انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثالثة : بريطانيا وانسحابها من الخليج العربي :

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/29/2011 9:10:28 AM

المحاضرة الثالثة : بريطانيا وانسحابها من الخليج العربي :

 

حاولت حكومة العمال البريطانية إن تربط هذا الانسحاب بالصعوبات الاقتصادية التي كانت تواجهها، وإمكانية توفير مبالغ مالية كبيرة في حالة الانسحاب. ولذلك قررت الحكومة المحافظين التي جاءت إلى السلطة في بريطانيا في حزيران 1970، إعادة النظر في قرار حكومة العمال بالانسحاب، وذلك عن طريق تمديد الوقت إلى ما بعد عام 1971.

 

وعندما تولى المحافظون السلطة رسميا في يونيه 1970 ، وضح اتجاههم في البداية للتمسك بالقواعد العسكرية ، كما اخذت الصحف البريطانية الموالية للحرب تجسم المشكلات التي يمكن أن تعاود ظهورها في المنطقة كمشكلة البوريمي ومشكلة العلاقات العربية الإيرانية التي وصلت إلى حد الاختلاف فيما بينها على تسمية الخليج هل هو عربي أو فارسي ؟ هذا بالاضافة إلى الحركات اليسارية والثورية في ظفار التي تهدد بالانتشار فضلا عن تصريحات بعض القوى الكبرى وتطلعاتها في المنطقة ، وباختصار فإن زوال الوجود البريطاني سوف يترك الخليج امام مصير قاتم ، ومستقبل ملبد بالغيوم ، وفي محاولة من المحافظين لاحتواء إيران أجرى السير إليك دوجلاس هيوم وزير خارجية بريطانيا محادثات مع الشاه في بروكسل لإقناعه بوجهة نظر بريطانيا في الابقاء على قواعد عسكرية في الخليج ضد المنظمات الثورية وتصاعد عملياتها بعد أن أبدت الحكومة العراقية موقفها المعارض ضد أي اتفاقيات تتصل بالخليج دون ان تكون طرفا فيها .

 

كذلك اوفد دوجلاس هيوم وليام لوس ، الذي كان يعمل مقيما سياسيا في الخليج للقيام برحلة استطلاعية إلى دول وإمارات المنطقة في أغسطس عام 1970 ، ويعتبر التقرير الذي قدمه لوس عن نتائج استطلاعاته الأساس الذي بنت عليه حكومة المحافظين سياستها ، إذ بنى لوس تقريره على ضرورة المضي قدما في تنفيذ الانسحاب الذي أصبح المطلب الملح في المنطقة ، وأكد التقرير على ضرورة استبعاد أية فكرة بشأن الاصرار على وجود عسكري دائم أو شبه دائم بعد الفترة التي سبق أن حددتها حكومة العمال للانسحاب وهي نهاية عام 1971 ، مؤكدا أن أي وجود عسكري بريطاني سيؤدي إلى معارضة قوية من جانب سكان المنطقة وكذلك من الدول المجاورة ، كما سيكون له تأثير ضار على المصالح البريطانية وان قيام اتحاد إمارات الخليج هو افضل وسيلة لمواجهة الموقف بعد الانسحاب البريطاني هذا فضلا عن ضرورة تشجيع التقارب بين دول الخليج باعتباره مساعدا على الاستقرار الاقليمي وللمحافظة على المصالح الغربية .

 

وفي مايو 1971 أعلن هيوم في مجلس العموم البريطاني عزم حكومته على الالتزام بقرار حكومة العمال وسحب بقية القوات البريطانية في الموعد الذي سبق تحديده ، وأوضح بيان هيوم بعض النقاط الخاصة بمستقبل العلاقات البريطانية مع الخليج لعل أهمها إلغاء جميع المعاهدات التي سبق لبريطانيا أن عقدتها مع إمارات الخليج ، على ان تقوم بدلا منها معاهدات صداقة تشمل تقديم المساعدات الفنية واستمرار بقاء بعض القوات البريطانية – دون ان يكون لها صفة احتلال – لتقوم بدر تدريبي ، هذا بالاضافة إلى تأييد قيام اتحاد الامارات العربية وتدعيمه عسكريا بتسليم كشافة ساحل عمان اليه ، وعرض هيوم أن تقوم وحدات من الأسطول البريطاني بزيارات منتظمة إلى المنطقة فضلا عن مناورات تدريبية تشترك فيها وحدات من سلاح الجو البريطاني .

 

ويفهم من بيان هيوم محاولة الاستبقاء على النفوذ البريطاني في الخليج وأصبحت الأمور متروكة لوعي دول الخليج بصفة خاصة ، والدول  العربية بصفة عامة ، ضد محاولات الاستعمار النفاذ إلى المنطقة من جديد تحت ستار معاهدات الصداقة أو الزيارات المتكررة لوحدات من الأسطول البريطاني ، تقابلها زيارات أخرى للأسطول الأمريكي لايران والاسطول السوفييتي لعدن والعراق ، مما أحال المنطقة إلى ملتقى لأساطيل ومصالح أجنبية تتعارض في مصالحها وفي أهدافها .

 

وليس من شك في ان الوعي العربي على مستواه المحلي والعام قد أثبت نضجا كبيرا إزاء هذه التيارات .

 

وأعلنت عدة حكومات عربية من بينها العراق ومصر احتجاجها على تردد حزب المحافظين في تنفيذ خطة الانسحاب التي كان حزب العمال قد شرع في تنفيذها بالفعل. ويلخص ألكسي فسيليف السبب الجوهري الذي دفع بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج العربي فيقول : "واخذ الانكليز درسا من تجربة عدن حيث أدركوا إن البقاء لمدة أطول تعني زيادة متاعبهم ، ولذا من الأفضل الانسحاب عن طيب خاطر قبل فوات الأوان ".

 

ومع ذلك لم تتضح سياسة المحافظين إزاء موضوع الانسحاب إلا في الأول من آذار عام 1971 ، وذلك حينما أعلن هيوم – وزير الخارجية في خطاب إمام مجلس العموم ، بان حكومته تلتزم بقرار حكومة العمال ، وبالموعد الذي حددته بالانسحاب .

 

ويبدو إن الربط بين الوجود العسكري وبين تامين المصالح الاقتصادية كان قائما في ذهن الرأي العام البريطاني ، إذا كان الاعتقاد السائد لأول وهلة إن الانسحاب يؤدي إلى ضياع هذه المصالح وعلى رأسها نفط الخليج العربي . ولكن هذا الاعتقاد سرعان ما تلاشى في ضوء الدراسات التي أثبتت إن دولا أخرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان استثمرت أوالها في نفط الخليج دون إن يكون لها قواعد عسكرية تثير مشاعر السكان المحليين ، لذا فانه لا مبرر لوجود مثل هذه القواعد ما دامت هذه المصالح لا تهم بريطاني لوحدها .

 

وعلى أية حال ، فاعندما جوبهت حكومة العمال بهذا القرار للمرة الأولى في عام 1966 ، فقد برزت المسالة بكونها ليست مسالة اقتصادية محضة ، وإنما هناك عدة أسباب أخرى تحتم بقاء بريطانيا في شرق السويس ، و هذه الأسباب هي :-

 

1-     أدركت الحكومة البريطانية إن الوجود العسكري التقليدي أصبح لا مبرر له ، وذلك لما يؤديه من إثارة الروح العنيفة كما حدث فيعدن والجنوب . لذلك رأت إن من الأفضل لها إن تحافظ على مصالحها بأسلوب جديد كاستبدال معاهدات الحماية القديمة بمعاهدات صداقة مع حكام المنطقة وأمرائها ن فضلا عن التخلص من الحكام الذين تجد فيهم العقبة في سبيل تنفيذ مخططاتها ، ليس أدل على ذلك من تنحية الشيخ صقر بن سلطان ألقاسمي حاكم إمارة الشارقة عام 1965 لمناصرته التيار القومي ، ومارست في الوقت نفسه ضغوطا شديدة ضد الشيخ صقر بن محمد حاكم رأس الخيمة التي هددت بعزله . وشجعت بريطانيا وصول بعض الحكام الأكثر استنارة من غيرهم كما هو الحال مع السلطان قابوس بن سعيد الذي خلف والده سعيد بن تيمور . ولعل خير ما يوضح السياسة البريطانية الجديدة تصريح ادوارد هيث – رئيس وزراء حكومة المحافظين ، إثناء اجتماع وزراء الحلف المركزي عام  1972 الذي جاء فيه : إن انسحاب قواتنا لا يعني أننا لم نهتم بهذه المنطقة (الخليج العربي ) البالغة الحيوية . إن ما فعلناه هو إننا جعلنا علاقتنا مع حكام الدول العربية أكثر عصرية " .

 

2-     إن الانسحاب البريطاني كان جزاء من الخطة العامة لحلف شمال الأطلسي الذي حدد لبريطانيا دور الدفاع عن  وسط أوربا حين ترك للولايات المتحدة المسؤولية حماية المصالح الغربية في الخليج العربي ، وبخاصة النفط واستمرار  تدفقه ، والوقوف بوجه القوى الجديدة ، وبالذات الاتحاد السوفيتي .

 

والحقيقة انه مهما كانت المبررات التي دفعت بريطاني للانسحاب من الخليج العربي ، فان طبيعة التطورات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية التي استجدت في المنطقة وبخاصة تنامي حركات التحرر الوطنية المعادية للاستعمار بإشكاله المختلفة ، هي التي عبدت الطريق لحصول إمارات الخليج العربي على استقلالها .

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .