انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

نظريات في انحطاط الامبراطورية الرومانية في الغرب وسقوطها

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 1
أستاذ المادة حسن احمد ابراهيم المعموري       02/04/2017 10:11:26
المحاضرة الاولى: نظريات في انحطاط الامبراطورية الرومانية في الغرب وسقوطها
لماذا سقطت الامبراطورية الرومانية في الغرب ومتى ؟ يختلف المؤرخون اختلافا كبيرا في هذا الصدد . فهم مختلفون في الاسباب وعللها . ومن الطريف حقا تراهم يتساءلون عن تاريخ السقوط ايضاً . اهو في سنة 410م ام في سنة 455م او في سنة 476م او لا يمكن اعتبار سنة 800م خاتمة المطاف ؟ لذا فهناك نظريات متعددة متنافرة عالجت الموضوع دينيا ودنيوياً . فاقطاب المسيحية والوثنية نسبوا سقوط روما من عليائها الى ارادة السماء . أن رائد الفريق الاول هو القديس أوغسطين st Augustin 354-430 الذي اكد بأن سقوط روما – بابل الثانية , عبارة عن مرحلة تمهيدية لانتصار مملكة الله الخالدة حيث مصير الانسانية , انها يد الله المرشدة للحوادث الكونية وتوجيهها ولا مفر للبشرية من اتباع الارادة الالهية والانصياع لها , وما التاريخ الا مسيرة البشرية نحو دار الخلود . وقد ضمن القديس اوغسطين اراءه في هذا الشأن في كتابة مدينة الله The city of god, والذي قصد به الدفاع عن الدين المسيحي ضد التهم التي نسبت سقوط روما بيد الله الاريك Alaric زعيم الغوط الغربيين سنة 410 الى تعاليم المسيحية ولنقمة الالهة الوثنية لترك الدولة عبادتها .
ومن أشد المؤرخين الوثنيين في القرن الخامس الذين وجهوا التهم الى المسيحية وتحميلها المسؤولية سقوط روما هو المؤرخ زوزيموس zosimus في كتابة ( التاريخ الجديد) ارخ فيه الحوادث الرومانية الى سنة 410 واشار بصراحة الى ان المسيحية من الاسباب الهامة في تردي الاحوال في الامبراطورية ويحمل الامبراطور قسطنطين الكبير المسؤولية الاولى وان سقوط الامبراطورية في الغرب نتيجة لنقمة الالهة الوثنية .
هذا وقد ذهبت النظريات الدنيوية ؛ مذاهب شتى . ومن الاوائل في هذا المضمار أميانوس مارسييلينوس ammianus marcellinus المولود عام 330 في انطاكيا . دون لتاريخ الروماني ابتداء من حكم الامبراطور نرفا nerva سنة 6 الى مقتل الامبراطور فالنز سنة 378 ومع كونه وثنيا فقد نسب الكوارث التي احاقت بالرومان الى ضعف الوازع الخلقي .
ويشير الاستاذ السورث هنتكتون في مقالة له ان انحطاط الامبراطورية الرومانية في الرب يتعامد مع فترات الجفاف التي اصابت العالم . وقد سجلت احصائياته في فترة 200م – 400م نقصا متزايدا في نسبة هطول الامطار . ادى الى الجفاف والمجاعات والى تحركات البرابرة وطغيانهم على الامبراطورية في الغرب.
ويرى الاستاذ سيمخوفج simkhovitch رأى هنتكنون تقريبا . فانهاك التربة في ايطاليا والولايات التابعة لها حولها الى مراع ونقول لو سأل المرؤ فلاحا أنذاك ما هو المربح بالنسبة له لكان جوابه المراعي وان اخر شيء يفكر به الزراعة . ومع ذلك فان المراعي نفسها اخذت بالتحول الى اراضي جرداء في ايطاليا . كما ان اهمال السلطات لمشاريع الري ادى الى تفاقم خطر المستنقعات التي اصبحت بؤرا للملاريا التي حصدت ارواحا كثيرة من الفلاحين . وعليه فالافلاس الزراعي قرر مصير الامبراطورية في الغرب .
ويعترض المؤرخ بينز bayncs على ذلك التفسير الجرافي ويعتقد ان الدمار الزراعي لم يشمل كافة الامبراطورية فهنالك بلاد الغال حيث بقيت زراعتها مزدهرة حتى القرن الخامس وكذلك مصر . وان التأخر الزراعي في ايطاليا يعود بالدرجة الاولى الى عدم اشراف المالكين على مزارعهم الكبرى اشرافا مباشرا . اذ تركت الاقطاعيات الكبرى في ايطاليا والمسماة لاتيفونديا latifondia لادارة الوكلاء نيابة عن النبلاء الغائبين في المدن . ولم يكن لهؤلاء الوكلاء ذلك الحرص على رفع المستوى الزراعي .
اما الاستاذ اندري بيانويل A-piganiol فيورد جملة عوامل ادت الى الانهيار الاقتصادي وفي مقدمتها تدهور مؤسسة الهبودية . لذلك المؤسسة التي التهمت الرجال كالتهام افن صهر الحديد للفحم الحجري. وقد كان من الضروري المحافظة على استمرار معين العبيد ان اريد الدوام للاقتصاد الروماني . غير ان منهل العبيد اخذ في النضوب منذ توقف الفتوحات الرومانية . وما حدث من جراء ذلك كالذي يحدث لافران صهر الحديد عند فقدان مصدر الطاقة الحرارية . ويرى ايضا ان الاتجاهات الاقتصادية في الاقطاعيات الكبرى نحو سياسة الاكتفاء الذاتي اضرت بالمدن وادت الى تدمير رأس المال وطيان الاقتصاد الطبيعي البدائي . ولعل الحروب الاهلية المستعرة في الامبراطورية منذ عهد ماركوس اورليوس من العوامل الهامة التي ساعدت على اللجوء الى سياسة الاكتفاء الذاتي في المقاطعات الكبرى . كما ان روما اخذت تفقد مركزها التجاري المرموق عندما اصبح الطريق التجاري الممتد بين الراين والدانوب يزاحم طريق البحر المتوسط منذ نهاية حكم الامبراطور تراجان Trajan . ويعتقد ايضا ان تدخل الدولة في المشاريع الاقتصادية جعل البلاد اشبه بمعمل يعتمد على العمل الاجباري , وبذلك ارتكبت الدولة عملية انتحارية . اذا ثارت سخط الطبقة العاملة ودمرت الاقتصاد . حقاً ان الظروف الاقتصادية المتأزمة حتمت تدخل الدولة لانتشال الاقتصاد المتدهور . وكافحت كفاحا بطوليا لايقاف الاتجاه نحو الاقطاع . وعلى مايبدو ان هناك نظاما اقتصاديا جديدا في دور التكوين تميز بالعمل الحر في المقاطعات الحكومية على الاخص . الا ان هذه الظاهرة التقدمية اعاقها عدم الاستقرار والضرائب الفادحة . ومصدر الشرور هي افة الحرب .
ويذهب الاستاذ ولبانك walbark الى نفس الرأي السابق الى حد ما . اذ يشير الى ان السبب الحقيقي في انهيار الامبراطورية الرومانية في الغرب بدائية التكنبك المستعمل في الانتاج , حيث اعتمدوا بصورة رئيسية على مؤسسة العبودية وسافر انهيار تلك المؤسسة عن ضهور الاقطاع وخراب الامبراطورية .
ان سبب الانهيار الاقتصادي حسب رأي الاستاذ ويسترمان westerman فقدان الحرية الاقتصادية التي عادت بافدح الخسائر على المشروعات الفردية وقوضت مدينة الرومان في الغرب , وما عدا ذلك من الاسباب اسباب ثانوية . ولم ير ويسترمان في مؤسسة العبودية سببا في الانهيار , لان العمل العبودي يتعامد مع اقصى مابغلته الحضارة من رقي ورفاه . غير ان سياسة الاباطرة في الادوار المتاخرة في تأجير الاراضي الواسعة الى الملاكين ادت الى سياسة الاكتفاء الذاتي وتزايد الفوى الاقطاعية جاعلة من الفلاحين مجرد ادوات انتاجية فاضرت بمؤسسة العبودية وكان منها انهيار اقتصاد المدن .
اكان سبب التدهور الاقتصادي ترسب الذهب الى خاريج الامبراطورية يقول كل من المؤرخين ستنرير ومونرو (( كانت الصناعات الرومانية بدائية ولتشبع الحاجات الاولية وليست المتاجرة . نعم كانت هناك تجارة بالكماليات كالعاج والحرير والتوابل والمجوهرات مع الشرق . الان ان تجارة الكماليات اضرت بالاقتصاد الروماني . فطالما ان الشرق لا يحتاج للصناعات لو المنتجات الرومانية فكان على الرومان دفع شيء الكماليات المستوردة ذهبا . ونظراً لتناقص كميات الذهب وعدم مقدرة الرومان على تعويضه فقد اثر سلبيا في الاعمال التجارية . وان ندرة الذهب سبب تقليص العملة وانخفاض الاسعار واختفاء الموارد الاساسية .
لقد اسند هذا الرأي على ما جاء في كتاب بلني pliny (( التاريخ الطبيعي )) حول المتاجرة مع الهند والعرب حيث يقول : تمتص الهند عن طريق التجارة مع الرومان سويا ما لا يقل عن خمسين مليون sisterces ومائة مليون مع العرب والهنود سنويا ايضا . اي ما يعادل مليون ونصف دولار الى الهند وحدها , وما يقارب الخسسة ملايين دولار الى البلاد العربية والهند سنويا . بهذا يرى الاستاذ ويسترمان بان هذه التجارة كانت في صالح الطرفين ولا يراها سببا في امتصاص الذهب من الامبراطورية الرومانية . واشار بان قلة المعادن الثمينة تعود الى اكتناز الذهب والفضة داخل البلاد الرومانية لا الى تسربها الى الخارج .
ويرى البعض ان فشل الاقتصاد الروماني بصورة عامة يعزا الى احتقار الرومان للاعمال التجارية والصناعية . وقد منعت السلطات الرومانية الطبقات العليا بشكل قطعي من تعاطي تلك الاعمال , لانها من شيمة العبيد ولا تليق بالاسياد . لذا لم تكن هناك رغبة ابداعية لتحسين ادوات الانتاج .
اما الاستاذ روستو فتزيف rostovtzeff فيعتقد بان اسباب الانهيار تكمن في ظاهرة النزاع الاجتماعي social conflict بين الطبقات , انعكس في الصراع الدموي بين البروليتارية الريفية التي ساندها الجيش وبين الطبقات الارستقراطية في المدن والنظرية بايجاز : آن الامبراطورية تعرضت الى صراع حاد بين قادة الجيش في القرن الثالث , تحول الى حروب اهلية ضاربة , تميزت بسرعة اختيار الاباطرة والاستغناء عنهم بشتى السبل . أن ذلك الصراع من العوامل الهامة التي ادت الى استبدادية الحكم . ولكن ما هي اسباب ذلك الصراع ؟ يعتقد البعض انها اسباب سياسية نتجت عن التنافس بين مجلس الشيوخ والاباطرة حول السلطة غير ان هذا الرأي لا يدعمه الواقع فالبرغم من ان مجلس الشيوخ يضم الطبقة الارستقراطية العليا , الا ان مساهمته في المجالات السياسية كانت ضئيلة جدا . فالصراع الحقيقي لم يكن اذن بين مجلس الشيوخ والاباطرة . ويعتقد البعض الاخر ان صراع بين الجيش والاباطرة . حيث ان الجيش لم يعد رومانيا منذ النصف الثاني من القرن الثالث , وانما اصبح يتألف من فرق قليلة التأثر في الحضارة الرومانية , معضمها من القبائل الجرمانية . هذا وقد افسد الاباطرة الجيش بعد انتهاء حكم السلالة الانطونينية خاصة عن طريق التملق لقادته لاحتياجهم الى دعم القادة العسكريين طالما كانت تنقصهم التبريرات الدستورية في اشغال العرش ومن اجل جعله وراثيا . ان محاولة تحويل العرش من منصب انتخابي الى وراثي يتنافى مع مفهوم الحرية الرومانية . لذا عمد الاباطرة لتاكيد حقهم الوراثي عن طريق اخماد المعارضة عسكريا . واعتمدوا في ذلك على الجيش الذي طغت عليه العناصر الربرية المؤمنة بالوراثة اكثر من ايمانها بالانتخاب كثيمة الشعوب البدائية بصورة عامة . واصبحت هذه الظاهرة واضحة منذ عهد الامبراطور سبتيموس سيفيروس septimus severus
وهنا يتسال روستو فتزيف لماذا لم يدم التوارث العرش في السلالة سيفروس مادام الجيش امن بمبدأ الوراثة بالرغم من معارضة الطبقات الارستقراطية في المدن ولماذ قلب الجيش ضهر المجن على اسكندر سيفروس وقتلوه ولماذا هكذا فعلوا باباطرة اخرين جاءوا بعده اين تكمن اذن الاسباب الحقيقية اذن جوهر الصراع منذ القرن الثالث هو معركة بين الجيش والطبقات الارستقراطية في المدن صاحبة الاملاك الزراعية وقد انتهى ذلك الصراع بانتصار الجيش ودمار الارستقراطية القديمة المتمثلة في المدن , تحت اقدام الجيش والفلاحين . ولكن على علم بان هذا الصراع لم يتضمن وعيا طبقيا موجها وانما هو صراع عفوي . مثل فيه الجيش قوة مدمرة للنظام الروماني في القرن الثالث خاصة , لان اكثريته الساحقة مجندة من اولئك السكان الذين لم يكن لهم النصيب يذكر في منافع ذلك النظام . فهم من الصغار المزارعين والاقنان . بينما تمثل الطبقات الارستقراطية الملاكين وحكام المدن وعليه فقد كانت هنالك قوة عميقة بين الجيش والطبقات الارستقراطية . وكان المفروض في هذا الجيش البائس ان يقوم بحماية كيان المدينة الرومانية الارستقراطية بالاضافة الى ما يتحمله من اعباء الضرائب وكدح من اجل اعالة الطبقات العليا . وبالرغم من التغييرات التي طرأت على الامبراطورية في نهاية القرن الثالث . فان العداء بقي مستمرا بين الارياف والمدن . ومع ان المدن اخذت تفقد اهميتها في القرن الرابع فقد بقيت اداة للسلطة في جباية الضرائب من الارياف , فكانت رمزاً للتعسف في نظر الفلاحين .
وحدثت عدة معارك عنيفة في الشرق والغرب بين الفلاحين والمدن كان الجيش فيها بجانب الفريق الاول وعلى العموم فقد ادى ذلك الصراع المديد الى تدهور سكان المدن الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد الروماني . كما ان الحرب الطبقية لم تأت بنصر الى الفلاحين فقد استمروا في اوضاعهم المزرية , وازدادت الحالة البروليتارية الريفية والمدنية سوء على سوء نتيجة للاصلاحات دقلديانوس .
وفي هذه المعمعة طخت العناصر الجرمانية وتسللت الى مراكز القيادة , وتدنى الاقتصاد الى ادنى مراتبه بتدهور المدن . ولم يعد بمقدور المدن هلنسة جماهير الريف , بل ان الذي حدث عكس من ذلك . اذ اخذ الريف يغزو المدن ويعمل على تريفيها وبذلك نشأت عقلية جديدة بين الجماهير , انها عقلية الطبقات الدنيا المستندة الى الدين المعادية للاتجاهات الفكرية للطبقات الارستقراطية والتي بدورها افلست من مثلها العليا واستكانت للضغط الاديولوجي الجماهيري .
ويرتأي الاستاذ توينبي Toynbee ان سبب الانحطاط هو فشل المدينة في ترويض البروليتارية الداخلية التي ليست لها مصلحة واقعية بمدينة الرومان وكذلك فشلها في ترويض البروليتارية الخارجية ويقصد بها جموع البرابرة على الحدود .
وللمؤرخ كوبون gibbon نظرية هامة في هذا الموضوع فقد اشار الى ان الانحلال الذي اخذ يدب في الامبراطورية منذ اواخر القرن الثاني للميلاد على اثر وفاة الامبراطور ماركوس سنة 180م . مما يستعري الانتباه في نظريته امران : الاول تدفق السيولة البربرية على الامبراطورية . ومارست تلك الاقوام اعمالها التخريبية على طريقين , الاول بربرة المجتمع الروماني بمؤسساته ونظامه من الداخل . والثاني : ما تسببه هجماتهم المتكررة من استنزاف للاموال والعناصر الرومانية . وان الثخرات التي احدثوها في خطوط الدفاع الرومانية زعزت الايمان بالامبراطورية في الداخل وكسرت هيبتها في الخارج وجارتهم الى التمادي في الاعتداء والدخول عنونة الى الامبراطورية ان اقتضى الامر ذلك . اما الامر الثاني حسب رأي كيبون هي انتشار المسيحية . اما كيفية ذلك , فيراه في ان المسيحية معول هدم لكافة القيم الاقتصادية والعسكرية والسياسية في البداية .
اذ ان المواقف المسيحية سلبيا ازاء السلطات الوثنية ولم تعترف بقدسية الامبراطور الوثني الذي يمثل الوحدة او الرابطة الدينية للشعوب الامبراطورية على اختلافها . هذا وان تاليمها في اول الامر مثبطة لهم الاقتصادية بدعوتها للكفاف او الرزق اليومي في ابسط اشكاله . وان دعوتها ضد العنف والحروب اثرت ايضا من الناحية العسكرية ناهيك عن التطاحن بين الفرق المسيحية من جهة وبين بعضها والسلطات الحكومية على اثر الاعتراف بها في عهد قسطنطين وشركائه في سنتي 311و313 , والتي ادت الى فوضى اديولوجية عامة ولا اشغال الحكومة الرومانية . اذ حولت جهود الاباطرة من المعسكرات الى مجالس دينية , وان الفرق المضطهدة اصبحت العدو الخفي للامبراطورية فكان اعتناق قسطنطين للمسيحية قد عجل في انحطاط الامبراطورية فان دينه المنتصر من ناحية اخرى قد خفف من وحدة السقوط اذ عمل على تهذيب وحشية الفاتحين .
انبرى عديد من المؤرخين الالمان بصورة خاصة للرد على اراء التي جاء بها كيبون . فاتباع المدرسة التاريخية Historicism في قرن التاسع عشر ذهبوا الى عكس ماذهب اليه كيبون في امر برابرة الجورمان اعتبروا العنصر الجرماني مدعاة القوة للامبراطورية . لان الجرمان لم تكن نيتة عقد نفوذهم الى داخل الحدود الرومانية غير الاحتماء بالامبراطورية من اقوام اشد بربرية منهم وطلب للعيش بعد ان شحت عليهم طبيعة بوجودها في مواطنهم الاولى . كما ان الحوادث التاريخية قد اثبتت ان القسم الاكبر من هذه الجموع الجرمانية كانت خير عون للامبراطورية في الناحيتين العسكرية والاقتصادية , وبطوعهم في الجيش وبانشغالهم بالانتاج الزراعي . ولهم ايضا نظرة اكبار للمدينة الرومانية . هذا بالاضافة الى ان دخولهم الامبراطورية لم يكن كليا عن طريق القوة ولم يكن مفاجئا , بل ان الرومان كانوا في التعامل مع هذه القبائل سلميا ام حربيا منذ القرن الثاني قبل الميلاد . وستشهدون بذلك عما جاء به المؤرخ تاكيتوس tacitus في القرن الثاني الميلادي , من الاخبار عن فضائل الجيرمان . اذ وصفوهم بالشجاعة والاخلاص , واثنى على نسائهم وفضلهن عفتة على نساء الرومان .
اما الردود على نظرية كيبون في تحميله المسيحية مسؤولية انهيار فتتلخص بما يلي : ان الكنيسة ذات رسالة قصد بها الخير لتلك المجتمعات انذاك . فدعت الى الايثار والمساواة والسلم . وهي اداة تثقيفية للاقوام الجرمانية وغيرها , اذ كسرت كثيرا حدودهم وعملت على ترويضهم . وهي الكنيسة ايضا مواقف عدة كانت فيها عونا للسلطات في حفظ النظام والتوسط بينهما وبين الجموع الغازية . ومثلت ايضا وسطا هاما في نقل الحضارة الرومانية من جيل الى اخر . ثم اصبحت فيهما بعد من اكبر دعاة الامبراطورية المسيحية .
ولنتذكر / بان المؤرخ كيبون ينتمي الى المدرسة العقلية التي اشتده مساعدها في القرن الثاني عشر خاصة , الناضرة بازدراء الى التراث العصري الوسيط لعدم مسايرة الكثير من جوانبه للتحليل العقلي , معتبرة ذلك التراث انتكاسة في تاريخ المدنية الاوروبية . هذا ولم ير المؤرخ النمساوي دوبش a.dopsech ان الغزوات الجرمانية سبباً في انهيار الامبراطورية .وانما حدث هو اعادة توزيع الاراضي على نطاق واسع حسب العادات الرومانية ولم يؤد ذلك الى عودة الى الاقتصاد البدائي او انقطاع في التجارة . ويتفق الاستاذ pirenne مع ذلك الرأي مضيفا عليه بان العرب هم الذين دمروا وحدة البحر المتوسط وشلوا التجارة بين الشرق والغرب وامتصوا الذهب من اوروبا وادت توسيعاتهم الى انتقال التجارة الاوروبية من البحر المتوسط الى بحر الشمال : واجبرت اوروبا بعد ان انقطعت مواصلاتها مع بزنطة عن طريق البحر المتوسط على اعتماد على نفسها .
وهنالك تفسيرات بايلوجية او كما يشار لها بالنظريات العضوية organic theorics لسقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب . حيث شبه قسم منها حيات المجتمعات بعمر الافراد . فهنالك دورة حياتية متمثلة في ولادة ونضج ثم الفناء . وعليه فالمدينات كالافراد الصاهرة لا محالة الى الموت . وياخذ بذلك الرأي الاستاذ اسكويت asquith اذ يقول ( ان الخلايا الامبراطورية الرومانية وانسجتها قد بلغت نهايتها المحتمة كاي شي حي ) ويعتقد الاستاذ شبنكلر Spengler ايضا كان التاريخ عامة يسير في اتجاه قرر سلفا من ولادة الى الطفولة ومن الشباب الى المشيب حيث الموت .
اما الاستاذ فرانك frank فيعتقد بان انهيار الامبراطورية كان لاسباب رسية اي عندما تغلبت الدماء الشرقية على الدماء الرومانية . وتستند نظريته الى دراسة اجراها على اسماء الموتى في مقابر ايطالية . توصل منها الى ان نسبة مواليد في الادوار الاخيرة من تاريخ الرومان كانت تسعين بالمئة من غير الرومانيين لذا سادت القيم الشرقية التي توضحت في اتجاهات دينية وضهور الاستبدادية على الطراز الشرقي وتدهور الاداب اللاتينية وفقر الحكم على الشخصيات الموهوبة وقد ردت الاستاذ ماري كوردون m.cordon على ذلك الراي بقولها ان الاسماء التي عثر عليها الاستاذ فرانك مضللة تاريخيا . اذ يطلق تجار العبيد عادة اسماء مختلفة على عبيدهم حسب ما يتستهون ولا تدل هذه الاسماء علمية على جنسيات هؤلاء العبيد واصولهم . وبالاضافة الى ان دراسة الاستاذ فرانك اقتصرت على ثلاثة قرون درس فيها (13900) قبرا كتب عليها اسماء الموتى . لهذا فلا يصح تعميم ذلك الاحصاء نظرا لطول الفترة وقلت الحالات المدروسة نسبا الى عدد السكان . كما ان الاسماء التي عثر عليها كانت في مقاطعات رسمية , فيما بالك بالالاف البرليتارية الذين يدفنون في مقابر عامة بلا تميز ولا شارات ؟ وعليه فان النموذج الدراسي الذي توصل اليه الاستاذ السابق لا يمثل نسبة بين عدد الاحرار والعبيد في الامبراطورية بشكل علمي .
وياخذ الاستاذ نالسون nilson بالنظرية الرسية ايضا . حيث يشير ان اهم مشكلة صادفتها الامبراطورية هي مشكلة الرس rass اذ قامت مدينة الرومان على نقاوة الرس وقد شابت العناصر الاجنبية نقاء العنصر الروماني في الوقت التي كانت فيه نسبة ولادة لارومان في التناقض . وهنا يعلق الاستاذ بينز baynes على ذلك بقوله ( عندما تستعمل كلمة الرسية في تفسير حوادث التاريخ فمن الاجدر بي الوذ بالصمت ) . ويعلق الاستاذ كادتز katz على الرسية بقوله ان الذين يعتقدون سبب الانحطاط هو استنزاف العنصر الروماني الممتاز عن طريق الحروب او لعدم رغبة الرومان في انجاب النسب , وان العناصر الرومانية الجيدة ابتلعتها العناصر الرديئة , لا يستندون الى الواقع . ويمكن للانسان ان يتبين خطل هذا الرأي بعدم وجود اداة على ان العناصر الممتازة هي وحدها التي هلكت في الحروب . كما ان الدليل لم يقم على وجود اجناس متفوقة واخرى رديئة بين البشر , ولم يثبت لدينا علميا بان العناصر الرومانية – الممتازة حاولت انتحار الرسي باضرابها عن تخليد النسل . ولا يعتقد الاستاذ بيوري Bury بان سبب انهيار كان لنقص السكان . اذ يشير الى انه لا توجد اداة علمية على ان النفوس الامبراطورية في القرنين الرابع والخامس اقل مما كانت عليه في القرن الاول ميلادي . وان قلت المواليد في ايطاليا لا تفسر لنا الانهيار في القرن الخامس اذ بقيت الامبراطورية محتفظة بجيش يربو على المائة الف مقاتل . ولا يرى الاستاذ كاتز katz ايضا بان نقس السكان من جراء الاوبئة كالطاعون والملاريا بصورة خاصة سببا اساسيا في الانحطاط . ويعتقد المؤرخ بوروخ burgh ان صلاحات المدنية والعسكرية التي اجراها دقلديانوس 284-305 مسؤولة الى حد ما عن تصدع الكيان الروماني في الغرب . فالبراغم من انه اداة تقوية الجهاز الحكومي بوضع حد مفاسد ولتمكن الامبراطورية من الدفاع عن الحدود الا ان النتيجة كانت عكس المطلوب . فالفصل بين السلطتين العسكرية والمدنية ادى الى ارباك الوضع . هذا بالاضافة الى تعدد الوحدات الادارية الصغرى التي احتوتها الاقاليم الاربعة لكل من الغال وايطاليا والبيريا والشرق . وادت هذه الى زيادة عدد الموضفين واشتداد البيروقراطية وعرقلت الاعمال . كما ان تقسيم الامبراطورية من الناحية الادارية الى شرقية واخرى غربية بين الامبراطوريين والقيصريين لم يساعد على القضاء على النزاع حول الاستتار بالسلطة عند الموت احد الامبراطوريين كما توقع دقلديانوس , بل ادى الى حروب اهلية منذ سنة 305- 324 ومنذ وفاة قسطنطين الكبير سنة 337-351 . كما ان معالجته الوضع الاقتصادي المنهار بجملته الصناعة والتجارة تحت الاشراف الحكومي المباشر وجعل المهن وراثية قتلت الابداع وولدت التذمر . ومهما تعددت النظريات والاراء في تعليل سقوط الامبراطورية الرومانية في الغرب فلا بد وان يستشف المتأمل فيها بان هناك تحولات خطيرة في المجتمع الروماني . بدت في تصدع مؤسسة الانتاج الكبرى وانهيارها , الا وهي مؤسسة العبودية , الحجر الاساسي في الكيان الامبراطورية في الغرب . ان تدهور تلك المؤسسة حتم ضهور علاقات اجتماعية جديدة مستندة على نوع للعلاقات الانتاجية الحديثة انذاك . وكانت هذه الظاهرة هي اليد الخفية وراء البلبلة التي اصابت الرومان في الغرب في كافي النواحي مجتمعهم وفككت عراه . وقد اسرعت السيول الجرمانية المتدفقة على الامبراطورية في عملية تلك التحولات في المجتمع الروماني عن دون قصد طبعا والتي اذنت بحول عصر جديد .
اهنالك اتفاق على سنة التي زالت فيها الامبراطورية الرومانية في الغرب ؟ ان الاجابة على ذلك السؤال حيوية بالنسبة للموضوع طالما ان نهاية الامبراطورية الرومانية في الغرب هي بداية العصر الوسيط . يختلف المؤرخون في تحديد تاريخ السقوط اختلافا كبيرا ومحيرا . ايمكن اعتبار انتصار قسطنطين على خصمه ماكستنيوس سنة 312 في ملفيان في ايطاليا بداية للعصر الوسيط لمجرد اتخاذه الراية المسيحية شعارا له ؟ اذ تشير الراية عند البعض الى التحول الادمايلوجي خطير وان اعترافه للعصور الوسطى ؟ ذلك على اثر الانقلاب الناجح الذي دبره الجنرال الجرماني ادوكور adovaser ضد رومالوس وحصوله على موافقة مجلس الشيوخ الروماني والامبراطوري زينو zeno الذي كان يحكم في القسطنطينية . ان قسما من باحثي التاريخ لا يروم في تلك السنة سقوطاً للامبراطور ولو انه فرض نفسه على روما فرضاً . كذلك لم يشهد ذلك التاريخ جيوشاً غازية ولا معارك ضاربة وانما تمت عملية مجيء ادوكر للحكم بصورة سلمية . وتسائل البعض لماذا لا تكون سنة 410 او سنة 455 من التواريخ الفاصلة في هذا الشأن ؟ فقد استولى الاريك Alaric في التاريخ الاول على روما فعلا بعد حصار شديد ومعارك عنيفة وعاشت جموعه الغولية العربية في احياء المدينة ولم تسلم منه غير دور العبادة ان للمؤرخ الايطالي فلافيو بايوندي flavio biondi قد اعتبر سنة 410 بداية للعصر الوسيط في كتابة تاريخ روما الذي وضعه في المنتصف القرن الخامس عشر . اما التاريخ الثاني اي سنة 455 فقد تعرضت فيها روما لمخاطر هائلة من قبل جيوش الواندال التي عبرت اليها من شمال افريقيا ولا ينسحبوا منها الا بعد امتصاص ثرواتها المنقولة ولتدخلات البابا ليو الكبير . او هل يمكن اعتبار سنة 565 نهاية للحكم الروماني في الغرب ؟ لقد اعاد الامبراطور جستنيان ايطاليا وبعض اجزاء اسبانيا وشمال افريقيا الى الرابطة الرومانية , الا ان اكثرية ايطاليا خرجت عن سيطرة الرومانية بعد قليل من وفاته . او يمكن اعتبار سنة 800 م نهاية لسلطة الرومان النظرية على الغرب كما يراه المؤرخ بيروري ففيها قد اصبح شارلمان ملك الفرنجة امبراطوراً على الغرب وبذلك انتهت سيادة الرومان على القسم الغربي من الناحيتين العلمية والنظرية . غير ان للمؤرخ بيريين pirenne راي اخر اذ يعتبر فيه نهاية العصور القديمة في اوروبا تبدأ في بداية القرن الثامن اي الوقت الذي سيطر فيه الغرب على مياه البحر المتوسط واستولوا على اسبانيا وشلوا التجارة الغربية . ومهما يكن من الامر فان السلطة الفعلية في الغرب قد انتقلت الى عناصر جيرمانية منذ النصف الثاني من القرن الخامس على الاخص . ولم يشهد الغرب امبراطورا يحكم في ايطاليا منذا انقاب ادوكر . ولعل ذلك من المبررات التي تجعل من سنة 476نهاية الامبراطورية الرومانية في الغرب وبداية للعصر الوسيط بالرغم من ان السنوات لا تحدد الخطوات التاريخية من حيث البداية او النهاية . ومع ذلك فان انقلاب ادوكر جاء منسجما مع حصيلة التطورات العامة في المجتمع الغربي


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .