انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة السادسة عشرة : القوات الانكشارية

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 2
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       01/02/2015 06:28:21
أما النوع الثاني من القوت التي اعتمد عليها العثمانيون في إدارة عملياتهم التوسعية فهي القوات الانكشارية ، وقد ظهرت الحاجة إلى هذا النوع من القوات بعد ان فقدت القوات الإقطاعية أهميتها وصار من الصعب جدا الاعتماد عليها في أماكن بعيدة عن مواضع إقطاعاتها ومما ساعد العثمانيين على إنشاء الجيش الجديد " يني جرى ) ثم طور بعدئذ يكون الانكشارية ، تلك الاعداد الكبيرة من الأسرى المسيحيين الذين حصلوا عليها خلال عمليات توسعهم في أوربا ، فقد كانت العادة المتبعة هي تخصيص خمس الأسرى للدولة وتحويلهم إلى جنود يعملون في بناء الإمبراطورية .
اختلف المؤرخون في تحديد الزمن الذي ظهرت فيه فرق الانكشارية ونكاد نلتمس آثار نظريتين في هذا المجال ترجع أولاهما ذلك إلى زمن أورخان 1326 – 1359 وتشير إلى عهد مراد الأول 1359 – 1389 ومهما تعددت الآراء في هذا المجال يمكن القول بأن أورخان هو صاحب فكرة تأسيس الجيش الانكشاري بينما كان مراد الأول هو الذي وضع أسسه الراسخة وتنظيماته المعقدة القائمة على الطاعة المطلقة والانقياد التام للسلطان ، بحيث لم يكن من الممكن ظهور مثل تلك القوة التي تعد من أبرز ما تميزت به الدولة العثمانية عسكريا مرة واحدة وبمثل تلك الفترة الزمنية القصيرة .
لم يكن للجيش الانكشاري في القرن الرابع عشر تلك الاهمية التي أصبحت له فيما بعد ويعتقد كيبونز بأن العامل الديني كان وراء إنشاء هذا الجيش إذ إن مسيحيي البلقان لم يعيشون مثل مسيحيي الأناضول قرونا طويلة إلى جوار المسلمين لهذا فقد ابتكر السلاطين العثمانيون طريقة جديدة لإدخالهم في الدين الإسلامي وهي الطريقة التي تنص على اعتبارهم احرارا فيما إذا اعتنقوا الإسلام ، ولكن هذه الطريقة لم تكن تطبق إلا في حدود ضيقة ، لهذا جاءت نتائجها محدودة ، ومن هنا ظهرت الضرورة لتأسيس الجيش الانكشاري .
أما امتداد الدولة العثمانية في مناطق واسعة فقد أوجد لها التزامات جديدة ، وترتب على ذلك ضرورة إيجاد قوات إضافية لإقرار الأمن وتثبيت الإدارة في هذه المناطق ، ولهذا فقد طبق العثمانيون في الفترة بين 1430 – 1438 في عهد السلطان مراد الثاني 1421 – 1451 قانون التجنيد المسمى الدوشرمة أي انتزاع الأطفال المسيحيين من أهلهم في مناطق الروم أيلي وفصلهم عن كل ما يذكرهم بآبائهم وأصلهم ودينهم وجيرانهم وتنشئتهم نشأة إسلامية وحملهم بعد ذلك على الانخراط في فرق الانكشارية أو في الخدمة داخل القصور السلطانية .
كانت الدولة ترسل كل خمس سنوات لجانا تطوف الروم ايلي لانتقاء الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين سن السابعة وسن العاشرة ، وفي العاصمة استانبول يتحول الأولاد إلى الإسلام وتجري لهم جراحة الختان ويتلقون دراسات في اللغة التركية والتاريخ الإسلامي العام والتاريخ العثماني ، والنظم العثمانية وما إلى ذلك وفق منهج يستهدف محو كل اثر من آثار أصولهم وعواطفهم المسيحية الأولى ، فينشئون على التمسك بالدين الإسلامي والتعلق بالدولة العثمانية ، وكانوا يتلقون تربية عسكرية صارمة ، ثم يقسمون إلى ثلاث مجموعات حسب لياقتهم البدنية وقدراتهم العقلية ، إذ تعد المجموعة الأولى للعمل في وظائف الغلمان في القصور السلطانية وكانوا في العادة أجمل الأولاد شكلا ، ويطلق عليهم " أيج أو غلان " أي غلمان البلاط ، أما المجموعة الثاني فتعد لشغل الوظائف المدنية الكبرى في الدولة ، وقد يصل بعضهم إلى منصب الصدارة العظمى ويطلق عليهم مصطلح " أوج أو غلان " وينصرف أفراد المجموعة الثالثة وهي اكبر المجموعات للدخول في السلك العسكرية ضمن فيلق الانكشارية .
وقع الجيش الانكشاري تحت تأثير الطريقة البكتاشية ، وهي طريقة صوفية باطنية شاعت بين قبائل الأناضول منذ منتصف القرن الثالث عشر وأصبحت هاك علاقة وثيقة بين الانكشارية والبكتاشية ويقال إن حاجي بكتاش الذي تنتسب إليه البكتاشية وكان يسكن في قرية بالقرب من أماسيه التي تبعد عن أنقرة 180 كم ، بارك الجيش الانكشاري بوضع يده على رأس أحدهم بحيث غطى رأسه بكمه مخاطبا السلطان أورخان : فليكن اسم الجند الذي أنشأته حديثا ينى جرى ، وإني أدعو للجيش الجديد بياض الوجه وقوه الذراع ونفاذ السيوف ، وتسديد السهام ، وليكن طالعهم في الحرب ميمونا ، ونهاية قتالهم النصر .
وارتباطا بهذه المناسبة أصبحت قلانس الانكشارية بيضاء وشبيهة بقلنسوة حاجي بكتاش ، وجعلت لها أشرطة متدلية تقليدا لكمه الذي تدلى على رأس زميلهم ، ورغم أن هذه الرواية اسطورية ذلك أن حاجي بكتاش قد توفي قبل قرنا من مجرد التفكير في إنشاء الانكشارية ، فإنهم اتخذوه حاميا ورمزا لهم وأصبحوا يسمون انفسهم باولاد الحاج بكتاش وكان لإرشادهم في كل كتيبة عسكرية شيخ بكتاشي يسمى " بابا " يسكن مع الجنود شاهرا سيفه ، ومن هنا أصبح كل نصر يناله الانكشارية يعزى إلى ذلك الشيخ وبركاته ، وليس من شك في أن هذا الارتبطا ساعد إلى حد كبير على تقوية سمعة الجيش الانكشاري الذي أًبح في نهاية القرن الخامس عشر القوة العسكرية الضاربة للدولة العثمانية .
اعتاد السلاطين العثمانيون بعد احتلالهم الاقاليم تثبيت حامية من الانكشارية في مركز كل ولاية على ان تكون تلك الحامية دائمة وقد ترد من العاصمة أحيانا قوات انكشارية جديدة لتحل محل الفرق القديمة ، وتكلف القوات الانكشارية كذلك سواء في العاصمة أو في الولايات بوظيفة حماية الأمن وجمع الضرائب ـ وكان " أغا " الانكشارية وهو بمثابة القائد العام للحماية العسكرية العثمانية في الولاية عضوا في ديوان الولاية ، وسلطة الوالي عليه محدودة ، ويعد اوجاق الانكشارية من أقوى الأوجاقات وأكثرها عددا في الولاية ، وقد عرف أوجاق الانكشارية بأنه أوجاق السلطان ، ومهمته مساعدة الوالي في تنفيذ أوامر السلطان ، والى جانب الحامية الانكشارية هناك الساهيون ، ويحق للوالي كذلك تشكيل فرق محلية من الأهالي .
أخذ الجيش الانكشاري بالتدهور منذ عهد السلطان مراد الثالث 1574 – 1596 ، حين سمح في سنة 1582 بدخول عدد كبير من المجندين غير المدربين في صفوفهم ، بارغم من معارضة أغا الانكشارية ويبدو أن مراد الثالث كان راغبا في إفساد تنظيم الانكشارية بعد ان أصبحوا يلجأون إلى استخدام القوة للتدخل في شؤون الحكم والحصول على المكاسب المادية ، كما استفادوا من ظروف الصراع الذين كان ينشب بين أبناء السلاطين المتنازعين على العرش ليفرضوا نفوذهم على السلطان ، يضاف إلى ذلك أنهم غادروا ثكناتهم ونزلوا إلى المجتمع وتزوجوا ، وصار الكثير منهم يشتغل بألوان النشاط التجاري والصناعي فارتبطوا بالمجتمع ضعف ارتباطهم بالدولة وقل ولاؤهم فنشأت منهم طبقة خاصة .
لقد لعب الانكشاريون دورا خطيرا في تاريخ الولايات العثمانية ومنها العربية ، إذ ساهموا في الفتن الداخلية وكثيرا ما نشب القتال بينهم وبين القوات المحلية ، وأصبحت كتائبهم تثير الفوضى وتلح في طلب الهبات السخية والأرزاق الوفيرة ، وقد قاسى الأهالي منهم الكثير من العنف وضجوا بالكوى من تعدياتهم وتزايدت اعباؤهم المالية حتى إنهم كانوا يبيعون تذاكر رواتبهم وتسمى " علوفات " وصارت هذه التذاكر تنقل بالوراثة ، فكان أن دخل الجيش الانكشارية من لا يتقن صنعة الجندية على الاطلاق ، ففي أوائل القرن السادس عشر لم يكن عدد الانكشارية يزيد على خمسة عشر ألف جندي ، بينما ارتفع العدد ثلاث مرات في القرن السابع عشر .
حاول بعض الولاة الاعتماد على القوات المحلية إلا ان الانكشارية ناصبوا تلك القوات العداء لأنها تهدد امتيازاتهم وكان ذلك سببا في وقوع بعض الحوادث الدامية في معظم مدن الدولة العثمانية ، وتاريخ العراق والشام ومصر على سبيل المثال مليء بحوادثهم وظلمهم ورغبة الناس في التخلص منهم ، ولقد كثرت مشاكلهم منذ نهاية القرن السابع عشر ، فقد حاول بعض الولاة التخلص منهم ووضع حد لهم وانقاذ البلاد من شرورهم واستطاع بعضهم تأسيس عصبيات حاكمة كما حدث في بغداد والموصل وطرابلس وتونس كما عن بعض القوى المحلية استأثرت بالحكم ومن هؤلاء آل معن في لبنان وآل ظاهر العمر في فلسطين ، وآل الجليلي في الموصل .
أما في العاصمة استانبول فقد أصبح الانكشاريون يثيرون الفتن والمتاعب للسلاطين ، فتحولوا إلى أداة هزيمة وتخريب واستمرت تمرداتهم خلال القرن الثامن عشر ، وكان أخطرها تلك التي حدثت في عهد السلطان أحمد الثالث 1703 – 1730 حين تمكن الانكشارية في الثامن والعشرين من أيلول 1703 من السيطرة على العاصمة وخلع السلطان وإعدام الصدر الأعظم واثنين من معاونيه .
إن التدخل في شؤون الحكم جعل الجيش الانكشاري بعيدا عن ممارسة مهامه الرئيسة في حفظ حدود البلاد وحمايتها من الأخطار المحدقة بها وفي الوقت الذي كان فيه الانكشارية يعبثون بمقدرات السلاطين لحقت بالدولة العثمانية في المجال الخارجي طوال القرن الثامن عشر هزائم خطيرة أمم الدول الأوربية مما أدى إلى ظهور اتجاه جديد في الدولة يدعو إلى إيقاف التدهور ، وهو الاتجاه المعروف بحركة الإصلاحات والتنظيمات العثمانية ولقد كان من الطبيعي أن يستهدف الإصلاح في المقام الأول التخلص من الجيش الانكشاري وإنشاء جيش جديد يحل محله ، ولم يحقق ذلك إلا في عهد السلطان محمود الثاني 1808 – 1839 .


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .