المحاضرة الثانية : علاقات العراق مع الخليج العربي إلى عام 1958 :
عاودت فكرة الاتحاد بين العراق والكويت في الخمسينات من القرن العشرين ، فعلى أثر ازدهار الكويت وتدفق الثروة من نفطها ظهرت فكرة التعاون بين العراق والكويت من قبل العراق في المشاريع الاقتصادية والعمرانية باعتبار ذلك واجبا قوميا للعراق ، ولعل ذلك مما أدى إلى إثارة شكوك حكام الكويت إزاء نوايا العراق ، وعلى أية حال استمرت العلاقة ودية بينهما ، وتأكدت بزيارة الشيخ عبد الله السالم إلى العراق وقيام الأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق بزيارة الكويت ثم ظهرت دعوة نوري السعيد لضم الكويت لحلف بغداد عام 1955 .
في منتصف الخمسينات ( شباط 1955 ) حاولت حكومة نوري السعيد ضم البحرين إلى حلف بغداد ، لكن الحركة الوطنية في البحرين رفضته ، فرفضت الحكومة البحرانية بدعم من الحكومة المصرية ذلك المشروع الاستعماري وقاومته مما اضطر حكومة البحرين إلى عدم الانضمام إلى الحلف المذكور .
كما حثت بريطانيا سلطان مسقط لزيارة الوطن لاقناعه بالانضمام إلى حلف بغداد .
لما وصل المستر سلوين لويد إلى بغداد في التاسع من آذار 1956 لحضور الاجتماع الاستشاري المجلس الدائم لميثاق بغداد ، فاتحه نوري السعيد بوجوب إعلان استقلال ( إمارة الكويت ) لضمها إلى حلف عربي يقوم بين المملكتين الهاشميتين العراقية والاردنية في اول فرصة ، فلما عاد لويد إلى لندن عرض الامر على مجلس الوزراء البريطاني فخوله هذا مفاوضة الحكومة العراقية لتحديد الحدود بين الكويت والعراق أولا : ومن ثم تمنح بريطانية الكويت استقلالها المنشود ، على ان يترك لها حرية الانضمام إلى الاتحاد المزمع إنشاؤه بين العراق والاردن ولاجل أن يضع العراق بريطانيا تجاه الأمر الواقع ، اوفد توفيق السويدي نائب رئيس الوزارة العراقية إلى شتورة بلبنان في نيسان 1957 – حيث يصطاف امير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح – ودخل في مفاوضات سرية طويلة وهامة مع الأمير حول ضرورة دخول الكويت في الاتحاد المرتقب على ان لا يمس الوضعين المشيخي والداخلي لإمارة الكويت ، فكان رد الامير انه لا يملك حرية التصرف في أمور خطيرة كهذه بلمحة بصر ، وانه لا بد من استشارة بيت الامارة في الموضوع
ولما تم الاتحاد بين العراق والادرن في 14 شباط 1958 (( اقترح السفير البريطاني على نوري السعيد ان يتحمل العراق المعونة المالية السنوية التي كانت بريطانية تقدمها إلى الاردن )) وكانت عقيدة القائمين عليه أن الاتحاد لا يمكن ان ينجح ويدوم ، ما لم تنضم الكويت اليه فتدعمه بإمكانياتها المالية الجسيمة ، ولاسيما في ناحيتي الدفاع والخارجية ، وعلى هذا عمل رئيس الوزراء نوري السعيد على اقناع أمير الكويت على زيارة العراق زيارة رسمي ، للوقوف على مشروعاته العمرانية الحديثة ، ونهضته المرموقة فتوجه الأمير إلى بغداد في العاشر من آيار 1958 واستقبل استقبال الملوك ولما فاتحه نوري السعيد بامر انضمام الكويت إلى الاتحاد العربي أجاب هذا : لا بد من الاتصال بالانكليز واستطلاع رأيهم في الموضوع قبل كل شيء ، فقابله عبد الوهاب مرجان رئيس مجلس النواب السفير البريطاني في بغداد ، بإيعاز من نوري السعيد وعرض على مسامعه الموضوع عرضا مفصلا وألمح إلى وجوب منح الكويت استقلاله ليتسنى دعوتها للالتحاق بالاتحاد العربي كعضو مساوٍ إلى الأعضاء الآخرين فقال السفير أنه سيتصل بحكومته البريطانية ويوافي الحكومة العراقية بالنتيجة ، وقد تكونت لدى المسؤولين العراقيين قناعة تامة بأن بريطانيا كانت تضع العراقيل في سبيل ذلك الهدف ، الامر الذي نجم عنه بعض الجفاء ، بل التوتر في العلاقات بين بغداد ولندن وجعل العراقيين يضاعفون وضغطهم على بريطانيا وتحميلها مسؤولية ما ينتج .
وكان في نية الامير الكويتي مغادرة العراق إلى دمشق ، والقاهرة في السابع من آيار فأعرب له نوري السعيد عن رغبته في ان لا يزور هذين البلدين العربيين في الوقت الحاضر ، فلم يقر الأمير هذه الرغبة لأنه كان حذرا ومتيقظا وسافر إليهما فعلا ، فأعدت الوزارة مذكرة خطيرة حول ضرورة دخول الكويت في الاتحاد العربي بين العراق والأردن في ضوء المفاوضات التي جرت بين الشيخ عبد الله السالم الصباح أمير الكويت ، والحكومة العراقية من جهة وبينهما وبين الحكومة البريطانية من جهة أخرى ، وقد اشترك في إعداد هذه المذكرة موظفون مختصون في وزارتي الدفاع والخارجية ودعموها بجميع الحجج والوثائق والمعلومات التي تقنع الخاص والعام بسلامة هذا التدبير ، وكان من المقرر نشر هذه المذكرة في الثاني عشر من تموز 1958 ، ولكن السفير البريطاني زار توفيق السويدي مقر خارجية الاتحاد في داره يوم 11 تموز ، وأخبره ان الحكومة البريطانية توافق على دخول الكويت في الاتحاد العربي بعد حصوله على الاستقلال ، وان جميع التفصيلات ستبحث في لندن يوم 24 تموز 1958 بين رئيس حكومة الاتحاد ، ووزارة خارجية انكلترا ، وطلب تأجيل نشر المذكرة إلا ان قيام ثورة 14 تموز من هذه السنة جعل ضم الكويت إلى الاتحاد العربي خبرا من أخبار التاريخ .
وعند قيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن عام 1958 اتجه العراق إلى بريطانيا ليطلب منح الكويت استقلالها لتدخل الاتحاد الهاشمي عضوا مساويا لعضوية الآخرين ، وكان سبب تحمس السعيد نحو هذا الموضوع . فلم تلبث أن تجددت محاولة اخرى لضم الكويت إلى الاتحاد الهاشمي الذي كان مقترحا بين العراق والأردن في عام 1958 ومن المؤكد ان نوري السعيد رئيس وزراء العراق كان متحمسا لضم الكويت إلى الاتحاد ، وكان يدفعه إلى ذلك عاملان رئيسان ، أولهما : تقديره أهمية انضمام الكويت وشيوخها لا يرتبطون بصلة إلى الاسرة الهاشمية ، مما يجعل فكرة الاتحاد اكثر تقبلا في المنطقة العربية ، وخاصة بعد أن أبدت بعض الدول العربية شكوكها من قيام هذا الاتحاد ، والعامل الثاني إدراك نوري السعيد لأهمية ثروة الكويت في ازدهار الاتحاد ، ولم تتح الظروف فرصة لاخراج الاتحاد الهاشمي إلى حيز الوجود نتيجة قيام ثورة تموز في العراق في عام 1958 ، ومن ناحية أخرى ان العراق جدد محاولته ضم الكويت لم يلبث ان اصطدم بمعارضة بريطانية صريحة إذ تركز السياسة البريطانية في علاقتها بالكويت على حمايتها من جيرانها حرص على مركزها كقاعدة هامة من قلاع الاسترليني في منطقة الشرق الاوسط ، فضلا عن مصالح النفط البريطانية في الكويت ، ولعل ذلك ما جعل نوري السعيد أكد اعتمادا على الولايات المتحدة الامريكية التي أمل ان يجد منها تأييدا لمشروعاته .
وعلى أي حال فقد أثار موضوع انضمام الكويت إلى الاتحاد الهاشمي مجادلات عنيفة بين نوري السعيد والحكومة البريطانية مما جعل العراق يصر على ضرورة استقلال الكويت ، ولعل ذلك مما دفع بفكرة الاستقلال قدما في الكويت ، مع ذلك فإن هذه المحاولات التي أثارها العراق لم يكن لها أثر في الاتصالات الدبلوماسية مع بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية اقتصرت بخصوص العراق على خطب ود الكويت وقامت إذاعة بغداد بدور ملموس في ذلك ، هو الرغبة في مشاركة الكويت لتحمل جزء من الأعباء المالية التي سيتحملها العراق بعد إيقاف المساعدات للعراق وقد لاقت هذه الدعوة معارضة من بريطانيا فساد العلاقات العراقية البريطانية نوع من الفتور وبقيت المسألة معلقة حتى قيام ثورة تموز عام 1958 . وبذلك تكون بريطانيا قد ساهمت منذ احتلالها العراق وحتى عام 1958 من خلق الكثير من المتاعب والركود والتوتر في علاقات العراق مع الخليج العربي بصورة عامة والكويت بصورة خاصة ، وإظهار العراق من سيطرة الدولة التوسعية التي لها أطماع في ارض وخيرات المنطقة ، وساهمت السياسة الخاطئة لبعض رجالات العهد الملكي في تعزيز هذا الاعتقاد .
وبالرغم من كل ذلك فإن القومية في العراق كان لها تأثير قوي في الخليج العربي ، وظل ارتباط أبناء الشعب العربي مستمرا قويا رغم محاولات الاستعمار والقوى الحاكمة والرجعية لإضعاف الدور القومي للعراق .