انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية التنظيم العباسي السري (الدعوة السرية).

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة يوسف كاظم جغيل الشمري       26/11/2018 23:23:58
المحاضرة الثانية
التنظيم العباسي السري (الدعوة السرية).
قامت الدولة العباسية على اثر دعاية واسعة النطاق، دامت حوالي ثلث قرن تقريباً. فضمت الى صفوفها كل المعارضين للأمويين. واول دعاية قامت في الدولة الاسلامية هي الدعاية العباسية. التي نظمت تنظيماً دقيقاً تحت شعار: "الرضى من آل محمد (صلى الله عليه وآله)". وتمكنت في النهاية من أن تؤدي الغرض المقصود منها وهو اسقاط الدولة الاموية ، واقامة الدولة العباسية . اما تسميتها بالدولة العباسية، فنسبة الى العباس بن عبد المطلب عم الرسول (صلى الله عليه وآله)، جدّ هذه الاسرة العباسية التي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ العربي الاسلامي.
والعباس عم الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لم يكن ذا سابقة في الاسلام، فقد اسلم عام الفتح، إلا ان الطبري يذكر انه كان حاضراً بيعة العقبة الثانية، وعندما توفي الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن له رغبة في الخلافة، فتشير الروايات الى انه قال لعلي بن ابي طالب (عليه السلام ): "يا ابن اخي ابسط يدك ابايعك". وقد توفي العباس في خلافة عثمان بن عفان سنة 34هـ. واعقب اولاداً كثيرين، نذكر منهم ابنه الثاني عبد الله الذي جاء من نسله البيت العباسي. وعبد الله بن العباس شخصية علمية رفيعة. معروفة لدى المحدثين والادباء واللغويين. ولم يكن لعبد الله رغبة في الخلافة ووقف الى جانب الخليفة الراشد علي بن ابي طالب (عليه السلام) فولّاه البصرة واعمالها. وعند قيام الدولة الاموية رحل الى الحجاز، حيث اقام بالطائف مسالماً للأمويين الى ان توفي خلافة عبد الملك بن مروان سنة 68هـ/687م. وقد انجب عبد الله ولداً اسماه علياً.
كان علي بن عبد الله غير معروف كأبيه، لكننا نعلم ان الامويين قد استدعوه الى الشام ايام الخليفة عبد الملك بن مروان، واقطعوه قريه في البلقاء بشرق الاردن اسماها الحميمة. ويبدوا ان الامويين بهذا التصرف قد جعلوا الناس الذين يشكون بولائهم تحت رقابهم، وظل علي في الحميمة حتى توفي سنة 118هـ/736م. وقد انجب ولداً اسمه محمد، ويعد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس الشخصية القوية، الذي اظهر رغبة في الخلافة، وسعى سعياً منظماً لغرض نيلها. ما هو الحق الشرعي الذي استند عليه العباسيون في المطالبة بالخلافة .
كان علي بن عبد الله بن العباس يرغب بالخلافة، لذا تعرض لعقوبة الخليفة الوليد بن عبد الملك، اما عن علاقته مع ابي هاشم ابن محمد بن الحنفية فلم تكن حسنه.
اما علاقة ابنه محمد بن علي، فكانت وثيقة بابي هاشم، فقد التقى به لأول مرة في دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك، على اثر مقالة زيد بن الحسين لدى الخليفة عن ابي هاشم: "ان له اتباعاً من اصحاب المختار يأتون اليه، ويحملون صدقاتهم اليه"، فأمر الوليد بسجنه، وبعد فتره اطلق سراح ابي هاشم بشفاعة علي بن الحسين، وامره بالإقامة في دمشق، وكان منزله قبل ذلك بالمدينة المنورة، بينما كان علي بن عبد الله يقيم في الحميمة، منذ اختلافه مع ابن الزبير بعد سنة 70هــ/689 .
