انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الحضارة الاندلسية في عهد المرابطين

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة محمد عبد الله عبد فزع المعموري       5/13/2011 8:44:31 AM

 الحضارة الأندلسية على عهد المرابطين :

 

أقام المسلمون في الأندلس ثمانية قرون (92هـ- 897هـ) شيدوا فيها حضارة عظيمة ارتوى الأوربيون من منابعها الفياضة بنهم ظمآن لا يرتوي، واقتطفوا من جنانها الوارفة الظلال أطيب الجنى وأعذب الثمار.

 

ولم يكن المغاربة (مرابطون وموحدون) بمنأى عن ساحة هذا البنيان الحضاري السامق، بل أسهموا في إعلائه وتطويره، وضربوا في ذلك بأعلى السهام، فكانوا بذلك غرة في جبين تاريخ الأندلس الحضاري.

 

ويلقي هذا العرض أضواء ساطعة على ما كان لهؤلاء المغاربة الغر الميامين من أياد بيض على هذه الحضارة الرفيعة.

 

1- الحضارة الأندلسية في عهد المرابطين:

 

لقد زعم بعض رجالات الاستشراف من أمثال "رانيهارت دوزي" ومن تبعه من بعض الدارسين العرب  أن الفكر في عهد المرابطين بالأندلس رانت عليه أدران الجمود والتحجر، وأن جذوة الحضارة خمدت في هذا العهد ، وذلك لأن المرابطين حسب زعمهم كانوا برابرة صحراويين متوحشين أجلافا متعصبين، وهي مزاعم تنم عن المقت والكراهية، وتنطق بالتعصب والهوى. وقد فندها عدد من الباحثين من مستشرقين وعرب، من أمثال: فرانثيسكو ك وديرا وخليان ريبيرا  وليفي بروفنسال  وعباس الجراري  وحسن الوراكلي  وعصمت عبد اللطيف دندش  وحمدي عبد المنعم محمد حسين( ) وغيرهم. كما أن هذه المزاعم تفندها أيضا حقائق التاريخ التي تشهد بأنه لو لم يتدخل المرابطون في الأندلس في عهد ملوك الطوائف لدرء عدوان النصارى عليهم، وصد هجماتهم لهم، لكان عمر الإسلام والمسلمين قد انتهى بهذا الصقع الإسلامي في القرن الخامس الهجري. فالمرابطون بقيادة البطل العظيم يوسف بن تاشفين هم الذين أمدوا عمر الأندلس أربعة قرون أخرى، وأنقذوا الحضارة الأندلسية من السقوط والانهيار، فقد كانت الأندلس في عهد ملوك الطوائف تعرف تفككا سياسيا وانحدارا عسكريا، جعل هؤلاء الملوك فريسة سهلة ولقمة سائغة للنصارى الذين لم يتوقفوا لحظة واحدة عن إنهاكهم واستنزاف قواهم. لكن لما اتسع الخرق، وأعضل الداء، وتأكد لملوك الطوائف -وعلى رأسهم المعتمد- أن النصارى يرغبون في القضاء عليهم واحدا تلو الآخر من أجل الاستيلاء على كل أرجاء الأندلس، تحقيقا لحلمهم في طرد العرب نهائيا من هذا البلد، رأوا أن لا مناص لهم من طرق أبواب المرابطين في المغرب الأقصى مستنجدين مستصرخين باعتبارهم أكبر قوة إسلامية مجاهدة في ذلك الوقت. وفعلا، فقد تمكن المرابطون بقيادة أميرهم يوسف بن تاشفين من إحراز نصر باهر على العدو النصراني وذلك في معركة الزلاقة الشهيرة سنة 479هـ. وهو نصر اهتزت له أركان الإسلام وأعطاف التاريخ، وقرت به عين الإسلام، وطابت به نفس الإيمان بهذا الصقع الإسلامي. كما أحرز المرابطون انتصارات أخرى ساحقة على النصارى أرغمت أنوفهم وأذلت جبروتهم مثل معركة أقليش (507هـ) ومعركة إفراغه (528هـ) ومعركة كركي (531هـ) . ونجح المرابطون أيضا في استعادة بعض المدن المهمة التي أضاعها الأندلسيون مثل بلنسية (495هـ)، وطلبيرة (503هـ)، وقلمرية (511هـ)، وقورية.

 

أما حكمهم بهذا البلد، فقد قام على أسس دينية، فلم يكن أمراء المرابطين يبتون في أمر إلا بعد الرجوع فيه إلى كبار الفقهاء وأصحاب الفتوى، وكانوا يشددون دوما على ولاتهم وعمالهم وغيرهم من المسئولين بالتزام الرفق بالرعية، وإقامة العدل بينهم، ورفع الحجاب عن المظلومين والشاكين،  وكان كل من ظهرت عليه بوادر الانحراف، وثبت عليه ذلك بالأدلة، تعرض للعقاب. فقد جاء مثلا في كتاب الأمير يوسف بن تاشفين إلى أبي عبد الله بن فاطمة حين عينه على بلنسية عام 479هـ:"… واستعمل عليها من يرفق بها، ويعدل فيها، واطرح كل من يحيف عليها ويؤذيها، ومن سبب عليها من عمالك زيادة، أو خرق لنفسه درهما ظلما، فاعزله عن عمله، وعاقبه في بدنه، والزمه رد ما أخذ متعديا إلى أهله، واجعله نكالا لغيره، حتى لا يقدم منهم أحد على مثل فعله.

 

هذا، وقد ساعد الاستقرار الذي عرفه الأندلسيون في ظل المرابطين على ازدهار المجال الاقتصادي، فنشطت الزراعة نشاطا واسعا، وكثرت المحاصيل الزراعية وتنوعت؛ من قمح وشعير وبقول وخضر وفواكه وأفاويه.

 

وبلغت الصناعة أوجها في هذا العصر، وظهرت في الأندلس مراكز صناعية ضخمة ذاع صيتها ولمع نجمها مثل إشبيلية التي عرفت بالصناعات الحربية  وصناعة الزيت المستخرج من الزيتون  وصناعة قصب السكر  واشتهرت شاطبة بصناعة الورق، وذكر الإدريسي أنه كان يعمل بها من الكاغد ما لا يوجد له نظير بمعمور الأرض، وكان يعم المشارق والمغارب واختصت مالقة بصناعة الزجاج  وصناعة الخزف والفخار، وتفردت مرسية بصناعة الحصر وإتقانها  واحتلت المرية في هذه الفترة المركز الأول في صناعة المنسوجات الحريرية في الأندلس، وقد أشار الإدريسي إلى مقدار ما وصلت إليه هذه الصناعة من تطور في عهدهم بقوله: "مدينة المرية كانت في أيام الملثم مدينة الإسلام، وكان بها ثمان مائة طراز يعمل بها الحلل والديباج والسلاقطون، والأصبهاني، والجرجاني، والستور المكللة، والثياب المعينة، والخمر والعتابي، والمعاجر، وصنوف الحرير.

 

وأشار "ليوبولدو توريس بالباس" إلى مدى ازدهار صناعة المنسوجات الحريرية في المرية بقوله "إن الكنائس والمتاحف بإسبانيا تحتفظ حتى الآن بنماذج من المنسوجات الحريرية المصنوعة في المرية في عصر علي بن يوسف، مثال ذلك ثوب القداس الذي كان يرتديه القديس خوان دي أورتيجا، والمحفوظ الآن بكنيسة أورتوبيو (برغش)، والذي يحمل اسم علي بن يوسف.

 

أما التجارة، فقد ازدهرت في هذه الحقبة ازدهارا عظيما. وقد ساعد على ذلك حماية المرابطين للطرق، وتأمينهم للمسالك، وعنايتهم بالبحر والأسطول، وتحسينهم للنظام الضريبي وبخاصة في عهد يوسف بن تاشفين وبداية حكم علي بن يوسف. كما كان لامتداد رقعة الدولة في السودان والمغرب والأندلس أثر كبير في فتح منافذ متعددة لتسويق المنتجات الزراعية والصناعية، فنشطت حركة الصادر والوارد، وشاع بين الناس لون من الرخاء والرفاهية، وقد أشار الإدريسي إلى ذلك بقوله:"فلم يكن أيسر من أهل الأندلس مالا ولا أتجر منهم في الصناعات وأصناف التجارات تصريفا وادخارا، ووصف ابن أبي زرع الحالة الاقتصادية في هذه الفترة بقوله :"وكانت أيامهم أيام دعة ورفاهية ورخاء متصل وعافية وأمن، تناهى القمح في أيامهم إلى أن بيع بأربعة أوسق بنصف مثقال، والقطاني لا تباع ولا تشتري، وكان ذلك مصطحبا بطول أيامهم… وكثرت الخيرات في دولتهم، وعمرت البلاد، ووقعت الغبطة .

 

ومن الناحية الاجتماعية بذل المرابطون كل الجهود في سبيل إصلاح المجتمع الأندلسي، وتطهيره من أدران الفساد مستلهمين في ذلك مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقاموا على سبيل المثال بمحاربة كثير من وسائل اللهو والمجون، واشتدوا في متابعة المحلات التي تبيع الخمرة، وأمروا بإراقة دنانها، ومعاقبة صانعيها والمعاقرين لها، وأمروا قضاتهم وفقهاءهم بمعاقبة شاربيها كما اشتدوا في تنفيذ العقوبة، واشتهروا القاضي أبو بكر بن العربي بعقاب شاربي الخمرة وأرباب اللهو، وكانت له فيهم عقوبات مهلكة.

 

أما فن الموسيقى والغناء، فقد راج في الأندلس في عهد المرابطين لدرجة أن أنكره عليهم المهدي بن تومرت  وفقهاء المرابطين. وقد نبغ في هذا الفن أبو بكر بن باجة الذي عد إمام الملحنين في عصره وقد تخرج على يده تلامذة مثل: أبي عامر بن محمد الحمارة الغرناطي، وقد برع في الألحان، واشتهر عنه أنه كان يعمد للشعراء، فيقطع العود بيده، ثم يصنع منه عودا للغناء، وينظم الشعر ويلحنه ويغني به .

 

ومن تلامذة ابن باجة أيضا: إسحاق بن شمعون اليهودي القرطبي الذي وصفه ابن سعيد بأنه "أحد عجائب الزمان في الاقتدار على الألحان. وكان قد لازم ابن باجة، وأحسن الغناء بلسانه ويده، وكان له نظم رائق.

 

أما العلوم والآداب، فقد نفقت سوقهما في عصر المرابطين على عكس ما يدعيه خصومهم، وتألقت أسماء كثير من أعلام الثقافة الأندلسية، من أمثال أبي إسحاق بن خفاجة شاعر الطبيعة الأول بالأندلس، وابن أبي الخصال "رئيس كتاب الأندلس، والأعمى التطيلي سابق فرسان حلبة الموشحات بها ،وأبي بكر بن قزمان إمام الزجالين بها، وأبي القاسم خلف بن يوسف بن تومرت الذي كان من أئمة النحاة والأدباء الثقات الأخيار، وأبي بكر بن باجة الذي نبغ في الفلسفة والرياضيات والمنطق والهندسة .

 

وأبي مروان عبد الملك بن زهر الذي لم يكن في زمانه من يماثله في مزاولة أعمال صناعة الطب . وتدين له الجراحة بأول فكرة عن جراحة الجهاز التنفسي، وبتعليماته الدقيقة عن انتقال العظام، وعن الكسور .

 

وفي مجال التاريخ نبغ أبو زكريا يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري الغرناطي المعروف بابن الصيرفي، وقد ألف في تاريخ الأندلس في العصر المرابطي كتابا سماه "الأنوار الجلية في أخبار الدولة المرابطية كتابا آخر سماه: "قصص الأنبياء وسياسة الرؤساء" وهما مؤلفان لم يصلا إلينا مع الأسف.

 

كما برزت في هذا العلم أسماء كثيرة مثل أبي نصر الفتح بن خاقان، وابن بشكوال، وغيرهم، ولمع في هذه الفترة أيضا عدد من كبار جغرافيين الأندلس والمغرب مثل الشريف الإدريسي صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" والحجاري صاحب كتاب "المسهب في غرائب المغرب".

 

أما العلوم الفلاحية، فمن أشهر أعلامها في هذا العصر: العلامة أبو عبد الله محمد بن مالك الطغنري الذي ألف كتابا فيها سماه "زهر البستان ونزهة الأذهان .

 

من هنا يتضح أن حضارة الأندلس لم ينضب معينها الصافي في عهد المرابطين، بل ظلت فورتها دافقة، وجذوتها متقدة ملألئة في كل نواحي الحياة.

 

وهكذا فصحراء المغرب الأقصى لم تنجب مرابطين بدوا أجلافا كما زعم دوزي، بل أنبتت على حبات رمالها رجالا أبطالا، وقادة فكر، وبناة حضارة أندلسية كاد صرحها ينهار لولاهم.

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .