المحاضرة الثالثة : أسباب فشل الحملة :
اعترضت الدولة العثمانية على مقاومة بريطانيا لنشاطها الهادف لاستعادة سيطرتها على طول السواحل العربية في البحر الأحمر والبحر العربي و الخليج العربي زاعمة أن لا سيطرة لأحد على تلك المناطق سوى السلطان العثماني ، واكدت بريطانيا ان مسقط والبحرين وشيوخ السواحل العربية من رأس الخيمة إلى ابي ظبي لأمير نجد ضرائب سنويا محددة ، وهذا يعني الاعتراف بالسيطرة العثمانية على هذه الامارات .
استقدمت بريطانيا على عدة بوارج حربية إلى الخليج العربي للدفاع عن مصالحها ، إزاء هذا عدل مدحت عن التدخل المباشر في امور البحرين ، اما قطر فقد أيد شيخها منذ البداية الحملة العثمانية ، وأعلن انضمامه إليها على رأس ثلاثمائة رجل ، ورفع فعلا العلم العثماني على البدعة ، وحاول مدحت تحريض شيوخ الساحل المتعاهدين مع بريطانيا إلا ان شيوخ الإمارات المتعاهدة لم يلبوا نداء العثمانيين ، ولم يحاول مدحت باشا مواصلة الضغط العسكري ، وذلك تحت ضغط رجال الاسطول العثماني من جهة ، وبسبب الضعف الذي كان يسري في القوات العثمانية في الاحساء من جهة أخرى ، ولأن السيطرة العثمانية في قطر نفسها كانت مزعزعة .
وكانت الأوساط الرأسمالية البريطانية كانت على علم تام بأن نجاح العثمانيين في السيطرة على رأس الخليج العربي يعني نهاية لمصالحهم ونفوذهم في الخليج ويتضح ذلك جليا في تقرير الاميرال عندما يقول : (( إن للعثمانيين تأثيرا كبيرا ليس على المسلمين في شبه الجزيرة العربية فحسب وإنما على مسلمي المقاطعات الهندية وأن الفرد المسلم اخذ يعتقد أخيرا بأنه يجب ان يستعيد قوته وسطوته عن لم يكن ذلك في أوربا ففي آسيا على الاقل وانا أعتقد بصورة جازمة بأن الروس والعثمانيين يعملان باتفاق تام في هذا الخصوص )) .
هكذا استخدمت حكومة الهند الممثلة للأوساط الرأسمالية كل ما في حقيبتها من مناورات واستخدمت سلاح المال والقروض والتهديد والوعيد مع مختلف الأوساط حتى أفلحت في تمييع الحملة وتحجيمها بل وتحويلها إلى عبء ثقيل على كاهل الميزانية العثمانية لاسيما بعد عزل مدحت باشا من ولاية بغداد ، ولأن الدولة بسبب من مشاكلها الداخلية والضغوط الخارجية لم تكن قادرة على الاستمرار في نهجها إلى النهاية لتحقيق كامل أهدافها حيث واجهتها عوائق متعددة منها ما يتعلق بالوضع الإستراتيجي المعقد لسواحل الخليج العربي وما واجهته البواخر العثمانية من صعوبات جمة للوصول إلى الموانئ في سواحل الاحساء لضحالة المياه هناك ، وقد تضررت كثيرا من تلك البواخر وسارعت الدولة إلى شراء بواخر خاصة تلائم الخليج العربي وسواحله الضحلة بأسعار عالية في بعض الاحيان ، في الوقت الذي لم تكن تملك الامكانيات اللازمة لذلك ، معتمدة على إيرادات المنطقة نفسها التي كانت هي الاخرى شحيحة كما أن تحالف الدولة مع عشائر الكويت والمنتفق وعنزة لم يكن مضمونا دائما لأن تحالف هذه العشائر وشيوخها كان منوطا بالمصالح الآنية التي يحققونها ، أما بريطانيا فإنها استفادت من أخطاء الحملة العثمانية وعادت من جديد لتمارس نفوذها في المنطقة يساعدها تمرسها فهم طبيعة العشائر وأخذت تتعامل معهم على أساس ذلك الفهم بصبر وتروٍ لكي تحقق ما تريد بأقل تكاليف .
ويمكن القول أن جهود مدحت في مناطق الخليج العربي ، جاءت بعد فوات الاوان ، وبعد أن وطّد الانكليز نفوذهم سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، ومن ناحية ثانية كانت الدولة العثمانية في وضع يمنعها تماما من أن تجازف في حرب خاسرة من أجل البحرين أو مشيخة من مشايخ الخليج العربي ، وقد ضاعف من تضاؤل القوة العثمانية عودة مدحت باشا إلى العراق ومن ثم مغادرته إلى الاستانة في 22 مايس 1872 ولم يستطع الولاة بعد مدحت ان يتابعوا مجهوداته في الخليج العربي رغم أن سياسة السلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 – 1909 ) كانت تتصف بالشك والمعارضة للسياسات البريطانية ، وبخاصة بعد الاحتلال البريطانية لمصر عام 1882 فحاول العثمانيون إنشاء حصن كبير عن الفاو في سنة 1883 ، ووزع الصدر الأعظم سنة 1884 تعميما سريا على المناطق التابعة للدولة العثمانية وفيه نقد شديد للسياسة الخارجية البريطانية .
لقد اتسمت العلاقات العثمانية البريطانية ، خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ، بانعدام الثقة والتشاحن وواجهت بريطانيا طعنا في مصالحها الاقتصادية والسياسية ، ولقد نشطت بالمقابل في استخدام شتى الأساليب لزيادة استغلالها وتطمين مصالحها وتوسيع توغلها ولجأت إلى الدبلوماسية والتهديد ، وفي حين كان موظفو حكومة الهند يتصلون بوالي البصرة مباشرة لمتابعة قضايا الخليج وشركة لنج ، كان موظفو وزارة الخارجية البريطانية يتباحثون بهذه الأمور مع الباب العالي ، وينسقون الجهود في مسيرة الدبلوماسية البريطاني لاستعمار المنطقة وهو ما حصل فعلا .