المحاضرة الثالثة : مشكلة الفاو
جاءت أهمية الفاو عندما تأسست فيها أول محطة للتلغراف عام 1861 في موضع يقع بين جدولي حاجي عبد الله وحاجي رشيد ، إلى جانب ميناء البصرة بمسافة ستين ميلا( 97 كم ) والى شمال بناية الحجر الصحي العثماني بمسافة لا تزيد على مئتي ياردة .
كانت مياه شط العرب تحد الفاو من الشمال الشرقي والصحراء من الجنوب الغربي والمساحات الطينية المكسوة بالحشائش والطحالب من جهتي الشرق والجنوب لدرجة كان يصعب النزول إلى شواطئها في هاتين الجهتين اللتين كانتا تقطعان مجموعة من الجداول الصغيرة التي لم يتجاوز طول الجدول الواحد مناه ربع ميل لذا كانت تبدو وكانها خلجان صغيرة .
ومن الزاوية الادارية ، ظلت الفاو ناحية صغيرة من نواحي البصرة حتى عام 1903 عندما صيرها العثمانيون قضاءا لتزايد اهميتها العسكرية إلا انها اهملت فيما بعد وعادت لتصبح ناحية مرة اخرى .
لقد زاد الاهتمام البريطاني بالفاو عندما فكر العثمانيون بتشييد حصن عسكري في ثمانينات القرن التاسع عشر واختاروا له موقعا بين جدولي بوسيعد وملا عيسى إلى جنوب دائرة التلغراف بمسافة 680 ياردة ، يفصل بينها ثلاثة وعشرون جدولا اما من الناحية السكانية فقد قدر عدد المقيمين فيها بمن فيهم العاملون في دائرة التلغراف والبريد في الكمرك والحجر الصحي والحصن والمدنيون الاخرون في اوائل القرن العشرين بحوالي 1700 نسمة يمثلون جنسيات مختلفة وورد في تقرير اخر بانهم حوالي 2 -3 آلاف نسمة في حين وصل سكانها في عام 1913 5000 نسمة .
إن ما يميز الفاو عن سائر مدن الخليج العربي غابات النخيل الكثيفة التي تبدأ من مسافة حوالي أربعة أميال من رأس البشة وامتازت تمورها بالجودة وكانت ترسل إلى البصرة لتعبئتها في صناديق استعدادا لتصديرها إلى اوربا وامريكا .
لقد امتلك شيوخ الكويت بساتين في الفاو قيل انهم حصلوا عليها عندما ساعدوا الحملة العثمانية إلى الاحساء عام 1871 ، ولكن الاصح انهم امتلكوا تلك البساتين في وقت سابق للحملة وكانت هذه البساتين تدرّ عليهم ايرادا يقدر بــ6000 باون إسترليني في السنة .
يقترن تاريخ الفاو بالتلغراف حيث ان الأسلاك الممتدة بينها وبين بوشهر تحت البحر تظهر في الشواطئ الطينية جنوبها لترتبط بالمحطة ومنها بالأسلاك المكشوفة التي تربطها بالبصرة ، لقد وصف البصرة السائح جيري عام 1878 قائلا : تخرج هنا أسلاك التلغراف المغمورة في مياه الخليج الممتدة اليها من بوشهر لترتبط بالمحطة البريطانية ، كما ان هناك دائرة اخرى للتلغراف عائدة للدولة العثمانية معظم موظفيها من اليونانيين يعاونهم أحيانا عدد من الفرنسيين والبلجيك ، ويضيف قائلا : يكمن بواسطة هذا الخط الاتصال بمختلف مدن العراق الهامة وبإسطنبول واروبا ، وفي اوائل القرن العشرين وصفها آدموف القنصل الروسي في البصرة بأنها قرية صغيرة تتكون من مجموعة من أكواخ القصب ، وعزا أهميتها لكونها اولا المحطة النهائية لخط التلغراف البري من اسطنبول عبر سكوتاري وسيواس وديار بكر وبغداد والبصرة ونقطة انطلاق ( الكابل ) البحري البريطاني الممتد إلى ميناء بوشهر ومنه إلى كراجي عن طريق جاسك وثانيا لموقعها على لسان ضيق وواطيء تكونه الضفة اليمنى لشط العرب يمكنها السيطرة على مصبه ، ومن هنا نفهم الميزة الاساسية للفاو لأنها تتحكم في مصب شط العرب المنفذ الوحيد إلى الاراضي الزراعية الغنية في العراق وعربستان وبموجب معاهدة أرضروم الثانية 1847 صار للفرس نوع من الامتيازات بدون أي حق على الضفة الشرقية من شط العرب اعتبارا من مصبه في الخليج العربي وحتى نقطة التقائه بنهر الكارون تلك النقطة التي اعتبرت بداية لخط الحدود بين إيران والدولة العثمانية .
في أعقاب حملة الاحساء 1871 اهتمت الدولة العثمانية باستحكامات شط العرب ووجهت اهتماما خاصا إلى الفاو وزارها الوالي رديف باشا عام 1874 لتفقد الاستحكامات فيها ، وربما بتشييد حصن متواضع فيها الذي وصفه السائح الأمريكي ( فوك ) الذي مر بالفاو عام 1875 ووجدها قرية صغيرة وشاهد فيها حصنا بنيت جدرانه المنخفضة من الطين ، وقد نصبت عليه سارية طويلة يرفرف عليها العلم العثماني كما شاهد إلى جانب الحصن قارب حربي عثماني .
في آذار عام 1882 توجه تقي الدين باشا والي بغداد إلى الفاو ، كجزء من محطة الدولة العثمانية في الاهتمام بالخليج العربي ، وبشكل خاص رأسه وتوجيه العناية اللازمة للفاو وإمكانية إقامة حصن عسكري جديد هناك للدفاع عن شط العرب امام تزايد النفوذ البريطاني في الخليج العربي بل في الإمبراطورية العثمانية كلها ، واقترحت السلطات في البصرة بناء حصن مستدير خلف أشجار النخيل في الفاو إلا ان شيخ الكويت الذي كان يملك تلك البساتين ، وربما بإيحاء من وكلاء حكومة الهند قلل من أهمية تشيده وأشار إلى عدم ضرورته وبذلك وئد الاقتراح وفي مايس 1883 توجه القائد البحري العثماني في البصرة بأمر من السلطات العليا في اسطنبول إلى الفاو لتفقد المنطقة واختبار أرض مناسبة لإقامة حصن يتناسب وأهمية المنطقة التجارية ولمواجهة التغلغل البريطاني في الإمبراطورية العثمانية ، ونتيجة لذلك نشط الوكلاء السياسيون البريطانيون في المنطقة لإحباط الجهود العثمانية في فرض السيادة على أملاكها ، حيث توالت التقارير القنصلية البريطانية في البصرة على السفير البريطاني في اسطنبول وعلى حكومة الهند لإخبار المسؤولين فيها عن عزم العثمانيين على تجديد بناء الحصن ، وتشييد فناء لإهداء السفن إلى شط العرب .
وفي أعقاب كل زيارة كان يقوم بها أي مسؤول عثماني إلى منطقة الفاو كانت القنصلية البريطانية تبادر إلى إجراء التحقيق عن نوايا ذلك المسؤول عن طريق إرسال المخبرين البريطانيين أو بواسطة موظفي التلغراف البريطانيين العاملين في محطة التلغراف في الفاو أو ذهاب القنصل البريطاني بنفسه إلى هناك إن اقتضى الامر ، ونتيجة تحقيقات القنصل في البصرة بشأن زيارة قائد الاسطول العثماني إلى الفاو 1883 ظهر بأن المسؤول العثماني قصد م زيارته تثبيت بعض العلامات في رأس الخليج العربي والحاجز الغريني الخارجي ، ومصب شط العرب لتسهيل الملاحة للسفن القادمة إلى النهر ووضع بعض الفنارات لإهداء السفن في الليالي حالكة الظلام ولم تتضح للبريطانيين أية نوايا لبناء حصن عسكري ورغم ما أكده التحقيق فإن القنصل قد أبدى رغبته في زيارة المنطقة ليتأكد بنفسه مما يجري هناك من مشاريع لإن مجرد اهتمام العثمانيين بإنارة رأس الخليج أو تسهيل الملاحة في شط العرب كان يعتبره البريطانيون محاولة للإضرار بالمصالح البريطانية في المنطقة .
وفي 16 كانون الأول 1885 علم " موكلر " نائب القنصل البريطاني في البصرة من علي رضا باشا والي البصرة بأن في نية الدولة العثمانية بناء حصن في الفاو بكلفة 93000 باون استرليني وقد أعلمت القنصلية البريطانية العامة في بغداد حكومة الهند عن عزم السلطة العثمانية في بغداد إرسال بعض الجنود إلى الفاو لإتمام بناء الحصن العسكري ، لذا بادرت بريطانيا إلى تحريض الحكومة الفارسية على تقديم احتجاج بشأن نوايا الدولة العثمانية في إقامة التحصينات في الفاو ، وادعى السفير الفارسي في اسطنبول في احتجاجه الذي قدمه إلى باب العالي بأن حكومته حرة في إقامة تحصينات مشابهة في الضفة الشرقية من شط العرب للحفاظ على مصالحها التجارية في النهر ، ويبدو واضحا ان المصالح البريطانية الخاصة في المنطقة حرضت إيران لكي لا تنفرد الدولة العثمانية لوحدها في شط العرب ، لاسيما وإن الشركات البريطانية التجارية كانت لها مصالح آخذة بالنمو في منطقة عربستان وكانت على وشك الحصول على امتياز ملاحي لتسيير سفنها في نهر الكارون بين المحمرة والأحواز .
واعتقدت حكومة الهند إن إقامة التحصينات قرب مصب شط العرب من قبل الدولة العثمانية تضر بمصالحها التجارية المتنامية في البصرة ووادي الرافدين من جهة ومع المحمرة وعربستان من جهة أخرى ، لذا طلبت من وزارة الخارجية بشأن ادعاءات بلاده في إقامة تحصينات مشابهة في الضفة اليسرى من النهر ، وقد أوعزت وزارة الخارجية البريطانية إلى سفيرها في اسطنبول ليتبنى الامر واسفرت النتيجة عن التوضيح الذي أعلنه سعيد باشا وزير الخارجية العثماني مؤكدا إن الحصن سوف لا يؤثر بأي شكل على حرية التجارة أو على الملاحة في شط العرب ، ولكن الحكومة البريطانية لم تقتنع بهذا الردّ وأجابت بأن التجار البريطانيين لهم مصالح تجارية واسعة في البصرة والمحمرة ، لذا تأسف بشدة ان ترى أي نوع من التحصينات على ضفة شط العرب التي قالت ، انها تشكل تهديدا مباشرا للتجارة البريطانية وتخلق توترا بين فارس والدولة العثمانية الذي بدوره سيؤثر على سلامة الملاحة في النهر ويسيء إلى العلاقات بين الدولتين أو بين أحدهما وبريطاني .