انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثالثة

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة محمد عبد الله عبد فزع المعموري       12/03/2017 10:50:33
الاسبوع الثالث
عصر الولاة في الاندلس(95- 138هـ/714- 755م)
هو العصر الثاني من عصور الأندلس وصار الحاكم يُسمى والياً، ويبدأ هذا العهد بتعيين عبد العزيز بن موسى بن نصير والياً على الأندلس في أواخر سنة (95هـ/714م) الذي أتخذ أشبيلية عاصمة له ويستمر هذا العصر إلى سنة (138هـ/756م) عندما نجح عبد الرحمن بن معاوية (عبد الرحمن الداخل) في تأسيس الإمارة الأموية في الأندلس.
كان تعيين الولاة في الأندلس الذين بلغ عددهم عشرون والياً تولى منهم اثنان لمرتين خلال (42) سنة من قبل الخليفة الأموي في دمشق؛ لارتباط الوالي به سياسياً وإدارياَ وعسكرياً وفي مرات أخرى كان يتم تعيينه من قبل والي المغرب لتبعية الأندلس للمغرب الإسلامي أو من قبل أهل الأندلس في مرات أخرى وذلك لبعد الأندلس عن مركز الخلافة في بلاد الشام.

أهم مميزات عصر الولاة
1- إستكمال فتح المدن الأندلسية خاصة في عهد الوالي عبد العزيز بن موسى بن نصير كما ذكرنا سابقاً.
2- مجابهة الممالك الإسبانية التي نشأت بعد الفتح وصد هجماتهم في الشمال الإسباني.
3- مواصلة الفتوحات وراء جبال البرتات (بلاد الغال- فرنسا) لنشر الإسلام.
4- تنظيم حملات عسكرية على طول السنة عُرفت بالصوائف (تخرج في الصيف) والشواتي (في الشتاء).
5- اضطراب السياسة العامة للخلافة الأموية بعد الخليفة الوليد بن عبد الملك ووقوعها فريسة العصبيات القبلية والشخصية، وكان لابد أن يكون لذلك كله أثره في الأندلس كما كان له أثره في المغرب.
6- ظهور العصبيات العربية (بين القيسية والمضرية) في المغرب ثم الخلاف بين العرب البلديين والعرب الشاميين، ثم المنازعات والحروب بين العرب والمغاربة (البربر) وكان لابد أن يمتد ذلك كله إلى الأندلس.
7- التنازع على السلطة بين الطامعين فيه ومنها اغتيال الوالي عبد العزيز بن موسى بن نصير نتيجة مؤامرة دبرها كبار قادة الجيش من العرب أمثال أيوب بن حبيب اللخمي وحبيب أبي عبده وغيرهم بالتواطؤ مع الخليفة الأموي سليمان بسبب عدة اتهامات للوالي المغدور حسب بعض الروايات.
8- قِصر فترة حكم الولاة حيث تولى أمر الأندلس خلال هذا العهد (20) والياً تولى أثنان منهم الحُكم مرتين ومعنى ذلك أن متوسط مدة الوالي أقل من سنتين وهذا يدلل على عدم الاستقرار الذي ساد الأندلس.
9- انتشار المجاعة في الأندلس وخاصة في سنة 136هـ كنتيجة للحروب الشديدة بين العرب أنفسهم وبينهم وبين البربر، فازدادت الهجرة إلى أفريقيا وقل عدد المسلمين في الأندلس.
10- انتشار الإسلام واللغة العربية في الأندلس بسبب المصاهرة، وتأسيس المساجد ووصول عدد من العلماء والدعاة من المغرب والمشرق وسياسة التسامح مع أهل الذمة حسب قواعد الإسلام الذي يقوم على مبدأ "لا إكراه في الدين" و"أن أكرمكم عند الله أتقاكم".
11- قام بعض الولاة بالتنظيمات الإدارية على غرار الإدارة العربية الإسلامية في المشرق ومنها تقسيم البلاد إلى خمس ولايات (أقاليم) هي:
- ولاية الأندلس وهي ولاية باطقة القديمة، ومن أشهر قواعدها: قرطبة، قرمونه، أشبيلية، شذونه، مالقة، البيره وجيان.
- ولاية طليطلة وهي ولاية قرطاجنة القديمة وأشهر قواعدها: طليطلة، مرسية، لورقة، أوريوله، شاطبة، لقنت وبلنسية وغيرها.
- ولاية ماردة وهي ولاية جيليقية القديمة وأشهر قواعدها: ماردة، باجة، استرقة، سمورة وغيرها.
- ولاية سرقسطة وهي ولاية كانتبريا القديمة وأشهر قواعدها: سرقسطة، طركونه، جيرنده، لاردةو، طرطوشة وغيرها.
- ولاية أربونة وهي ولاية الثغر شمال شرق جبال البرنية وتشمل مصب نهر الرون على البحر وأشهر قواعدها: أربونة، نيمة، قرقشون، أجدة وماجلونة.
12- عمل بعض الولاة على مزج عناصر ومكونات المجتمع الأندلسي والتي كان أهمها: العرب، المغاربة (البربر)، الموالي، المسالمة (الإسبان الذين اعتنقوا الإسلام)، المستعربون (الإسبان الذين ظلوا على دين النصرانية من أهل الذمة وعاشوا مع المسلمين)، اليهود، والمولدون (وهم أبناء الفاتحين وأُمهاتهم من الإسبانيات)والصقالبة.
13- أن استمرار المنازعات والحروب والفتن في الأندلس خلال عصر الولاة أدت إلى نتيجة خطيرة هي ظهور حركة الاسترداد، وذلك أن العرب حينما فتحوا الأندلس تركوا منطقة جبلية وعرة في الركن الشمال الغربي لشبه جزيرة أيبيريا زهدوا فيها لوعورتها وقساوة مناخها عرفت عند العرب باسم صخرة بلاي فالتجأت إليها فلول القوط بقايا الأيبيريين الرومان كان من بينهم بلاي (Pleyo) فالتف هؤلاء من حوله ومن أنضم إليهم من النصارى الإسبان، وبقوا ينتظرون أن تواتيهم الفرصة للعمل على استرداد بلادهم، وجاءت هذه الفرصة خلال الفتن والحروب بين العرب والبربر ونجح بلاي في الاستيلاء على مقاطعة في الشمال الإسباني وتأسيس مملكة استوريش.

أشهر ولاة الأندلس
ذكرنا سابقاً أن عدد ولاة الأندلس عشرين والياً، سوف نستعرض أشهرهم وأهم إنجازاتهم:-
1- عبد العزيز بن موسى بن نصير (95-97هـ) عرضنا بعض أعماله.
2- أيوب بن حبيب اللخمي وهو أبن أخت موسى بن نصير (97هـ لعدة أشهر)، نقل عاصمة الأندلس من أشبيلية إلى قرطبة وبنى بلدة (أطلق عليها قلعة أيوب).
3- الحر بن عبد الرحمن الثقفي (97-100هـ) واصل حركات الجهاد إلى جبال البرتات وفتح مدينة أربونة وقطلونية وبرشلونة.
4- السمح بن مالك الخولاني (100-102هـ) هو من خيرة الولاة حيث قام بعدة إصلاحات إدارية وعمرانية ومالية كما أهتم بالناحية العمرانية ومنها إعادة بناء سور قرطبة وقنطرتها واستشهد في إحدى المعارك بالقرب من طولوسة سنة (102هـ/721م).
5- عنبسة بن سحيم الكلبي (103-107هـ) عُرف عنه الكفاءة الإدارية فقام بتنظيم الأمور وتهدئة البلاد ومواصلة الجهاد في منطقة جيليقية واستشهد على يد الإفرنج سنة 107هـ.
6- عبد الرحمن الغافقي تولى ولاية الأندلس مرتين المرة الأولى سنة 102هـ والولاية الثانية في سنة (112-114هـ). وكان من كبار جند الأندلس ومن الذين قضوا معظم أيامهم في الجهاد في غاله (فرنسا) وقام بجمع القوات وتنظيم الجيش وتحصين الثغور وتقوية القواعد الإسلامية في مدينة أربونة وفتح مدينة بوردو (جرديل)، ثم مدينة بواتيه، ثم زحف إلى مدينة تور في السهل الممتد بين مدينتي تور وبواتيه بفرنسا فاصطدم بجيش شارل مارشل في معركة طاحنة التي استمرت ثمانية أيام سنة (114هـ/732م) التي تُسمى في المصادر العربية ببلاط الشهداء، وفي المصادر الغربية بمعركة تور- بواتيه والتي انتهت بهزيمة المسلمين واستشهاد القائد والوالي عبد الرحمن الغافقي وسنفصل الموضوع لاحقاً.
