّ من سرعة حشد القوات التي تقاتل في مثل هذه البيئة. ويحفل تاريخ أفغانستان بالمواجهات ضد الجيوش الغازية كالجيوش الروسية، ومن قبلها البريطانية، التي مُنيت بالإخفاق في هذه المنطقة.

 

فهناك ثلاثة اعتبارات عسكرية ترتبط بأراضي أفغانستان الوعرة هي: النقل والارتفاع والأرض. أما فيما يتعلق بالنقل، فنجد أن الأودية الجبلية المنحدرة هي السبيل الوحيد للحركة حيث تكون الطرق ضيقة، وهي في حالة أفغانستان طرق غير معبدة جيداً ولا تتوفر لها الصيانة الملائمة  ويشكّل ذلك عائقاً للحركة الأرضية، وتقل إمدادات القوات، والتي تستخدم فيها أحياناً قوافل الحيوانات. والحركة على الطرق محفوفة بالمخاطر ومعرضّة للهجوم أو سد الطرق أمامها، وبخاصة في فصل الشتاء، كما تضعف المنحدرات من مجهودات النقل حيث تجعل تلك المنحدرات السيارات والحيوانات تنوء بأحمالها، ويتعذر النقل على الطرق التي تخترق المناطق شديدة الارتفاع لأن المحركات التي تعمل بالاحتراق الداخلي لا تتمكن من العمل لنقص الأوكسجين في المناطق المرتفعة، وأخيراً فإن النقل في هذه المناطق يشكل خطورة بالغة لأن الممرات الجبلية تلعب دوراً حاسماً في النقل والحرب. ونظراً لكثرة الجبال الشاهقة في أفغانستان، فإنها تعتبر بمثابة أرض حيوية ونقاط عسكرية خانقة تستخدمها مجموعات صغيرة من المقاتلين الأشداء، وقد استفاد الروس أيّما استفادة من هذا الدرس بعد أن ألحق المعارضون خسائر جسيمة بصفوفهم، ودأبوا على تشتيت عملياتهم بالتشبث بالممرات الحيوية.

 

ويكتسب الارتفاع أيضاً أهمية كبيرة عند تخطيط العمليات، فعلى سبيل المثال تفرض تعليمات الطيران أن يضع طاقم الطائرة وركابها أقنعة الأوكسجين على أفواههم عند التحليق على ارتفاعات تزيد على 4000 متر، وفي أراضي أفغانستان الجبلية قد يُطلب من الجنود القتال على ارتفاعات تزيد عن تلك الارتفاعات المشار إليها في تعليمات الطيران، لذلك تنتشر أمراض الارتفاعات العالية، ونقص الأوكسجين، والإجهاد البدني في هذه الارتفاعات الشاهقة، حتى بين الجنود المدربين جيداً والمزودين بالمعدات اللازمة. كما أن المناطق الجبلية المرتفعة تتصف بالبرودة الشديدة والتغيّر السريع في درجات الحرارة، والرياح الشديدة، فتتضافر كل هذه العوامل على تقليل فعالية القتال وإجهاد الجنود. وأخيراً، فإن الجبال العالية تكثر فيها العواصف العاتية التي تهب فجأة وبخاصة في فصل الشتاء وتشكل كل هذه العوامل خطورة على العمليات العسكرية والجنود وتقف حجر عثرة في طريق الإسناد الجوي وعمليات الإمداد والتموين، وتعيق الأراضي الجبلية حركة القوات وحشدها، كما تحدّ الممرات الضيقة والتلال الجبلية من الرماية المباشرة وغير المباشرة لمدى طويل.

 

وتنتشر الكهوف في أودية الجبال كما هو الحال في أفغانستان لتختفي فيها القوات، وتوفر الأرض الوعرة مزايا للمدافعين الأمر الذي يحدّ من إمكانية إجراء مناورات كبيرة ومنسقة بقوات تقليدية. لذلك تكتسب عمليات الوحدات الصغيرة أهمية كبيرة ويصبح نصب الكمائن وتكتيكات الكر والفر هي النوع الرئيسي للعمليات العسكرية في هذه المناطق، وتتطلب هذه العمليات قوات محلية خفيفة وسريعة الحركة ولديها معرفة تامة بطبيعة الأرض. ونكرر القول إن الحرب الروسية الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي قد عززت استخدام هذا النموذج.

 

 

 

 

 

المناخ:

 

 

 ويسعى القادة منذ القدم للاستفادة من حالة الجو لصالح قواتهم قدر الإمكان ، ومحاولة استغلال فترات تحسن الحالةالجوية بما يسمح بتوجيه ضربة شديدة للعدو ، أو القيام بعملية عسكرية هائلة، ويعتبر إنزال الحلفاء على ساحل النورماندي الفرنسي في الحرب العالميةالثانية مثلا واقعيا على ذلك ، حيث تم الإنزال بنجاح في الوقت الذي لمتتوقعه القيادة الألمانية بسبب سوء الأحوال الجوية آنذاك .

 

 

 

وتعملالقيادات في مختلف جيوش العالم على توفير المعلومات العلمية المحدثةالخاصة بالطقس والمناخ ووضعها في غرف العمليات وإدامتها ليسترشد بها عندوضع الخطط ، كما تسعى القوات المسلحة للاستفادة من تقنيات العصر فيالملابس العسكرية ، والمعدات والآليات ، لتكون الأفضل عند مواجهة عواملالأحوال الجوية ، ويتوقف هذا الأمر على الإمكانيات المادية والعلمية لكلدولة .

 

 

 

وتهدف السطور التالية لإلقاء بعض الضوء على عوامل الطقس الحرجة ( الخطيرة ) critical weather factors على العمليات العسكرية :

 

 

 

الرؤية المتدنية low visibility :

 

الرؤيةهي المسافة الأفقية التي يمكن منها مشاهدة أهداف أو أجسام معينة وتمييزهابوضوح ، فهي درجة شفافية الهواء بالنسبة لبصر الإنسان . ومن الظواهروالعناصر الجوية المؤثرة على مدى الرؤية : الضباب والضباب الرقيق (الشابورة ) والسديم (العجاج) والمطر والغبار . ومدى الرؤية هو المسافةالأفقية التي يمكن عندها مشاهدة جسم كبير داكن اللون مقابل للأفق في وضحالنهار. ويستعمل جهاز لتحديد مدى الرؤية يدعى ترانسمسوميترtransmissometer.

 

 

 

قديكون في تدني مدى الرؤية لأقل من 3 كيلومترات فائدة للقوات الصديقةوالمعادية . ويمكن أن يخفي مركز الثقل center of gravity والمناورة للقواتالتي تقوم بالهجوم ، وقد يزيد من فرص تحقيق المفاجأة . أما سلبيات تدنيمدى الرؤية فهي إعاقة القيادة والسيطرة Command and Control (C2) . كماُينقص تدني مدى الرؤية من فعالية الاستطلاع والمراقبة Reconnaissance andSurveillance (R&S) وكذلك منطقة الهدف Target Area (TA) خلال الدفاععلى وجه الخصوص .

 

 

 

الرياح السطحية surface winds :

 

تعرف الرياح السطحية بأنهاالرياح التي ُتقاس على سطح محطة الأرصاد الجوية ، في حين أن الرياحبتعريفها الواسع هي الحركة الأفقية للهواء فوق سطح الأرض أو في جوّها .

 

 

 

 

 

يمكنللرياح القوية أن تقلل من فعالية القوات المتحركة بوجه الرياح ، وذلكبإثارتها للغبار dust والدخان والرمل والمطر أو الثلج على هذه القوات ، فيحين تتمتع القوات المتحركة مع اتجاه الرياح القوية بمدى رؤية أفضل ، وعلىذلك بإمكانها التحرك بسرعة وسهولة أكثر . كما تحد الرياح القوية منالطيران والعمليات المحمولة جواً ( الطائرات العمودية بشكل أساسي ) . ومنالآثار السلبية للرياح التي تزيد سرعتها على 35 عقدة / ساعة ( العقدة =ميل بحري أي 1.85 كم ) :

 

- التسبب بإصابات بدنية في الأفراد .

 

- تدمير وإلحاق أضرار بالمواد والمنشئات .

 

- خلق ارتدادات رادار غير حقيقية .

 

- خفض مدى الرؤية بإثارتها للرمال .

 

 

 

التساقط ( الهطول ) precipitation :

 

هو ما ينتج عن تكاثف بخار الماء في الجو ، والذي يتجمع في الغيوم ، ويسقط على الأرض بشكل مطر أو ثلج أو بَرَد وما شابه .

