انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية
القسم قسم التاريخ
المرحلة 2
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي
01/02/2015 06:32:34
أشرنا إلى طبيعة نظام الحكم العثماني ، وذكرنا أن بعض الزعامات المحلية استأثرت منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر على الأقل بالحكم وأقامت أسر حاكمة أو عصبيات محلية وطنية ، ولعل من أبرز القوى التي ظهرت في الولايات العربية المماليك في بغداد والجليليون في الموصل ، والمماليك في مصر وآل الظاهر العمر في فلسطين وآل معن في لبنان وآل العظم في دمشق وآل القرمنلي في طرابلس والأسرة الحسينية في تونس ، وقد قامت بين القوى المحلية في الولايات العربية والدولة العثمانية علاقات تراوحت بين الاستقلال الفعلي في مكان وإقامة شيء من التوازن بين الحكومة المركزية في استانبول والحكومات المحلية في مكان آخر ، ومما يلحظ أن لضعف ارتباطها السلطان في المركز وانحلال عساكر الانكشارية وعجزها وضعف ارتباطها بالثكنات العسكرية واعتماد بعض الولاة على التكوينات العسكرية إبان السيطرة دورا كبيرا في قيام هذه الظاهرة العامة في تاريخ الوطن العربي إبان السيطرة العثمانية ، وسنحاول هنا متابعة التطورات السياسية في بعض الولايات العربية التي حققت نوعا من الاستقلال عن الدولة العثمانية بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر . 1- المماليك في بغداد : لم تترسخ السيطرة العثمانية في أعقاب الاحتلال العثماني الأول للعراق سنة 1534 وذلك لتجدد واستمرار الأطماع التوسعية الإيرانية فقد استطاع الإيرانيون استغلال العصيان المسلح الذي قام به بكر صوباشي أحد ضباط الحامية الانكشارية في بغداد سنة 1623 فأعادوا احتلال العراق مرة ثانية سنة 1623 . إن هذا الاحتلال الذي استمر قرابة 15 سنة واجه مقاومة عنيفة من العراقيين الذي شعروا بالقهر والظلم وقد اتخذت المقاومة أشكالا وأساليب مختلفة ولم يكن مرد هذه المقاومة الولاء العراقي للحكم العثماني بقدر ما كان تعبيرا عن الشعور الوطني للعراقيين ضمن الإطار العثماني أولا ، ولأن هذا الاحتلال يعبر في جانب منه عن العداء التاريخي الفارسي للعرب . بالرغم من أوضاع الضعف والتدهور التي كانت تعيشها الدولة العثمانية خلال الفترة الممتدة من سنة 1574 – 1632 وذلك بسبب انغماس السلطان مراد الثالث 1574 – 1595 في حياة الحريم وخضوعه لإحدى زوجاته ، وهي بافو من نبيلات البندقية من جهة ، ومحاولات الانكشارية التلاعب بمقدرات السلطنة والتدخل في اختيار السلاطين من جهة أخرى ، فإن الدولة العثمانية وضعت مسألة طرد الإيرانيين من بغداد في مقدمة اهتماماتها . فقد أرسلت حملتين عسكريتين الأولى في سنة 1625 والثانية في سنة 1629 إلا أنهما فشلتا لأن مساوئ الباب العالي انعكست عليهما أولا ولافتقار قياداتهما إلى الصرامة والضبط العسكري ، لذلك بدأت الاستعدادات للحملة الثالثة التي قادها السلطان مراد الرابع 1623 – 1640 بنفسه واستطاع في 25 كانون الأول 1638 دخول بغداد ووضع نهاية أبدية للسيطرة الفارسية على العراق بعد عقد معاهدة زهاب الحدودية مع إيران في 17 أيار 1639 والتي تعد أول محاولة لتخطيط الحدود بين الدولتين على أساس عود المناطق والمدن لكل منها أي على شكل مناطق حدود ، واتخذت هذه المعاهدة أساس استندت عليه المعاهدات التالية . لقد كانت مشاركة العراقيين في الحرب ضد إيران واضحة فعندما زحفت الحملة الأولى مثلا ساهمت 29 قرية في شهر زور وحدها في القتال ، كما اشتركت قبائل عربية في القتال وتزويد الجيش العثماني بالرجال والمؤن ، فمطلك ابو ريشة شيخ عرب الجزيرة قدم لحملة مراد الرابع عشرة آلاف بعير وهي عبارة عن مؤن وصفها المؤخرون بأنها عظيمة . لم يعقب الانتصار العسكري العثماني أي إصلاح لأوضاع العراق الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة ، وظلت الأمور على ما كانت عليه من الاضطرابات العشائرية والتمردات الانكشارية والأزمات الاقتصادية واستمرار الأطماع الإيرانية ، لذلك أصبح الولاة يفكرون في الاعتماد على قوات محلية لمواجهة تمردات العشائر الانكشارية ، فكلفهم ذلك كثيرا ، واضطر بعضهم في سبيل جمع المال إلى رفع قيمة الضريبة والتلاعب في النقد ، وزادت حالة الفوضى وعدم الاستقرار حتى افراسياب وكان كتابا من كتاب الجند في البصرة استطاع في سنة 1596 أن يشتري حكم البصرة من واليها العثماني ، ويؤسس فيها اسرة حاكمة امتدت إلى سنة 1662 فألقى بذلك على كاهل والي بغداد مهمة استعادتها كما أصبح من واجب باشا بغداد اخماد الحركات العشائرية التي نشبت في شمال العراق وجنوبه . حقا كان العراق في حاجة إلى وال قوي يستقر فيه ليضع خطة معينة لمعالجة مشكلاته وإنقاذه من التدهور الذي أصبح يعانيه خلال النصف الأخير من القرن السابع عشر ، وقد تيسر للعراق مثل هذا الحاكم إذ صادف أن تولى حكم غداد سنة 1704 حسن باشا وكان من الولاة القديرين الذين عملوا في ولايات حلب وأورفه وقونيه وديار بكر قبل تعيينه واليا على بغداد ، وبتعيين حسن باشا يبدأ عهد جديد في تاريخ العراق الحديث ، لما لهذا الوالي من دور واضح في تأسيس أسرة حاكمة في العراق عرفت بحكومة المماليك " الكوله مند " قدر لها أن تصل إلى السلطة في سنة 1749 وتستأثر بالحكم حتى سنة 1831 فكيف تأسست هذه الأسرة الحاكمة وما علاقتها بالدولة العثمانية ؟ أدت الحروب مع إيران ومشكلات العراق العشائرية وتمردات الانكشارية إلى اهتمام حسن باشا الذي حكم العراق بين سنتي 1704 – 1723 وابنه أحمد بعده بتكوين قوة عسكرية جديدة بعد أن فسدت القوات الانكشارية وصارت عبئا على السكان والبلاد ، وقد شكل حسن باشا هذه القوة من المماليك الذين كانوا يجلبون من تفليس والقوقاز ، ونظرا لانحلال قوة الانكشارية لأن هؤلاء المماليك كانوا يربون تربية عسكرية وإدارية فإنهم أصبحوا قادرين على حكم البلاد ، وقد تسلم أحدهم وهو أبو ليلة ولاية بغداد بعد وفاة أحمد باشا بن حسن باشا سنة 1747 . استطاع سليمان ابو ليلة ترسيخ سيطرة المماليك على الحكم في العراق ، وقد ساعده على ذلك أن الأهالي كانوا يرون ان المماليك أقرب إليهم من الأتراك حيث إنهم كانوا يعيشون بينهم ، ولم يكونوا كولاة الأتراك غرباء عن أهل البلاد ، أما عهد خليفته عمر باشا فقد تميز بظاهرتين : الأولى غزو إيران للعراق سنة 1775 – 1776 والثانية وضوح المصالح البريطانية في العراق وقد حاول الباب العالي استغلال هاتين الظاهرتين للتخلص من المماليك ولكن دون جدوى . لقد اشتهر سليمان باشا الكبير بسبب جهوده المضنية في الدفاع عن البصرة ضد العدوان الإيراني حين كان متسلما لها وكذلك لمحاولاته تحقيق الاستقرار والقضاء على تمردات عشائر الجنوب وهجمات الوهابيين التي حدثت خلال سني حكمه الطويلة ، وقد حظي سليمان باشا الكبير بتأييد العراقيين ، وبالنظر لأنه كان مخلصا في الحفاظ على روابط العراق بالدولة العثمانية فقد تخلت الدولة مؤقتا في عهد هذا الوالي عن محاولاتها لإقصاء المماليك عن الحكم ، إلا ان سياسة الباب العالي سرعان ما تغيرت إزاء مماليك العراق بعد وفاة سليما باشا الكبير ويرجع ذلك التغير إلى ارتفاع مكانة العراق الدولية وأثر ذلك في التطورات السياسية في استانبول ، إذ إن سليما باشا الكبير 1808 – 1810 كان على علاقة قوية بالفرنسيين لذلك حظي بدعم السفير الفرنسي في استانبول الجنرال سباستياني عين سفيرا في 2 أيار 1806 ، ومما يلحظ أن النفوذ الفرنسي في الدولة العثمانية قد اقترب من ذروته في |أعقاب صلح أميان بين بريطانيا وفرنسا سنة 1802 وانتصار نابليون على الحلف الأوروبي في معركة اوسترلتز وغيرها لذلك انحاز السلطان العثماني إلى جانب نابليون وعقد معه حلفا ضد انكلترا وروسيا ، ولكن العلاقات تدهورت بعد ذلك بين السلطان محمود الثاني 1808 – 1839 ونابليون بسبب معاهدة نلست التي بدا فيها واضح ان نابليون تخلى عن الشرق الأدنى الغربي لمطامع روسيا ، وقد ادى ذلك إلى عزل الوالي سليمان باشا الصغير سنة 1810 ، وقد استفادت بريطانيا من تلك الظروف ، فبدأت تعمل للقضاء على النفوذ الفرنسي في العراق واتخاذ الإجراءات المناسبة لتقوية نفوذها لذلك عينت في بغداد مقيما جديدا شديد الطموح وهو كلوديوس جيمش ريتش ليخلف المقيم هارفورد جونز برديجس سنة 1808 وكان ريتش على اتصال وثيق بالسفير البريطاني في استانبول ، ويبدو أن هذا السفير بما كان يمثله من أرجحية لدى الباب العالي لعب دورا كبيرا في عزل سليمان باشا الصغير إذ لم يكن من مصلحة الانكليز بقاء باشا موال للفرنسيين في بغداد . لقد أدى خلع سليمان باشا الصغير إلى ظهور الانقسام الشديد بين المماليك أنفسهم ، ولقد استطاع أحدهم وهو داوود باشا من الوصول إلى الحكم بعد سلسلة من الصراعات والمؤامرات ضد منافسيه ، لقد ورث داوود باشا 1817 – 1831 مشكلات كبيرة لعل من أبرزها التمردات العشائرية وتزايد النفوذ البريطاني في العراق كما واجه غزوا فارسيا للعراق بين سنتي 1820 – 1822 وبعد أن تمكن داوود من إخضاع العشائر الثائرة ومنا عشائر بين تميم والدليم وشمر الجرباء انصرف لمعالجة الخطر الإيراني الذي بدأ يقترب من العراق حين أخذ الجيش الإيراني يتحرك من كرمنشاه نحو العراق ، وقد استطاع داوود باشا بالطرق الدبلوماسية عقد معاهدة ارضروم الأولى مع إيران في 28 تموز سنة 1823 والتي أعادت تأكيد الخطوط العامة لمعاهدة زهاب ، وأهم ما تمخضت عنه هذه المعاهدة هو الاحتفاظ بالوضع القائم على الحدود العثمانية – الإيرانية ، وإمساك كل طرف من التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر ، كما تعهدت الحكومة الإيرانية بإعادة جميع ما استولت عليه من قلاع وأراضٍ وقرى ومدن عراقية خلال شهرين . ومما يحلظ أن هذه المعاهدة لم ترسم الحدود بدقة علمية ، ولم تضع طريقة مفصلة لحدود الدولتين ، فكان طبيعيا أن يعود الصراع ثانيا ، وتتجدد قضية الحدود مع إيران وتصبح من المشكلات المعقدة التي واجهها العراق الحديث . واجه داوود باشا نفوذا بريطانيا متزايدا في بغداد أواخر سني حكمه ، فقد اصطدم بالمقيم السياسي البريطاني ريتش الذي كان يعمل لإدخال العراق ضمن منطقة النفوذ البريطانية ، وذلك بعد انفراد بريطانية بالسيادة في الخليج العربي في أعقاب حملتها البحرية على المشيخات العربية في ساحل الصلح ومسقط في سنة 1809 ثم في سنة 1819 وفرضها المعاهدات المعروفة مع البحرين ومسقط والمشيخات المذكورة ، وفوق ذلك فأهمية العراق كعقدة مواصلات بدأت تتضح منذ قيام الفرنسيين بغزو مصر سنة 1798 . لقد سعى المقيم السياسي البريطاني إلى خلق صراع مع الوالي داوود باشا ومن ذلك تحريض الناس ضده ، وعقد صلات وثيقة ببعض التجار والوجهاء وترحيض محمود بابان حاكم السليمانية على الانفصال ، وسرعان ما تطورت الأمور إلى صراع مسلح وحصار للمقيمية البريطانية بعد ان قرر داوود باشا زيادة نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على البضائع الانكليزية من 3 % إلى 11 % فاعتراض ريتش على هذا الإجراء الذي يتنافى مع ما قررته معاهدات الامتيازات التي عقدتها الدولة العثمانية مع الدولة العثمانية مع الدول الأوربية . اضطر داوود باشا إلى طرد ريتش من بغداد ، لكن ردود الفعل البريطانية على ذلك كانت قوية إذ أوقفت الحكومية البريطانية التجارة مع العراق مما كبده خسائر فادحة قد كانت التجارة الهندية البريطانية أهم ممول لخزانة بغداد ، وإزاء ذلك تراجع داوود باشا ووقع على اتفاقية وصفها المؤرخون بأنها أكدت نفوذ الانكليز في العراق وحافظت على امتيازاتهم الاقتصادية ، وتنص تلك الاتفاقية على التزام باشا بغداد بكل الفرمانات والاتفاقيات المعقودة بين بريطانيا والدولة العثمانية وتحديد الرسوم الجمركية ب3 % فقط . وعدم فرض أية رسوم جديدة ، كما وطد داوود باشا علاقته بالمقيم السياسي البريطاني الجديد المستر تايلور ومما ساعد على هذا التقارب التفرق البريطاني على فرنسا في ميدان التنافس الدولي في مجال خطوط المواصلات العالمية وعناية الانكليز ، بشكل خاص ، بطريق العراق وظهور فكرة شق قناة مائية بين دجلة والفرات لربط النهرين واستخدامها في الملاحة التجارية ، ولكن الظروف لم تسمح لداوود باشا في تنفيذ هذا المشروع بالتعاون مع الانكليز إذ عن السلطان محمود الثاني قرر القضاء على حكم المماليك في العراق ضمن إطار سياسته المركزية القائمة على إعادة الحكم المباشر إلى ولايات الدولة العثمانية ، وقد تحقق ذلك في 14 أيلول 1831 وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث . المحاضرة الثانية والعشرون :
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
|