محاضرة الأسبوع الثامن والعشرين آيار 2011
دور العراق في الخليج العربي حتى الحرب العالمية الأولى :
المحاضرة الأولى : التنافس العثماني البريطاني على الخليج العربي بداية القرن العشرين :
قبل التطرق إلى علاقات العراق بالخليج العربي لا بد لنا أن نأخذ صورة واضحة عن أوضاع الخليج العربي في بداية القرن العشرين والتنافس العثماني – الانكليزي الكبير عليه .
ان الدولة العثمانية لم تلبث ان عادت في السنوات الأولى من القرن العشرين إلى الاهتمام بهذه المناطق ، ولعل هذا الاتجاه كان راجعا بالدرجة الأولى إلى زيادة أواصر الصداقة بينها وبين ألمانيا ، على اثر الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم السلطان عبد الحميد الثاني والذي تزعمه ضباط كان أكثرهم مشبعين بالنزعة الالمانية ، وقد اتجهت سياسة رجال تركيا الفتاة إلى تقوية السيطرة العثمانية في الخليج فأوفدوا اعوانهم للعمل على إضعاف سلطة الشيوخ واجتذابهم إلى فكرة الجامعة الإسلامية التي اخذوها عن السلطان عبد الحميد ، وقد اتصف عمل هذه الدولة هؤلاء بالحماس الشديد نحو تدعيم السيطرة العثمانية ، ففي بغداد رسم اسماعيل حقي مبعوث الدولة العثمانية في تلك الولاية صورة كئيبة من الفوضى التي تسير عليها القبائل العربية وظهر في 28 ديسمبر عام 1910 أقوى تقاريره في جريدة ( طنين ) وكان ذلك التقرير يتضمن دراسة لأحوال العراق والمناطق المجاورة وقد ركز على وضع الانجليز في الكويت وعلاقة بريطانيا بشيخ المحمرة ووضح في ذلك التقرير مبلغ استيائه وكرهه للانجليز ، ورأى انه لا بد من قمع تجارة السلاح التي تمارس بعلم من السلطات البريطانية ، ومن المعروف ان هذه السلطات كان تتساهل في ذلك الوقت في حركة مرور الاسلحة لاحتمال استخدامها من جانب سكان هذه المناطق للثورة على الاتراك ، والواقع أن كتابات إسماعيل حقي كانت تعبر عن شعور العداء من جانب الاتحاديين للسياسة البريطانية ، وكان اسماعيل حقي – وقد عرف بشدة عدائه للعرب – يرى اتخاذ القوة الصارمة ضد القبائل العربية في الخليج ، وارغام شيوخها على اعلان ولائهم للدولة بالضريبة والتجنيد .
على ان الخلاف بين الدولة العثمانية وبريطانية لم يتخذ صورة جدية إلا في يوليو من عام 1910 حينما أرسلت السلطات العثمانية في البصرة فرقة من الجنود لاحتلال جزيرة الزخنوية وهي جزيرة صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من ميناء العقير على مسافة عشرة أميال تقريبا ، وقد قامت هذه الفرقة برفع الراية العثمانية وإزاء ذلك سارعت الحكومة البريطانية بالاحتجاج باعتبار ان احتلال الزخنوية جزء من خطوة تخطوها الدولة العثمانية للسيطرة على ساحل قطر وربما على إمارات الساحل المهادن ، وجاء في الاحتجاج الذي بعث به لوثر السفير البريطاني في الاستانة إلى الباب العالي بأن جزيرة الزخنوية تقع جنوب العقير وهو الحد الأقصى للسيادة العثمانية في الاحساء طبقا لاعتراف الحكومة البريطانية وإن محاولة الدولة العثمانية فيما وراء هذه المناطق أمر يؤدي إلى إثارة وضع حرج بين الدولتين ، ولكن الدولة العثمانية لم تعبأ باعتراضات الحكومة البريطانية إذ استمر والي البصرة يعزز الحاميات العسكرية في الجزيرة واعتبارها مقاطعة عثمانية وانكر على القنصل البريطاني حقه في ان يناقش معه المشكلة رسميا أو شخصيا ، والواقع ان اصرار الدولة العثمانية على دعم سيطرتها في الخليج أدى إلى اتجاه الحكومة البريطانية إلى التخلي عن سياسة التهدئة الظاهرة التي اتبعتها مع الدولة العثمانية ، تلك السياسة التي كانت في رأي كوكس غير ذات جدوى ، وقد علل كوكس رأيه بأن ما يقوم به الاتحاديون من نشاط كفيل بتغيير هذه السياسة ، أما عن الدولة العثمانية فقد ذكرت في ردها على الاحتجاج البريطاني أن ظهور الجنود العثمانيين في هذه المنطقة أمر لازم لحفظ الامن بين قبائل الدواسر الذين يترددون على الجزيرة ، وكان من المعروف أن الزخنوية تتبع هذه القبائل الموالية لحاكم البحرين ، وقد استمرت السلطات العثمانية في البصرة تجهد للامتداد بسيطرتها جنوبا ويظهر جنوبا ويظهر ذلك من تقرير بعث به متصرف الاحساء إلى الباب العالي مؤكدا بأن السيادة العثمانية لا تمتد إلى الزخنوية فحسب ، بل على جميع الساحل الواقع جنوب شرقي العقير ، كما اتخذ والي البصرة خطوة أخرى أكثر جرأة بأن عمل على تعيين مديرين أتراك في العديد والوكرة والزبارة ، وغيرها ، من المناطق المجاورة على ساحل قطر ، وكانت هذه الموانئ موضع منازعات سابقة بين حكام قطر وابو ظبي والبحرين ، أو بالأحرى بين السلطات البريطانية والسلطات العثمانية في الخليج ، وقد خشيت السلطات البريطانية أن يكون وجود مديرين اتراك في هذه الموانئ بالإضافة إلى تحركات الدولة العثمانية في الزخنوية وإكثارها من إرسال تمهيدا لتأكيد سيادة الدولة على ساحل قطر ، وقد سبق الاشارة إلى ان الحكومة البريطانية لم تسمح مطلقا بامتداد تلك السيادة ، ففي عام 1895 كانت المدفعية البريطانية قد عملت على طرد الاتراك من الزبارة بحجة تهديدهم البحرين ، وكانت قد عملت على ذلك ايضا على ضم العديد لمشيخة ابو ظبي ، وقد اكتفت الدولة العثمانية منذ عام 1903 عن إنشاء تلك المديريات بسبب الاحتجاجات البريطانية المتكررة ، والواقع ان الحكومة البريطانية اعتبرت التحركات التي تقوه بها الدولة العثمانية معارضة لنفوذها في تلك المناطق ، وازاء ذلك أبلغ لوثر السفير البريطاني في الاستانة السير ادوارد جري وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت بأنه من الواجب اتخاذ موقفا أكثر حرصا نحو ما تقوم به الدولة من خطط في مناطق الخليج ، وأكد بأن رجال تركيا الفتاة لا يبخلون بالمال ولا بالقوة العسكرية لايجاد مراكز قوية لهم في هذه المناطق فهم يعملون على الضغط على القبائل وعزلها من السلاح ليتسنى لهام إخضاعها ، وذكر لوثر انه من المحتمل ان يضرب الاتحاديون ضربة قد تكون أشد عنفا وهي إثارة عرب الخليج ضد الانكليز باعتبارهم أعداء الاسلام ، وقد تأكد لديه ذلك من اطلاعه على اقتراح بعث به القنصل العثماني في مومباي إلى حكومته وهو يعرض مقارنة بين الطريقة التي اتبعتها بريطانيا في سيطرتها على الخليج عن طريق الرواتب أو الاعانات التي كانت تدفعها للشيوخ العرب وبين ما تسير عليه الدولة العثمانية من إهمال ، وحثّ التقرير السلطات العثمانية ان تفعل مثل ما تفعله بريطانيا فإن ذلك سيؤدي بها حتما إلى تحقيق نجاح أكبر مما حققته بريطانيا نظرا للروابط الإسلامية بين الدولة العثمانية ورعب الخليج ، ويؤكد لوثر ان تنفيذ برنامج الاتحاديين سيؤدي إلى تدهور مصالح بريطانيا في العالم العربي ، وعلى الأخص في الخليج والعراق ، وعلل ذلك بما نشره داوود بك ناظر المالية في جريدة ( طنين ) التركية ، بأن الاتحاديين سيبذلون أقصى ما في وسعهم لزيادة قوتهم العسكرية وبالتالي زيادة التوسع في الممتلكات العثمانية ، وان زيادة الاعتماد المالي للقوة البحرية سيجعل الدولة العثمانية على استعداد أكثر للانتقام من الذين أساءوا إلى أملاكهم ، وعرض لوثر لتقارير قناصل بريطانيا في العراق وما يبذله الاتحاديون من محاولات لانتزاع امتيازات شركة لينش ، واوضح ان الآثار التي سوف تترتب على فكرة الجامعة الإسلامية تعد خطرا كبيرا على مركز الحكومة البريطانية في الخليج ، وعن احتمال تدخل الاتحاديين بوصفهم حماة لفارس الدولة الإسلامية الضعيفة .
ويرى لوثر ان الاتحاديين يتصفون بحماس بالغ وأنه من الحكمة ألا تعمل الحكومة البريطانية على إثارة اعصابهم سواء بالحملات الصحفية أو بالمراسلات الرسمية بما يؤكد تفوق النفوذ البريطاني في العراق والخليج ، إذ أن مثل ذلك قد يدفع بهم إلى مزيد من المحاولات التي يقومون بها لإضعاف المركز البريطاني في الخليج وان كان من الممكن لبريطانيا أن تكتفي بالاحتجاج على المعاملة السيئة التي يلقاها رعاياها في بغداد وعن نقض السلطات العثمانية للوضع القائم في الخليج وعما تقوم به الصحافة التركية وأعضاء مجلس المبعوثان من تحد خطير للسياسة البريطانية ويمضي لوثر في تقريره بتحليل ادعاءات الدولة العثمانية على الخليج ، وقد ذكر عن الكويت أن الدولة العثمانية ، تترك أية مناسبة دون التأكيد بأن هذه الامارة جزء متكامل منها فالعلم العثماني يرفع عليها ولقب الباشا يمنح لحاكمها ، ولكن الحكومة البريطانية لا ترى في ذلك أكثر من مظهر روحي في حين تؤكد الدولة العثمانية تبعية الكويت وأن شيوخها كانوا في مناسبات كثيرة يعلنون ولاءهم لها ، وتؤكد أنه في أثناء حملة الاحساء عام 1871 سمح شيخ الكويت للقوات العثمانية بعبور مقاطعته بل وساهم في هذه الحملة مساهمة فعالة ، اما فيما يختص بقطر والبحرين وبقية إمارات الخليج فإن الدولة العثمانية تستند في محاولاتها السيطرة على تلك المناطق إلى ادعاءات تاريخية ترجع إلى أوائل القرن السادس عشر حينما قام القائد العثماني بيري باشا بضم جوادور على ساحل بلوخستان وأبحر في الخليج مجبرا قبائل الساحل على الاعتراف بالخليفة العثماني ، هذا فضلا عن اعتقاد العثمانيين بأنهم حماة لجميع المسلمين في الجزيرة العربية والخليج ، واوصى لوثر بضرورة عقد معاهدة مع الشيخ قاسم بن ثاني ، ومن المعروف أن بريطانيا قد فكرت في ذلك فعلا على أثر إلغاء منصب مدير الوكرة التركي منذ عام 1903 ، وكانت التبريرات لعقد هذه المعاهدة انها لازمة لامتداد النفوذ البريطاني في الساحل المهادن والبحري بالاضافة إلى إن عدم ارتباط قطر بمعاهدة مع بريطانيا يلقى صعوبة بالغة على السفن البريطانية التي تقوم بقمع القرصنة على الساحل والى عدم مقدرتها على حماية مصائد اللؤلؤ في البحرين والتي تتعرض دوما لغارات متكررة من جانب بعض القبائل البدوية على حدود قطر ، على أن الأهم من ذلك كله موقف شيوخ آل ثاني الموالين لعبد العزيز آل سعود ، وبذلك قررت حكومة الهند ان الاحتمال قوي في أن يتجه الاتراك إلى عزل الشيخ قاسم بن ثاني وتسليم مقاليد قطر إلى شيخ آخر معادٍ للسعوديين ، ولذلك رأت ان تنظم عقد معاهدة مع قاسم بن ثاني لكي تحتاط لمثل ذلك الاحتمال ، ولكن معارضة السير نيقولا اوكونور السفير البريطاني في الاستانة حالت دون ذلك وأخيرا يختتم لوثر تقريره بقوله : إنه كان تصريح اللورد لانزدون الخاص بالخليج والذي أدلى به في مجلس اللوردات في مايو عام 1903 كان يقصد به تهديد روسيا أو أية قوة اخرى غير تركيا ، فإن تركيا الآن أكثر نشاطا بعد اخذها قروضا من فرنسا ، وبعد مساعدة ألمانيا لها في تقوية اسطولها وعلى ذلك فإنه من المحتمل ظهور سفن حربية تركية في الخليج تحمل العلم العثماني وسيكون لظهور هذه السفن تاثيرا أشد لدى القبائل العربية عن غيرها من السفن الاوربية الاخرى ، وإن تركيا سوف تنجح حتما في مسعاها نظرا للروابط الدينية والروحية التي تربط بينها في الهند يعمل على مواجهة العثمانيين ، وكان من رأيه نقض الاعتراف بأية سيادة للدولة العثمانية على منطقة الخليج بأسرها ، وكان يرى ان الاعتراف البريطاني بما للعثمانيين من سيادة على الكويت سيؤدي إلى تشجيع تركيا والمانيا للتقدم لتهديد غيرها من الامارات كقطر والبحرين ،