 

 

 

يؤثرالتساقط على صلاحية التربة للسير trafficability أي على تحمل حركة الآلياتدون استخدام الطرق المعبدة والممهدة على وجه الخصوص ، كما يؤثر على مدىالرؤية ، وفعالية الأفراد ، وعلى كثير من المعدات المتنوعة من مجنزرةtrackedومدولبة wheeled . ويؤدي المطر الغزير إلى جعل سطح الأرض غيرالمعبد ، والأرض منخفضة المنسوب ، والمناطق خارج الطرق ، غير قابلة للعبورأو المرور . ويؤدي تساقط المطر والثلج إلى خفض شديد لفعالية وكفاءةالأفراد بسبب تقليل مدى الرؤية ، والتسبب بإزعاج الأفراد وإحساسهم بعدمالارتياح ، وبزيادة إرهاقهم وشعورهم بالتعب ، والتسبب بمشكلات بدنيةونفسية لهم .

 

 

 

ومن الآثار الناجمة عن التساقط :

 

- يتأثر معدل إسقاط القوات ، واكتساب الهدف target acquisition في العمليات المحمولة جواً ، بأي نوع تساقط ، وبأية كثافة .

 

-تتجمد الريش الدّوارة ( المراوح ) rotor blades في الطائرة ، وتتعرض سلامةالطائرة للخطر عند حدوث أي تجمد freezing ، وذلك في عمليات الطيران .

 

-تتناقص فعالية جميع الرادارات ( أكثر من 10 جيجا هيرتز ) وتتأثر جميعمستشعرات الأشعة دون الحمراء infrared sensors في عمليات الدفاع الجوي ،إن زاد معدل التساقط السائل على 1.27 سم / ساعة .

 

- تتأثر الحركة على الشاطئ في العمليات البرمائية ، إن زاد معدل التساقط السائل على 0.25 سم / ساعة .

 

-تتناقص فعالية الرادار ، ومستشعرات الصوت audio sensors في عمليات الحربالإلكترونية والاستخبارات ، إن زاد معدل التساقط السائل على 0.25 سم /ساعة .

 

-تتأثر القدرة على الحركة وصلاحية التربة للسير ، ويتأثر تخزين المواد بشكلعام ، إن زادت كمية التساقط السائل على 5 سم خلال مدة تغسل 12 ساعة .

 

-يتأثر انتخاب المواقع واختيارها ، ويتأثر منسوب الأنهار ، والجريان المائيويحدث الفيضان ، وتتأثر أعمال إعادة التزويد resupply وأعمال الهدموالتدمير demolitions ، وعبور الأنهار ، ومدى الرؤية ، وغير ذلك في عملياتالمناورة الأرضية ground maneuver operations إن زاد معدل التساقط السائلعلى 0.25 سم / ساعة ، أو زادت كمية التساقط السائل على 5 سم خلال مدة 12ساعة .

 

- تنظف بالغسل العناصر المستعملة في الحرب الكيماوية والجرثومية ، ويتبدد الدخان المستعمل ، بأي نوع تساقط ، وبأية كثافة.

 

-يترتب على حدوث أي تجمد إلحاق الضرر بمعدات وهوائيات antennas سلاحالإشارة ( اللاسلكي ) كما يقل تحمّل الهوائيات لتأثير الرياح عليها .

 

 

 

غطاء الغيوم : cloud cover

 

هو مقدار الغيوم في سماءمنطقة معينة ، ويُحَدَد عادة بالأثمان ، وهناك مقياس آخر يعتمد الأعشار .ويؤثر نوع الغيوم ومقدار التغيّم وارتفاع قواعد الغيوم وقممها ، وسقفالغيمة ceiling هو المسافة بين أسفل الغيمة وسطح الأرض تحتها مباشرة ، كلذلك يؤثر على عمليات الطيران aviation operations ومن ذلك :

 

 

 

 

 

-يتطلب الإسناد الجوي القريب Close Air Support (CAS) بطائرات الجناحالثابت سقف غيوم أقله 2500 قدم (762متر) وإن كان بالإمكان عمل الطائراتعلى ارتفاع دون ذلك . أما التهديد بتعريض مهام طائرات الجناح الدوار أيالعمودية للخطر ، وإعادة التموين الجوي فيقع عند سقف غيوم 300 قدم(100متر) . كما يؤثر غطاء الغيوم على العمليات الأرضية ground operations( العمليات التي يشترك فيها الجيش بشكل رئيسي ) حيث يقلل من الإضاءةالطبيعية والرؤية ، أو يعزز من تأثير الإضاءة الاصطناعية بعكسه للأشعة .

