الحركة الوطنية والثورة العربية الكبرى 1920
سبقت الاشارة ان الشعب العراقي كان مدركا للسياسة البريطانية التي تريد النيل من كرامة العراق لذلك أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار السيطرة البريطانية المباشرة , وعدم تنفيذ الوعود التي أعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال ورموزه بغية الحصول على الاستقلال التام , وساعدت الأوضاع العربية آنذاك العراقيين على تصعيد مقاومتهم للاحتلال , فقد انتفضت مصر كلها تقريبا , وكلفت البريطانيين الخسائر الكثيرة , ويقول العمري ان للثورة المصرية أثرا كبير في تشجيع العراقيين على الثورة ضد البريطانيين , وان إطلاع العراقيين على انتصارات المصريين على البريطانيين قوى عزائمهم فاخذوا يستخفون بالانكليز وبمقدمتهم الحربية , وانتعشت الروح الوطنية انتعاشا هائلا .
إما قيام الحكومة العربية في دمشق (1918-1920) , وانتخاب فيصل بن الحسين ملكا دستوريا مستقلا في (6أذار 1920) فقد شجع العراقيين الموجدين في دمشق على عقد مؤتمر عراقي في (8 آذار) والمناداة بالأمير عبد الله ملكا على العراق . ويبدو ان إن الموظفين في الحكومة العربية في الشام استفادوا من مراكزهم المهمة في تلك الحكومة فاخذوا يعملون على إدارة الحركات الوطنية الرامية لإنقاذ أجزاء من وطنها من أيدي السلطات البريطانية التي كانت تسيطر على العراق حينذاك . كما انتشرت الشائعات بين العراقيين بأن الدولة العربية في الشام قد أصبحت قوية , وان رجالها ,وفي مقدمتهم الملك فيصل , قد عزموا على تحرير العراق من الاستعباد البريطاني , وكان لهذه الشائعات أثرها في دفع المواطنين إلى التحفز للثورة ضد الاحتلال .
وبدلا من إن تستجيب بريطانيا للمطالب الشعبية بتقرير المصير , سارعت هي وحلفائها إلى الاجتماع في سان ريمو في ايطاليا في (25نيسان 1920) ووزعوا الانتدابات على الممتلكات الأسيوية التي انسلخت عن الإمبراطورية العثمانية , فانيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الأردن ببريطانيا , وانتداب سورية ولبنان بفرنسا , وقد جاء توزيع الانتدابات حسبما اتفق عليه الحلفاء سابقا في معاهدات واتفاقيات سرية اثناء الحرب واهما اتفاقية سايكس – بيكو في (16مايس 1916) , فضلا عن الظروف التي فرضتها نتائج الحرب .
تضمنت لائحة الانتداب على العراق جملة أمور منها :
1. تضع بريطانيا في اقرب وقت , لايتجاوز ثلاث سنين من تاريخ تنفذ الانتداب , قانونا أساسيا للعراق (دستورا) يعرض على مجلس العصبة للمصادقة ويسن هذا القانون . بمشورة الحكومة الوطنية ويبين حقوق الأهالي الساكنين ضمن البلاد ومنافعهم ورغائبهم ويحتوي على مواد تسهل تدرج العراق وترقيه . كدولة مستقلة , وتجري إدارة العراق , قبل صدور القانون الأساسي طبقا لروح الانتداب .
2. يحق لبريطانيا الاحتفاظ بقوة عسكرية في العراق لأجل الدفاع عنه , مع تأليف جيش محلي بإشراف بريطانيا هدفه العمل لإقرار الأمن الداخلي والدفاع عن البلاد , ويحق لبريطانيا في كل وقت استعمال الطرق والسكك الحديد والموانئ العراقية , لتحريك القوات المسلحة ونقل الوقود والأرزاق .
3. تقوم بريطانيا بإدارة علائق العراق الخارجية , ولها الحق بفرض الحماية السياسية والقنصلية على رعايا العراق في البلدان الأجنبية .
4. تعهد بريطانيا بالمحافظة غلى وحدة الأراضي العراقية , فلا تتنازل عنها ولا تؤجرها ولا تضعها تحت سلطة دولة أجنبية .
أذيع خبر الانتداب البريطاني على العراق في بغداد يوم (3 أيار 1920) ببيان أصدره ارنولد ولسن , وكيل المندوب السامي , فاعلن الشعب معارضته واستنكاره ورفضه لكل انتداب او وصاية او حماية , خاصة وان كلمة انتداب لفضة بغيضة غير مألوفة في نظر الجمهور .
وتوتر الجو السياسي في العراق , وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية , وقرروا اتخاذ التدابير لحشد الجماهير الشعبية وراء الأهداف الوطنية الكبرى للحصول على الاستقلال التام , وشكلوا هيئة من خمسة عشر زعيما لعرض المطالب الوطنية . وعقدت الاجتماعات المعروفة بـ (المواليد) في شهر رمضان المبتدى في (16 ايار) اشترك فيها الخطباء والمثقفين , فتحولت الى مهرجانات شعبية تطالب بالاستقلال وتندد بالانتداب , فقوبلت تلك الاجتماعات بسياسة الشدة من قبل السلطات البريطانية بما فيها اطلاق النار والسيارات المسلحة لتفريق التجمعات البريطانية وقد حدثت مضاهرة جماهيرية واسعة في يوم (2 حزيران) عندما قابل ممثلو الحركة الوطنية وكيل الحاكم الملكي وطالبوا باجابة المطاليب آلاتية
:-
1. إنشاء مجلس تأسيسي (جمعية وطنية) تضع الدستور وتقرر شكل الحكم .
2. إطلاق حرية الصحافة .
أصدرت الحكومة البريطانية بلاغا في (20 حزيران) ردا على المطاليب , موضحا شروط (وكالة حكومة بريطانيا على العراق) التي سبقت الإشارة إليها , وزعم البلاغ إن بريطانيا ستمهد مسالك الرقي للعراق بصفة حكومة مستقلة تتمكن من الوقوف بنفسها , وحينئذ تنهي الوكالة , ولتحقيق هذا الهدف , كلفت الحكومة البريطانية السير بيرسي كوكس بتنفيذ المهمة , وسيعود إلى بغداد في الخريف , ويصبح الممثل الأعلى للحكومة البريطانية في العراق بعد انتهاء (الإدارة العسكرية ) وسيخول السير بيرسي كوكس صلاحية تنظيم مؤقت لـ :
1. مجلس شورى تحت رئاسة عربي .
2. مؤتمر عراقي يمثل أهالي العراق ينتخب أعضاؤه باختيارهم ويكون واجبه الأول اعداد القانون الاساس . كان ارنولد ولسن يأمل من هذا البيان وقف وقف نشاط الحركة الوطنية , لكن بيانه لم يحقق اغراضه , لان روح الثورة اصبحت منتشرة في مناطق العراق المختلفة . ووضعت الخطط لها , وعقدت الاجتماعات في بغداد وكربلاء والنجف وغيرها , واخذ الموظفون يستقيلون من خدمة الحكومة واحدا بعد الاخر , وانتفض الفلاحون ولم يدفعوا الضرائب الى سلطات الاحتلال التي بدات باعتقال شيوخ القبائل وهكذا ظهرت امارات السخط على المستعمرين في كل مكان وواصبح الوضع لا يعوزه غير الشرارة لاشعال نار الثورة .
وكان القشة التي قصمت ظهر البعير اعتقال (الشيخ شعلان ابو الجون) شيخ قبيلة الضوالم , في (30 حزيران) في الرميثة , فهاجم رجاله سرى الحكومة وقتلوا بريطانيين وانقذوا شيخهم , فكانت تلك الرصاصات ايذاناً باعلان الثورة في العراق , تلك الثورة التي كان الفلاحون وقودها , وكانت اسلحتهم بدائية وقديمة البنادق فقط , مع وجود اغلبية منهم دون سلاح . اما القوات البريطانية في العراق , فكانت بقيادة السر ايلمر هالدين Haldane , وتضم (133) الف جندي منهم (4200) بريطاني والباقي من جنسيات مختلفة اغلبهم من الهنود , وكانت هذه القوات مدربة تدريبا جيدا ولديها اسلحة متطورة بما فيها المدافع والطائرات .
امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة , فاعلنت الثورة في النجف يوم (2 تموز) ورفع علم الثورة العربية على سراي الحكومة , وأسرع الناس الى الجهاد في سبيل الله والوطن وتمكن الثوار في الرميثة من قطع السكة الحديد , ومقاتلة القوات البريطانية التي زحفت نحو الرميثة , وحاصروها حصارا شديدا على الرغم من قصف الطائرات البريطانية مما اضطر القوات البريطانية الى التراجع نحو الحلة , وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة , واجبرت الحامية البريطانية على الانسحاب الى الديوانية , وقدت شجعت هذه الانتصارات مناطق العراق الأخرى لاعلان الثورة , وتمكن الثوار من احراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرستمية) عندما هاجموا قوة بريطانية كبيرة مجهزة بالاسلحة الحديثة عند قناة الرستمية قرب الكفل يوم (24 تموز) فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو بعد ان فقدت (318) جنديا , وغنم الثوار (40) رشاشا ومدفعا واحدا