المحاضرة الثانية : النشاط الثقافي الامريكي في الخليج العربي :
وقبيل انتهاء القرن التاسع عشر حظيت منطقة الخليج العربي باهتمام مباشر من المبشرين الامريكان ، ففي ثمانينات القرن الماضي ظهر النشاط التبشيري في شمال العراق ، وأسس المبشرون الأمريكيون أول مركز تبشيري لهم في مدينة الموصل وفي عام 1889 أسس الإرسالية العربية لغرض نشر المسيحية لفي الجزيرة العربية والخليج ، بعد دراسة أولية للغة العربية في سوريا ، واستطاعت هذه البعثة تأسيس اول مركز تبشيري لها في البصرة عام 1891 ومن مركزها في البصرة وسعت نشاطها إلى مناطق الخليج العربي ، كالبحرين ومسقط والكويت والاحساء والقطيف وساحل عمان .
وازداد النشاط التبشيري مع بداية القرن العشرين ، وبدأ يرافقه نشاط في المجالات التعليمية والطبية ، أسس المبشرون في عام 1910 مدرسة الرجاء العالي والمدرسة الامريكية للبنات ، كما قاموا بفتح العديد من المستشفيات لأغراض العلاج الطبي فافتتح مركز طبي في عام 1910 ، وقام الأطباء التابعون للبعثات التبشيرية بزيارة إلى الرياض لمعالجة عبد العزيز آل سعود وأفراد عائلته ، وقاموا بزيارات إلى مناطق أخرى من الجزيرة و الخليج العربي .
وقصة علاقة الامريكيين بشبه الجزيرة العربية عامة فيما بين الحربين العالمتين هي قصة الاتصالات والجهود الفردية والجماعية وجهود الشركات المترفقة خلال العشرينيات ولكن هذه الجهود تكاثرت ونمت خلال الثلاثينات اما الاتصالات الرسمية فكانت متواضعة ونمت ببطء شديد وعادة كانت هذه الاتصالات تخص المساعي الاقتصادية للمصالح الامريكية وبصفة عامة يمكن القول أن منطقة الخليج العربي لم تحظ بمثل ذلك النشاط الواسع الذي مارسه الامريكيون في مناطق أخرى من الشرق الاوسط الا بعد ظهور البترول والمشاركة في استثماراته .
ففي البحرين باشرت حوالي ثمان أو تسع بعثات نشاطها التعليمي والتطبيبي ، لفقد اقامت البعثة الامريكية معهدا دينيا تربويا أطلق عليه اسم " البعثة العربية " ويشرف عليه " هيئة النشاط الخارجي للكنيسة الهولندية البروتستانتية في امريكا " وهو يتكون من كنيسة ومدرسة ومستشفى وصيدلية ومنذ ذلك الوقت ظهر النفوذ الامريكي واضحا في البحرين وامتد إلى الكويت والبصرة في شمال الخليج .
وكان مستشفى ماسون بالبحرين مشغولا بصفة مستمرة بعلاج المرضى ، وعلى الرغم من أن نشاط البعثة كان منحصرا في المجالات الطبية والتعليمية ، إلا انها أخذت تعلن عن استيائها عن من الأنظمة الجديدة التي فرضتها بريطانيا على البحرين ، والتي ترتب عليها خلع الشيخ عيسى بن خليفة سنة 1923 وإدخال كثير من الموظفين البريطانيين في الإدارات الحكومية ، ولا شك أن هذه الإجراءات قللت من نفوذ البعثة فقبل تدعيم السيطرة البريطانية على البحرين كان للبعثة الأمريكية روابط وثيقة مع البحرينيين ، وكان كثير من المدارس الحكومية النظامية ابتداء من سنة 1919 أثر كبير في التقليل من أهمية مدارس البعثة الأمريكية ، لدرجة أنه لم يعد في المدارس التابعة لها أطفال مسلمون ، والقليل المتبقي كان من اليهود ، وكان التعليم يتم بالمجان في مدارس البعثة .
وقد أنشأت شركة بترول البحرين في سنة 1934 جناحا جديدا في المستشفى ، الذي أقامته البعثة للرجال والنساء ، وكان لذلك المستشفى شهرة كبيرة وخدمات واسعة في المنطقة . وكان للعلاج فيها بالأجر للأثرياء .
وفي سنة 1935 تزايد نفوذ وتأثير البعثة الأمريكية في البحرين بدرجة كبيرة ، شغلت معها المقيم السياسي البريطاني في الخليج ، وكذا الوكيل السياسي البريطاني في البحرين ففي 21 فبراير من نفس العام كتب الوكيل السياسي البريطاني في البحرين لوش إلى المقيم السياسي في الخليج يقول : إن البعثة العربية ( الامريكية ) قد عادت منذ فترة إلى تحديد اهتماماتها بقطر والساحل المهادن ، وقد عين الدكتور شتورم في البحرين وكان قد دخل ظفار دون إذن سلطان مسقط وكان من المقرر أن يقوم شتورم بنشاط على نطاق واسع ، كذلك يقول ان الدكتور دام والدكتور توماس قد امضيا وقتا لا بأس به في قطر ، حيث من المحتمل أن واحدا منهما قد حاول ممارسة نفوذه على الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني لمصلحة شركة ستندارد كاليفورنيا للبترول كذلك تكلم الاثنان بلهجة معادية لبريطانيا ولصالح أمريكا ، وأضاف انه يكاد يكون من المستحيل عمل شيء يمنع أطباء البعثة العربية ( الامريكية ) من تقديم المساعدة الطبية إلى قطر والساحل المهادن ، إلا إذا قدمنا بأنفسنا هذه المساعدة ، ويفسر لوش أسباب حدوث ذلك إلى مقاومة تدخل وتسرب النفوذ الامريكي إلى قطر والساحل المهادن عن طريق تقديم الخدمات الطبية من ناحية والى استحالة منع الامريكيين من تقديم تلك الخدمات ويرى لوش ان الحل يكمن في أن تقدم بريطانيا بنفسها تلك الخدمات إلى سكان المنطقة .
وفي مايو من نفس العام أراد الوكيل السياسي البريطاني في البحرين لوش ان يحد من نشاط البعثة الأمريكية الذي اخذ يمتد إلى منطقة الساحل المهادن ، وذلك عن طريق تعيين مسؤول طبي يستطيع ان يقف في وجه النشاط الأمريكي المتزايد في المنطقة ، والذي ينطلق من البحرين وقد أدرك المقيم السياسي في الخليج هذه المخاطر من الامريكيين على النفوذ البريطاني هناك ، ولذلك نراه يؤيد وجهة نظر وكيله في البحرين ويحثّ حكومة الهند على الموافقة على ذلك الاقتراح للتمكن من مكافحة النشاط الامريكي ومنع تسربه إلى الساحل المهادن .
وهذا يؤكد أن النفوذ الامريكي في البحرين قد نما فيما بين الحربين العالميتين بصورة واضحة ، لدرجة أنه يسعى للتسلل والانتشار في مناطق جديدة مجاورة وان انجلترا تصر على حصر ذلك النفوذ وإحباط محاولات انتشاره .
وعلى الرغم من ازدياد النشاط الامريكي في منطقة الخليج العربي من أجل التبشير ، إلا ان البعثة لم تنجح في مجالها التبشيري بالرغم من اتباعها لوسائل كثيرة من أجل ضمان النجاح ومنها إقامة الصلاة تقديم المرضى للعلاج ، فاذا لم يحضرها المريض ولا يحصل على الدواء ، وكان هذا نوعا من الضغط على المرضى لاعتناق المسحية ، وعموما كان الشعور الإسلامي العام قضى على كل أمل للبعثة في تحقيق أغراضها التبشيرية .
وقد ظلت العلاقات البحرينية – الامريكية مقصورة على الجوانب التبشيرية والاجتماعية بالاضافة إلى بعض المبادلات التجارية ففي سنة 1931 كانت الولايات المتحدة الامريكية هي الدولة الخامسة في استيراد البضائع من البحرين إلى أن دخلت شركات البترول الامريكية اليها واستطاعت ان تنفرد باستثماره بذلك لعب البترول الدور الاساسي في التعامل بين البحرينيين والامريكيين . ..
وفي نفس العام (1909 ) أسست البعثة الامريكية فرعا لها في الكويت ، وذلك عندما زارها الدكتور ستانلي ميلري والدكتور هاريسون وفي سنة 1911 سمح للإرسالية الامريكية بشراء قطع أرض مناسبة لبناء مستشفى تابعة لها ، فوق التل الكبير الواقع غرب مدينة الكويت ، وكانت الارسالية تباشر عملها من قبل في مبنى صغير ليكون مستشفى .
وفي سنة 1912 وصلت اليانور كالفرلي إلى الكويت بصحبة زوجها إدوين كالفرلي وقد اعتبر حضورهما حدثا هاما لما ساهموا به م نشاط في خدمة البعثة الامريكية .
وفي مدينة الكويت وتم بناء المستشفى في عام 1913 وكان اول بناء يشاد به من الخرسانة المسلحة ، وافتتح في عام 1914 وبعد سنوات قليلة افتتح مستشفى آخر للنساء والاطفال على الطراز الحديث ، وفي المستشفى الأول بدأ الدكتور ميلري عمله الطبي حتى تقاعد عام 1941 وظل المستشفى يعمل حتى عام 1967 حيث أنهت الارسالية خدماتها لزوال ضرورة بقائها .
وبالاضافة إلى النشاط الطبي ، افتتح الامريكيون فيما بين الحربين العالميتين عددا من المدارس للأولاد والبنات ، ومراكز لبيع الكتب وحجرات للإطلاع وتقول بيلت التي كانت عضوا في البعثة الامريكية في البحرين ثم انتقلت إلى الكويت بعد عام 1920 انه في عام 1912 استطاع أعضاء البعثة الامريكية تنظيم مشروعهم التبشيري بأن جعلوا التعليم والتطبيب وحدة واحدة ، كما استطاعوا التغلب على كثير من مظاهر العداء للمسيحية ولم يكن لهؤلاء الرجال والسيدات العاملين في البعثة اتصال رسمي بالولايات المتحدة ، على الرغم من ان القنصل الامريكي في بغداد كان يطوف بالخليج عادة ، وفي معظم الاحوال كان أعضاء البعثة يلاقون معاملة طيبة من الموظفين الرسميين البريطانيين ، الذين كانوا يقدمون لهم المساعدة أحيانا ، وقد عمت خدمات الارسالية الامريكية وتزايد ، واستفاد منها الناس في الكويت . ..
ورغم هذا النشاط المتنوع للبعثة الامريكية في الكويت ، وإدراكها لكثير من الأمور في الكويت ، ومساهماتها في مجال التعليم والتطبيب ، فإن الميول الدينية والطباع البدوية غلبت على الشيخ سالم الصباح حتى أنه أخذ يحد من نشاط البعثة الامريكية في الوقت الذي زاد فيه عدد المدارس القرآنية وأكثر من عقد مجالس الوعظ والارشاد .
لقد جاء النشاط التبشيري متماشيا مع متطلبات المصالح الامريكية المتنامية في الخليج العربي وكان خطوة تمهيدية لدعم هذه المصالح وما يعقبها من نفوذ سياسي امريكي في المنطقة ، وليس ثمة شك في ان مثل هذا الهدف لا يمكن تحقيقه دون توثيق أواصر العلاقة مع سكان المنطقة وإبراز الوجه المشرق للتبشير ، من خلال الخدمات الطبية والتعليمية التي كانت تقوم بتقديمها البعثات التبشيرية للسكان مستغلة بذلك تخلف المنطقة عما وصل اليه المجتمع الغربي من تقدم ، ولا تتوقف المهمة التبشيرية عند هذا الحد بل تولى بعض المبشرين بنفسه مهمة الوكيل عن مصالح بدلاه ، فقد استطاع أحد الاطباء المرافقين للبعثة التبشيرية الامريكية في البحرين من الحصول على امتياز نفط قطر لشركة ستاندار أويل كومبني اوف كاليفورنيا .