محاضرات الأسبوع السادس عشر : شباط 2011
المحاولات العثمانية للسيطرة على الخليج العربي
المحاضرة الأولى : الاهتمام العثماني بمنطقة الخليج العربي إبّان تولي مدحت باشا ولاية بغداد 1869 – 1872 والقلق الانكليزي إزاءه .
ازداد الاهتمام العثماني بمنطقة الخليج العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واتخذ شكلا جديدا منذ عام 1870 وقد مهدت لذلك عوامل مختلفة تضافرت جميعا على دفع العثمانيين نحو الخليج العربي منها فتح قناة السويس مما هيأ للأسطول العثماني فتح خط ملاحي بين البصرة والعاصمة العثمانية ومنها تولي مدحت باشا ولاية بغداد 1869 – 1872 وهو من دعاة إصلاح الدول الدولة العثمانية وإعادة هيبتها بتاكيد سيطرتها الفعلية على جميع المناطق الخاضعة لها اسميا .
وكان مدحت باشا من ألد أعداء السياسة البريطانية في العراق و الخليج العربي ويؤمن بان الوسيلة الناجعة لتعويض الخسائر الاقليمية للعثمانيين في البلقان هو تأكيد السلطة العثمانية في الولايات العربية التابعة لها وبخاصة في الخليج العربي والبحر الاحمر .
ولتحقيق أهداف هذه السياسة اتبع مدحت باشا سياسة تهدف إلى إنشاء أسطول عثماني قوي في الخليج العربي وإنشاء خط بواخر بين البصرة والسويس والاستانة ، وعمل مدحت على تقوية قبضة الحكومة العثمانية على الإمارات العربية في الخليج العربي التي لم ترتبط بعد بالانكليز ليحميها من الوقوع تحت سيطرتهم وبدأ نشاطه مع الكويت فقام بإنشاء مركز لجباية الضرائب كجزء من خطته لإدخال نظم الإدارة العثمانية فيها ، ثم أسند منصب الكمركية والضرائب إلى صباح الثاني ، معفيا إياه من الرسوم والضرائب الكمركية والضرائب الاميرية ، وهدفه من ذلك منع الشيخ من استخدام الاعلام الاجنبية ولعل هذه السياسة تجاه الكويت توضح اهمية الكويت لتنفيذ مشروعات مدحت في الخليج ، وقد رحب شيخ الكويت من جانبه بالتعاون مع العثمانيين لأنه يدرك خطر الانكليز على الإسلام من ناحية ، ولأن الاعفاءات الضريبية وتجنب العثمانيين من التدخل في الشؤون الداخلية شجعا شيخ الكويت على التعاون من ناحية اخرى .
أخذ يعمل منتهى السرية لإعداد الحملة ، وأرسل بعض ضباطه متنكرين بزي التجار إلى نجد لإحصاء ما يملكه الملك سعود بن فيصل من قوة ، وللإطلاع على طبوغرافية المنطقة ، التي ستدور المعارك عليها ، وأصدر أوامره بإرسال خمسة أفواج بقيادة نافذ باشا على ظهر البواخر النهرية من بغداد إلى البصرة للتنقل من هناك بواسطة البواخر البحرية إلى سواحل القطيف ، لاسيما وان قناة السويس التي افتتحت عام 1869 قد قصرت المسافة بين اسطنبول والخليج العربي وساعدت على سرعة إرسال الامدادات اللازمة للحملة وأصبحت الدولة قدرة على إرسال الحملات البحرية إلى جانب الحملات البرية ، مستفيدة من التنظيمات العسكرية التي أعقبت حرب القرم ( 1853 – 1856 ) حيث أصبح جيشها نظاميا مجهزا بالاسلحة الحديثة ولكن رغم السرية التامة رافقت أعداد الحملة فان حكومة الهند البريطانية أخذت تتلقى المعلومات عن انبائها من مصادر متعددة نتيجة تحقيقاتها المستمرة وقوبلت تلك المعلومات بهلع في الهند خشية من التقارب الروسي العثماني ازداد عمقا في السنين التي أعقبت حرب القرم والتي عبر عنه اتجسون أحد الدبلوماسيين الكبار في القسم الخارجي لحكومة الهند بقوله : (( لقد غدا مفهوما بصفة عامة منذ ان اشركنا العثمانيين بشؤون البحر الاسود بأنهم أصبحوا على تفاهم تام مع روسيا أكثر مما كانوا عليه في السابق ... إنني اعتقد ان فتح قناة السويس قد جعل من مصلحتنا أن نكون على علاقة حسنة وودية مع الدولة العثمانية عشر مرات اكثر من ذي قبل .... وان الدولة العثمانية اقرب الينا من الدولة الفارسية التي أبدت ميلا للانضواء تحت هيمنة الروس ))
وكان مدحت باشا مدركا أن احتجاجات عالمية معينة ستثار فيما يتعلق بالحملة وكان على يقين بأن السياسة البريطانية التي غدت تتجاوب إلى حد كبير من حكومة الهند ، تؤيد استقلال المشيخات العربية ، وكان على علم بأن اية محاولة جدية ومنظمة لمنع استقلالها أو ربطها بصورة دائمية بالامبراطورية العثمانية ستكون ضد الاهداف السياسية لحكومة الهند لو باشرت بتنفيذها في سواحل الخليج العربي ولكنه رغم ذلك ورغم تأثيره التام لمبدأ التحالف العثماني البريطاني لم يكن على استعداد للتضحية بمصلحة الدولة العثمانية في سبيل الحفاظ على ذلك التحالف ، اما الحملة من وجهة النظر البريطانية فإنها كانت بمثابة تهديد مباشر لنفوذها في الخليج العربي ولطمة عنيفة لسياستها في المنطقة ، لقد كتب مايو نائب الملك في الهند في هذا الصدد : (( إن الحملة العثمانية ستضر بالمصالح التجارية البريطانية في المنطقة وتؤثر على مصالحنا في الهند واعتقد أن الباب العالي كسب الموقف من الناحيتين السياسية والتجارية وسيشجعه ذلك النجاح على كسب المزيد في المستقبل )) لذا طلب اللورد مايو من الحكومة البريطانية ان تحصل من الباب العالي على أمر بإلغاء الحملة واذا وما اخفقت في ذلك فعليها أن تحصل منه على تأكيد بعد استئناف المعارك في البحر مرة أخرى ، وفي هذا الصدد يذكر هربرت القنصل البريطاني العام في بغداد : (( إن الحملة التي أرسلت إلى الخليج سوف لا تستهدف اكثر من الاحساء بناء على تأكيدات تلقاها من الوالي مدحت باشا الذي ناقش الامر معه )) ويظهر قلق بريطانيا على مصالحها الاقتصادية في المنطقة من تصريحات ( اتجسون ) السكرتير الخارجي لحكومة الهند عندما يقول : (( إن عملية نقل التجارة البرية من الصين إلى أوربا عبر روسيا قد درمت عندما فتحت قناة السويس ، وأنا أعتقد بأن الروس سيحاولون عاجلا أو آجلا الحصول على ميناء في الخليج العربي لأغراض تجارتهم ، انئذ سنصبح وجها لوجه أمام قضية عظمى لا تقل خطورة عن حملة نجد ، وقبل أن يحدث ذلك علينا ان نحسن وضعنا في الخليج ونقويه ونرسخ أقدامنا فيه كما يجب ان تزول وعلى الفور كل أسباب السخط بيننا وبين الدولتين العثمانية والفارسية ، كما أن مناقشاتنا مع هاتين الدولتين يمكن ان تأخذ طابعا سلميا ووديا ويمكن ان تؤدي إلى نتيجة لصالحنا ولكن يجب ان يتم كل ذلك بسرعة قبل ظهور قوى أوربية جديدة في منطقة الخليج العربي )) .