المحاضرة الثالثة : إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة واستقلال قطر والبحرين :
لقد تضافرت العوامل الخارجية والداخلية ، وأدت في النهاية إلى إن تصبح مباحثات الاتحاد على سبع إمارات فقط .فقد شعرت كل من قطر والبحرين بان مصالحها تقتضي التوقف عند هذا الحد ، فعليا في بناء المؤسسات الدستورية والسياسية الخاصة بهما ، لكي يستكملا مقومات الدولة المستقلة . وقد دللت إمارة البحرين على اتجاهات هذه حينما انشاءت دولة في أوائل سنة 1970 ليكون بمثابة نواة لمجلس وزراء ، وأعلنت عن تشكيل دائرتين للخارجية والدفاع . ولما صادف هذه الأمر في وقت أعلنت فيه لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة تقريرها الذي يؤكد إجماع سكا البحرين على عدم الانضمام إلى إيران والرغبة في إعلان الاستقلال ، أو الالتحاق باتحاد يضم إمارات الخليج العربي ، وبذا أصبح الباب مفتوحا إمام حاكم البحرين للاختيار بين الاستقلال أو الانضمام إلى الاتحاد ن وقد اختار الاستقلال الذي أعلن في 14 أب عام 1971 ومما لا شك فيه إن الخلاف حول نظام الدولة الاتحادية هو الذي يرجع نزوع البحرين إلى الاستقلال .
وهكذا أعلنت البحرين استقلالها في 14 أغسطس 1971 ، وجاء بيان الاستقلال أن البحرين عملت بإخلاص في سبيل تحقيق الاتحاد ولكنها كانت تؤمن بضرورة وضع دستور حديث يقوم على مبدأ فصل السلطات ويكفل قيام حكومة مركزية ، فضلا عن عدم المساس بحقوق المواطنين الدستورية المتعلقة بمبدأ تمثيلهم في مجلس وطني نيابي ينتخب انتخابا صحيحا على أساس الكثافة السكانية للإمارات الاعضاء ، ومع ذلك فقد تنازلت البحرين إلى أقل من الحد الأدنى ، ونظرا لأن المساعي التي يقوم بها وفد الوساطة السعودي الكويتي لم تؤدِ إلى قيام الاتحاد فقد قررت البحرين أن تعلن استقلالها على ألا يؤثر ذلك على استعدادها دوما في الانضمام إلى اتحاد الإمارات العربية أو إلى دولة الإمارات العربية المتحدة حالما يقوم بناؤها على أسس ومبادئ دستورية سليمة يؤمن بها شعب هذه المنطقة العربية .
وبناء إلى ذلك أعلنت البحرين للعالم دولة مستقلة ذات سيادة تامة واعترفت بها الأقطار العربية والأجنبية. ومن بينها إيران وتأكيد لاستقلالها انضمت البحرين إلى عضوية الدول العربية في 1 أيلول 1971 ،وقد أصبحت عضوا في الأمم المتحدة في 21 أيلول 1971 .
إما قطر فلم تؤكد في البداية نزوعها إلى ترك الاتحاد بنفس الوضوح الذي سلكته البحرين ، فان دستور الذي أصدرته عام 1970 كان ين صان الاتحاد هو هدف يقترن بالاستقلال . وحينما شكلت مجلسا وزاريا لم تعين وزراء للخارجية أو الدفاع لان هذه الشؤون من اختصاص الحكومة الاتحادية. إلا إن قطر سرعان ما أعلنت استقلالها في أيلول 1971 ، وعللت انسحابها من الاتحاد بسبب استمرار الخلاف بين الإمارات وإعلان الاستقلال البحرين ، وأكد البيان الرسمي الذي أعلن استقلال قطر إيمانها الوطيد بضرورة الاتحاد وتطلعها إلى اليوم الذي يضمها فيه شقيقاتها وبعد إعلان الاستقلال انضمت قطر إلى عضوية الدول العربية في 11 أيلول 1971 ، وقبلت في الأمم المتحدة في 22 أيلول 1971 .
ومما تجدر الإشارة إليه ، إن قطر كانت قد وقعت معاهدة صداقة مع الملكة المتحدة ، شبيه بمعاهدة الصداقة المعقودة مع البحرين ، وكانت هاتان المعاهدتان ، قد الفتا حالة العلاقات السياسية القائمة بين كل من قطر والبحرين وبريطانيا خلال الفترة السابقة .
لقد كانت التطورات بمثابة دفعة جديدة لحكام الإمارات العربية كي يسرعوا بإنشاء الاتحاد ، ولم يتخلف عن ذلك سوى رأس الخيمة الذي اعترض على بعض مواد الدستور الاتحادي التي تعطي مركزا خاصا لكل من أبو ظبي ودبي ، وعلى إن يكون لكل منهما ثمانية مقاعد في المجلس الوطني الاستشاري ، في حين خصصت ستة مقاعد لكل من الشارقة وارس الخيمة وأربعة لكل الإمارات المتبقية . وعلى الرغم من امتناع حاكم رأس الخيمة عن توقيع على دستور الاتحاد فانه لم يحل دون إعلان استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 كانون الأول عام 1971رمن الإمارات الست المتبقية : أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القويين والفجيرة وقد قبلت الدولة الجديدة عضوا في الجامعة العربية في 6 كانون الأول 1971 ، ووافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على عضويتها في 9 كانون الأول عام 1971 . إما إمارة رأس الخيمة فقد انضمت إلى دولة الإمارات العربية في شباط 1972، وبذلك أصبحت العضو السابع في الدولة الجديدة .
وكان من الطبيعي إن يواكب ظهور الدولة الجديدة إلغاء المعاهدات الجائرة التي أبرمت في القرن التاسع عشر التي تربط هذه الإمارات العربية ببريطانيا خلال المائة والخمسين سنة الماضية ن هذا وأتم بالفعل ، ذلك من خلال معاهدة الصداقة التي عقدت بين دولة الإمارات الجديدة والملكة المتحدة . غير انه حدث قبل يومين اثنين من إعلان الدولة، إن غزت إيران، تحقيقا لإطماعها التوسعية في منطقة الخليج العربي، الجزر الثلاث واستولت عليها عنوة .
أصدر المجلس الأعلى بيانا أعلن فيه اختيار الشيخ زايد بن سلطان حاكم ابو ظبي أول رئيس لدولة الإمارات العربي ، ومدة رئاسته خمس سنوات كما اختير الشيخ راشد بن سعيد المكتوم حاكم دبي نائبا للرئيس لنفس المدة ، وقد نص الدستور الاتحادي على أن يكون لكل من الرئيس ونائبه حق التجديد بعد انتهاء الفترة أي في عام 1976 بشرط موافقة المجلس الاعلى وهو السلطة العليا في الدولة .
واكد البيان الرسمي الصادر عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بأن الدولة الجديدة قامت من أجل توفير حياة أفضل للمواطنين ونصرة القضايا العربية والاسلامية ، إلى جانب تمكين اواصر الصداقة بين جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق جامعة الدول العربية والامم المتحدة، وأشار البيان إلى إرسال وفود إلى الدول العربية وكذلك الدول الصديقة من اجل شرح أهداف الدولة والحصول على دعمها وتأييدها وحتى في خلال الشهور القليلة التي سبقت اعلان ميلاد الدولة شهدت العواصم العربية وغير العربية تحركا سياسيا ضخما قام به الشيخ زايد نيابة عن حكام الإمارات .
وكان من الطبيعي ان يواكب ظهور الدولة الجديدة إلغاء المعاهدات الجائرة التي أبرمت في القرن التاسع عشر والتي كانت تربط امارات الساحل العماني ببريطانيا وكانت حكومة المحافظين حريصة على الغاء هذه المعاهدات واستبدالها بمعاهدة صداقة وبالتالي بدء صفة جديدة من العلاقات بينها وبين الدولة الجديدة وقد أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة الدولة رقم 132 في الأمم المتحدة والعضو الثامن عشر في الجامعة العربية ولم تواجه الدولة الحديدة معارضة الدول العربية باستثناء جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي اعترضت على قبولها في الجامعة العربية لأسباب ايديولوجية .
وكانت المشكلات التي واجهت الدولة تتمثل في الحرج الذي يمكن ان تتعرض له نتيجة للمنازعات التي تشتبك فيها الإمارات الاعضاء بعضها مع البعض الاخر ، بالاضافة إلى ما قد ينشأ بين هذه الإمارات من منازعات مع دول خارجية مجاورة كخلافات الحدود مع السعودية وابو ظبي وسيطرة إيران على جزيرة ابو موسى التابعة لإمارة الشارقة .
وليس من شك في ان استيلاء إيران على جزر الخليج قد أحدث انزعاجا لدى الرأي العام العربي ، وخاصة انه حدث قبل يومين اثنين من اعلان الدولة ، مما أدى إلى اثارة مشاعر الحزن والاستياء التي كادت تطغى على الاحتفال بالمولود الجديد ، وقد بادرت حكومة العراق بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا التي اعتبرت متواطئة مع إيران كذلك قامت ليبيا بتأميم شركات البترول البريطانية العاملة في بلادها .
ولعل دولة الإمارات العربية المتحدة وجدت انقاذا لمركزها بالتعلل بأن استيلاء إيران على الجزر قبل الاعلان الرسمي لمولد الدولة فضلا عن انه جدث في ليلة سابقة لاعلان الغاء المعاهدات البريطانية وعلى ذلك فإن المسؤولية هنا تقع على كاهل بريطانيا بحكم التزامات الحماية للامارات أكثر مما هي مسؤولية دولة الاتحاد ، وليس من شك في ان توقيت الاحتلال الايراني على هذا النحو ، يؤكد بالدليل القاطع حدوث تواطؤ بريطاني – إيراني استهدفت منه بريطانيا عدم احراج الدولة الناشئة ، وتحملها عنها نقمة الرأي العام العربي الرسمي والشعبي ، ومن ناحية أخرى أن رأس الخيمة التي وقع العدوان الايراني عليها لم تكن قد انضمت بعد إلى دولة الإمارات كما أنها لم تتقدم بطلب مساعدة الدولة لها ، وليس لدينا بصدد ذلك الا مذكرة قدمها ابناء طنب الكبرى إلى الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة يعلنون فيها رفضهم للاحتلال الايراني وتمسكهم بعروبتهم .
وعلى الرغم من هذه المشكلات التي اعترضت قيام الدولة ، فإنها لم تواجه في السنوات التالية تهديدات من الدول المجاورة لها ، فإيران والسعودية تدركان جيدا أن ثبات الدولة من مصلحتها على الرغم من التحفظ الذي أبدته الاخيرة ضد الاعتراف بها بسبب مشكلات الحدود بينها وبين ابو ظبي ، وعلى الرغم من أن دولة الإمارات العربية كانت حريضة على الانفتاح الا انها لعدة سنوات متحفظ في علاقاتها الدبلوماسية مع كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية ، حتى انها رفضت عرضا سوفييتي بإقامة علاقات دبلوماسية ولم يحدث ذلك إلا بعد عدة سنوات من قيامها .
قد يكون من المفيد ان نجد شخصية الدولة واهم ما يلاحظ ان الشكل الاتحادي الذي تقوم عليه والذي اتفق على تكوينه لا يزال اتحادا كونفدراليا أكثر من كونه اتحادا فيدراليا فللحكومة الاتحادية – كما نص الدستور – صلاحية ممارسة العلاقات الخارجية والشؤون الدفاعية ولكن الشؤون الداخلية لا تزال في أيدي الإمارات الاعضاء المشكلة للدولة الاتحادية ، وتتركز السلطة التنفيذية في المجلس الوزاري الذي يتكون من ثلاثة عشر وزيرا وقد تشكل أول مجلس وزاري بعد عدة أيام من اعلان قيام الدولة ، اما المجلس الوطني الاتحادي ، وهو مجلس استشاري فقد افتتح اولى جلساته في فبراير 1972 ويتم اختيار الممثلين فيه عن كل إمارة عن طريق التعيين من قبل الحكام ومدة العضوية سنتان ، بينما يتم انتخاب رئيس المجلس ونائبه من بين الممثلين ويجتمع في دورة اعتيادية تستمر ستة اشهر كل عام من نوفمبر إلى ابريل ، وتنحصر مهمته في مناقشة وإقرار الميزانية والموافقة على مشروعات القوانين التي يقدمها اليه المجلس الوزاري على ألا تصير نافذة الا بعد مصادقة المجلس الأعلى عليها .
وقد يكون من الانصاف ان نذكر ان دولة الإمارات العربية بذلت من قيامها مجهودات كبيرة لإلغاء الحواجز الجمركية وتوحيد العملات النقدية المستخدمة في الإمارات المختلفة والى غير ذلك من الشؤون الداخلية الخاصة بالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وغيرها .
وعلى الرغم من الانتقادات التي تواجه إلى نظامها الدستوري الذي لم يلغ الكيانات المحلية من الناحيتين السياسية والاقتصادية فإنه ينبغي ان نلاحظ ان دولة الإمارات العربية لا تزال في مرحلتها الدستورية المؤقتة ، وليس من شك أن خطط التنمية الموحدة في مختلف المجالات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية قد تكون عاملا مساعدا بمرور الزمن على قيام اتحاد اوثق بين اماراتها ، هذا فضلا عن ان تعايش أبناء الدولة في ظل جيش واحد قد يكون عاملا هاما في تحطيم النزعة القبلية وبذا يتحول الجيش إلى أداة فاعلة من أدوات الاتحاد الوثيق ، ولعل أهم ما تحتاجه الدولة هو العمل على توثيق الاتحاد وتحقيق أمنها ، وخاصة أن حصول الدولة على استقلالها السياسي لا يعني تخلصها من السيطرة الاستعمارية التي قد تظهر في شكل تسلط اقتصادي أو استعمار جديد ، وهو أمر يجب ان توليه الدولة عناية بالغة مستفيدة من إيجابية التعاون بينها وبين شقيقاتها الدول العربية في تزويدها بما تحتاج اليه من دعم سياسي ومعونات فنية وثقافية واقتصادية وهي أمور لا شك أن دولة الإمارات العربية حريصة على تحقيقها .