محاضرة الأسبوع السابع عشر شباط 2011
الصراع العثماني البريطاني في منطقة الخليج العربي خلال الفترة 1871- 1914
المحاضرة الأولى : المطالبة العثمانية بالبحرين ومشكلة العديد
كان هدف مدحت باشا التالي بعد الاحساء هو جزر البحرين لأهميتها التجارية ولاشتهارها بمغاص اللؤلؤ ، ورغم احتجاج حكومة الهند البريطانية بشأن السيادة العثمانية على البحرين فإن الوالي أصر على تبعيتها إلى متصرفية الإحساء في الوقت الذي تسمك نائب الملك في الهند اللورد ( مايو ) هو الآخر بمبدأ استقلال البحرين وعندما نقلت المخاوف الهدية عن طريق السفير البريطاني في اسطنبول إلى الصدر الأعظم العثماني عالي باشا ووزير خارجيته كان جوابهما إن الدولة العثمانية بعثت بجزء من اسطولها إلى الخليج العربي لغرض استعادة سيادتها على نجد وملحقاتها وليست للسلطان أية نوايا في التعرض للنفوذ البريطاني في المنطقة ، ولكن هذا الجواب لم يكن مقنعا بالنسبة للحكومة البريطانية لأنه جاء بشكل عام غير محدد فما هو مدى حدود نجد مثلا ؟ وهل إن الحقوق العثمانية سوف لا تمتد إلى الإمارات البحرية ؟ ذلك لإن مسقط والمشيخات في الساحل العثماني أيضا سبق لها أن خضعت لسيطرة الرياض بل إنها كانت تدفع الزكاة إلى الوهابيين ، ولم يكن امام بريطانيا إلا خوض تجربة المفاوضات مع العثمانيين لكسب الوقت ، وقد حاول مدحت باشا بادئ الامر أن يسلك طريق المفاوضات ظنا منه ان يستطيع استرداد السيادة العثمانية على البحرين من جهة ولأنه كان بحاجة إلى حكومة الهند لشراء وتصليح السفن التي كان بحاجة اليها في مشاريعه الملاحية والتجارية ولكن عندما فشلت محاولاته أرسل باخرتين عثمانيتين من مقر إقامته المؤقت في القطيف إلى جزيرة البحرين وبالمقابل عمدت حكومة الهند إلى إرسال باخرتين مسلحتين إلى هناك أيضا لتتبع مسار الباخرتين العثمانيتين ، ولم يحدث أي تصادم بينهما حتى نزل البحارة العثمانيون في الجزيرة واستقبلوا بحفاوة من قبل شيخها وسكانها .
ويبدو واضحا بأن مدحت باشا لم يزر البحرين وإنما تفاوض بشأنها من القطيف ، ويذكر المؤرخ البريطاني ( كيلي ) أن مدحت باشا كان سيتوجه إلى البحرين لو كان متأكدا بأن النجاح سيحالفه هناك وفي الوقت الذي هدأت فيه الحملة العثمانية نشطت حملة الادعاءات البريطانية في تركيز مصالح الاحتكارات التجارية في المنطقة وحاولت الدبلوماسية العثمانية هي الاخرى محاكاة مثيلتها البريطانية في تأكيد حقوقها وسيادتها على طول الساحل العربي من الخليج عن طريق تقديم الأسانيد التي تؤكد تلك الحقوق وتوضح تلك السيادة في إقليم نجد الذي يشمل ساحل الإحساء وشبه جزيرة قطر وجزر البحرين وحتى مشيخات عمان وأمامة مسقط لأنها جميعا دفعت الضرائب اليها بصورة مباشرة او عن طريق قائمقامها في الرياض ولكن الجهاز الدبلوماسي البريطاني العقل المفكر لرجال المال البريطانيين كان يحاول تقديم الادعاءات ( المتقنة ) التي تؤكد الامتيازات البريطانية في مياه المشيخات العربية وساحل وساحل عمان وجزر البحرين مستندة إلى اتفاقيات غير شرعية ولكنها مدعمة باسطول قوي متأهب لتحقيق أهداف حكومة الهند ومصالحها التجارية في حالة تعرضها للخطر في حين عجزت الدولة العثمانية عن الاستمرار في دعم اسطولها في منطقة الخليج العربي عامة والبحرين وشبه جزيرة قطر خاصة ، في الوقت الذي تعددت المناورات البريطانية من أجل قطع آخر خيط يربط أهل البحرين بالدولة العثمانية عندما أوعز القنصل البريطانية في البصرة عام 1873 إلى اهل البحرين المقيمين في البصرة بتقديم طلبات للقنصلية يطلبون فيها الحماية البريطانية ويتخلون فيها عن التبعية العثمانية وتم اختيار الوقت في موسم القرعة العسكرية العثمانية .
ولما ازدادت مشاكل الدولة العثمانية الاخرى سواء الداخلية منها أو الخارجية وعندما انشغلت في حربها مع روسيا 1878 أهملت تقريبا المياه الشرقية ردحا من الزمن .
وهكذا نجد أن سياسة التحريك التي ابتعتها الدولة العثمانية في الخليج العربي والتي لم تفلح في الاستمرار فيها لتحقيق كامل أهدافها رغم أن المبادئ القانونية ومشاعر السكان في المنطقة كانت إلى جانبها ، سببت نشاطا خارقا لكل أجهزة حكومة الهند للاحتفاظ بالامتيازات التي حصلت عليها في المنطقة ولوحظ ان كل تراجع من لدن الدولة العثمانية في الخليج العربي كان يقابل ادعاءات بريطانية في مناطق أخرى كانت قد اكتسبت صفة الشرعية بشكل لا يقبل الشك ، وعندما ازدادت الادعاءات وتمركزت المصالح المدعمة بالقوة توفرت الظروف الملائمة لانتعاش التجارة لصالح الشركات البريطانية التي وسعت مجال نشاطها وبادرت إلى احتكار تجارة الصادرات من منتجات منطقة الخليج العربي المحلية وبشكل خاص من البصرة وعربستان لتزويد المصانع البريطانية بالمواد الأولية اللازمة وتموين العمال بالمواد الغذائية الرخيصة وبذلك حققت أرباحا كبيرة وكدست الثروات الطائلة الأمر الذي أدى إلى استحالة التراجع امام أي مطلب مهما كان عادلا أو شرعيا تطرحه الدولة العثمانية أو اية جهة اخرى لاستعادة حقوقها أو فرض سيادتها على أملاكها .
ومن خلال ارتباط البحرين بالبصرة تجاريا يتضح لنا دور البصرة التجاري في منطقة الخليج العربي وكانت بريطانيا لا تجهل حقيقة تلك الصلة بل كانت تلمس من لدن التجار في البحرين وموانئ خليجية أخرى رغبتهم في استمرار الصلات مع أقرانهم في البصرة ، لذا حاولت بكل ما تملك من دهاء سياسي ان تحتفظ بتلك الصلة في الوقت الذي تبعد البحرين من منطقة السيادة العثمانية كخطوة أولى للتشكيك في سيادتها على باقي موانئ الخليج الأخرى التي اكتسبت طابع الشرعية كما هو الحال بالنسبة لقطر والقطيف والكويت والفاو وحتى البصرة نفسها لتكون الروابط التجارية أكثر انسجاما تحت إشرافها ولصالح شركاتها .
جاهدت الدولة العثمانية امام الضغوط البريطانية في تعزيز إسطولها في البصرة ، للاحتفاظ على الاقل بسيادتها على مدخل شط العرب التي باتت بريطاني تخطط من اجل إشراك بلاد فارس في تلك الحقوق ، وعندما شعرت بريطانيا بأن ليس في نية الدولة العثمانية سحب اسطولها من رأس الخليج العربي والبصرة ثارت ثائرتها لأن الخطر لم يكن بالنسبة لها هو مداهمة القوات العثمانية لإقليم الإحساء أو فرض السيادة على بضع مشيخات في ساحل عمان أو البحرين وإنما الخطر كل الخطر هو بقاء هذا الاسطول في رأس الخليج العربي الذي يعني استحكام العثمانيين في مصب شط العرب المؤدي إلى العراق وجنوب بلاد فارس ويعتبر تهديدا مباشرا للمصالح البريطانية التجارية في تلك المنطقة الأمر الذي دفعها إلى تعديل خططها التقليدية والتحرك باتجاه جديد وحاولت الضغط بوسائل عديدة مرة واحدة منها محلية في البصرة ومنها مركزية في اسطنبول فقدمت الاحتجاجات المستمرة ضد الدولة العثمانية بدعوى انطلاق " القراصنة " من الاراضي التي تقع تحت السيادة العثماني وتجاوزهم على سفن أهل البحرين الخاضعين للحماية البريطانية واعتبرت نفسها مسؤولة عن أمن الخليج العربي وسلامة مياهه مستندة على الاتفاقيات التي أجبرت شيوخ الساحل العماني والبحرين وقطر على توقيعها قبل بدء الاهتمام العثماني بمنطقة الخليج العربي الذي تزايد في أعقاب افتتاح قناة السويس عام 1869 .
من جهة أخرى لم يعقب مدحت باشا في ولاية بغداد من هو بدرجة حماسة لمتابعة المشروع العثماني أو ادراكه للأهمية التجارية والسياسية للمنطقة ، كما عن الحكومة العثمانية التي ترأسها محمود نديم والتي أعقبت حكومة عالي باشا ، في اسطنبول لم تكن هي الاخرى مهتمة للمشروع بقدر تحمس عالي باشا له، اضف إلى ذلك المشاكل الكبيرة التي واجهتها الدولة العثمانية في اوربا واجبرتها على التراجع تدريجيا عن حقوقها الثابتة والشرعية على أمل الاحتفاظ ببعضها في الوقت الذي كانت بريطانيا تتقدم بخطى ثابتة ومدروسة لاحتلال المراكز التي تتخلى عنها الدولة العثمانية تباعا ، مستخدمة سلاح المذكرات الاحتجاجية والتحريض المستمر لشيوخ المنطقة ضد الدولة العثمانية وافتعال الحروب والفتن المحلية ويبدو لنا من الاحداث اللاحقة بأن الدولة العثمانية لم تعجز فقط عن المطالبة بالبحرين وإنما اضطرت للتراجع في مناطق اخرى من الخليج العربي امام الضغط الشديد الذي مارسته حكومة الهند عليها نتيجة ادعائها بأن معظم الاعمال " القرصنية " المنطلقة من السواحل العربية في الخليج العربي كانت مدعمة من قبل الدولة العثمانية بدورها تضر بالمصالح البريطانية في البحرين ، ومنذ العقد التاسع من القرن التاسع عشر استخدمت بريطانيا القوة في حل مشاكلها في الخليج خوفا من الأضرار التي ستلحق بتجارتها من جراء تزايد النفوذ الألماني في الدولة العثمانية منذ حصول ألمانيا على امتياز بإنشاء سكة حديد بغداد ومنذ بدأت محاولات روسيا لإيجاد منفذ تجاري لها في الخليج العربي .
مشكلة العديد :
تمتد العديد من رأس الحولة إلى الوكرة والى نقطة جزيرة صير بني ياس يحدها من الغرب شبه جزيرة قطر ومن الشرق إمارة ابو ظبي ، وتتضمن جزر منها دالما .
في عام 1876 و 1877 افتعلت حكومة الهند عدة أعمال قرصنية قرب مياه العديد نسبتها إلى قبيلة هاجر المقيمة في الأراضي الخاضعة للسيادة العثمانية واتخذتها ذريعة للتدخل في شؤون العديد الداخلية وذلك عندما تأكدت حكومة الهعند بأن شيخ العديد يدفع ضريبة رمزية مقدارها 40 -50 دولا سنويا إلى الدولة العثمانية عن طريق شيخ البدعة ( شيخ قطر ) وقد كتب الكابتن Prideaux الذي ناب عن المقيم البريطاني في الخليج العربي فترة غياب الكولونيل روز عام 1877 عن المنطقة قائلا : منذ استرخاء يقظتنا على ساحل قطر وتساهلنا أمام الادعاءات العثماني في ذلك الجزء من الساحل ، عادت الأعمال القرصنية في المنطقة ، وعندما باشر ( روز ) مهام عمله من جديد كتب قائلا : (( إن السياسة التي ناضلت من أجلها بريطانية لسنوات عديدة في الخليج العربي كلفتها نفقات باهظة للحفاظ على أمنه وأدت إلى تطوير تجارته بفضل قوات الحراسة البريطانية وشدة يقظتها تلك التجارة التي اعتبرت في السابق مستحيلة في هذا الجزء من العالم فإنها قدرت الآن بثمانية ملايين باون استرليني وهي قابلة للزيادة المستمرة مستقبلا ))
ولم يجانب الكولونيل روز الصواب في جانب من تصريحاته لاسيما فيما يتعلق بتطوير التجارة البريطانية في المنطقة خلال السنوات التي أعقبت فتح قناة السويس لأن هناك إحصائية تشير إلى حجم الصادرات والواردات للمشيخات العربية في الساحل العماني تلقي ضوءا على ما ورد في تقرير المقيم البريطاني ، إذا ما اخذنا بنظر الاعتبار الامكانيات الشحيحة جدا لتلك الامارات آنئذ .
وحاولت بريطانيا بكل جهدها أن لا تفقد مصالحها التجارية في هذه المنطقة وكانت تشعر بأن من مصلحتها أن تحافظ على علاقاتها مع الدولة العثمانية ، التي تسير على رأس الخليج العربي والبصرة ، العصب الحيوي لتجارة الخليج العربي كله لعمق العلاقات التجارية التي كانت تربط البصرة بسائر موانئ الخليج العربي .
وفي الوقت الذي كانت العلاقات التجارية المزدهرة قائمة بين إمارات الخليج العربي والبصرة والتي أشارت اليها التقارير التجارية البريطانية حاول المقيم البريطاني إنكار العلاقات السياسية بين تلك الإمارات والدولة العثمانية وبشكل خاص مقاطعة العديد وبحجج واهية .
ورغم كل التبريرات فإن حكومة الهند اضطرت إلى الاعتراف بأن السيادة العثمانية الفعلية في الخليج العربي تمتد من البصرة إلى العقير .
ولكلي لا تتكرر حملة الاحساء مرة اخرى في العديد والمشيخات العربية في الساحل العماني استغلت حكومة الهند فرصة تورط الدولة العثمانية في حربها مع روسيا عام 1877- 1878 وحاولت حسم مسألة العديد عسكريا ووافقت على إجراءات المقيم البريطاني بهذا الشان وأرسلت قوة من سفن محلية قدرت بسبعين سفينة بقيادة زايد بن خليفة شيخ ابو ظبي تدعمها باخرة حربية بريطانية إلى العديد واستطاعت احتلال المنطقة وتدمير كل السفن العائدة للمستوطنين الامر الذي دعا الباب العالي من وزير خارجيته صادق باش ان يطلب تفسير من السفير البريطاني في اسطنبول عن أسباب الهجوم على الممتلكات العثمانية في العديد حيث كان الخبر قد وصله عن طريق والي البصرة عام 1878 ، وكان جواب بريطانيا بأن اعدد جزء لا يتجزأ من ممتلكات شيخ ابو ظبي الخاضع للحماية البريطانية وهكذا حتمت المصالح التجارية في المنطقة ان تنهي حكومة الهند مسألة العديد لتفتح صفحة أخرى لمنطقة جديد خاضعة للسيادة العثمانية في الخليج العربي .