 

 

 

الحرارة والرطوبة humiditytemperature and :

 

درجة الحرارة هي درجةسخونة جسم ما ، وتقاس بالترمومتر. وتعتمد درجة حرارة منطقة ما على درجةعرض المكان ومقدار ارتفاعه عن سطح البحر، ومقدار بعده عنه وعوامل أخرى .والرطوبةهيكمية بخار الماء في الجو ، أما الرطوبة النسبيةrelativehumidity فهي معدل ( يعبر عنه عادة بالنسبة المئوية) بين مقدار بخار الماءالموجود فعلا في كمية من الهواء وكمية البخار التي يمكن أن تجعل الهواءمشبعا عند درجة حرارة معينة. ويبدو أثر درجة الحرارة ونسبة الرطوبة علىالنحو التالي :

 

 

 

- لدرجة الحرارة ونسبة الرطوبة أثر مباشر على أداء الأفراد والآليات على حد سواء .

 

 

 

-تتسبب درجة الحرارة المفرطة بإصابات للأفراد كضربة الشمس والجفاف ،وبإصابة محركات الآليات بالتآكل والاحتكاك مما يؤدي إلى توقف المعدات عنالعمل .

 

 

 

-تتسبب درجات الحرارة المنخفضة جدا بزيادة إصابات الطقس البارد كالتجمدوعضات الصقيع ، كما تتسبب بتعطيل أنظمة التبريد والمحركات ومن ذلك تجمدماء أو سوائل تبريد المشعات radiators حيث يؤدي تجمد الماء في المشع إلىكسره وتمزقه وبذلك تفقد الآلية نظام تبريدها وسترتفع درجة حرارة المحركسريعا مما يصيبه بالعطب سريعا ، كما تتناقص فاعلية مزلقات lubricationsالآليات من زيوت وشحوم ، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى زيادة المتطلباتاللوجستية إلى حد كبير . هذا وتعمل الجهات المنتجة لأنظمة تبريد المحركاتوللزيوت والشحوم على تطوير منتجاتها لتلائم الأحوال الجوية في البيئاتالمختلفة ، ورغم ذلك تبقى حدود صلاحية هذه الأنظمة والمواد قائمة .

 

 

 

- تؤثرزيادة نسبة الرطوبة إلى أكثر من 35 % في انتخاب سلاح الهندسة للمواقع ،سواء بما يتعلق بالمعدات أو الأفراد ، حيث تؤثر الرطوبة المرتفعة علىسلامة المعدات ، ودقة أداء الأجهزة ، وكذلك راحة الأفراد .

 

 

 

- تؤثر الرطوبة المرتفعة جدا في زيادة فعالية الأسلحة الجرثومية وزيادة انتشارها ، في حين يعمل الجفاف عكس ذلك .

 

 

 

- تؤثرالرطوبة بوجه عام والمرتفعة بوجه خاص بتلف الأدوية والعقاقير الطبية ،والتي يجب حفظها في الأماكن المظلمة والجافة ، ولا تزيد درجة حرارتها على20 درجة مئوية .

 

 

 

الضغط الجوي atmospheric pressure :

 

يعطي علم الأرصاد الجويةوخبراء الطقس أهمية كبيرة للضغط الجوي سواء على سطح الأرض أو على ارتفاعاتمتفاوتة منه . ويتأثر الفرد وأنشطته المختلفة باختلاف الضغط ، كما تتأثربعض المعدات بذلك ، ومن ذلك إختلاف السيطرة على الضغط في طائرات الجناحالدوار عن طائرات الجناح الثابت من طائرات مقاتلة وطائرات نقل . إذ لاتوجد سيطرة على الضغط الجوي في الأولى ، أما الثانية فيتوقف الأمر على نوعالطائرة ومقدار الارتفاعات التي ستحلق فيها ، وإن كانت بشكل عام ذات قدراتعلى ضبط الضغط والسيطرة عليه داخلها ، حيث يحتاج فيها الطاقم إلى أجهزةخاصة ، ومستلزمات لتنفسه . ومن ذلك تطلب استخدام طواقم الطائرات المقاتلةوما شابهها بزة خاصة ذات مزايا وخصائص معينة تحول دون نقص دم الفرد فيمنطقة الرأس وأعلى جسمه ، وعدم تجمع دمه في أسفل جسمه ، هذا إضافةلاستعمال قناع يزوده بالأكسجين . وهذا بسبب طبيعة عمل الطائرة المقاتلة منحركة ومناورة والتنقل من تحليق شاهق ومنخفض والعكس خلال فترة زمنية قصيرة .

 

 

 

 

 

 المناخ العسكري (حالة تطبيقية):

 

 

 

لا يقل مناخ أفغانستان سوءاً من وعورة أرضها، وكلاهمايجعل من أفغانستان أسوأ منطقة في العالم يمكن القيام فيها بعمليات عسكرية، والمناخ هو درجات الحرارة والأمطار التي تسود المنطقة على مدار العام، ويؤثر المناخ بشكل مباشر وغير مباشر على أنشطة السكان في العديد من المجالات التي تتراوح بين الزي القومي والتنمية الزراعية. ولاشك أن المناخ يؤثر تأثيراً بالغاً على العمليات العسكرية، ولعل أوضح مثال على تأثير المناخ على الحملات العسكرية هو مساهمة شتاء روسيا القارس في إحباط الهجوم الألماني على موسكو عام 1941م.

 

ويبحث علم المناخ في الظواهر المناخية وتوزيعها وتصنيفها، وقد لعبت المعلومات المناخية على مر العصور دوراً بارزاً في التخطيط العسكري، حيث إن معظم مناطق العالم تسودها مواسم مواتية للعمليات العسكرية وأخرى غير مواتية لها، وتتطرق تحليلات المنطقة للعديد من المظاهر المتنوعة وفقاً للإطارين المكاني والزماني موضوع البحث، وتلعب عوامل معينة مثل: طبوغرافية الأرض ونباتاتها، وتنوّع الضغط الجوي فيها، ومظاهر التقلبات الجوية، دوراً مهماً في تحديد مناخ منطقة معينة؛ ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في تحليل مناخ أفغانستان.

 

ولعل نظرة خاطفة للأحوال في أفغانستان تظهر أن هذه الدولة يسودها المناخ الصحراوي الجاف أو شبه الجاف، ولكن الواقع يختلف كثيراً بسبب تقلبات الضغط الجوي الكبيرة المرتبطة بالرياح الموسمية الآسيوية، وسلسلة جبال هندكوش التي تشطر القطر إلى قسمين، والجفاف المتواصل الذي عصف بهذه البلاد على مدار الثلاث سنوات الماضية.

 

وتقع أفغانستان بالقرب من خط الطول 35، مما يجعل ارتفاعها مشابهاً لمناطق أخرى من العالم يسودها المناخ شبه الاستوائي ومناخ المناطق متوسطة الارتفاع والصحارى شبه الاستوائية الجافة ومناخ أفغانستان حار صيفاً وبارد شتاءً، وتزداد البرودة في المناطق المرتفعة. وتتجاوز درجات الحرارة في الصيف 40ْ مئوية، خصوصاً في المناطق الجنوبية الغربية، وتتدنى درجات الحرارة في الشتاء إلى 25ْ تحت الصفر وتوثر الجبال المرتفعة على مناخ المناطق المحيطة بها، حيث تنخفض درجات الحرارة في المناطق المرتفعة، ويؤثر ذلك على تساقط الأمطار، وبذلك يكون المناخ في هذه المناطق مختلفاً كثيراً عن مناخ المناطق الجافة الأخرى. فعلى عكس الأحوال في المناطق الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فإن معظم الأمطار تتساقط في أفغانستان خلال موسم الشتاء وبواكير الربيع، بينما تكون الأحوال الجوية في العديد من المناطق الأخرى مثل كابل وغيرها ملبدة بالسحب والغيوم والثلوج. وتتسبب كثرة الأمطار في فيضانات جارفة، حيث تمتلئ قنوات الأنهار المتقطعة بسرعة من جراء العواصف الرعدية والأمطار التي تحدثها الرياح الموسمية.

 

إن موقع أفغانستان الذي يحتل مساحة كبيرة في قارة آسيا يتسبب في تفاوت درجات الحرارة تفاوتاً كبيراً على مدار اليوم والعام، ونظراً لأن أفغانستان ليس لديها منفذ مائي وتبعد كثيراً عن المحيطات والبحار فإن سطح الأرض فيها يتعرّض لارتفاع أو انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة، ويتسبب ذلك في رفع درجات الحرارة خلال موسم الصيف ومنتصف النهار، وانخفاضها أثناء موسم الشتاء أو منتصف الليل، علاوة على ذلك فإن درجات الحرارة تتفاوت إلى حد كبير حسب اختلاف طبوغرافية الأرض. ويؤثر الارتفاع تأثيراً كبيراً على انخفاض درجات الحرارة، فتنخفض درجات الحرارة كلما زاد الارتفاع، بمعدل حوالي 5،6ْ مئوية لكل 1000 متر من الارتفاع. ونظراً لأن سلسلة جبال هندكوش تغطي معظم مساحة أفغانستان فينبغي وضع اعتبار خاص للارتفاع، حيث يصل ارتفاع قمم هذه الجبال إلى أكثر من 5000 متر فتتفاوت درجات الحرارة فيها ما بين 10 20ْ في مسافات قصيرة نسبياً، ويتعذر مع هذا التفاوت في درجات الحرارة معرفة خصائص إقليم واسع، ومن ثم وضع اعتبارات المناخ في العمليات العسكرية.

 

وينبغي تدريب الجنود جيداً وتزويدهم بالمعدات اللازمة للتعامل مع مثل هذه الأحوال المناخية السيئة، وتتمتع القوات المحلية بمزايا جيدة لأنها متأقلمة مع هذا المناخ ولديها خبرة واسعة في تقلبات درجات الحرارة.

 

ويتأثر سقوط الأمطار في أفغانستان بتقلبات الضغط الجوي وتأثير الجبال على تدفّق الهواء أفقياً، فيتأثر موسم الشتاء بالضغط الجوي المرتفع الذي يدفع الهواء البارد والجاف على المنطقة، وتكون السماء صافية في مثل هذا الضغط المرتفع، فتصلح للعمليات الجوية، وفي هذا الوقت من العام تهب الرياح من جهة الشمال الغربي أو الشمال. ونتيجة لذلك يتوقع هبوب عواصف من غرب البحر الأبيض المتوسط على أفغانستان كل بضعة أيام. وهكذا يكون احتمال تساقط الأمطار أكبر خلال موسم الشتاء وبواكير الربيع، وغالباً ما تكون على شكل ثلوج. ونظراً لأن معظم الدول الآسيوية تزداد درجة حرارتها خلال الصيف، فإن الهواء الدافئ الجاف يهب على أفغانستان من جهة الشمال والشمال الشرقي ولا يتسبب في تساقط الأمطار أوقد تتساقط أمطار قليلة. وحيث إن الجبال تقف في طريق الرياح الموسمية التي تهب من جهة الجنوب الغربي والتي توثر على الهند وباكستان فإنها تتسبب أحياناً في حدوث عواصف رعدية في شرقي أفغانستان لمدة ثلاثة أو أربعة أيام في كل مرة. وترتفع درجات الحرارة خلال الصيف، ويكون السماء صحواً، فيصلح ذلك أيضاً للعمليات الجوية. ويكتسب تحليل المناخ دائماً أهمية بالغة في تخطيط العمليات العسكرية وتنفيذها، وبخاصة في بيئة قاسية مثل أفغانستان.

 

وخلاصة القول إن أفغانستان يتباين فيها المناخ، ولكنها في الغالب الأعم دافئة وجافة خلال فصل الصيف، وباردة وتتساقط أمطارها في فصل الشتاء، وتزيد درجات الحرارة خلال الصيف 40ْ مئوية، وتتدني درجات الحرارة خلال الشتاء إلى 25ْ مئوية تحت الصفر. ويفصح هذا المناخ عن نفسه في تأثيره على الجنود والعمليات، إلاّ أن الأمر يزداد تعقيداً بالضغط الجوي المرتفع باستمرار والسماء الصافية، مما ينتج عنه تقلب في درجات الحرارة، حيث يتراوح تقلّب درجات الحرارة خلال اليوم إلى 50ْ مئوية، كما تتسبب طبوغرافية الأرض في إحداث تغييرات جوهرية على المناخ ضمن مسافات أفقية قصيرة، مما يزيد الطين بلة ، فيتعرض الجنود لظروف مناخية قاسية على مدار اليوم والعام، فيؤثر ذلك على فعاليتهم ومعنوياتهم ويزيد معدلات الإصابة دون قتال.

 

 

 

 

 

تأثير الأمراض:

 

 

 

 

 

لن يكتمل تحليل الجغرافية العسكرية للمنطقة دون تقويم جغرافيتها الطبية، إذ يشكّل هذاالجانب أهمية بالغة للقادة العسكريين، فعلى سبيل المثال، هناك أدلة دامغة تدل على أن تأثير الأمراض كان من بين العوامل الحاسمة أثناء العمليات السوفيتية في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي. فقد كشفت التقارير العسكرية التي سُمح بالاطلاع عليها مؤخراً أن حوالي 25% من الجنود السوفييت كانوا يترددون على المستشفيات للشكوى من أنواع مختلفة من الأمراض خلال الأربع سنوات الأخيرة من احتلالهم لأفغانستان. ويدل ذلك على مستوى الوهن الذي أصاب الجنود من جراء الأمراض دون قتال، ولا يمكن لأية مؤسسة عسكرية أن تتحمل ذلك النوع من الخسائر، وخصوصاً عندما يقترن بنقص في الأفراد وإصابات داخل المعركة. ومن الواضح أن القوات العسكرية تواجه تحديات طبية وصحية جمة في أفغانستان ، ومن هنا ينبغي الاستفادة القصوى من التجربة السوفيتية في أفغانستان، حيث إنها تبيّن تأثير الأمراض إلى حد كبير على القوات العسكرية في ظروف مناخية سيئة، مما يقدم دروساً مستفادة لتطبيقها في العمليات العسكرية المستقبلية. فلقد نشر السوفييت طوال فترة الحرب السوفيتية الأفغانية حوالي 62000 جندي في أفغانستان . وتشير التقارير السوفيتية إلى أن 435،14 جندياً قد قُتلوا أو ماتوا متأثيرن بجراحهم. وتمثل نسبة الحوادث أو الأمراض 33،2% من العدد الكلي للجنود، إلا أن معدل المرضى الذين ترددوا على المستشفيات أثناء عملهم في أفغانستان، كان مرتفعاً جداً، ففي هذا الصدد أوضحت التقارير السوفيتية أن 685،469 فرداً قد تلقوا العلاج في المستشفيات، ويمثل هذا العدد ما نسبته 76% تقريباً من مجموع الجنود الذي كانوا في أفغانستان، وكان من بين ذلك العدد 753،53 من الجرحي أو المصابين، أي ما نسبته 44،11%. وفي التحليل النهائي يتضح أن 932،415 فرداً وهو رقم مذهل قد تلقوا العلاج من أمراض خطيرة، ويمثل ذلك نسبة 56،88%. وبمعني آخر فإن نسبة 67% من الجنود السوفييت في أفغانستان قد خضعوا للعلاج من أمراض خطيرة، في حين أن نسبة المرضى في الحرب العالمية الثانية، كانت 2،35% وتضمنت تلك الأمراض 308،115 حالات التهاب كبد وبائي و 080،31 حالة حمى تيفوئيد، أما الحالات المتبقيةالتي يصل عددها إلى 544،269 حالة، فتتراوح بين: أمراض الطاعون، والملاريا، والكوليرا، والدفتيريا، والحمى الشوكية، وأمراض القلب، والدوسنتاريا المعدية، والدسنتاريا الأمبيبية، والروماتيزم، وضربات الشمس، ومرض ذات الرئة، والحمي النمشية، والباراتيفوئيد، وبذلك كان السوفييت يخوضون حربين: إحداهما ضد مقاومة المجاهدين، والثانية ضد البيئة التي تعتبر مأوى للأمراض التي تصيب الجسم بالوهن.

 

 

 

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية (2001م) إلى أن في أفغانستان عديداً من الأمراض المستوطنة، وقد عانى السوفييت أيما معاناة من هذه المشاكل أثناء احتلالهم لأفغانستان. وتصيب هذه المعدلات المرتفعة من الأمراض المعدية القوات العسكرية بالوهن، ولكن يمكن تخفيفها بالأدوية الواقية أو التطعيمات واتخاذ التدابير الصحية الميدانية كالنظافة وغسيل الملابس وتنظيف معدات النوم لأن ذلك من شأنه تقليل مخاطر الأمراض التي ينقلها البعوض. وأخيراً فإن التغذية الصحية والتدريب الجيد يجعلان مقاومة الجنود للأمراض أفضل، فلا يتعرضون لأنواع مختلفة من الأمراض والطفيليات.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .