المحاضرة الثالثة : المقاومة العربية في بندر ريق للغزو الأوربي و والفارسي :
أثار الوجود الهولندي في خرج الانكليز الذين سعوا للحصول على مركز لهم في بندر ريق وقد وافق الشيخ ناصر على الطلب البريطاني وعين فرنسيس وود الوكيل السابق في بندر عباس مقيما عاما في بندر ريق ، وقد ادى تزايد النفوذ الاجنبي في الإمارة إلى حدوث تطورات داخلية ، فقد اتهم الشيخ ناصر بأنه السبب في الاحتلال الهولندي لجزيرة خرج خاصة وإن الهولنديين رفضوا دفع الإيجار السنوي المتفق عليه الامر الذي أدى إلى حدوث ثورة انتهت باغتيال الشيخ ناصر في عام 1754 وتولى ابنه مهنا الحكم ، إلا أنه لم يستمر طويلا فقد خلع في بداية عام 1755 من أخيه حسين ، إلا ان الامير مهنا تمكن في العامل التالي من الإطاحة بحكم أخيه وتولي حكم الامارة .
وخلال تلك الفترة المضطربة وصل وود إلى بندر ريق في حزيران 1755 واستقبل بحفاوة من الأمير حسين واتخذ الخطوات الضرورية لتأسيس المستعمرة الانكليزية في الميناء لم يكد يستقر حتى تطرق إلى سمعه بوجود مؤامرة يحيكها الامير مهنا ضد أخيه الامير حسين فغادر إلى البصرة دون ان يخب الامير حسين بما تطرق إلى سمعه ، تاركا الحرس لحماية الممتلكات الانكليزية والابقاء على العلم الانكليزي مرفوعا على مبنى الشركة ، وعندما عاد وود إلى بندر ريق في تموز 1756 وجد الحاكم الجديد الامير مهنا قد هدم مبنى الشركة وأنزل العلم الانكليزي وفي 6 تشرين الثاني 1756 طلب الأمير مهنا من وود مغادرة الميناء خلال نصف ساعة فهرع وود ومن معه إلى ظهر إحدى السفن الانكليزية التي كانت راسية في الميناء وهكذا منيت مشاريع الشركة في بندر ريق بالفشل الذريع .
كان تولي الامير مهنا في بندر ريق بداية النهاية للنفوذ الاجنبي فبعد طرد الانكليز من بندر ريق توجه الامير مهنا إلى تصفية الوجود الهولندي في جزيرة خرج ومقاومة محاولات كريم خان الزند للسيطرة على الجزيرة والإمارة معا ، فقد اشتبك الامير مهنا بصراع طويل ومرير مع الهولنديين انتهى بانتصاره انتصارا حاسما ففي 20 اذار 1762 أرسل الامير مهنا مائتين من رجاله لمهاجمة الجزيرة ونجح في أسر غلافتين من غلافات الهولنديين ولكن هجومه على القلعة لم يكلل بالنجاح وفي صيف العام نفسه حاصرت غلافات الامير مهنا الجزيرة وقطعت مواصلاتها مع الخارج واستمر الصراع بعد ذلك ويلقي نيبور باللوم على الحاكم الهولندي فون هاوتنك لأنه كان جاهلا بطباع العرب وأقحم نفسه بالصراع القائم بين الامير مهنا وشيخ بوشهر فساعد الاخير وهاجم الأول .
حقق الامير مهنا نجاحات مهمة ضد الهولنديين في عام 1765 ولم يتباطأ في متابعة نجاحه وتمكن من إنزال قوة عسكرية في جزيرة خرج قدرت بــ( 500 ) مقاتل وتطويق القوات الهولندية التي تبلغ حوالي مائتي شخص ، حوالي منتصف ليلة 21 كانون الأول 1765 وبعد حصار دام 9 أيام استطاع المقاتلون العرب تسلق أسوار القلعة الهولندية والاستيلاء على أحد الأبراج ، وفي اليوم الأول من شهر كانون الثاني 1766 استسلم حراس القلعة وجرى بعد ذلك مغادرة الهولنديين للجزيرة بموجب اتفاق الاستسلام الذي توصل اليه الحاكم الهولندي ماينهر خان بمشورة وكيله الفارسي السري مع الشيخ مهنا ويذكر بارسونز أن الامير مهنا احتل القلعة وجرد الهولنديين من كل ما يملكون وأرغمهم على الرحيل في سفينة هولندية ، وأنه جرد السفينة من جميع أسلحتها وعلاوة على حصوله على الجزيرة استولى على كمية كبيرة من الغنائم والأموال التابعة لشركة الهند الشرقية الهولندية وهكذا قضى على الوجود الهولندي في الخليج العربي بصورة نهائية .
خلال فترة الصراع العربي- الهولندي حاول الفرس تقويض الحكم العربي في الامارة بالتعاون تارة مع الهولنديين وتارة أخر مع الانكليز ، وبغية ايجاد مبرر لذلك طلب الحاكم الفارسي كريم خان الزند من الشيخ مهنا سنة 1764 دفع الجزية له بصورة رسمية فرفض الشيخ مهنا عندئذ أعلن كريم خان الزند الحرب عليه ، وأرسل قوة عسكرية قدر تعدادها بــ( 1100 ) فارس (500 ) راجل لتتولى العمليات البرية ضد إمارة بندر ريق ، وتعاون كريم خان مع الهولنديين ولانكليز لتحقيق هدفه ، فمنح الانكليز امتيازات تتضمن الترخيص لهم في إقامة وكالة في بوشهر وإعفاء تجارتهم من رسوم الاستيراد والتصدير الداخلية وحق احتكار توريد الصوف ، وفي مقابل ذلك تعهد الانكليز بمساعدة كريم خان ضد عرب الامارة ووضعوا اسطولهم في خدمة اطماعه التوسعية ، وقام الطرفان بعمل عسكري مشترك في عام 1765 ضد إمارة بندر ريق لكن حملتها العسكرية انتهت بالفشل الذريع في تموز 1765 .
وبعد الانتصار العربي على الهولنديين في خرج ، استمر التعاون الفارسي الانكليزي ضد الامير مهنا الذي أصبح قوة كبيرة في شمال الخليج العربي ، وعقد اتفاق بين الطرفين تضمن ما يأتي :
(( يتعهد الوكيل ( كريم خان ) في حالة اخذ جزيرة خرج والقبض على الشيخ مهنا وقتله أو كسر شوكته بواسطة الانكليز ان يعطي لهم جميع أٍسلحة ومراكب مهن ونصف الغنيمة ويتخلى لهم وللأبد عن كامل ملك وساطة جزيرة خرج )) .
وفي ضوء هذا الاتفاق قام الأسطول الانكليزي في شهر مايس 1768 بشن هجوم على جزيرة خرج ، إلا ان القوات العربية المدافعة عن الجزيرة استطاعت درء الهجوم الانكليزي والاستيلاء على إحدى سفنه ، وبعد فشل الهجوم الانكليزي بدأ الانكليز والفرس بالتخطيط للتخلص من الشيخ مهنا عن طريق إثارة الاضطرابات في داخل الامارة وفي كانون الثاني 1769 وقعت حركة في بندر ريق أطاحت بحكم الشيخ مهنا وتسلم السلطة شخص يدعى حسين خان ، الذي لم تقدم المصادر معلومات عن شخصيته ومدى صلته بقبيلة بني صعب ، التي كان شيوخها يتولون حكم الإمارة ، أما الأمير مهنا فقد توجه مع بعض أعوانه إلى الكويت ومنها إلى البصرة واستضافه والي البصرة العثماني بوصفه صديقا لباشا بغداد ، وبعد أن أخبر الوالي الباشا بوجوده في البصرة ورغبته بالقدوم إلى بغداد لمقابلته رفض باشا بغداد ذلك الطلب وطلب من الوالي إعدامه وهكذا كانت النهاية .
أدى سقوط حكم الشيخ مهنا إلى زيادة التدخل الفارسي والانكليزي في شؤون الإمارة ، ثم تواطؤ انكلترا مع الفرس إلى ضم الإمارة العربية إلى الفرس وإنهاء الحكم العربي فيها .