محاضرة الأسبوع السابع والعشرين نيسان 2011
الأطماع الإيرانية في الخليج العربي في البحرين والاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث .
المحاضرة الأولى : الادعاءات الإيرانية في البحرين إلى عام 1914
الإطماع الإيرانية قديمة في الخليج العربي ، غير أنها وصلت ذروتها عندما قامت القوات الإيرانية في الثلاثين من تشرين الثاني عام 1971 باحتلال الجزر العربية الثلاث ، لقد اتخذت المطامع الإيرانية في الخليج العربي صورا عديدة من بينها التمسك بإضفاء المسحة الفارسية على الخليج العربي ، والادعاء بالسيادة على كل الخليج العربي أو أجزاء منه ، والعمل على تفريس الخليج العربي بغزوه بشريا ، والتوسع عن طريق الغزو المسلح واحتلال مناطق إستراتيجية منه كما حدث بالنسبة للجزر العربية الثلاث ، إن الأطماع التوسعية الإيرانية تمثل حلقة مترابطة ومتسلسلة من الاعتداءات والتجاوزات والادعاءات ، التي لا تقف عند حد ، لذا فإن وقفة قصيرة لدراسة هذه المطامع والادعاءات تبدو ضرورية لمعرفة طبيعتها وجذورها ، ولعل أفضل بداية لتناول الموضوع هي التعرف على الادعاءات الإيرانية في البحرين ، ومن ثم التعرف على مثيلاتها في جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبي موسى .
لقد اعتمدت الادعاءات الايرانية في البحرين على حجج تاريخية واهية وكثيرة ، ومن بينها :
1- حكم الفرس البحرين منذ طرد البرتغاليين منها عام 1602 ، وحتى عام 1783 ، حينما استقر ال خليفة في حكومة البحرين .
2- عقد الكابتن (بروس ) المقيم البريطاني في الخليج العربي ، أثناء توقيعه اتفاقيه 8 آب 1822 ، مع امير شيراز ، بأن البحرين جزء من بلاد فارس .
3- اعترف أحد شيوخ البحرين ، وهو محمد بن خليفة ، بالسيادة الفارسية على البحرين عام 1860 .
غير ان هذه الحجج ما لبث ان تهاوت إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الحقائق الآتية :
1- إن خضوع البحرين للحكم الفارسي لفترة معينة لا يعطي فارس الحق في ادعاء تبعيتها لها ، إذ أن الإقرار بذلك سوف يجعل فارس نفسها عرضة لادعاءات مماثلة ، بخاصة وقد خضعت فارس نفسها لفترات زمنية معينة خلال العصور القديمة والحديثة لحكم دول أخرى مثل الميدينيين واليونان والرومان والعرب والمغول والبرتغاليين والانكليز ، وقد اقتسمتها بريطانيا وروسيا عام 1907 ، واحتلها الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية ، فهل تبيح هذه الأحداث لهذه القوى الأجنبية إطلاق ادعاءات بشأن تبعية إيران لها لأنها احتلتها لفترة زمنية معينة ، وعلاوة على ذلك فإن الفرس كانوا قد فقدوا سيطرتهم على البحرين منذ عام 1783 ، واستطاع آل خليفة من إقامة حكم عربي فيها .
2- إن العرض الذي قدمه ( بروس ) لحاكم شيراز في اتفاقية عام 1822 ، لا يمكن الركون إليه لأن الحكومة البريطانية نفسها لم تخول في الخليج العربي ، كما إن شاه فارس فتح ( 1798 – 1832 ) لم يقرّ هذه الاتفاقية التي وقعها أمير شيراز دون علم منه .
3- إن اعتراف أحد شيوخ البحرين بالسيادة الفارسية عام 1860 ، أمر لا يترتب عليه أي حقوق فارسية فيها ، ذلك لأن هذا الاجراء إنما أملته ظروف أنية نتيجة لخلاف الحاكم البحريني مع السعوديين ، ومما يؤكد هذا ان البحرين بادرت عام 1861 إلى توقيع معاهدة مع الحكومة البريطانية تنازلت فيها عن قبول الولاء الفارسي .
وحول ذلك الوقت كتب المقيم البريطاني في الخليج الكولونيل روبرتسون إلى حكومة مومباي يقول إن فارس تبذل محاولات كثيرة لكي تنشيء لها اسطولا يتكون من جميع السفن التي تمتلكها في موانئ الساحل الفارسي للخليج ، وقد عمدت إلى حاكم بوشهر لتنفيذ تلك الخطة ، وفي تقرير آخر لروبرتسون أكد ان جزيرة الخرج سوف تصبح عن قريب مركز تجمع للاسطول الفارسي الذي سيقوم بغزو البحرين وقد أجاب الحاكم العام للهند على هذين التقريرين بقوله : ( إنه في حالة إرسال الحكومة الفارسية أي قوات من الرجال أو السفن فانه يجب ملاحظة هذه التحركات واذا كانت فارس تهدف الاتجاه إلى أية إمارة من الامارات التي تربطها بالحكومة البريطانية معاهدات خاصة فيجب ان نقاوم تحركاتها بكل قوة ) ، ويعتبر هذا التصريح نقطة تحول في السياسة البريطانية فغي علاقتها بفارس بشأن البحرين ، فحتى ذلك الوقت لم تكن الحكومة البريطانية تعترض اعتراضا ايجابيا مطالبة فارس بالسيطرة على البحرين .
والجدير بالملاحظة أن معارضة بريطانيا لفارس في إرسال حملة إلى الخليج لم تقتصر على السلطات المحلية فقط ، وإنما انتقلت إلى وزارة الخارجية بلندن للتصرف فيها ، وقد أرسلت الحكومة البريطانية تعليماتها إلى سفيرها في طهران لكي يقنع الشاه بالطرق الدبلوماسية بعدم القيام بعمل من شأنه ان يؤدي بالحكومتين إلى التصادم في منطقة الخليج ، وقد أعلن اللورد ابردين وزير خارجية بريطانية بأن بريطانيا ستقابل التدخل الفارسي بالقوة حتى لو أدى الامر إلى تصادم بينها وبين فارس كما بعث بتعليماته إلى جستن شيل القائم بأعمال السفارة البريطانية في طهران يطلب منه عدم الاعتراف باحقية فارس في السيطرة على جزائر البحرين بحجة أنه منذ أن أتت أسرة قاجار إلى الحكم في عام 1796 لم يمارس أحد ملوكها سطة فعلية على البحرين ويبدو ان ابردين حاول مع ذلك ان يكتسب الوقت ويراوغ السياسة الفارسية فختم مذكرته بقوله : ( وعلى أي حال فمن المحتمل ان تكون الحكومة البريطانية ليست على علم تام بأحقية فارس في امتلاك البحرين وعليه ينبغي لفارس ان توضح لبريطانيا حقها الصريح في ذلك بالطرق الدبلوماسية بلاد من استخدام القوة المسلحة لإثبات ذلك الحق ) ومن ناحية اخرى أدركت الحكومة الفارسية بدورها مدى ضعفها في الصراع مع قوة بحرية خطيرة كقوة الانجليز في منتصف القرن التاسع عشر ، فآثرت أن تعود إلى سياسة التهدئة ويتضح ذلك من ردها على مذكرة ابردين إذ أكدت انها لن تقوم بإرسال أية حملة عسكرية إلى البحرين دون علم بريطانيا كما اوضحت مطالبها في امتلاك البحرين عن طريق هامتين مؤرختين في 4 فبراير و15 مارس سنة 1845 بعثت بهما إلى السفارة البريطانية في طهران .
وكانت المذكرة الأولى تحوي عدة ملاحظات عامة عن علاقة فارس بالبحرين كما كانت تحوي نسخة من معاهدة شيراز السابق الاشارة اليها ، وقد أشار شيل إلى وزير الخارجية الفارسية بضعف الاستناد على هذه المعاهدة كدليل ، وعلل ذلك بانه منذ أن عقدت بريطانيا معاهدتها الأولى مع شيخ البحرين ، عام 1820 وهي تتصرف مع هذه الإمارة طبقا لما تمليه عليها شروط هذه المعاهدة ، وفضلا عن ذلك اتخذت الحكومة البريطانية من هذه المعاهدة أساسا لمقاومة اية قوة تريد السيطرة على البحرين .
ويبدو أن الحكومة الفارسية أدركت في النهاية عدم جدوى الاستمرار في مباحثات سياسية مع بريطانيا ، ولذلك آثرت ان تنتهج سبيلا آخر فحاولت استغلال اضطراب الاوضاع الداخلية في البحرين لكي تسيطر على الجزيرة ، وساعد على ذلك ما كانت تتعرض له الجزيرة من اضطرابات داخلية نتيجة تنافس شيوخها على الحكم ولكنها لم تنجح ايضا .
والواقع ان الحكومة الفارسية انصرفت بعد ذلك إلى تعزيز قوتها حتى اننا نلحظ توقف المباحثات الفارسية البريطانية بشأن البحرين حول ذلك الوقت ، ويرجع ذلك إلى عدم ثقة الساسة الفرس بجدوى استمرار هذه المباحثات ومن ناحية أخرى كان أولئك الساسة يعتقدون أن ضعف القوى الفارسية هو السبب الأساسي في ترك المجال مفتوحا لبريطانيا .
وعموما ففي 18 فبراير عام 1861 أعلنت حكومة الهند لفارس بأنها تنظر للبحرين على أنها خاضعة لنفوذها ولم يكن أمام الشيخ محمد بن خليفة ما يفعله سوى وضع إمضائه على الاتفاقية المعقودة بينه وبين الكابتن حونز في 31 مايو من نفس العام ، ومع ان هذه المعاهدة قد نصت على الاعتراف بالشيخ كحاكم مستقل إلا انها انحدرت بالبحرين إلى مرتبة المحميات وبذلك اتخذت الحكومة البريطانية يعقدها هذه المعاهدة الخطوة التي كانت تتردد في اتخاذها من قبل .
وعلى أية حال فقد تمكنت بريطانيا رغما عن ذلك من موالاة الضغط على شيوخ البحرين ، وكان منطقها في الرد على الاحتجاجات الفارسية بأن البحرين إمارة مستقلة وعلى ذلك فهي في حرية تامة لأن تضع نفسها تحت الحماية البريطانية وعندما احتجت فارس لدى السفارة البريطانية في طهران ، على عقد هذه المعاهدة كانت كل ما تسلمته إجابة قصيرة أدلى بها المستر أليسون السفير البريطاني في ذلك الوقت بأنه قد منع طبقا لتعليمات من وزير الخارجية البريطانية من الدخول في مناقشات مع السلطات الفارسية بشأن هذا الموضوع وهكذا مضت بريطانيا في فرض سيطرتها على البحرين وساعدها على ذلك شيوع الفوضى والحروب الأهلية التي وقعت في الإمارة وملحقاتها بعد سنتين من توقيع تلك المعاهدة .
ومن الملاحظ أن المباحثات بين الحكومتين الفارسية والانجليزية بشأن البحرين قد توقفت منذ عام 1871 إذ انصرفت الحكومة الانجليزية بعد ذلك لمواجهة خطر اخر كان يتمثل في تقدم الاتراك العثمانيين ومحاولتهم توطيد نفوذهم في الخليج ، وفي أثناء ذلك أقنعت الحكومة الفارسية بما تقوم به بريطانيا إزاء معارضة التقدم العثماني في البحرين ، وإن كانت قد حاولت في خلال هذه الفترة ان تنشئ لها اسطولا طلبت من بريطانيا ان تشرف على إعداده ولكن على أثر رفض بريطانيا التجأت فارس إلى المانيا ونجحت أخيرا في الحصول على مساعدتها لتحقيق رغبتها الطويلة في إنشاء اسطول بحري في الخليج عام 1885 وعلى الرغم من أن ذلك الاسطول كان على نطاق ضيق إلا انه كان مسلحا بأحدث الأسلحة ومعدات القتال ولكن لم يترتب على وجوده أي اثر في علاقة فارس بالبحرين ويرجع ذلك إلى توطيد العلاقات بين بريطانيا وشيخ البحرين وخصوصا عقب توقيع معاهدة عام 1880 ولذلك فشلت البعثة الفارسية الثالثة التي بعث بها فتح علي خان حاكم مقاطعة لارستان إلى البحرين في أغسطس عام 1886 نظرا لازدياد أواصر الصداقة بين الشيخ عيسى والانجليز وكان توثق هذه العلاقات أمرا مهما ليس في علاقة الحكومة البريطانية بفارس بشأن البحرين فحسب ، وإنما في مقاومة بريطانيا لمطالب العثمانيين على البحرين تلك المطالب التي أصبحت أكثر خطورة من الادعاءات الفارسية في السنوات التي أعقبت الحملة العثمانية على الإحساء .
وحول ذلك الوقت كتب المقيم البريطاني في الخليج الكولونيل روبرتسون الى حكومة بومباي يقول إن فارس تبذل محاولات كثير لكي تنشيء لها اسطولا يتكون من جميع السفن التي تمتلكها في موانئ الساحل الفارسي للخليج ، وقد عمدت الى حاكم بوشهر لتنفيذ تلك الخطة ، وفي تقرير آخر لروبرتوس أكد أن جزرة الخرج سوف تصبح عن قريب مركز تجمع للأسطول الفارسي الذي سيقوم بغزو البحرين ، وقد أجاب الحاكم العام للهند على هذين التقريرين بقوله : (( إنه في حالة إرسال الحكومة الفارسي أي قوات من الرجال او السفن فإنه يجب ملاحظة هذه التحريات واذا كانت فارس تهدف الاتجاه الى أية إمارة من الإمارات التي تربطها بالحكومة البريطانية معاهدات خاصة فيجب أن نقاوم تحركاتها بكل قوة )) ، ويعتبر هذا التصريح نقطة تحول في السياسة البريطانية في علاقاتها بفارس بشأن البحرين ، فحتى ذلك الوقت لم تكن الحكومة البريطانية تعترض اعتراضا إيجابيا على مطالبة فارس بالسيطرة على البحرين .
على أية حال ، فقد تميزت السنوات التالية بتدخل بريطانيا الواضح في شؤون البحرين ، ولذلك فإن الادعاءات الفارسية في هذه البلاد قد كانت موضع خلاف مع الحكومة البريطانية التي أصبحت مسؤولة عن علاقات شيوخ البحرين الخارجية وفقا للمعاهدات التي عقدتها معهم في 1820 و 1861 و 1868 و 1880 و 1892 ، وفي الوقت نفسه فقد خفت حدة الادعاءات الفارسية حول البحرين لأكثر من نصف قرن ، وظهرت من جديد منذ عام 1927 .