7- عبد الملك بن قطن الفهري (114-116هـ) تولى حكم الأندلس مرتين المرة الأولى في سنة 114هـ والمرة الثانية في سنة (123-124هـ) حيث واصل عمليات الجهاد في الشمال الإسباني وجنوب فرنسا وتعويض ما فقده المسلمون في معركة بلاط الشهداء.
8- عقبة بن الحجاج (116-123هـ) كان عقبة جندياً عظيماً، عزم على مواصلة الجهاد وتوطيد الإسلام في الولايات الأندلسية بالشمال وفي غاليسيا (فرنسا) وتنظيم الجيش وتوغل في جيليقية واستولى على كثير من مواقعها واستردادها من الفرنجة في فرنسا بعد معركة بلاط الشهداء.
9- يوسف بن عبد الرحمن الفهري (128-138هـ) استمر ولاة الأندلس في التعاقب حتى وصول الوالي يوسف الفهري حفيد عقبة بن نافع الذي أجمع البلديون على رياسته وكان الشاميون في الأندلس مستعدين للخضوع له بسبب مضريتهم ويكون الصميل بن حاتم مستشاره وصاحب رأيه واستمر الوضع في الأندلس إلى سنة 132هـ حيث سقطت الخلافة الأموية في المشرق، مما جعل الوالي يوسف الفهري يستقل عن والي المغرب وينفرد بحكم الأندلس إلا أنه ظهرت الدعوة لعبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الملقب بالداخل والتوجه إلى الأندلس وإعلانه الإمارة الأموية سنة (138هـ/755م).

معركة بلاط الشهداء (114هـ/732م)
تعد هذه المعركة من أشهر المعارك الحاسمة والمهمة في التاريخ الإسلامي عامة وفي تاريخ الأندلس وأوروبا خاصة رغم خسارة المسلمين في هذه المعركة في أرض الغال (فرنسا) فاستشهاد القائد والوالي عبد الرحمن الغافقي وقد سبق وأن استشهد القائد والوالي السمح بن مالك الخولاني.
لقد أختلفت المصادر والمراجع الغربية عن نظريتها العربية في تحديد أهمية الانتصار الذي أحرزه شارل مارتل في هذه المعركة، ففي حين عدها الغرب من المعارك الحاسمة في التاريخ، وترى أنه لو انتصر فيها العرب لأجتاحوا أوروبا دون أن يمنعهم مانع، وأنتشر الإسلام فيها إنتشاراً كبيراً على حساب المسيحية وبالتالي لتغير وجه التاريخ، ولذلك أسهب العديد من مؤرخي الغرب في تقييمها وتحليل نتائجها، بينما أوجزت المصادر العربية الحديث عنها، إذ عدتها على ما يبدو خسارة عادية كبعض المعارك الأخرى التي خسرها العرب المسلمين أثناء معركة الفتوحات، واستدلّت على ذلك بأن هذه الخسارة لم توقف هجماتهم على بلاد الغال، فقد عادوا في العام التالي سنة (115هـ/733م) لمهاجمتها من جديد في عهد الوالي عبد الملك بن قطن الفهري.
أما أسباب الهزيمة فهي:-
1- بُعد ميدان المعركة في جنوب فرنسا عن مركز التموين والدعم العسكري عن العاصمة قرطبة التي تُقدر ب900كم.
2- طول فترة المعركة لثمانية أيام من شهر شعبان ورمضان بين نصر وخسارة ومد وجزر أتعب الجنود المسلمين.
3- كانت غالبية المقاتلين من المسلمين البربر ولم يستطع القائد عبد الرحمن الغافقي من إزالة أسباب الخلاف بين جنوده من العرب والبربر.
4- كثرة الغنائم التي كان يسحبها الجيش الإسلامي من جيش الفرنجة وخوف المسلمين من مهاجمتها وضياعها كان من أكبر أسباب الهزيمة.
5- كان وقت المعركة في فصل الخريف وهو موسم الأمطار الثقيلة والمسلمون لا يستريحون للبرد والمطر فضلاً أنهم قاتلوا في منطقة كلها غابات.
