محاضرات الأسبوع الرابع عشر كانون الثاني 2011
المحاضرة الأولى : أصل القواسم
إن القواسم باتفاق معظم المصادر عرب أقحاح ينتمون إلى القبائل النجدية و إلى الغافرية بصفة خاصة ويؤكد ذلك ما قرره الكابتن سيتون وكيل شركة الهند الشرقية البريطانية في مسقط ، كان ذلك في بداية اهتمام الشركة بالقواسم ورغبتها في تحري وجمع المعلومات عنهم ، كما يؤكد ذلك القول أيضا انضمام القواسم إلى القبائل الغافرية في صراعها ضد القبائل الهناوية وسرعة اعتناق القواسم للدعوة الوهابية مما يؤكد أصولهم النجدية ، وحتى إذا اعتمدنا على ما ذكرته بعض المصادر من انتماء القواسم إلى الساحل الشرقي للخليج فإن ذلك الساحل كان مركز تجمع القبائل العربية وذلك قبل ان تعمل إيران بعد نمو الحركة القومية بها في اعقاب الحرب العالمية الأولى على تفريس العناصر العربية التي تقطن على سواحلها منذ عهد رضا شاه بهلوي .
واذا كان هناك خلاف حول أصل القواسم فإن الغموض يكتنف أيضا بداية ظهورهم ، وثمة فرق بين ما نعنيه بالقواسم في حد ذاتهم وبين اتحاد القواسم الذي كان يشتمل على قبائل أخرى غير القواسم ، واذا أخنا بالمفهوم الثاني فإن الاتحاد القاسمي لم يظهر إلى القوة إلا في القرن الثامن عشر الميلادي وكان يعد من أكبر التجمعات القبلية التي شهدتها منطقة الخليج العربي بل إن وثائق حكومة بومباي ويؤكد أن معظم القبائل القاطنة في الساحل الجنوبي على المنطقة وعلى أجزاء لا يستهان بها من الساحل الشرقي المقابل ، أمام عن القبيلة الرئيسة وهي القواسم فإن انتماءها إلى المنطقة يعود إلى فترة بعيدة في التاريخ ، وبصدد ذلك تذكر وثائق حكومة بومباي أن القبائل العربية ساندت مالك بن فهم عند وصوله إقليم عمان وكان ذلك عقب انهيار سد مأرب في اليمن ، وهناك رواية أخرى تؤكد وصول القواسم إلى الساحل الجنوبي للخليج حول القرن السابع الميلادي ، اما القواسم أنفسهم فإنهم يرون أن أسلافهم وصلوا المنطقة واستقروا بها منذ فترات بعيدة في التاريخ ، وأصدق الروايات ترجيحا أنهم وجدوا في المنطقة منذ عهد عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف الثقفي وكان يطلق عليهم عرب نزار .
وتختلف الروايات التاريخية عن المعقل الرئيس للقواسم وزعماءهم الأول ، فإحدى هذه الروايات تنسب إلى زعيم القواسم الأول الشيخ قاسم بنائه لمدينة رأس الخيمة حيث تذكر انه نصب خيمته في نقطة تقع على الساحل العربي مقابل مدينة جلفار بحيث كانت تراها جميع السفن المارة في الخليج ، ومن ثم أطلق البحارة على ذلك المكان اسم رأس الخيمة ، في حين تؤكد رواية أخرى أن القواسم ينتسبون إلى الشيخ رحمة الذي لقب بكايد بن عدوان لسطوته وجبروتته ، وتؤكد وثائق بومباي على ان الشيخ كايد وليس الشيخ قاسم هو الذي بدأ بالاستقرار في ذلك المكان الذي تطور إلى مدينة تحمل اسم رأس الخيمة ، وعلى الرغم من ان هذه الروايات ترجع إلى القرن السابع عشر الميلادي إلا انه من المؤكد أن مدينة رأس الخيمة كانت أسبق في الظهور من هذا التاريخ ومما يؤكد لنا ذلك أن الملاح العربي شهاب الدين احمد بن ماجد قد ذكرها باسم جلفار في بعض مؤلفاته الملاحية في القرن الخامس عشر الميلادي حيث اورد اسمها صراحة كواحدة من الموانئ العربية في ارجوزته الشهيرة عن بنادر بر العرب في خليج فارس ، ومهما يكن من أمر فإن تركيز المصادر على القواسم يرجع إلى القرن الثامن عشر الميلادي حين بدأ دورهم البحري يظهر بوضوح وخاصة حين انتهزوا فرصة الغزو الافغاني لفارس 1722 فسيطروا على جزيرة قشم كما برزوا إلى مجال القوة في الفترة التي اعقبت اغتيال نادر شاه ، وقبل ذلك في خلال الصراع بين الكتلتين الهاوية والغافرية في عمان حيث وقف زعيم القواسم الشيخ رحمة بن مطر إلى جانب الزعيم ناصر الغافري ضد خلف بن مبارك الهناوي في الصراع العنيف الذي دار بينهما ، ويؤكد ابن رزيق أن الزعيم محمد بن ناصر الغافري استقدم في عام 1723 بدوا من الشمال ، كما جاءت إمدادات من جلفار وأميرها يؤمئذ هو الشيخ رحمة بن مطر حيث اوكل إليه قيادة إحدى فرقه ، ولكن على إثر مقتل الزعيم محمد بن ناصر انكمش القواسم في منطقة الصير حتى قدمت حملة فارسية على عمان في عام 1737 فاستسلموا لها في بداية الامر ، ولكنهم لم يلبثوا أن هاجموها مع من القبائل ووجد أحمد بن سعيد والي اليعاربة على صحار تعاونا كبيرا منهم حيث استعان بهم في مهاجمة ميناء بندر عباس ولكن لم يلبث احمد بن سعيد بعد أن عقدت الامامة له واتم تخليص المقاطعات العمانية من الفرس أن اخذ اعتماده يتزايد على الكتلة الهناوية ، ومن ثم وقف الغافريون ومن بينهم القواسم وقف المعارضة من حكمه مما أثار نزاعا كبيرا بينه وبين القواسم ، وان كانت المصالح المشتركة حتمت في كثير من الاحيان اتفاقه وتعاونه معهم ، ولكن ذلك لم يمنع زعيم القواسم رحمة بن مطر من إعلان استقلاله بحكم المناطق التي آلت اليه في الساحل العماني ، وبذلك يعاصر الاتحاد القاسمي نشأة دولة آل أبي سعيد سقوط دولة اليعاربة في عمان واضطر الإمام احمد بن سعيد إلى الاعتراف القواسم بسيادتهم الفعلية وذلك بعد سلسلة من المعارك العنيفة التي دارت بينهما .
والفترة التي برز فيها القواسم كقوة بحرية ضاربة يمكن تحديدها بين عامي 1747 – 1819 وفي خلال هذه الفترة أقلق القواسم بريطانيا ولم يتوانوا عن مهاجمة اية سفينة تحمل العلم البريطاني سواء كانت تابعة للانجليز أو لرعاياهم كما أخذ القواسم على عواتقهم تحدي النفوذ البريطاني الذي بدأ يتسرب إلى المنطقة .
امتاز القواسم بالصلابة والشجاعة وحب المغامرة حتى اضطر الانجليز في نهاية الامر إلى دفع ترضيات لهم مقابل المرور في مياههم . ولكن عندما شعر الانجليز أن في مقدورهم مهاجمة القواسم بعد تصفية صرعاتهم مع الدول الأجنبية ، وبعد تثبيت نفوذهم في الهند رفضوا دفع الاموال واعتبروا دفاع القواسم على سواحلهم ومياههم عملا من أعمال القرصنة واتهموا القواسم بأنهم قراصنة يصبون همهم سلب السفن التجارية وقطع العلاقات بين الشرق والغرب .
وعلى نحو ما اشرنا نجح القواسم في تأكيد سيادتهم على المنطقة الساحلية الممتدة من موساندوم إلى ديرة دبي ، وظهرت وانتعشت في منطقة نفوذهم هذه كثير من الموانئ التي كان من أبرزها بطبيعة الحال معقلهم الرئيس في رأس الخيمة ، والشارقة التي كانت تعتبر القاعدة الثانية للقواسم ، وجزيرة الحمراء وأم القوين والحميرية وعجمان ، كما امتدت سيطرة القواسم أيضا على الساحل الفارسي حيث ضموا إليهم ميناء لنجة وما حوله من جزر ، وازدادت قوة القواسم انضمام آل علي وهم المعلا حكام إماراتي أم القوين والفجيرة اللذين كانا من توابع القواسم ، كما انضم إلى الاتحاد القاسمي قبيلة آل نعيم بفخوذها الأربعة آل خريبان الذين أصبحوا الفخذ الحاكم في إمارة عجمان ، والفخذ الثاني وهم آل وشامس زعماء النعيم ، والفخذ الثالث وهم الخواطر في رأس الخيمة ، والرابع بنو معين في جزيرة قشم ، والجدير بالذكر أن السلطة التي كان يمارسها زعماء القواسم على مناطق نفوذهم وعلى القبائل القاطنة فيها لم تكن سلطة استبدادية أو مطلقة فعلى الرغم من أن الشيخ الأعلى للقواسم كانت له السلطة العليا على القبائل الداخلة في اتحاد القواسم إلا أنه كان لكل ميناء من تلك الموانئ التي سبق أن أشرنا إليها شيخه الذي يمارسه الحكم فيه وفقا للأسلوب القبلي وإن كان يدين بالولاء للشيخ الأعلى ، كما كانت تتم مناقشة القضايا العامة بانعقاد مجلس كبير يرأسه الشيخ الأعلى ويضم الشيوخ التابعين وكبار رجال القبائل ،و في ذلك المجلس كانت تقرر الحلول للقضايا موضوع البحث ، كما ان هناك قيدا آخر كان يحول دون استبدادية الشيخ وهذا القيد يتمثل بالعادات والاعراف القبلية المتعرف عليها والتي كان يتحتم على الشيخ مراعاتها لإبقاء ولاء القبيلة التابعة كما كان الشيخ الأعلى مضطرا إلى ان يسلك سياسة مرنة تجاه القبائل البدوية الموالية له خشية من تغيير ولائها ، كما كانت تكمن قوة الشيخ القاسمي في سيطرته على النواحي الاقتصادية والعسكرية فهو المهيمن على المراكز التجارية الهامة في المنطقة ناهيك عن امتلاكه لقوة ضاربة في البر والبحر تمكنه من السيطرة على المناطق الخاضعة له .
وكان القواسم بسبب ظروف بيئتهم القاسية يعتمدون على البحر في كسب معيشتهم ، وفي البحر أيضا كانوا يمارسون معظم نشاطهم السياسي و الاقتصادي حيث ساعدتهم طبيعة الساحل المعروفة بكثرة تعاريجها وخلجانها وأخوارها وألسنتها الرملية وجزرها المغمورة على إيجاد موانئ طبيعية مارسوا فيها نشاطهم البحري والعسكري ، ومع ذلك تجدر الاشارة إلى ان الطابع العسكري لم كن هو الطابع المميز للقواسم وخاصة في الفترة التي سبقت اصطدامهم بالقوى الاجنبية منذ نهاية القرن الثامن عشر والسنوات الأولى من القرن التاسع عشر ، فمن المعروف أن القواسم كنوا يمارسون أنشطة سلمية عديدة خاصة صيد اللؤلؤ والتجارة والاسفار البعيدة التي كانوا يقومون بها إلى سواحل الهند وشرق إفريقيا وقد استلفت نشاط القواسم السلمي والحربي نظر العديد من الرحالة الاوربيين الذين زاروا المنطقة خلال تصاعد قوتهم البحرية ولعل من أهم اولئك الرحالة الاوربيين كارستن نيبور الذي زار المنطقة في عام 1765 ، وقدم لنا صورة حية عن نشاط القواسم البحري كما أكد بكنجهام الذي زار المنطقة في اوائل القرن التاسع عشر على صفة المهارة والمثابرة والاخلاص في عهودهم وسجل ذلك في الجزء الثاني من كتابه المعروف رحلات في أشوريا وميديا وفارس ، وتعتبر كتابات بكنجهام من أهم الكتابات التي تحدثت عن القواسم في القرن التاسع عشر خاصة وأنه شاهد عيان لبعض الأحداث والوقائع التي كتب عنها إذ أنه زار رأس الخيمة في عام 1816 والتقى بزعيم القواسم حسن بن رحمة وذلك بعد الاطاحة بالشيخ سلطان بن صقر من قبل السعوديين ، كذلك تناول الادميرال لو في كتابه عن تاريخ البحرية الهندية نشاط القواسم والمتاعب التي كان يتعرض لها الأسطول الانجليزي في الهند نتيجة اعتداءاتهم ، وهناك من الرحالة الذين تحاملوا على القواسم في الوقت الذي نجد فيه رحالة آخرين أبدوا إعجابهم بما كانوا يتمتعون به من قوة بحرية ، ولعل الرحالة ولستد قد اتصف بالموضوعية عند حديثه عن القواسم على عكس الرحالة هود التي تتسم كتاباته عن القواسم بالكراهية الشديدة والتحامل العنيف عليهم ، أما كتابات الشيخ منصور فتتصف بقدر كبير من الموضوعية رغم أنه كان يعمل في خدمة السيد سعيد أعدى أعداء القواسم ، ويشابه الشيخ منصور في كتاباته الموضوعية كل من ايتشيسون وفريزر حيث اكد الأول على ممارسة القواسم لتجارة بحرية نشيطة ومربحة حتى اصطدموا منذ اوائل القرن التاسع عشر ، اما فريزر فقد أكد على صفة الشجاعة والنخوة والحمية التي تميز بها القواسم وإن وصف عملياتهم بالسلب والقرصنة .
ومهما اختلفت الآراء وتضاربت في أصل القواسم إلا أنها تجمع على عروبة هذه القبائل أنها استطاعت منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر السيطرة على جزء كبير من مدخل الخليج العربي وامتدت سيطرة القواسم السياسية من رأس مسندم إلى دبي ، ومن أهم الموانئ التابعة للشيخ القاسمي هي رأس الخيمة – قاعدة الحكم والشارقة وهي ثاني الموانئ القاسمية وجزيرة الحمراء وأم القيوين والجمرية وعجمان .