- الحرب الروسية-اليابانية 1904-1905
هيأت الحرب الصينية-اليابانية مكانة عظيمة لليابان في كوريا, سرعان ما فقدتها في نهاية سنة 1895، عندما نشبت ثورة في كوريا ضد النظام الملكي الذي سارع بطلب مساعدة القوات الروسية, موفرا لها الفرصة للتواجد في كوريا، وفي السنوات اللاحقة حاولت اليابان الحصول من روسيا على اعتراف بالمركز الخاص الذي كانت تتمتع به اليابان, الا ان روسيا وعلى الرغم من عقدها مجموعة من المعاهدات بهذا الخصوص تجاهلت هذه المعاهدات ولم تكتف بذلك بل سعت الى توسيع مناطق نفوذها في الصين باٌحتلال منشوريا بعد انتفاضة الملاكمين .
وعندها شرعت اليابان بالتفاوض مع روسيا في سنة ,1903 بغية الحصول على موافقتها في الاعتراف بحقوق اليابان في حرية التصرف في كوريا، وبينما كانت المفاوضات جارية بين البلدين , ارسل القيصر الروسي قوات ضخمة باٌتجاه الشرق عبر خطوط سكة حديد سيبيريا، فقطعت اليابان المفاوضات في شباط/1904 ووجهت ضربة للأسطول الروسي المتمركز في ميناء (بورث ارثر) في منشوريا وأعلنت قطع العلاقات الدبلوماسية واعلان الحرب على روسيا.
وأعلنت الولايات المتحدة الامريكية الحياد من الحرب الروسية-اليابانية خوفا من ان يمتد لهيبها الى الصين, مما يشكل فيما بعد خطرا كبيرا على المصالح الامريكية فيها، وبادر رئيس الولايات المتحدة الامريكية (روزفلت) بتوجيه انذار الى كل من المانيا وفرنسا يدعوهما فيه بالوقوف على الحياد, وعدم التدخل لصالح روسيا, وفق العلاقات التي تجمع هذه الاطراف, معلنا انهما ان تدخلتا فسوف تتدخل الولايات المتحدة الامريكية بثقلها الى جانب اليابان، واكد رئيس الولايات المتحدة الامريكية السياسة التي نادى بها وزير خارجيتة (جون هاي) سنة (1899) طالبا من القوى الدولية "ان تحترم حياد الصين وبالطرائق العملية كلها، فضلاً عن احترام كيانيها الاداري والسياسي
وتأكيدا لسيادة الصين أرسلت الولايات المتحدة الامريكية رسائل دبلوماسية في الثالث عشر/كانون الثاني/1905 الى روسيا واليابان، إلاّ أنَّ استجابة روسيا لم تكن مقنعة للرئيس الامريكي الذي قدم طلبا الى اليابان يدعوها فيه لكي "تقدم تأكيداتها للألتزام بموقفها من خلال الحفاظ على سياسة الباب المفتوح في منشوريا واعادة ذلك الاقليم الى الصين".
وبعد ان تحقق النصر لليابان خشيت ان يتكرر موقف الدول الاوربية منها في حربها مع الصين وسلبها ثمار انتصارها لسنة 1895, فأتجهت الى حكومة الولايات المتحدة الامريكية تطلب وساطتها لإنهاء الحرب
وأنَّ الانتصارات الساحقة التي حققتها اليابان الواحدة تلو الاخرى في حربها ضد روسيا الى جانب اعطائها الضوء الاخضر واطلاق يدها في المنطقة سيؤدي الى التهام الصين, الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الامريكية تسعى لإعادة التوازن في الشرق الاقصى من خلال القيام بوساطة بين الطرفين دون تحمل حكومة الولايات المتحدة الامريكية أي التزامات على عاتقها.
واٌستغلت الولايات المتحدة الامريكية الظروف السائدة وطلب وساطة اليابان، ولكي تضمن ان اليابان المنتصرة لن تهدد الوضع الاستراتيجي في منطقة المحيط الهادئ بعد الانتصارات التي حققتها، فسارعت قبيل انتهاء الحرب الروسية-اليابانية الى التوقيع على اتفاقية معها وهي اتفاقية (تافت-كاتسورا) التي وقع عليها كل من وزير الحربية الامريكي (وليام هاورد تافت/William Howard Taft) ورئيس وزراء اليابان (كاتسورا تارو/Katsura Taro) في التاسع والعشرين/تموز/1905 , نصت على اعتراف اليابان بالسيادة الامريكية على جزر (الفلبين) واقرار (سياسة الباب المفتوح) لخدمة المصالح الامريكية, مقابل اعتراف حكومة الولايات المتحدة الامريكية بكوريا محمية يابانية, والاعتراف أيضاً بالتوسع الياباني في منشوريا, فضلاً عن تعزيز العلاقات القائمة بين البلدين لإقرار السلم في منطقة شرق آسيا ، وكانت هذه الاتفاقية اقراراً لليابان انها اصبحت قوة دولية كبرى جديدة على الساحة الدولية.
وحُسمت الحرب الروسية-اليابانية سنة 1905 بالتوقيع على معاهدة (بورتسموث/Portsmouth) في مدينة (بورتسموث) في مقاطعة (نيوهمشاير) الامريكية بواسطة الولايات المتحدة الامريكية، واكدت أهم بنودها حصول اليابان على ميناء (بورث ارثر) بما في ذلك الخط الحديدي الذي يربط هذه المنطقة بمدينة (موكدن) في اقليم منشوريا, وعلى حق الصيد في مياه سيبيريا, وعلى الاعتراف بضم كوريا الى اليابان، فضلاً عن سيطرة اليابان على المشاريع الانشائية في منشوريا, وأهمها الخط الحديدي الشهير بسكة حديد منشوريا الذي تم تسليمه بكامله الى اليابان
ونتيجة لذلك اصبح لليابان موطأ قدم راسخ وقوي في البر الآسيوي، فضلاً عن تأكيد تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي في كوريا, فحلت اليابان تلقائيا محل روسيا في الهيمنة على جنوب منشوريا وكوريا.