قيام الحكم الملكي وتأسيس الدولة العراقية الحديثة
مؤتمر القاهرة وترشيح فيصل ابن الحسين للعرش العراقي
شغلت بريطانيا الراي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد عرضت أسماء عدد من المرشحين , وكان هؤلاء عربا او مسلمين وذوي الارتباطات مع بريطانيا , ويتفاوتون في مراكزهم وإمكانياتهم , فعبد الرحمن النقيب له انصار في بغداد لكنه طاعنا في السن , وعبد الهادي العمري , وهو من اسرة موصلية معروفة وله شعبية في الموصل . وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة , وله علاقات واسعة مع الامراء العرب في المحمرة والكويت ونجد , وكان طموحا يسعى قبل الحرب العالمية الأولى لإقامة إمارة عربية في جنوب العراق على غرار الإمارات المجاورة , وفيصل بن الشريف حسين ملك سوريا المخلوع , واخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في (8آذار 1920) ليكون ملكا على العراق , والشيخ خزعل امير المحمرة الذي كانت له علاقات واسعة مع جنوب العراق واحد انجال ابن سعود امير نجد ,والامير التركي برهان الدين ابن اخر سلاطين الدولة العثمانية وترددت أسماء أخرى منها احد أمراء الأسرة المالكة في مصر .
وظهر تيار يدعوا الى اقامة نظام جمهوري في العراق , يسنده جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع ان يجمع حوله بعض الشخصيات البارزة في العراق امثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل وعبد المجيد الشاوي ويذكر فيلبي ان الشعور العام في العراق كان يوم ذاك ميلا بصورة (جازمة ) إلى الجمهورية وضد الملكية .
ويلاحظ إن أيا من دعاة الجمهورية لم ينشر له راي في الصحافة , وانما نشرت الصحافة ردودا على فكرة الجمهورية , ذلك لان سلطات الانتداب قاومت الدعوة الى الجمهورية ولم تفسح لها المجال التعبير عن نفسها , بزعم ان النظام الجمهوري يحتاج الى (شعب متقدم) وان اقامة نظام ملكي فيه محاكاة للنظام البريطاني .
كانت بريطانيا ترى في الشخص الذي ترشحه لعرش العراق هو من يفتقر الى القوة الحقيقية , ويعتمد في بقائه على الحكومة البريطانية , وعلى هذا اعتقدت بريطانيا ان الامير فيصل , حليف بريطانيا خلال الحرب , والذي خسر العرش في سوريا , اصبح مستعدا لان يقبل اي شيئ يعرض عليه , وكانت (المس بيل) , سكرتيرة المندوب السامي قد كتبت تقول :((اني على اقتناع تام بانه ليس هنالك غير حل عملي واحد . وهو ترشيح احد انجاد الشريف , واختياري الاول منهم الملك فيصيل )).
قوبلت فكرة تاييد المرشح الهاشمي بالتاييد والمؤازرة في لندن , وانتدب اللورد كيرزن , وزير الخارجية في , (17 كانون الاول 1920) كينهان كونرايس , ان يزور الملك فيصل الموجود انذاك في لندن لعرض العرش العراقي عليه . قد تمت المقابلة في حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة (17 / 8 ) , فتحفظ فيصل في بداية الامر لان عرش العراق يعود لاخيه عبد الله الذي انتخبه المؤتمر العراقي المنعقد في دمشق في آذار سنة 1920 , فطلب كيرزن من الكولونيل لورنس الاتصال بالامير عبد الاله واقناعه بالتنازل عن المطالبة بعرش العراق , وقد اعلن لورنس بعد ذلك بان عبد الله لا يوثير اعتراظات خطيرة على مشروع احلال اخيه على العرش .
بدات المفاوضات من جديد مع الامير فيصل وفي إثنائها شكلت دائرة جديدة خاصة بشؤن الشرق الاوسط , وذلك في اوائل ربيع 1921 , على اثر نقل تشرشل من وزارة الحربية الى وزارة المستعمرات لهذا الغرض , وعين لورنسا مستشارا خاصا له في الشؤن العربية , وتكللت المفاوضات مع الامير فيصل بالنجاح . وتضمن الاتفاق الامور الاتية :
1. تعترف الحكومة البريطانية باستقلال المملكة العراقية , وتتعهد بالغاء الانتداب ومساعدة العراقيين في تاسيس حكومة وطنية وطيدة .
2. تعقد معاهدة ولاء وتحالف بين الحكومتين البريطانية والعراقية تحصل فيها الحكومة البريطانية على بعض المزايا الأقتصادية وتنص على أستخدام مستشارين ومختصين بريطانيين لمساعدة الموظفين العراقيين .
وبعد الاتفاق سعت بريطانيا الى عقد مؤتمر في القاهرة في (12 آذار 1921) وكانت القضايا التي نظر فيها المؤتمر فيما يختص بالعراق هي التخفيض العاجل في النفقات البريطانية مع ما يترتب على ذلك من أعادة النظر بالسياسة المختصة بما يلي :
1. مستقبل العلاقات بين الدولة الجديدة وبريطانيا .
2. المصادقة على ترشيح فيصل لعرش العراق و ورسم الخطة التي تتبع لتنصيبه للعرش .
وكان تشرشل مقتنعا بان فيصل هو المؤهل لعرش العراق وان تنصيبه ملكا سيزيد من تسليط الحكومة البريطانية عليه وعلى أبيه ملك الحجاز وبخاصة بعد تجربته الفاشلة في سوريا ولهذا سيعتمد على المشورة والمعونة البريطانيين للملكة الجديدة , يضاف الى ذلك ان ترشيح فيصل سيكون بدرجة ما من قبيل البرد بالوعود التي اعطيت خلال الحرب الى العرب عامة , والشريف خاصة , وان ترشيحه سيكون محل ترحيب القوميين العرب لاشتغاله من اجل القضية العربية , وقيادته لقوات الثورة العربية , وانتخابه اول ملك عربي في الشام في التاريخ الحديث , لهذا صادق المؤتمر على ترشيحه .