وقد ارسل علي بن عبد الله، ابنه محمداً الى باب الوليد ابن عبد الملك في دمشق، وفيها اتصل محمد بن علي، بابي هاشم، واخذ العلم عنه، فاصبح تلميذاً اميناً مخلصاً له، حتى كان يمسك بلجام دابته ليمتطيها، ويخصه بالهدايا، واستمرت هذه الصلة فترة من الزمن، حتى غضب الوليد من بعض تصرفات ابي هاشم، فأمره بترك دمشق، فرافقه في طريق العودة محمد بن علي، وكان ابو هاشم مريضاً، وحين وصل الشراة، اشتد به المرض، فأخذه محمد بن علي وعرج به الى الحميمة، فتوفى فيها بعد فترة وجيزة.
ولم يكن ابو هاشم وحده في هذه الرحلة بل كان معه سته من اتباعه منهم ابو عمرو البزار – مولى – ومحمد بن خنيس –مولى همدان– ابو رباح ميسرة النبال مولى الازد، وابو بسام مصقلة الطحان مولى بني الحارث، وحيان العطار، خال ابراهيم بن سلمه، وابراهيم بن سلمة. اما سلمة بن بجير بن عبد الله فقد تركه ابو هاشم في دمشق لقضاء بعض شؤونه وقال له: "اتبع اثرنا فاني اخذ على البلقاء مع ابن عمي محمد بن علي، ولن ابرح منزله حتى تلحق واحسب القضاء سيحول دون ذلك".
وقبل وفاة ابي هاشم دفع (الصحيفة الصفراء) الى محمد بن علي وفيها (العلم) وهذه الصحيفة كانت لعي بن ابي طالب (عليه السلام) ثم اخذها اولاده من بعد الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية ثم اخذها ابو هاشم، وكان في الصحيفة الصفراء: "علم رايات خراسان السوداء، متى تكون وكيف تكون، ومتى تقوم، ومتى زمانها، وعلاماتها وآياتها، واي احياء العرب انصارهم، واسماء رجال يقومون بذلك، وكيف صفتهم، وصفة رجالهم واتباعهم".
ثم اوصى ابو هاشم، محمد بن علي بوصيته وعهد اليه، ثم دعا ابو هاشم اتباعه وقال لهم: "وهذا صاحبكم –يعني محمد بن علي– فأتموا به واطيعوه ترشدوا. فقد تناهت الوصايا اليه". وفي رواية اخرى ان اتباع ابي هاشم سألوه: "مالنا ولهذا –اي محمد بن علي؟ قال: لا اعلم احداً اعلم منه".
مما تقدم نلاحظ ان محمد اَبن علي كان تلميذاً لابي هاشم وانه عهد اليه بالإمامة على اعتبار انه اعلم من غيره، فأعطي الامامة، واستقر له الامر حين تسلم الصحيفة الصفراء، وهكذا فقد دعي محمد بن علي اماماً، اثر هذا العهد سنة 98هـ/716م.
وبعد استتباب الامر لمحمد بن علي، طلب من اتباعه الجدد، التعاون والحذر في التنظيم السياسي. والتبصر للمكروه، ثم جاءه سلمه ابن بجير من دمشق، فتعاهد مع محمد بن علي على التعاون، وذكر له وجود اتباع اخرين في الكوفة قائلاً له: "اني غرست لكم غرساً لا تختلف ثمرته، استجاب لي عدة من رهطي وجيرتي وخلطائي ليسوا من ترى في محبتكم والمناصحة لكم، ونحن نشخص في امرك، وقد رأيت ان تثبت اسماءهم لتعرفهم وتستظهر بهم على امرك".
ثم املى اسماءهم، فكان هذا السجل الذي حوى اسماء اتباع العباسيين، وكان عدد الاتباع تسعة او ثلاثة عشر –على اختلاف الروايات– من بينهم بكير بن ماهان وابو سلمه الخلال ، وموسى بن سريج السراج ، وزياد بن درهم الهمداني. وقد حرص العباسيون على اخفاء رغبتهم بالخلافة ، فلم تكن البيعة تؤخذ باسم العباسيين بل تحت شعار: (الرضى من آل محمد صلى الله عليه وآله)، وسموا انفسهم بالهاشميين، وهي كلمة عامة في مدلولها. وكيفما كان الامر فالمهم هنا ان محمداً ابن علي بن عبد الله هو العباسي الحقيقي الذي سعى لنيل الخلافة، ومن مقره بالحميمة، اخذ يدير التنظيم السياسي، او الدعاية بشكل سري ودقيق، ويرسل الدعاة والنقباء الى مختلف الجهات، وقد اقتصرت الدعوة في بداية الامر الى الكوفة حتى مرت سنة 100هـ/718م، ولم يتجاوز عدد المنضمين للتنظيم السياسي الثلاثين فراداً.
وقد تبين للدعاة ان الكوفة ليست بالمكان المناسب لنشر الدعاية للعباسيين لقربها من دمشق مركز الخلافة الاموية، وقد ناقش الدعاة سنة 99–100هـ/717– 718م، واتفقوا على اقتراح جديد لنشر الدعاية العباسية، فقد اقترح ان تكون بلاد الشام مسرحاً لنشر التنظيم السياسي للعباسيين، اما بكير بن ماهان فقد اكد على منطقة خراسان، وفي سنة 100–101هـ/718–719، ارسل الدعاة بكير بن ماهان الى محمد بن علي ليسلم له 190 دينار جمعها الاتباع في الكوفة، ثم ليسترشدو برأي الامام، بعد وفاة ميسرة النبال.
وفي هذا الوقت توفي اخ لبكير بن ماهان في بلاد السند تاركاً ثروة كبيرة دون وارث، فتوجه بكير الى الحميمة، وعرض عليه وجهة نظره في نشر التنظيم العباسي في خرسان، وان المجال هناك مفتوح لنشرها، مع وجود الامكانيات المتعددة لنجاحها هناك، فوافق محمد بن علي وسمع لبكير ان يذهب الى السند في حاجاته، وان يختبر الوضع في المشرق في طريقه ، فعاد بكير الى الكوفة، ونقل الى الدعاة تعليمات الامام، ثم سافر الى خراسان في طريقه الى السند وامضى شهراً في جرجان وشهرين في مرو محاولاً ان ينشر التنظيم السياسي ، وقد نجح في ذلك وحصل على بعض الاتباع البارزين اغلبهم من العرب في سنة 101هـ/719م. ومنهم:
سليمان بن كثير الخزاعي.
ويزيد بن النهيد.
وابو عبيدة بن زريق.
واستطاع سليمان بن كثير الخزاعي ان يكسب الى صفوف التنظيم السياسي ، لكونه من وجوه قبيلة خزاعة في خراسان اتباعاً منهم:
مالك بن الهيثم
وعمرو بن اعين
وزياد بن صالح
وطلحة بن زريق
وخالد بن ابراهيم.
وهؤلاء بدورهم اخذوا يكسبون الناس الى جانب العباسيين ونتيجة لهذه الجهود فقد ارسل محمد بن علي سنة 102 هـ / 720 م ابا عكرمة زياد بن درهم للاتصال بالأشخاص الذين استمالهم بكير لغرض الاستمرار بالدعاية وقال له: "انه محرم عليكم ان تشهروا سيفاً على عدوكم ، كفوا ايديكم حتى يؤذن لكم". ولهذا فقد سمي انصار العباسيين بالكفية، حتى اعلان الثورة العباسية في خرسان.
ويبدو ان الدعاة العباسيين قد التزموا بتوصيات الامام العباسي محمد بن علي، اذ اكد بتوصياته على اهمية منطقة خراسان لتكون مسرحاً للتنظيم السياسي للعباسيين فقال لهم: "عليكم بخراسان فان هناك العدد الكثير والجلد الظاهر... وهم جند لهم ابدان واجسام... وبعد فأني اتفاءل الى المشرق، والى مطلع سراج الدنيا ومصباح هذا الخلق".
وهنا لا بد من التأكيد على بدء الدعاية العباسية، اذ ان الكثير من المؤرخين، يضطربون في تحديد بدء الدعاية، ويتحدثون عنها في خراسان ويهملون الفترة الاولى في الكوفة هذا من جهة، ومن جهة اخرى ، فان كون الدعاية تامة السرية، قد اضفى الكثير من الكتمان وعدم الوضوح على اخبارها الاولى، ولذا نجد ان مصادرنا التاريخية لا تذكر إلا اليسير من الاخبار عنها قبل سنة 100هـ/718م.
وما تذكره لا يعطي صورة واضحة لسير الدعاية ونشاط الدعاة، ألا ما كان بارزاً من احداث، ولما تركز العباسيين بالحكم لم يكن من مصلحتهم، كشف الستار عن تنظيمهم وعن سير رجالهم ودعاتهم المشرفين على التنظيم.
ويذكر الطبري في حوادث سنة 107هـ/725م ان الامام محمد بن علي وجه عدداً من الدعاة من بينهم عمار العبادي، فوشي بهم رجل من كندة الى الوالي الاموي اسد بن عبد الله القسري، ثم استطاع عمار الهرب، فقتل اسد اصحابه، ثم قبض عليه اسد سنة 108هـ/726م.
وكان الدعاة يبلغون اخبارهم الى مسؤول التنظيم في الكوفة، وهذا بدوره يبلغها الى الامام محمد بن علي في الحميمة، ويعود السبب لاهتمام العباسيين بمدينة الكوفة مركزاً لدعايتهم ومقراً لكبير دعاتهم الى مركزها المهم في المواصلات وقد كان الدعاة في بعض الاحيان يكتشف امرهم فيعذبون او يقتلون، لاسيما في ولاية اسد بن عبد الله القسري، الذي لقي دعاة العباسيين على يديه محنة كبرى ، ولم تتقدم الا بعد وفاته سنة 130هـ/737م.
وفي هذه الاثناء امر الامام ابراهيم. بالاهتمام بالتنظيم السياسي في خراسان اهتماماً دقيقاً حتمته ظروف التنظيم، فيجب والحالة هذا الاهتمام بالتدقيق فيمن ينضم اليه خوفاً من الوشاية والحذر من ان يدخله ذوو اطماع شخصية. كل هذا من اجل احفاظ على سرية الدعاية وقد اقترح تعيين اثني عشر نقيباً للإشراف على الدعاية والتأكد ممن ينتمي اليها، وكان هؤلاء النقباء لمدينة مرو، وهذا يدل دلالة اكيدة على اهمية هذه المدينة في التنظيم. اما في سائر الكور، فكل داعية لها هو نفسه النقيب، وله ان يختار امناء لنفسه من اهلها، كما تم تعيين نظراء النقباء او نوابهم، لكي يخلفونهم في حالة حدوث امر ما بالنسبة لهم.
ويبدو ان الاثني عشر نقيباً كونوا مجلساً مركزياً للأشراف على امور التنظيم السياسي، وكان سلمان بن كثير الخزاعي من الشخصيات البارزة في مرو ممثلاً اولاً ورئيساً للتنظيم في مرو ، وقد كان لهذا التنظيم اثر كبير في تقوية مركز التنظيم والاسراع به نحو النجاح وفي سنة 125هـ/742م توفي محمد بن علي بالحميمة فخلفه ابنه ابراهيم، الذي عرف فيما بعد بإبراهيم الامام.
وفي هذه الاثناء اتصل بالأمام ابراهيم شاب لم يتجاوز سنه 21 سنة، اسمه عبد الرحمن وكنيته ابو مسلم، وهو الذي ارسله ابراهيم الامام الى خراسان لكي يكون ممثلاً للأمام، لان سليمان بن كثير الخزاعي رفض استلام مهمة رئاسة التنظيم ، وطلب من الامام ابراهيم ان يرسل احد ابناء البيت العباسي.
وقد واجه تعيين ابي مسلم معارضة سليمان بن كثير الخزاعي، لأنه وجد في تعيينه مفارقة مخيبة للآمال، بعد ذلك الجهد الذي بذله من اجل التنظيم السياسي وقد عبر عن هذا قائلاً: "صلينا بمكروه هذا الامر، واستشعرنا الخوف واكتحلنا السهر، حتى قطعت فيه الايدي والارجل، وبريت فيه الالسن حزاً بالشفار، وسملت الاعين وابتلينا بأنواع المثلات، وكان الضرب والحبس في السجون من ايسر ما نزل بنا، فلما تنسمنا روح الحياة وانفسحت ابصارنا واينعت ثمار غراسنا طرأ علينا هذا المجهول الذي لا يدري ايه بيضة تفلقت عن رأسه ولا من اي عش درج ، والله لقد عرفت الدعوة من قبل ان يخلق هذا في بطن امه".
وقد جرت في مكة المكرمة اثناء موسم الحج، مناقشة الامام ابراهيم في السبب الذي جعله يرسل ابا مسلم رئيساً عليهم، لا سيما وان سليمان بن كثير كان قد طلب من الامام ان يرسل ممثلاً عنه من آل البيت، غير ان الامر الواقع فرض اخيراً، فاضطر سليمان الى قبوله خوفاً على التنظيم السياسي من التصدع والانشقاق، وقد تخوف سليمان بن كثير من هذا التعيين: "فلم يقبله سليمان بن كثير وتخوف الا يقوى على امرهم، وخاف على نفسه واصحابه".
وقد اوصى الامام ابراهيم ابا مسلم بطاعة سليمان بن كثير فلا يعصي له امراً. فقال الطبري: "ولا تخالف هذا الشيخ يعني سليمان بن كثير ولا تعصه، واذا اشكل عليك امر فاكتف به مني... فلا تعصين سليمان امراً وقدمه في جميع ما تدبرون". وقد قال ابو مسلم لسليمان بن كثير: "احسن بي الظن فلانا اطوع لك من يمينك".
وعندما استندت قاعدة التنظيم السياسي للعباسيين في خراسان الى ابي مسلم اوصاه الامام ابراهيم بضرورة التأكيد على العرب في نشر وتوسيع التنظيم السياسي للعباسيين، ومما جاء في وصية الامام ابراهيم لابي مسلم: "يا عبد الرحمن انظر الى هذا الحي من اليمن فالزمهم ، واسكن بين اظهرهم ، فان الله لا يتم هذا الامر الا بهم". وفي رسالة اخرى يقول: "واذا قدمت مرو فاحلل في اهل اليمن وتألف ربيعة وتوق مصر، وخذ نصيبك من ثقاتهم".
كما حذر الامام ابراهيم انصار العباسيين، عبر رسائل مختلفة واوصاهم بعدم الاشتراك في اية حركة مهما كانت، لان الوقت لم يحن، وعندما اعلن زيد بن علي تمرده في الكوفة لم ينضم اليها العباسيون.
ونتيجة لجهود الدعاة العباسيين، اخذت الدعاية العباسية تنتشر بشكل واسع، ولأجل هذا ناقش مجلس النقباء خطة اعلان الثورة وتسمية المدينة التي يمكن ان تصلح لتفجيرها، وتم طرح عدة اراء بهذا الشأن، فقال قسم: ان افضل مكان للثورة هو منطقة خوارزم: "فأنها بلاد منقطعة عن نصر بن سيار، فألى ان يرسل الينا عسكره، يكون قد تسامع بنا اخواننا فيأتونا ويكثر جمعنا، فنقوى على من يأتينا" واقترح الآخر من النقباء (مرو الروذ)؛ لأنها متوسطة بين (مرو وبلخ) ثم اقترح آخرون (مرو الشاهجان)، "لان بها خلقاً كثيراً من اخواننا ، وبها السلطان قد وهن امره... ومتى يقوى بها امرنا يقوى في غيرها"، وقد أيد هذا الرأي سليمان بن كثير الخزاعي قائلاً: "ان قوتنا بها اعظم وعدونا أضعف"، وقد وافقه ابو منصور طلحة بن زريق، وهكذا اتفق الدعاة على ان تكون مرو هي المكان المفضل للثورة، فارسل الدعاة من يخبر اتباعهم للتجمع والالتقاء في مرو في الوقت المحدد، وهو اليوم الاول من عيد الفطر من سنة 129هـ/746م.
وامر ابو مسلم الناس بالتجمع في قرية (سفيذنج) قرية سليمان الخزاعي وكان الامام ابراهيم قد ارسل لهم اللواء (الظل اي بقاء ظل التنظيم في الارض)، والراية (السحاب، اي عالمية التنظيم) مع رسالة جاء فيها: "اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا، وان الله على نصرهم لقدير".
ثم انتقل ابو مسلم في اواخر سنة 129هـ/746م، الى قرية: (ماخوان)؛ لأنه لاحظ ان سليمان بن كثير الخزاعي حجر عثرة في طريقه، ولما حل عيد الفطر أمر ابو مسلم سليمان بن كثير ان يصلي به وبالاتباع. ونصب له منبراً في المعسكر، وامره ان يبدأ بالصلاة قبل الخطة بغير اذان ولا اقامة، حسب تعليمات الامام، وكانت بنو امية تبدأ بالخطبة والاذان ثم الصلاة بالإقامة كصلاة يوم الجمعة، لكي يدل ما كان شائعاً عن الامويين، ولكي يظهر الفكرة الاسلامية بالرجوع الى السنة الاصلية، حتى يقضي على بدعة الامويين بوضع الخطبة قبل الصلاة.
وارسل ابو مسلم رسالة الى نصر بن سيار، بدأ بها بنفسه محذراً ومنذراً، وداعياً له بان يطيعه بالدخول في امره، فكان جواب نصر ان وجه الى ابي مسلم جيشاً بقيادة مولى له اسمه يزيد، احتقاراً لأمر ابي مسلم واشعاراً له بانه لا يصلح لقتاله الا مولى. وكانت نتيجة المعركة انتصار ابي مسلم، واسر يزيد، بعد ان جرح، فامر ابو مسلم بمداواته حتى يشفى، ثم خيره في ان يدخل في طاعته او ان يرجع الى نصر بن سيار، فحبذ الرجوع الى نصر، فاشترط علية ابو مسلم ان يعطي عهد الله وميثاقه الا يحاربهم ولا يكذب عليهم، وان يقول ما رأى من صلاحهم وتمسكهم بالدين والصلاة، فجاء يزيد الى نصر بن سيار، بما فعله ابو مسلم ولربما اتخذه ابو مسلم دعاية له ولامره، لانه قائد جيش ويصدقه الناس فقال له نصر: "لا مرحباً بك، والله ما ظننت استبقاك القوم الا ليتخذوك حجة علينا، فقال يزيد: والله هو ما ظننت وقد استحلفوني الا اكذب عليهم، وانا اقول: انهم يصلون الصلاة لمواقيتها باذان واقامة، ويتلون كتاب الله، ويذكرون كتاب الله كثيراً، ويدعون للرضا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما احسب امرهم الا سيعلو، ولولا انك مولاي اعتقتني من الرق ما رجعت اليك ولا قمت معهم".
مما تقدم يبدو ان ابا مسلم حاول جهد الامكان ان يفند مزاعم خصومه الامويين من ان حركته هي ضد الدين الاسلامي، وان اتباعه غير متمسكين بشعائر الدين الاسلامي وخارجين عليه، وقد اتخذت الثورة العباسية اللون الاسود شعاراً لها ، فقد اعلن الامام ابراهيم هذا اللون" فأمرهم بإظهار الدعوة والتسويد " وفي مناسبة اخرى عبر الامام ابراهيم عن اهمية السواد فقال : " والسواد يا ابا هاشم لباسنا ولباس انصارنا، وفيه عزنا، وهو جند أيدنا الله به فعليكم بالسواد فليكن لباسكم ".
اما سبب اختيار اللون الاسود شعاراً للعباسيين ، فيروي ان الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) " كانت له رايه سوداء من صوف اسود مربعة رسم فيها هلال ابيض تدعى العقاب وكان يحملها في حروبه مع الكفار ". والعرب تسمي الراية العقاب ، وكان قداح عبد المطلب حين تخاصم مع قريش على الكنز الذي وجده عند حفر بئر زمزم كان اسود ولربما هذا جعل بني هاشم يتيمنون بالأسود. وقد امر ابراهيم الامام اتباعه بالانصراف صوب خراسان ، واتخاذ السواد لباساً وتسويد الرايات، ويبدو ان هذا اللون ايضاً ، قد اتخذ بالضد من شعار الامويين، وهو الابيض.
لقد كان الوضع الداخلي ف خراسان ملائماً لابي مسلم لان يبدأ عملياته العسكرية وحاول ابو مسلم استمالة اليمانيين الى جانبه حسب تعليمات الامام العباسي، ودحر حملة عسكرية ارسلها اليه نصر بن سيار، كما ارسل الى علي بن جديع الكرماني رسالة جاء فيها : " اما تأنف من مصالحة نصر، وقد قتل بالأمس اباك وصلبه، ما كنت احسبك تجتمع مع نصر بن سيار في مسجد تصليان فيه " كما ولعب سليمان بن كثير دوراً في جلب علي الكرماني الى جانب العباسيين.
وفي اوائل سنة 130 ه / 747م رجع ابو مسلم الى قرية ماخوان مع اتباعه العباسيين، تاركاً المتنازعين وحدهم منتظراً الفرصة المناسبة لينقض عليهم بعد ان تكون قواهم ضعفت بحروبهم مع بعضهم وفي نفس السنة 130 ه / 747 م حاصر علي الكرماني نصر بن سيار في مرو ، فتقدم ابو مسلم الى مرو ، واستطاع ان يفرض ارادته على الطرفين بإيقاف القتال ، ثم هرب نصر بن سيار من المدينة، وتحالف ابو مسلم مع علي الكرماني. ولم تفلح محاولات نصر بن سيار لاستعادة مرو، لذا فقد ارسل الى الخليفة مروان بن محمد يستحثه في ارسال الجيوش له مع قصيدة جاء فيها :
ارى بــــــــيـــــــن الرمـــــــاد ومــــــــــــــــــيــــــــــض جـــــــــــــــــــــــــمر
ويوشــــــــــــــــــــــــــــــــك ان يــــــــــــــــــــــــــكون لـــــــــــــــــــــــــــــه ضرام
فان الــــــــــــــــــــــــــنار بالـــــــــــــــــــــــــــعوديــــــــــــــــن تذكــــــــــــــــــــــــــى
وان الــــــــــــــــــحرب مـــــــــــــــبدؤهـــــــــــــــــــــــــــــــا كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام
اقول مــــــــــن الــــــتــــــعـــــــــــــجـــــــــــــب لــــــــــيـــــــــــــت شــــــــــــــــــعري
أأيــــــــــــــــــــــــقــــاظ أمــــــــــــــــــية ام نــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيام
وبدلاً من ان يرسل الخليفة مروان بن محمد الجيش له كتب اليه :
" احتفظ ناحيتك بجندك "
وبعد ان دخل ابو مسلم مدينة مرو ، اخذ البعة على الجند الهاشمية ونص البيعة هو " ابايعكم على كتاب الله عز وجل وسنة نبيه (ص) والطاعة للرضا من اهل بيت رسول الله (ص) ، وعلى ان تسألوا رزقاً، ولا طعماً حتى يبداكم به ولاتكم، وان كان عدو احدكم تحت قدمه فلا تهيجوه الا بأمر ولاتكم"
ويتبين لنا ان الكتمان مازال مستمراً على الرغم من اعلان الثورة العباسية وخاصة كتمان اسم الامام المبايع له، لكي لا ينكشف الامر ويقتله الامويين فضلاً عن حث الجيش على السمع والطاعة، والتأكد على السير على الكتاب والسنة.

المصدر: تاريخ الدولة العربية الاسلامية للدكتور خليل ابراهيم السامرائي وآخرون


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .