محاضرات الأسبوع الثالث والعشرين آذار 2011 :
الحركة الوطنية في الخمسينات والستينات
المحاضرة الأولى : عوامل اندلاع الحركة الوطنية في البحرين :
لقد تجددت الحركة الوطنية في أقطار الخليج العربي في الخمسينات للاسباب ذاتها التي ادت إلى قيام الحركة الوطنية في الثلاثينات ،مما يدل على ان الاوضاع التي كانت موضع معارضة وانتقاد آنذاك لم يجري اصلاحها او تغييرها .غير ان هناك عوامل اخرى عديدة قد استجدت في المنطقة وكان لها تاثير بين على خلق الحركة الوطنية الجديدة في الخمسينات ،ويمكن ارجاعها الى ازدياد عائدات النفط وانتشار التعليم وتبلور المفهوم القومي بفعل النهوض العام لحركة التحرر الوطني العربية بعد الحرب العالمية الثانية .وقد اتضحت تاثيرات هذه العوامل في البحرين اكثر من بقية اقطار الخليج العربي لاسباب عديدة منها وجود طبقة عمالية كبيرة في البحرين ،واستمرار النفوذ البريطاني القوي في البحرين ممثلا بشخصية المستشار بلكريف ،الذي يعد الحاكم الفعلي فيها ،على الرغم من انه لايتمتع باية كفاءات ادارية او فنية ،بدليل ان الجهاز الاداري في البحرين ظل يسيرعلى نفس النمط الذي رسم له منذ انشائه قبل اكثر من ثلاثين عاما ،دون ان يتاثر بالتطورات التي استجدت في هذا الميدان بسبب تمركز كافة السلطات في يده .وان رجال الحركة الوطنية في البحرين قد وجدوا في الصحافة منبرا للتعبير عن ارائهم ،حيث اصدروا مجلة (صوت البحرين ) التي اخذت على عاتقها نشر الوعي القومي ،فضلا عن (جريدة القافلة )و (جرية الوطن ) اللتين ساهمتا في اذكاء الوعي الشعبي في البحرين ،والدعوة الى الوحدة الوطنية .
وهكذا قدر للحركة الوطنية في البحرين لتكون بمثابة بوتقة لصهر الوحدة الوطنية ،ازاء التعصب الطائفي الذي كانت تعاني منه البلاد وتغذيه اطراف اجنبية مختلفة مثل بريطانيا وايران .اذ استطع رجال الحركة الوطنية في مناسبات عديدة احلال روح التعاون بين فئات الشعب المختلفة من اجل المصلحة الوطنية .
كان من اروع الانجازات في هذا المجال تشكيل الهيئة التنفيذية العليا التي تزعمت الحركة الوطنية عامين متتاليين (1954-1956 ) اما اهم مطالب الحركة الوطنية في هذه المرحلة فقد كانت التي :
1- تأسيس مجلس تشريعي .
2- وضع قانون عام للبلاد جنائي ومدني .
3- السماح بانشاء نقابة للعمال .
4- تأسيس محكمة عليا للنقض والابرام .
على الرغم مما أكده الوطنيون في التماسهم ان المطالبة بتحقيق هذه الاصلاحات إنما هي خطوة ضرورية لإرساء قواعد العدل والانصاف وأنها لا تتعارض مع مصالح الدولة البريطانية والعلاقات الودية معها ، كما انها لا ترمي إلى المساس بمركز حاكم البلاد الشرعي ، إلا أن حكومة البحرين لم تلبث أن أصدرت بيانا أعلنت فيه رفضها لهذه المطالب ، وجاء هذا الرفض مخيبا للآمال في الوصول إلى تفاهم بين الوطنيين والحكومة وخاصة بعد ان أطلق بيان الحكومة على أعضاء الهيئة التنفيذية العليا بأنهم حفنة من الناس ، على الرغم من أنهم كانوا قد أخذوا تفويضا من المواطنين للقيام بمسؤوليات العمل الوطني .
ومع ذلك فقد سعت الهيئة التنفيذية إلى إقناع حاكم البحرين عن طريق المذكرات تارة والاقناع الشفوي تارة أخرى ، بل إنها وسطت الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية ، وكان من الطبيعي أن يعتذر عن هذه الوساطة ويطلب من الوطنيين ضرورة طاعة الحاكم الشرعي .
وإزاء تصلب الشيخ سلمان وجفائه في لقاءاته مع زعماء الحركة الوطنية اضطر هؤلاء إلى الخروج عن الأساليب الشرعية وخاصة حينما استغل المتنافسون على الحكم من أعضاء الاسرة الحاكمة فرصة توتر العلاقات بين الوطنيين والشيخ سلمان ، فعمل بعضهم على استمالة زعماء الحركة الوطنية بهدف الاطاحة به ، ويذكر عبد الرحمن الباكر بصدد ذلك أن دعيج بن حمد شقيق الشيخ سلمان فاتحه في شان تدبير مؤامرة لخلع أخيه ، وتعهد بتنفيذ المطالب الوطنية ولم يحل دون تنفيذ هذه المؤامرة إلا الشكوك التي ساورت زعماء الحركة الوطنية في اعضاء الاسرة المالكة ، هذا فضلا عن موقف الحكومة البريطانية التي كانت تعترض على إحداث أي تغير في أشخاص الحاكمين دون أن يكون ذلك التغيير صادرا عنها .
وفي محاولة لامتصاص الحركة الوطنية بادرت حكومة البحرين بالعمل على تهدئة الوطنيين على أساس الاستجابة لبعض مطالبهم ، وذلك بتشكيل عدة لجان للتحقيق في الدوائر الحكومية المختلفة بهدف التعرف على حالات الفساد التي تعاني منها تلك الدوائر ، ولكن الوطنيين قاطعوا هذه اللجان وأرسلت الهيئة التنفيذية العليا مذكرة إلى حاكم البحرين تتضمن تذكرته بالمطالب السابقة وإعطاءه مهلة معينة ، فإن لم تتلق الهيئة إجابته تتخذ الخطوات التالية:
أولا : مطالبة المواطنين في جميع المجالس والادارات الحكومية المعينين منهم والمنتخبين بالانسحاب واعتبار كل من لا ينفذ ذلك خارجا عن الاجماع الشعبي
ثانيا : تكوين لجان من ذوي الرأي في المدن والقرى لفض الخلافات المدنية بين الجماعات والافراد دون اللجوء في ذلك إلى السلطات الحكومية .
ثالثا : القيام بمظاهرات سلمية شاملة حتى يستجيب المسؤولون إلى المطالب الوطنية .
وفي تقييمنا للحركة الوطنية في البحرين نجد أنها تركزت حول عدة أهداف منها الاحتفاظ للبحرين بطابعها العربي ، من ذلك ما عمد اليه الوطنيون من التصدي لبعض الاحزاب السياسية السرية المؤيدة من قبل إيران ، وأبرزها حزب آريا الذي كان يطالب بالحاق البحرين بإيران الحاقا تاما ، وهذا الالحاق في نظره كان كفيلا بحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البحرين هذا بالإضافة إلى ما دعت اليه الحركة الوطنية من معارضة النظام التقليدي للشيوخ ومع ذلك فإن الحركة الوطنية لم تفكر في المساس بأوضاع الانجليز في الخليج العربي ، وإنما قصرت نشاطها على التنديد بتحكم الموظفين الانجليز في الإدارة الحكومية حتى لا تتعرض إلى نزاع مع الانجليز والأسرة الحاكمة في آن واحد ، وبالتالي تفتت جهودها في جبهتين : كما تميزت الحركة الوطنية في البحرين بالتطلع إلى الخليج وإقامة اتحاد بين إماراته بضم الكويت والبحرين وقطر والمشيخات السبع في اتحاد فيدرالي ، بيد أنها لم توجه اهمية إلى مسقط وعمان ، إذ كان من رأي الوطنيين أنه يجب الانتظار فترة من الوقت حتى تتطور أوضاع السلطة الاقتصادية والاجتماعية ويتم الاتحاد بينها وبين إمامة عمان وبذلك يمكن ضمها إلى اتحاد الخليج ، وقد يكون من المفيد ان نشير هنا إلى ان بيانات الهيئة الوطنية تضمنت مشروعا بتكوين هذا الاتحاد الذي تقوم الكويت بتمثيله في الخارج ويعتمد على معاونة الدول العربية في تزويده بالقوة العسكرية ، وأن يتألف مجلس الاتحاد من الحكام المحليين بشرط أن يعتمد على مجلس تشريعي يراعى في انتخابه التمثيل النسبي للسكان في الإمارات المختلفة ، ويقوم بسن القوانين المدنية والجنائية ، كما يتضمن المشروع إنشاء محكمة فدرالية عليا ، وهكذا كان للحركات الوطنية في البحرين فضل إبراز فكرة اتحاد وطنية يجمع بين امارات الخليج بعد ان أبدى الوطنيون اعتراضهم على الاتحاد الذي أقامته بريطانيا بين مشيخات الساحل العماني باعتباره لا يخدم إلا مصالحها الخاصة بإطالة بقائها في المنطقة ، وليس من شك في ان الدعوة الوطنية إلى إيجاد اتحاد يجمع بين إمارات الخليج كان من أهم المنطلقات الرئيسة التي اتجهت اليها إمارات الخليج لإقامة اتحاد وطني يجمع فيما بينها ، وهو ما تحقق جزء منه في النهاية بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر من عام 1971 .
ولم تلتفت الحكومة الى هذه المطالب المتواضعة التي تقدم بها الوطنيون ،ولذلك ردت الهيئة التنفيذية باعلان الاضراب العام في البحرين في 4 كانون الاول 1954 .وقد اضطرت الحكومة بعد ان حست بقدرة الهيئة التنفيذية على تحريك الجماهير وكسب التاييد الشعبي لها الى الموافقة على التفاوض مع الهيئة التنفيذية حول المطلب السابقة في حالة انهاء الاضراب العام الذي انهي فعلا بعد ان استمر مدة اسبوع واحد .لم تكن الحكومة عازمة على الاستجابة لمطالب الحركة الوطنية فبالرغم من اتفاقها مع الهيئة على تعيين خبراء للنظر في سن قانون مدني واخر جنائي للبلاد ،وتشكيل مجلسين للصحة واخر للمعارف ،فانها عمدت في الوقت نفسه على عرقلة تنفيذ هذه الاتفاقات عند التطبيق ،وينطبق الشيء نفسه على مسالة المجلس التشريعي ونقابة العمال .فاذا الحكومة قد شكلت اللجان لوضع قانون للعمل في البحرين ، فان ( قانون العمل ) و (قانون تعويضات العمال ) الذين وقعها حاكم البحرين الشيخ سلمان ال خليفة في تشرين الاول وتشرين الثاني عام 1957 ،لم يوضعا موضع التنفيذ .وكذالك يمكن ان يقال الامر نفسه بالنسبة لانشاء المجلس التشريعي . وعلى الرغم من محاولة الحكومة احتواء الحركة الوطنية بهذه الصورة الا ان الامر الذي لاشك فيه ان الحركة مضت تشق طريقها في البحرين وقد اثارتها احداث الوطن العربي الرئيسة .بخاصة تاميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ،ولذالك عمدت الحكزمة الى ضرب الحركة الوطنية خشية انتشار تاثيرها في منطقة الخليج العربي .وقامت تنفيذا لذالك باعتقال عددا كبيرا من رجال الحركة الوطنية وتقديمهم ونفيهم ،وصدر الحكم بالنفي فعلا الى جزيرة سنت هيلاتة على عبد الرحمن الباكر وعبد العزيز شملان ،ومع ذالك كله فقد حققت الحركة الوطنية في البحرين نتائج مهمة لعل من ابرزها عزل المستشار البريطاني بلكريف سيء الصيت في بداية عام 1957 .وان الحركة الوطنية ظلت تعبر عن نفسها ،وذالك من خلال الحركات العمالية التي كان من اهمها حركة عام 1965 ،التي استهدفت التعرض للمؤسسات الاستمارية في البحرين ،واطلاق الحركات السياسية في البلاد .وتعود الاسباب المباشرة لهذه الحركة الى اقدام شركة (بابكو )في اذار 1965 على تسريح مايقرب من خمسمائة عامل دفعة واحدة ،مما يعني ان الشركة كانت تستهدف تفية كاملة للعمال العرب واحلال عمال اجانب بدلا عنهم .الا ان هذه الحركة قد وجدت انصارا لها من الطلاب الذين اعلنوا استنكارهم واحتجاجهم على عمليات التسريح التي تقوم بها الشركة ،وعلى موقف السلطات الحاكمة منها .
وعلى اية حال ،فقد اضطرت الشركة تحت هذه الضغوط الاستجابة الى مطالب قادة الحركة الرامية إلى إعادة العمال المفصولين وكان للامر أصداء كبيرة في منطقة الخليج العربي وبالذات على السلطات الاستعمارية البريطانية في المنطقة
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .