انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية : سياسة الانكليز إزاء التوجهات الروسية نحو الخليج

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/27/2011 7:27:18 AM

المحاضرة الثانية : سياسة  الانكليز إزاء التوجهات الروسية نحو الخليج

 

أثار ازدياد النشاط الروسي واحتمال تقدمهم نحو الخليج العربي رجال الاستعمار البريطاني وأكد اللورد نورث بروك على هذه النقطة في رسالة كتبها من الهند في 20 اذار 1876 إلى وزارة الخارجية البريطانية وجاء فيها :

 

(( يجب ان نعتبر أي امتداد للمناطق الروسية صوب الخليج العربي أو اية حماية روسية لسواحل ذلك الخليج خطرا مباشرا على الهند ، وهذا بحد ذاته كافٍ ،       – حسب ما اعتقد – لأجل استعمال القوة للمحافظة على سيادتنا الحالية في الخليج ))

 

وقد أشغلت فكرة الزحف الروسي على الخليج العربي واحتمال تمركزها في موانئه أذهان الساسة البريطانيين ورجال الجيش والبحرية وذلك بعد أن أصبح الهدف الأساس للقياصرة الروس ، في نهاية القرن التاسع عشر الحصول على مرفأ على الخليج العربي يؤدي إلى مياه المحيط الهندي الدافئة ، ووقف اللورد كيرزون الذي عين نائبا للملك البريطاني في الهند عام 1898 ضد مشاريع روسيا في فارس لأن أهداف السياسة الروسية – حسب رأيه – هي وضع نهاية لامبراطورية بريطانيا ، ويستطرد كيرزون فيقول أنه لا يرى هدفا غير هذا في نظام حكومة لا يقوم على حرية التصرف أو الفكر والتخطيط ، وأضاف أن الحكومة الروسية تتحرك بامر الجنرالات كما دعا كيرزون رجال حكومته إلى الحفاظ على مركز بريطانيا الاستعماري في الخليج العربي وحذر قائلا :

 

(( إنني سأعتبر أي امتياز لمرفأ يعطي إلى روسيا في الخليج العربي من قبل أي قوة إهانة متعمدة موجهة إلى بريطانيا العظمى ، واعتبر ذلك خرقا للوضع الراهن واستفزازا دوليا للحرب ، واعتبر أي وزير بريطاني يقبل التخلي لروسيا عن ميناء على ساحل الخليج العربي بأنه خائن لوطنه )) .

 

 

بعد أن  أشار كيرزون إلى النشاط الألماني في الخليج اتجه إلى روسيا وأكد تحريضها للدول الاوربية وعن نشاطها الزائد في الخليج ، ومن ذلك حصولها على امتياز لصيد اللؤلؤ في الشواطئ الفارسية عام 1898 كما ان الجمارك الفارسية أصبحت في ايدي ضباط بلجيك أو إسبان تحت الادارة الروسية واكد كيرزون التقجم الملحوظ لذي وصلت اليه روسيا في جنوب فارس والخليج رغما عن ان هذه المناطق تعتبرها انجلترا خارجة عن نطاق نفوذ روسيا ، كما ان حكومة الهند تنظر إلى تقدم روسيا عبر الصحارى التي هي بمثابة حدود طبيعية بين جنوب فارس وشمالها بعدم الارتياح ، وينبغي الاشارة هنا إلى أن للسياسة البريطانية التقليدية كانت تؤمن بضرورة إبقاء سلسلة من الدول الممتدة من آسيا الصغرى غربا فإيران وأفغانستان والتبت والصين شرقا دولا مستقلة سياسيا ولكن بدرجة تكفي ان تشكل سدا يمنع التقدم الروسي إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي بما في ذلك امتداده إلى الخليج وكانت هذه الدول تشكل حسب المصطلح السياسي الدولي في القرن التاسع عشر ما يعرف باسم الدول العازلة بيد أن هذه الدول لم تسلم من التدخلات الخارجية لضعفها الاقتصادي ، وقد أفصح اللورد كيرزون عن رأيه بالنسبة لوضع فارس بين بريطانيا وروسيا في المذكرة التي بعث بها إلى وزارة الهند والتي جاء فيها بأنه منذ اكثر من نصف قرن تتكرر تأكيدات من جانب الدولتين بخصوص استقلال فارس وكانت أولى هذه التأكيدات من اللورد بالمرستون والكونت نيسلورد في عام 1834 ثم تأكيد آخر في عام 1878 بعث به الكونت دي برنو إلى اللورد جرانفيل وزير الخارجية البريطانية وأخيرا دارت المراسلات في عام 1898 بين المسيو دي جيزو واللورد سالسبوري أكد فيها الاثنان انه ليس لحكومتيهما اية اعتراضات على الوضع المستقل لفارس بين بريطانيا وروسيا ، وختم كيرزون مذكرته بضرورة تقوية النفوذ البريطاني في الخليج الفارسي لضمان حماية الهند ، وأظهر الحاجة إلى سلوك سياسة جديدة تكو أكثر حزما كما أوضح بأن السماح لأية دولة أوربية أخرى وعلى الأخص روسيا ان تجتاح أواسط فارس وجنوبها حتى تصل إلى الخليج أو ان تمتلك قواعد للإسطول فيه دون ان تكون لها علاقة بالممتلكات المحيطة به يعد تهديدا للمصالح البريطانية ، ومن البديهيات الأساسيات في السياسة البريطانية ألا ترضى عن مثل ذلك .

 

والواقع أن الامر الذي استفز كيرزون هو وصول النفوذ الروسي إلى جنوب فارس ( أصفهان وشيراز وبوشهر ) ومن ثم تطلعها إلى الخليج وكان من رأى كيرزون أن السكة الحديدية التي تأمل روسيا إنشاءها في جنوب فارس ينبغي ان توضع في أيدي الحكومة البريطانية ، وأن سيطرة روسيا في الشمال ينبغي ان بسيطرة بريطانيا في الجنوب ، على ان كيرزون رغما عن ذلك لم يكن موافقا على فكرة تقسيم فارس وإنما عارض هذه السياسة معارضة شديدة وكان من رأيه أنه لو حدث التقسيم فإن روسيا ستحقق الهدف عن طريق بغداد وبلاد النهرين الامر الذي عده مقلقا للغاية ، ويبدو أن حماس كيرزون الزائد قد دفع هاميلتون زوير الهند إلى تأييد ما ذهب اليه كيرزون في مذكرته السابقة مع شيء من التحفظ فمع تسليمه بأن الموقف البريطاني أصبح مهددا إلا أنه أشار إلى ان الحكومة البريطانية لا تستطيع برغم ذلك أن تنكر حق الدول الأخرى في الحصول على موانئ في الخليج .

 

وعلى الرغم من ان الحكومة البريطانية كانت لا تزال تستحوذ على احتكار التجارة في تلك الانحاء إلا ان مثل هذا الوضع كان معرضا للتغيير ، ويرجع السبب في ذلك إلى امتداد الخطوط الحديدية إلى البحر ، وثانيا إلى النشاط المتزايد للتجارة الخارجية وبالتالي فإن حصول روسيا أو غيرها من الدول على موانئ في الخليج سيؤدي إلى خرق للإحتكار التجاري الذي تستحوذه بريطانيا منذ عدة قرون .

 

وزادت الخشية البريطانية من النشاط الروسي ، بعد ظهور المشروع الروسي لمد سكة حديد بين الساحل السوري والكويت ، وساهم الخبير البحري الأمريكي الاميرال ( ماهان ) في تصعيد القلق والخوف من الخطر الروسي ففي كتابه                 (( مشكلة آسيا وتأثيرها على السياسة الدولية )) حذر بريطانيا من التقليل من أهمية الخطر الروسي على إيران و الخليج العربي ، وقال إن مجرد سيادة روسيا على إيران وأفغانستان سيجعلها تسيطر على أهم طريق تجاري وحربي للإمبراطورية البريطانية .

 

انه لا يجب التقليل من أهمية الخطر الروسي على فارس والخليج ، وقال :              (( إن مجرد سيادة روسيا على إيران وأفغانستان سيسهل لها السيطرة على الخليج ، وان خطر الروس ليس خطرا عسكريا فحسب ، وإنما يتمثل في استعمارها الاقتصادي لمنطقة الشرق الاوسط وتنفيذ مشروعاتها الخاصة بربط البحر المتوسط بالخليج عن طريق سكك حديدية ، وإن روسيا ستتوسع في بلاد العرب وستهدد الاحتلال البريطاني في مصر إذا ما استولت على الخليج )) . ووجه ماهان انتقادا للسياسة البريطانية فذكر أن قيام بريطانيا بإضعاف الإمبراطورية العثمانية والعمل على تفكيكها جعل تلك الامبراطورية لا تقوى على الدفاع عن نفسها ضد أي خطر ، وأنه ينبغي على بريطانيا ان تعالج مسألة فارس كدولة ذات سيادة وليس  مجرد غنيمة تتنافس عليها مع روسيا ، وأن وجود دول مستقلة قوية في أفغانستان وفارس والامبراطورية العثمانية تحترم الدول الاوربية حيادها أمر كفيل بإزالة ما يسود أذهان الساسة الانجليز من مخاوف حول مستقبل نفوذهم في الخليج ، وأكد ماهان أن بريطانيا كانت تقدر ان المحافظة على تفوقها في الخليج أمر لازم للدفاع عن الهند ، ومجرد دولة أخرى سيفضي إلى اضطرابات بالغة في الهند نفسها ن وسيؤدي إلى عدم ثقة سكان والخليج بقوة بريطانيا ، وحذر ماهان الانجليز بقوله (( إن التنازل عن شيء من خليج فارس سواء كان ذلك باتفاق رسمي أو بإهمال المصالح التجارية التي هي أساس التسلط السياسي والعسكري يعرض للخطر مركزا انجلتر البحري في الشرق الأقصى ومركزها السياسي في الهند ومصالحها التجارية في المكانين ، وإن انجلترا هي الدولة ذات الاختصاص الأول لمسألة الخليج العربي ، وذلك في حالة إخفاق تركيا وإيران إخفاقا واضحا ، وليس ما تقوم به بريطانيا ناشئا عن حقوقها فحسب ، بل عن مسؤوليتها الامبراطورية وحمايتها على الهند ))  .

 

والواقع أن بريطانيا أخذت تقدر خطر المنافسة الروسية لها في الخليج منذ عام 1899 حينما كانت روسيا تبذل أقصى الجهود للحصول على ميناء في الخليج وكانت تهدف من وراء ذلك أن تربط الميناء بخط حديدي يمتد من طهران إلى بوشهر عن طريق إصفهان وشيراز ، وقد اعترضت الصحف البريطانية على ذلك وأكدت ان فكرة استخدام روسيا لخط حديدي يمر من هرات وبلوخستان ويصل إلى  أحد موانئ الخليج ، يعني ان الروس ينوون جعل الخليج طريقا بحريا إلى الهند والواقع ان للرأي العام في انجلترا انقسم إلى قسمين : قسم يريد اتخاذ القوة ضد روسيا وإحباط خططها ، بينما كان من رأي الفريق الآخر انه ليس من المعقول أن روسيا تريد ان تكرر في الخليج ما صادفها من متاعب في منشوريا في خليج بيشلي وكياوشاو وبورت ارثر فتقدم على السيطرة على ميناء بعيد كالكويت أو بندر عباس أو شوربار وأن روسيا لا تنوي في الواقع معاداة بريطانيا وكل ما ترغب فيه فقط هو توسيع نطاق تجارتها مع فارس وأن تبحث عن ميناء للتصدير في الخليج ، اما عن مد سكة حديدية فليس من المؤكد ان يتم ذلك لأن إنشائها يحملها نفقات كبيرة فضلا عن وعورة الأراضي التي يجتازها الخط ، وعلى العكس من ذلك نادى هذا الفريق أنه بمساعدة روسيا تستطيع انجلترا ان تبعد الالمان ولكن المشكلة كانت على أي أساس تستطيع انجلترا ان ترفض مطالب المانيا إذا ما طلبت المعاملة بالمثل ، وهكذا تأكد رأي الفريق الأول أنه لا يجب على بريطانيا ان تستلم لأي خرق للوضع الذي من شأنه ان يمس مصالحها في الخليج ، فإذا لم تفعل ذلك ستكون عرضة لأن ترى كلتا الدولتين روسيا وألمانيا يؤسسان مراكز لهما على الطرق الموصل لإمبراطوريتها .

 

اما في كتابه (( نظرة إلى الماضي والمستقبل )) في العلاقات الدولية المطبوع في عام 1902 فقد قال :

 

(( إن أي تنازل من جانب بريطاني في الخليج العربي سواء أكان ذلك حسب اتفاق رسمي معين ، أم كان مجرد إهمال لتجارتها المحلية ، يعرض للخطر مكانة بريطانيا البحرية في الشرق الأقصى ، ومركزها السياسي في الهند ، ومصالحها التجارية في كليهما ، وكذلك الروابط الامبراطورية بينها وبين استراليا )) .

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .