محاضرات الاسبوع الثامن عشر : شباط 2011
ألمانيا القيصرية و الخليج العربي
المحاضرة الأولى : العلاقات الألمانية - العثمانية :
إذا كانت روسيا أهم منافس لبريطانيا في الخليج في السنوات الاخيرة من القرن التاسع عشر فقد أصبحت ألمانيا ذلك المنافس الخطير في السنوات الأولى من القرن العشرين ، والواقع إن وصول ألمانيا إلى تركيا الاسيوية والخليج وإن كان ظاهرا من أجل المشاريع الاقتصادية والامتيازات التي سعت في الحصول عليها من الباب العالي لبناء خط حديدي عبر الاناضول إلى الخليج ، إلا ان هذا النشاط الذي كانت تقوم به ألمانيا كان يعدّ أشد خطرا من الخطر الروسي في المناطق التي كانت تعتبرها بريطانيا مناطق نفوذ خاصة ، ولا شك إن التصريح السياسي الذي أدلى به اللورد لانزدون في مجلس اللوردات البريطاني في 5 مايو 1903 كان موجها إلى المانيا بقدر ما كان موجها إلى روسيا على الرغم مما بدا آنئذ من أنه كان موجها إلى روسيا فقط ، ومما يستلفت النظر ان المصالح الألمانية في الدولة العثمانية كانت حتى عام 1870 منحصرة في نشاط البعثات الدينية البروتستانتية في الشام مع جانب بسيط من التجارة ، ولم يقم لنفوذ ألمانيا السياسي أو الاقتصادي أهمية تذكر ، غير ان انتصار ألمانيا على فرسنا في عام 1871 اكسبها مركزا كبيرا في نظر الاتراك الذين كان من دأبهم احترام القوة العسكرية ، واقترن هذا الاعظام من شأن المانيا بتضاؤل هيبة فرنسا في الدولة العثمانية ، وكانت الخطوات التي خطتها بريطاني خيرا للإنفراد بالنفوذ في الخليج قد أثارت السلطان واعتبرتها اعتداء على نفوذه الحوي في سواحل الخليج ، ذلك النفوذ الذي اخذ يحرص عليه ويعمل على دعمه ، ومما يستلفت النظر ان المصالح البريطانية كانت واضحة في تركيا الآسيوية دون ان تلقى معارضة الدولة العثمانية ، ويرجع ذلك إلى النفوذ الذي كانت تتمتع به بريطانيا عقب حرب القرم ، على أن التغير الذي حدث في مواقف السلطان عبد الحميد الثاني السياسية والاقتصادية غزاء بريطانيا كان يرجع بالدرجة الأولى إلى موقف الحكومة البريطانية من المسألة المصرية ، ذلك ان احتلال انجلترا لمصر عام 1882 اعتبره السلطان اعتداءا صارخا على جزء من ممتلكاته الإسلامية ، ولم تكد تنقضي فترة وجيزة حتى احتل الألمان مكانة الانجليز ولم يكتف السلطان بذلك بل حارب المصالح البريطانية في العراق وفي الخليج ، وأخيرا دعا السلطان عبد الحميد إلى الجامعة الاسلامية لتكون قوة سياسية رادعة ضد النفوذ البريطاني وقد تطورت العلاقات بين برلين والاستانة نتيجة لذلك تطورا حسنا ، وكما هو معروف ساهمت المانيا في تسليح وتنظيم الجيش العثماني على يد القائد الالماني الشهير فون دير جولتز وعلى الرغم مما ظهر في سياسة بسمارك من معارضة شديدة للتوسع الالماني في الشرق إلا ان هذه السياسة سرعان ما تغيرت فقد نتج عن مؤتمر برلين عام 1878 شعور بالعداء المطلق لروسيا ضد السياسة الالمانية وأدرك بسمارك أنه لو قامت الحرب سيكون أعداء روسيا أصدق حلفاء لألمانيا ولما كانت الامبراطورية العثمانية هي اكبر عدو لروسيا في ذلك الوقت ، فقد اتجه بسمارك إلى محاولة التقرب اليها ، ولكن قبل أن يحدث التقارب الألماني ، كانت الدولة العثمانية هي التي رحبت بالصداقة الألمانية إذ وجد السلطان عبد الحميد أن جيشه وإدارته الداخلية يحتاجان إلى تنظيم ولذلك اتجه إلى ألمانيا التي رحبت بمساعدته وأمدته بالبعثات العسكرية وخبراء في الادارة وفي تذليل عقد القروض للدولة ، في الوقت الذي احجمت فيه الكثير من البيوت المالية البريطانية عن تمويل المشروعات الاصلاحية في الدولة العثمانية بعد ان وصل الاقتصاد العثماني إلى سمعة سيئة في الدوائر المالية البريطانية بسبب الأزمة المالية التي عانتها الامبراطورية العثمانية منذ عام 1875 وما بعدها ، مما ترك المجال مفتوحا للتوغل الألماني في الدولة العثمانية ويرى هاردنج بصدد ذلك ان السياسة الالمانية ونفوذها على الباب العالي كانت نشطة للغاية وذلك بفضل السياسة التي كان يتبعها الكونت رادوفيتز السفير الألماني في الاستانة الذي انتهز فرصة كراهية السلطان لانجلترا واستياءه من روسيا ليقدم مصالح ألمانيا في الدولة العثمانية على غيرها من الدول الاخرى ، على ان الحكومة البريطانية لم تنظر في بداية الامر إلى الخطر الألماني كخطر يتهددها ، وإنما على العكس من ذلك إذ أن شواهد كثيرة على ان المستر وايت السفير البريطاني في الاستانة ، كان يبذل أقصى ما في وسعه لترجيح المطالب الالمانية لموازنة النفوذ الروسي في الدولة العثمانية .
وعموما تطورت العلاقات بين ألمانيا والدولة العثمانية تطورا حسنا بعد سنة 1880 فقد طلب السلطان العثماني من بسمارك تجهيزه بضباط المان لتدريب الجيش العثماني ولكن بسمارك اعتذر عن قبول هذا الطلب لعوامل سياسية تتعلق بالدرجة الأولى بالعلاقات الالمانية الروسية ، ومع ذلك ظل بسمارك يعد صديقا للدولة العثمانية وحليفا لها في أية حرب تقع بينها وبين روسيا القيصرية ، وكان بسمارك يكنّ احتراما عظيما لشجاعة القوات التركية البرية ، وقد قام القائد الالماني ( كولتز ) بإقناع معامل الاسلحة الالمانية بتجهيز الدولة العثمانية بمدافع من طراز كروب لجل تحصين الدردنيل ، وكذلك تجهيز البحرية العثمانية بعدد من قوارب الطوربيد وبنادق من طراز لإعادة تسليح الجيش العثماني ، وكانت هذه الخطوة بالذات عاملا جديدا . في سير العلاقات الدولية بالنسبة للعثمانيين ، فقد قام كولتز بتهيئة الجو المناسب للنشاط الاقتصادي الالماني في آسيا الصغرى ، قامت الشركة الالمانية بإرسال البعوث الاقتصادية إلى الدولة العثمانية ، فوصلت البعثة الالمانية إلى لبنان في سنة 1881 لغرض جمع المعلومات الاقتصادية ووصل عدد من الرحالة الالمان إلى ممتلكات الدولة العثمانية الامر الذي أدى إلى ازدهار التجارة الالمانية ونجاح الصناعة الالمانية في الاسواق العثمانية .
أدى مجيء القيصر وليم الثاني إلى العرش الالماني ، في سنة 1888 إلى تطور سريع في العلاقات الالمانية العثمانية ، فقد اختط القيصر سياسة جديدة لبلاده ، وتعد سنة 1890 بداية للسياسة الالمانية بالمسماة بــ( السياسة العالمية ) التي من أهم مميزاتها اشتداد النزعة الاستعمارية واستثمار رؤوس الاموال فوقع البنك الالماني في 4 تشرين الأول 1888 على الاتفاقية النهائية لمد سكة حديد باشا بمسافة 485 ميلا إلى أنقرة وقام القيصر بزيارتين للدولة العثمانية في سنتي 1889 و1898 وكان لزيارة القيصر الثانية أهمية خاصة فقد عبر القيصر عن صداقته للسلطان وشعبه كما جاء في خطاب له بدمشق ، وفتحت أمام الألمان آفاق اقتصادية كبيرة .