6- يبدو أن عبد الرحمن الغافقي كان جندياً عظيماً، ولكن تنقصه القدرة على وضع خطة محكمة للقتال كما رأينا مثلاً عند حسان بن النعمان أحد قادة فتح المغرب الإسلامي وطارق بن زياد إلا أن عبد الرحمن الغافقي استمر في سيره حتى لقيه الفرنجة.
7- استشهاد القائد الوالي عبد الرحمن الغافقي في اليوم الأخير من المعركة أدى إلى إرتباك بين صفوف الجيش فقرر قادة الجيش الانسحاب ليلاً للحفاظ على أرواح المسلمين ولم يرغب القائد شارل مارتل من متابعة إنسحاب وخسارة الجيش الإسلامي خوفاً من الخديعة لأن الحرب خدعة كما يقول الإمام علي بن أبي طالب(ع).
8- تميز المقاتلين الفرنجة وخاصة الألمان بالصبر والشجاعة والقوة فكانوا لا يقلون عن العرب المسلمين شراسة في الحروب مما أدى إلى عدم اختراق صفوفهم.
وسائل نشر الإسلام في الأندلس
1- بناء المساجد: أن أول عمل يقوم به المسلمين عند فتح أي مدينة هو بناء المساجد فعندما دخل موسى بن نصير مدينة الجزيرة الخضراء بنى مسجداً ويعد أول مسجد في الأندلس واستمر قادة الفتح في بناء المساجد في جميع المدن مثل قرطبة، طليطلة، اشبيلية وغيرها ومما لا شك أن هذه المساجد أدت دوراً كبيراً في نشر الإسلام.
2- المصاهرة: لقد أعتاد المقاتلون المسلمون في عمليات الفتوح أن يحملوا عوائلهم معهم خصوصاً إلى المناطق البعيدة أما الجيش الذي دخل إلى الأندلس فكان غالبيتهم من الشباب الذين ذهبوا دون اصطحاب عوائلهم أو لم يكونوا متزوجين وقد بادر بعض قادة وولاة الأندلس بالزواج بالإسبانيات من أهل الذمة فكان لهذه المصاهرة الأثر الكبير في نشر الإسلام بين المولدين وغيرهم جيلاً بعد جيل.
3- نشر الثقافة واللغة العربية: من المعروف أن اللغة العربية تنتشر أينما حل العرب المسلمون فهي لغة القرآن الكريم وتعلمها واجب على من يريد أن يقرأ القرآن الكرم والسنُة النبوية الشريفة فضلاً على أن اللغة العربية كانت لغة الحُكم والإدارة فيما دفع أهل الأندلس من الإسبان إلى تعلم اللغة العربية لحاجتهم إليها.
4- دور السلطة والحُكام في نشر الإسلام واللغة العربية بتأسيس المساجد وبناء المدارس وتشجيع العلماء والأدباء والشعراء.
5- سلوك المسلمين: وتعاملهم مع أهل الذمة من المسيحيين واليهود وغيرهم بالتسامح وحُسُن الخُلق لأن الدين المعاملة حيث شجع أعداداً كبيرة من الإسبان على إعتناق الإسلام وتعلم اللغة العربية.


المجتمع الأندلسي
الفاتحون المسلمون للأندلس مزيج من قبائل عربية مختلفة منهم العدنانيون (من هاشميين وأمويين) ومنهم اليمنيون وأنضم إلى هؤلاء مصريون وشاميون وعراقيون، وجمع كبير من البربر (المغاربة) وأمتزج هؤلاء بأهل البلاد من قوط وإسبان وغيرهم بالمصاهرة أو المجاورة.
ويمكن عرض أهم عناصر ومكونات المجتمع الأندلسي إلى:-
1- العرب: لقد وفد أكثرهم على إسبانيا في شكل جنود أو قادة لا في شكل أُسر أي أنهم لم يأتوا في أغلب الأحيان بنسائهم وزوجاتهم فتزوجوا من نساء البلاد.
فمثلاً كان جيش موسى بن نُصير، مؤلفاً من 18 ألفاً من العرب وكان جنود الشام الوافدون مع بلج بن بشر في عصر الولاة عشرة آلاف منهم ثمانية آلاف من بيوت العرب وألفان من الموالي وكان جنود ابن الخطار الكلبي الوافدون في عصر الولاة أيضاً من العرب كذلك وفد آخرون من العلماء والأدباء والتُجار سواء أفراداً أو أُسراً أو جماعات هربوا من اضطهاد العباسيين للأمويين وأنصارهم بالمشرق.
2- البربر (المغاربة): لقد دخل البربر الأندلس، جنباً إلى جنب مع عرب المشرق، وكان أول طلائعهم تلك التي دخلت مع طارق بن زياد، ثم لحقت منهم أعداداً كبيرة بعد الفتح، فعبروا البحر، وظلت هجرة البربر إلى الأندلس مستمرة ومتصلة، بحكم القرب والجيرة. وكان أكثرهم من قبيلة زناتة وفروعها.
لقد انتشر البربر في معظم نواحي الأندلس، وخاصة المناطق المتطرفة في أقصى الشمال الشرقي والغرب، أو ما يُسمى بالثغور، وصار معظم ولاة الثغور منهم.
لم تكن منازل العرب والبربر بالأندلس، والتي استقروا بها، اختياراً أو استئثاراً لفريق على آخر، إنما استقروا حيث نزلوا أو ساروا أول أمرهم، وصارت منازلهم على ذلك، ومال كل فريق منهم إلى ما يناسبه من النواحي، فاستقر العرب في السهول والمنخفضات والنواحي الدافئة القليلة المطر وخاصة في الجنوب والشرق والغرب، في حين فضّل البربر المناطق الجبلية العالية فاستقروا بها بأختيارهم، لشبه كل بقعة بما كانوا عليه في المشرق أو في المغرب، وقد أختلط البربر أيضاً مع السكان الأصليين بالأندلس، وأرتبطوا معهم بروابط المصاهرة والمودة، وتحولوا
مع الزمن إلى بلدين أندلسيين، أي سكان أصليين، وصار لهم دور بارز في نشر الإسلام في تلك الديار وكان لهم دور واضح أيضاً إلى جانب العرب في فتح الأندلس أولاً والفتوحات ما وراء جبال البرتات ثانياً، وكانوا قوة دافعة ومُجددة لهذه الفتوح على الرغم من حداثة عهدهم بالإسلام. ولكنهم أكثر تمسكاً بالإسلام وحماسة للفتح مع العرب، لأن الإسلام كان وسيلتهم الأولى في الأندلس.
3- المولدون: عندما دخل العرب المسلمين الأندلس، كان سكانها شعباً أوروبياً نصرانياً في غالبيته العظمى، يضم مجموعة قليلة من اليهود، حيث أرتبط الكثير من العرب والبربر بالمصاهرة مع السكان الأصليين في الأندلس، وعاشوا معهم متجاورين متحابين ومتساوين، الأمر الذي أدى إلى انتشار الإسلام في هذه البلاد، أطلقوا على السكان الأصليين اسم "عجم الأندلس" وعلى الذين اسلموا من أهل الذمة اسم "الأسالمة أو المسالمة" ثم أطلقوا على أولادهم اسم "المولدين" ثم تلاشت بمرور الزمن هذه التسمية بسبب اختلاط الناس، وتحول الجميع إلى شعب أندلسي واحد دون تمييز.
4- المستعربون: هم السكان الأصليين الذين ظلوا على ديانتهم المسيحية في الأندلس وأطلقوا عليهم اسم "المستعربون" تمييزاً لهم عن القشتاليين والفرنجة الخارجين عن طاعة الدولة العربية الإسلامية بالأندلس، وأصبح المستعربون عنصراً متميزاً في المجتمع يحسن لغة العرب المسلمين ويجري على عاداتهم، رغم احتفاظه بديانته وطقوسه ورفعت عنهم كثير من المظالم والضرائب، التي فرضها عليهم القوط سابقاً، وكان لهم قضاة ومحاكم خاصة بهم، ولم يرتدوا الملابس التي تميزهم عن المجتمع، ويغلب أن يكون للواحد منهم اسمان: اسم عربي يُشتهر به، واسم إسباني أو لاتيني يُعرف به رسمياً وبلغ استعرابهم لغةَ وثقافةَ أن يعيشوا حياة عربية إلى الحد الذي جعلهم يختنون أبناءهم، ويطبقون نظام الحريم في البيت على غرار العرب المسلمين، وأحسن هؤلاء اللغة العربية وأتقنوها إلى جانب اللغة الإسبانية، وصار أهل الذمة والمسالمة ثم أبناءهم المولدون، يشكلون الأغلبية من سُكان الأندلس، وصار عدد المولدين فيهم تباعاً، هم الأغلب في هذا المجتمع.
5- الصقالبة: وهم من المماليك الذي كان يجلبهم تجار الإغريق والبندقية من شواطئ البحر الأسود، ومن المقاطعات الإسبانية الشمالية، إلى الأندلس ويبيعونهم صغاراً فينشئوا نشأة إسلامية وكانوا يسمون الخرس أيضاً لعجميتهم كما كانوا من أسرى الحروب جلبهم رجال القراصنة المغاربة أو الأندلسيين أثناء غاراتهم الأوروبية للبحر الأبيض المتوسط وبعد مجيئهم سرعان ما تعلموا العربية وأعتنقوا الإسلام وتحرر فريق منهم من العبودية وأحتل مكاناً بارزاً في المجتمع وصار الصقالبة عنصراً هاماً من عناصره في الأندلس وكانوا يتواجدون عادة في العاصمة قرطبة والمدن الرئيسية، وقد أتخذهم الأمير الأموي الحكم الأموي حرساً له، ولم يلبث عددهم أن أزداد كثيراً وتفاقم شرهم في البلاد أواخر الدولة الأموية بالأندلس، وبداية قيام الدولة العامرية.
6- أهل الذمة (النصارى): كان أهل الذمة من النصارى، يُشكلون الغالبية العظمى في المجتمع الأندلسي في بداية الفتح العربي الإسلامي وعهد الولاة لكن بمرور الزمن أصبح عددهم يقل تدريجياً في حين أخذ عدد العرب والبربر والموالي والمولدون يزداد، حتى صار أهل الذمة (النصارى) أخيراً أقلية من السكان، ولم يُمارس العرب المسلمون سياسة التمييز بين المسلمين وأهل الذمة في الوضع والمعاملة وعاملوهم بالتسامح والرفق وتزوجوا من نسائهم وبناتهم وأبقوهم على ديانتهم إن رغبوا مع دفع الجزية، وعاهدوهم وعاقدوهم على الصلح متى طلبوا وتركوا لهم حرية اختيار رؤوسائهم وممارسة طقوسهم الدينية دون ضغط أو تدخل، إلا أن بعضهم شارك في أعمال تخريبية وتحالف مع الممالك المسيحية في شمال إسبانيا.
7- اليهود: شكل اليهود فئة صغيرة في إسبانيا قبل الفتح، ولاقوا سياسة الاضطهاد والظلم والعداء من قبل القوط، وعند فتح الأندلس تسامح العرب المسلمين معهم لأنهم من أهل الذمة وتمتعوا بالحرية الدينية وممارسة طقوسهم الخاصة، وأعادوا لهم حقوقهم وأملاكهم ونشطوا في جميع مجالات الحياة الأندلسية والاقتصادية خاصة واندمجوا مع المجتمع وصار لجماعاتهم رؤوسائهم مسوؤلون أمام الحكومة الإسلامية يُعترف بهم. ومع ذلك فقد انحاز بعضهم إلى جانب أعداء العرب والإسلام وتحالفوا مع النصارى من الممالك الإسبانية في الشمال.
8- الموالي: الموالي بالأندلس غير الموالي بالمشرق العربي فهم موالي بنو أمية، وعُرفوا هكذا عندما دخلوا مع بلج بن بشر إلى الأندلس وكان عددهم ألفين وهم جزء من عدد كبير من موالي بني أمية، كان الخليفة هشام بن عبد الملك قد بعث بهم إلى أفريقيا وكان عددهم ثلاثين ألفاً، أرسلهم الخليفة هشام مع كلثوم بن عياض إلى إفريقية لمحاربة البربر عندما دخلوا الأندلس أنضم إليهم من كان من موالي بني أمية ومن دخلها بعدهم، فصار الموالي حزباً وقوة سياسية تؤثر في أحداث البلاد وكانت لهم اليد الطولى في إقامة الدولة الأموية بالأندلس والتي أقامها الأمير عبد الرحمن الداخل سنة (138هـ/755م).
لقد أزداد عد د الموالي في الأندلس بعد سقوط الخلافة الأموية في المشرق واشتد الطلب على الأمويين وأنصارهم فهربوا وتفرقوا في البلدان وأتجه أكثرهم إلى أفريقيا ومنها إلى الأندلس، وكان هؤلاء الموالي يعدون أنفسهم تابعين للبيت الأموي، وصار الموالي الشاميون جبهة واحدة وكونوا قوة بارزة في ولاية يوسف الفهري، على أن الموالي بالأندلس كانوا ثلاثة أنواع:-
الأول:- هُم موالي بني أمية من المشرق والذين أرتبطوا بروابط الولاء القديمة للبيت الأموي.
الثاني:- موالي المغرب العربي الذين دخلوا في ولاء بني أمية.
الثالث:- موالي الإسبان الذين أسلموا ودخلوا في ولاء بني أمية أو قوادِهم، وظلوا يحتفظون هم وأبناءهم بهذه العلاقة، وظل أهل الأندلس يرعون حرمة الولاء هذه.
المرأة الأندلسية
المرأة نصف المجتمع في جميع عصور التاريخ فهي الأم والأخت والبنت والزوجة، ولكثرة تعدد مكونات وعناصر المجتمع الأندلسي فقد حُظيت المرأة الأندلسية بقدر كبير من الحرية نتيجة لهذا الامتزاج الذي تم بين عناصر المجتمع الأندلسي، فكانت تشارك كبار رجال الدولة الرأي والمشورة في أخطر الأمور، فكانت (عجب) ذات سلطان واسع أيام الأمير الأموي هشام بن عبد الرحمن، كما كان لطروب جارية الأمير عبد الرحمن الثاني تأثير كبير، وكانت المرأة تخرج مع الرجل في الأعياد الرسمية، وتلبس قلنسوة وتتقلد سيفاً كما فعلت "رسيس" في أيام الأمير والخليفة عبد الرحمن الناصر، كما نبغ بعضهُن في الشعر مثل: ولادة بنت المستكفي، وأم الكرام أبنة المعتصم بن صمادح، واعتماد جارية المعتمد بن عباد وغيرهن، كما شاركت الرجال في ارتياد مجالس الشعر والأدب والغناء والسمر كما عارضت الرجل في أشعاره كما فعلت الغسانة حيث عارضت الشاعر ابن دراج في إحدى قصائده، كذلك شاركت الرجل في رواية الحديث مثل غالبة بنت محمد المعلمه روت الحديث واشتهر من نساء الأندلس بالطب أم حسن بنت القاضي ابن جعفر الطنجالي، وكانت امرأة واسعة الإطلاع كثيرة المعارف أجادت عدة علوم مع الطب ولكنها في الطب كانت أبرز وأشهر كذلك اشتهرت بالطب أخت الحفيد ابن زُهر وابنتها فكانتا عالمتين بصناعة الطب والمداواة، ولهما خبرة جيدة فيما يتعلق بمداواة النساء وكانتا تدخلان إلى نساء المنصور ولا يقبل لمداواة أهله سواهما، كذلك ظهرت شخصية المرأة الأندلسية في مجال الفن، فقد استقدم عبد الرحمن الداخل بعض الفنانات المشرقيات وأسس لهُن بالقصر داراً عُرفت بدار المدنيات لأن أغلبهن كُن من المدينة (الحجاز) التي اشتهرت بفنون الموسيقى ومن أشهرهن فضل، علم، والعجفاء وقلم.
فالمرأة الأندلسية احتلت في مجتمعها المكانة المرموقة، وصارت تتمتع بالحرية التي اكتسبتها حتى صارت مثل أختها المشرقية أن لم تفقها في التمتع بكل حرية.
واشتهر الأندلسيون بصفات اختصوا بها، وتميزوا بها عن غيرهم من الأجناس مثل:النظافة في ملبسهم ومظهرهم أغنياء وفقراء وتعودهم على ترك رؤوسهم جميعاً عارية، أما صفاتهم الخُلُقية فقد حافظوا على الأصول الأخلاقية مع الميل إلى التحرر والانطلاق ونبذ التزمت.
ومن هنا كانوا محبين للشراب مقبلين عليه إقبالاً شديداً لوفرة الكروم في بلادهم وأعجب الأندلسيون ببلادهم فتعصبوا لها ونلاحظ ذلك جلياً في تراثهم وتراجم علمائهم، فهذا يُلقب بالمالقي، وذاك بالبلنسي، وثالث بالغرناطي، ولفتنتهم ببلادهم وإعجابهم بجمالها ورونقها تغنوا بها في شعرهم.



المصدر: محاضرات في تاريخ المغرب والاندلس، د. رضا هادي عباس، د. كريم عاتي الخزاعي


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .