المحاضرة الثانية : بدء الحملة على الإحساء :
كان مدحت باشا يدرك خطورة النشاط البريطاني في الخليج العربي والتوجه نحو العراق لذلك حاول العمل على وقف التدخل البريطاني بجميع صوره فأعد لحملة كبيرة لإنقاذ أطراف الدولة من الهيمنة البريطانية , ونجح مدحت في كتم أسراره العسكرية بدرجة فذة لم تألفها من قبل إدارات الدولة العثمانية وقد تحركت الحملة إلى نجد في 21 نيسان 1871 من بغداد ، رافقتها دعاية عثمانية لكسب ثقة أهل الاحساء ونجد وحثهم على التعاون مع جيش السلطان وأصدر مدحت إعلانا حدد فيه أهداف الحملة ، وكان الاعلان مليئا بالايات القرآنية والاحاديث النبوية التي تدعو إلى إطاعة أولي الامر وتوحيد كلمة المسلمين ، وزعم الاعلان بأن الدولة العثمانية لم يشغلها عن الاهتمام بامور نجد سوى مشاغلها الكبيرة ، وهي جادة لتأكيد سلطتها والقضاء على الفوضى والاضطراب .
وضعت الخطة العثمانية على أساس إرسال القوات النظامية بطريق الخليج العربي وأما قوات العشائر فتذهب بطريق البر ومعها معظم قوات المشاة النظامية لتلتقي بالقوات الاخرى في الاحساء ، وقد أصبحت القوة البحرية تضم الباخرتين العثمانيتين ( لبنان والاسكندرية ) اللتين عبرتا قناة السويس وباب المندب إلى الخليج العربي ثم انظمت اليهما الباخرة بروسة وعليها 23 مدفعا إلى جانب عدد من السفن الصغيرة المسلحة بالمدفعية مع بعض السفن الكويتية .
ومن جهة اخرى كانت السلطة العثمانية في البصرة قد حشدت عددا كبيرا من أفراد عشائر الكويت والمنتفق وعنزة الذين كانوا على اهبة الاستعداد في أطراف البصرة في انتظار وصول الجيش النظامي حيث التحقوا به وتوجهوا معه لمحاربة سعود بن فيصل ، وهكذا فإن جيشا عثمانيا من العشائر توجه برا إلى نجد عن طريق الزبير واخر عن طريق البحر إلى الاحساء والقطيف وكان المقاتلون من عشيرة عنزة بقيادة عبد المحسن الهذال الذي سار بعشيرته باتجاه نجد واصطدم في اطرافها بجماعة من عشيرة المطير الموالية لسعود وأفلح في نهب جمالها وخيولها في حين اشترك الكويتيون في قوتين أحدهما بحرية والاخرى برية ، كانت الأولى بقيادة شيخ الكويت عبد الله الصباح ، وقوامها ثمانين سفينة بين صغيرة وكبيرة والثانية تولى قيادتها مبارك الصباح أخو شيخ الكويت واستأنفت الحملة سيرها برا وبحرا باتجاه القطيف ، وفي 25 مايس 1871 وصل الجيش إلى سواحل القطيف ونزلت القوات في رأس التنورة على الأرض المواجهة للبحرين تماما وغادرتها ليلا إلى العقير ، لقد جسدت هذه الحملة لحكومة الهند البريطانية خطورة تعاون العشائر العربية مع الدولة العثمانية فباردت منذ ذلك الحين وبكل خبرتها على خلق الظروف المناسبة لإضعاف ولاء تلك العشائر للدولة العثمانية وخلق النفةر بينهما واوعزت إلى ممثلها في البصرة روبرتسون ليعزز صداقته مع شيخ الكويت وشيخ المنتفق وشيوخ الزبير ووجهاء البصرة .
ومن جهة اخرى استخدمت بريطانيا كل ثقلها السياسي عن طريق مقيمها في الخليج العربي ( بلي ) لمنع شيخ قطر من إعلان تبعيته للدولة العثمانية لاسيما بعد ان أبدى رغبته في المشاركة بثلاثمائة سفينة لنصرة الجيش العثماني ، اما المصادر البريطانية فانها تشير إلى أن نافذ باشا قائد الحملة هو الذي الح على ( جاسم بن محمد آل ثاني ) ابن شيخ قطر لقبول السيادة العثمانية مستهدفا من وراء طلبه ذلك المساس بنطاق النفوذ البريطاني في الخليج العربي ، اما من جهة العمليات العسكرية الداخلية فإن الفوج الثالث استطاع دخول قلعة القطيف وتم إلقاء القبض على قائدها عبد العزيز السديري وأرسل مخفورا على ظهر باخرة ( بورصة ) إلى البصرة ليرسل من هناك إلى بغداد ، وكان الهدف الاخر للعمليات العسكرية هو التوجه إلى قلعة الدمام لإنقاذ محمد بن فيصل الذي كان أسيرا فيها وقد استسلمت القلعة ودخلها الجيش العثماني واستولى على مدافعها الثلاثة وعلى كميات أخرى من الاسلحة والعتاد كما أفلح في فك أسر محمد وعاد الجيش إلى القطيف منتصرا ومن جهة أخرى كان عبد الله بن فيصل الموالي للعثمانيين قد التحم مع مقاتلي شقيقه سعود في معركة بالقرب من الرياض اندحر فيها الأول وفرّ إلى صفوف العثمانيين في الهفوف واخذ يحرضهم على قتال أخيه الامر الذي أدى بنافذ باشا إلى توجيه حملة إلى سعود واستطاع دحره ولكن لم يعين عبد الله بن فيصل حاكما على الرياض وإنما عين عمه عبد الله بن تركي ، بصورة مؤقتة ريثما تتم الاجراءات لإلحاق نجد بالدولة العثمانية اما سعود فإنه استطاع الهرب من الرياض واللجوء إلى عشيرة العجمان ، وقد استمرت الدولة العثمانية في تعزيز حملتها إلى الاحساء وأرسلت باخرتين أخريين أحدهما تدعى لبنان والثانية الاسكندرونة ، وهما محملتان بالمدافع الحديثة والعتاد اللازم للفرقة السادسة العثمانية ، وظلت الباخرة ( نينوى ) تنتقل بين البصرة والقطيف لإمداد الجيش المرابط في نجد ما يحتاج اليه من تموين ، ثم الحقت بها الباخرة ( نجد ) للقيام بنفس المهمة فيما بعد ، وعندما اقتضى الامر تبديل فوج الجيش المرابط في نجد أرسله بدله من بغداد الفوج الثاني من سرية المشاة الأولى على ظهر البواخر العائدة للإدارة النهرية العثمانية إلى البصرة ليتم نقلها من هناك إلى القطيف واستمرت الدولة تعزز حملاتها في شتى أنحاء نجد وتجري عليها التغييرات اللازمة كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك وقد أرسلت فوجا جديدا إلى الاحساء من بغداد على ظهر الاشلب البخاري ( تلعفر ) وكانت تلك أولى رحلات هذه الباخرة في نهر دجلة بين بغداد والبصرة ، وفي نهاية عام 1871 كانت مجموعة من البواخر العثمانية الحربية المزودة بالمدافع الحديثة في مياه الخليج العربي الامر الذي أدى إلى قلق الاوساط التجارية البريطانية في المنطقة وهلعها على مصالحها ، لذا تتابعت التقارير والمذكرات من المقيم البريطاني في منطقة الخليج ، الناطق باسم تلك الاوساط على حكومة بومباي ومن هذه الأخيرة إلى وزارة الهند ، ونشط الدبلوماسيون في وزارة الخارجية البريطانية واوعزوا إلى سفيرهم في اسطنبول ليقدم احتجاجا إلى وزار الخارجية العثمانية ، على تواجد الاسطول الحربي العثماني في مياه الخليج ، وكان جواب وزير الخارجية العثماني على مذكرة السفير البريطاني : ( إن البصرة كانت دائما ولا تزال قاعدة بحرية عثمانية وإن عدد البواخر التي تعمل حاليا على طول الساحل العربي من الخليج هي سبع بواخر )) .
ومن الجدير بالذكر أن هذه البواخر التي انشغلت في هذه الفترة في شؤون الحملة كانت تعود إلى الشركة التجارية العثمانية للنقل البحري والنهري العاملة بين بغداد والبصرة من جهة وبين البصرة وموانئ الخليج العربي والبحر الاحمر واسطنبول والموانئ الأوربية من جهة أخرى .
وان توقفها عن العمل سبب أضرارا بالغة للتجارة العثمانية عامة وتجارة البصرة خاصة ولو قدر للحملة ان تحقق أهدافها المرسومة في بسط السيادة العثمانية على ( نجد ) وتقليص النفوذ البريطاني في الخليج لهان الامر .
ومن جهة أخرى لو أردنا متابعة مصير الحملة العثمانية إلى الاحساء توجب علينا الاشارة إلى رغبة مدحت باشا الملحة إلى هناك عقب الانتصارات التي حققتها الحملة في إقليم نجد ، وفي الوقت الذي كان على أهبة الاستعداد إلى الاحساء ، وصلته اخبار تمرد أحد شيوخ شمر بتزامن التمرد مع الانتصارات العسكرية التي حققتها الحملة العثمانية ومع عزم مدحت باشا على التوجه إلى نجد لإجراء بعض التنظيمات الإدارية الكفيلة باستمرار السيادة العثمانية في المنطقة ، ربما كان الدافع وراء ذلك إجبار الوالي على سحب قسم من قواته من نجد لمواجهة التمرد في الداخل إلا أن مدحت باشا وجه همه لإخماد تلك الحركة وأفلح في القضاء عليها وعندها توجه إلى البصرة ثم غادرها إلى القطيف وبعد تسوية أمرها توجه إلى الهفوف وقرر إعفاء اهلها من كل الضرائب عدا ضريبة العشر وهذا يدل على بعد نظر مدحت باشا وإداركه لطبيعة المنطقة ومشاكلها والامور الكفيلة بإبقائها موالية للدولة ، وبادر إلى تشكيل متصرفية نجد التي شملت أقضية قطر والمبرز والقطيف والهفوف وانيطت إدارتها بنافذ باشا ، اما قائممقامية قطر فقد أحيلت إلى علي بك قائمقام سامراء سابقا وقائممقامية المبرز إلى طالب أفندي مدير مال القطيف .
وقد سارت القوات البرية دون مقاومة تذكر حتى الاحساء وقد نزلت البحرية في رأس التنورة ، واستطاعت المدفعية العثمانية السيطرة بسرعة على الدمام والقطيف واحتلالها في حزيران 1871 فأصبحت الاحساء كلها تحت الاحتلال العثماني .
صاحب الانتصارات العثمانية دعاية واسعة بأن هدف العثمانيين هو تأكيد سيطرتهم على ساحل الاحساء والبحرين وقطر وعمان والبريمي وابو ظبي ودبي والمناطق المجاورة لها ، وأكدت صحيفة الزوراء أن هذه المناطق داخلة ضمن حدود نجد التابعة للدولة العثمانية ، فاحتجت بريطانيا وطالبت مدحت ان يتجنب الاشتباك مع الإمارات والعشائر المتعاهدة مع بريطانيا .