المحاضرة الثالثة : سكة حديد برلين – بغداد .
وكان النشاط الألماني الآخر الذي أثار المنافسة الدولية في منطقة الخليج العربي هو حصول ألمانيا على امتياز سكة حديد بغداد في سنة 1898 وقد تمت موافقة السلطان عبد الحميد الثاني ، في اليوم السابع من شهر آذار 1902 ، ولأسباب مالية رأت الشركة الالمانية أن تشرك أموال أخرى غير المانية كي توفر المال اللازم ، فعدل الامتياز على هذا الاساس واستقر ، في اليوم الخامس من آذار 1903 ، واحتوى امتياز السكة ، على ان يمد خط حديدي بين قونية – اسيا الصغرى – والبصرة ، ويمد منه فرع إلى الخليج العربي عند نقطة تحدد بعد ذلك ، وللشركة الالمانية الحق في التنقيب واستخراج المعادن الموجودة في المنطقة على جانبي السكة المقترحة ولمدى عشرين كيلومترا ولها ان تستخدم الرافدين ملاحها بقدر تعلق الامر بعملها ، ونص الامتياز على تكوين شركة جديدة مساهمة لإدارة المشروع مستقلة عن شركة سكة حديد الأناضول ( الألمانية ) وقد أسست الشركة فعلا ، في اليوم الثالث عشر من شهر نيسان سنة 1903 .
قوبل مشروع السكة بردود فعل مختلفة من الدول الكبرى ، التي كانت تتنافس في المنطقة ( بريطانيا – فرنسا – ألمانيا – وروسيا القيصرية ) وقد نظرت بريطانيا إلى المشروع بان هدفه نسف المصالح البريطانية في شرق البحر المتوسط ومصر والعراق والهند ، وأن يكون اداة لضمان أسواق للصناعات الألمانية المتزايدة ، وكان اللورد كيرزون نائب الملك في الهند ، يعتقد بان أي مشروع لبناء سكة حديد برلين – بغداد يستهدف السيطرة على ميناء الكويت المهم الواقع إلى الشمال الغربي من الخليج ولهذا سارعت بريطانيا إلى عقد معاهدة مع قائم مقام الكويت عام 1899 وبخاصة بعد تقديم مشروع روسي لمد خط حديدي بين طرابلس على البحر المتوسط واحد موانئ الخليج العربي في السنة السابقة ونصت على عدم منح حاكم الكويت وأبنائه وخلفائه من بعده ، حق الاقامة للممثلين الأجانب بدون موافقة مسبقة من قبل بريطانيا ، ولا يحق له التصرف بأراضيه بأي شكل من الاشكال لصالح دولة أخرى بدون إذن من بريطانيا .
وقد هدف حاكم الكويت الامر الذي ساعد على الانتعاش الاقتصادي استراتيجية واقتصادية وبخاصة بعدما قررت ألمانيا بأن الكويت هي النهاية الملائمة للخط الحديدي .
وقد ازدادت المعارضة البريطانية الروسية لسكة حديد برلين – بغداد بعد الاتفاق البريطاني الروسي حول تقسيم إيران سنة 1907 وأصبح عاملا مهما في إبعاد شقة الخلاف بين ألمانيا وبين التحالف الروسي الفرنسي البريطاني وفي سنة 1911 أمكن التوصل بموجب اتفاقية بوتسدام إلى اتفاق بين المانيا وروسيا ، تعهدت روسيا بمقتضاه بألا تضع العراقيل امام بناء هذا الخط ، وقد تعهدت ألمانيا مقابل ذلك بالاعتراف بادعاءات روسيا في إيران ، وعدم التدخل في الشؤون الايرانية وترك مشروع سكة حديد بغداد خانقين ، وفي اوائل عام 1914 وصلت المانيا إلى تفاهم مع فرنسا حول هذا المشروع حيث أقرت ألمانيا أن يكون النظام الحديدي في شمال الاناضول الذي يربط البحر الأسود بهضبة الأناضول من اختصاص فرنسا ، وكذلك فرع الخط الحديدي إلى الاسكندرونة وشمال سوريا .
وعملت الدولة العثمانية على تهيئة الظروف المناسبة لإنهاء المعارضة البريطانية ، فاستحصلت موافقة ألمانيا في عام 1909 على تعديل بعض نصوص امتياز السكة لسنة 1903 بقصد فصل الجزء الواقع بين بغداد والبصرة كي يستطيعوا المساومة مع البريطانيين ، فعدلوا نصوص مشروع السكة مع الالمان في آذار 1911 الذين تنازلوا عن مد الخط بين بغداد والبصرة ، وكذلك عن بناء ميناء في البصرة ، فأبلغت الحكومة البريطانية الجانب العثماني ، أن كافة المصالح البريطانية يجب ان تضمن بشكل كافٍ ، وعدم محاباة دولة على حساب دولة أخرى ، وان يكون لبريطانيا ممثلان في هيأة شركة سكة حديد برلين – بغداد ، وأن نهاية الخط تكون عند البصرة ، وأن لا يمدّ خط أبعد من البصرة باتجاه الخليج بدون اتفاقية مسبقة مع الانكليز . تم الاتفاق بين الدولة العثمانية وبريطانيا حول سكة حديد بغداد آب 1913 وتعهدت الدولة العثمانية في الاتفاق بعدم التمييز بالنسبة للتجارة المحمولة بالسكك الحديدية وتعين عضوين بريطانيين في مجلس إدارة شركة سكة الحديد برلين – بغداد وعدت البصرة هي نقطة الانهاء بالنسبة للخط ، ولا يجوز تمديده جنوبا إلا بموافقة بريطانيا ، ونتيجة لهذا الاتفاق توصلت بريطانيا مع ألمانيا إلى اتفاق في حزيران 1914 تعهدت فيه بعدم وضع العراقيل أمام مشروع سكة الحديد ، ولكنها اتفقت مع ألمانيا على عدم البدء في إنشاء الفرع بين بغداد والخليج العربي إلا بعد اتفاق شامل تشارك فيه حكومات بريطانية وألمانية والدولة العثمانية ، وذلك محاولة من بريطانيا في إضاعة الوقت وعدم السماح لألمانيا في الوصول إلى الخليج العربي ، غير أن قيام الحرب العالمية أوقف تنفيذ المشروع ، وأوقف كل أمل ألماني في