انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية : المقاومة العربية للغزو الهولندي والانكليزي في بندر ريق .

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/27/2011 6:49:14 AM

المحاضرة الثانية : المقاومة العربية للغزو الهولندي والانكليزي في بندر ريق .

 

أظهر الهولنديون اهتماما  بجزيرة خرج ، وخاصة بعد اضطرارهم في عام 1750 إلى التخلي عن ميناء بندر عباس نتيجة لاضطراب الأحوال فيه ثم رحيلهم إلى البصرة إلا ان الوجود الهولندي في البصرة لم يستمر طويلا فقد أغلقت المقيمية الهولندية في عام 1752 على إثر النزاع الذي نشب بين البارون كينغاوزن ممثل شركة الهند الشرقية الهولندية وبعض تجار البصرة الامر الذي أدى إلى طرده من البصرة ، وفي طريقه من البصرة جلبت جزيرة خرج انتباهه ، ونجح كينغاوزن في الحصول على موافقة الامير ناصر ، حاكم الجزيرة في قيام الهولنديين بتأسيس مقر تجاري لهم لقاء أجر سنوي وفي بتافيا حيث المقر الرئيس لشركة الهند الشرقية الهولندية في الشرق ، نجح كينغاوزن في اقناع رؤسائه في صلاحية الجزيرة لخدمة المصالح الهولندية .

 

وصل أسطول هولندي إلى الخليج في اوخر  عام 1753 وعليه عدد كبير من الرجال وكميات كبيرة من الذخيرة ، وتدل ضخامة الأسطول على ان الهولنديين لا ينوون تأسيس مقر تجاري لهم فحسب وإنما يرمون احتلالها وتحصينها وقد وصفت الجزيرة بأنها محصنة تحصينا منيعا ، وهناك اسطول قوي يرابط لحمايتها مؤلف من سفينة واحدة صغيرة بها 10 مدافع على عربات ، و6 مدافع تتحرك دائريا على محور زورق آخر يحمل 6 مدافع عيار أربعة أرطال و 4 مدافع متحركة .

 

أما القوات فتتألف من ضباط جنود أوربيين وأفارقة وقد وفر الهولنديون لهؤلاء الأفارقة ما يكفيهم من الطعام واللباس والحاجيات الأخرى ، ولم يقتنع كينغاوزن بذلك بل دفعه خياله إلى محاولة إجلاء السكان العرب من الجزيرة ، وجلب المستوطنين وكمرحلة أولى تقرر  جلب ثمانين عائلة آسيوية .

 

لم يمر سوى وقت قصير على استيلاء الهولنديين على خرج حتى بدأوا بتنفيذ تهديداتهم للعثمانيين ومتسلم البصرة .

 

حاول الهولنديون في خرج الحصول على تعويض من العثمانيين عن المعاملة السيئة للبارون كينغاوزن وذلك بالاستيلاء على عدة زوارق تعود ملكيتها إلى البصرة .

 

ففي نهاية عام 1753 تعرض الهولنديون لبعض السفن العثمانية التي واجهتها الريح وهي في طريقها إلى سوارت من البصرة للرسو في بندر ريق لحين هدوء الريح فما كان من الهولنديين وبأمر من البارون الاتجاه إلى تلك الجزيرة ونهب ما فيها من بضائع واحتجازها ، وعندما وصلت أخبار احتجاز السفن إلى باشا بغداد قرر أن يستعيد كل ما أخذ الهولنديون منها .

 

ولكن لم تمضِ فترة قصيرة إلا وعاد الهولنديون لمثل هذه المحاولة ففي الشهر الرابع 1754 م عندما ظهرت السفن العثمانية المتجهة إلى البصرة في مياه الخليج العربي جوبهت بمقاومة شديدة من قبل الهولنديين .

 

وكان قائد السفن العثمانية المحتجزة شاب يدعى صالح جلبي استوقفه موظفو الوكالة الهولندية طالبين منهم تفتيش بضاعته فسأل عن سبب تلك الاجراءات الجديدة ، فرد عليه الهولنديون بان هذه أوامر حاكمهم ، فطلب قائد السفينة العثمانية مقابلة الحاكم الهولندية فأرشده الهولنديون إلى مكان البارون الذي استقبله بأسلوب مؤدب جدا في البداية وقرر أن يلبي كل طلباته وأقسم أنه سيعاقب اتباعه لسوء تصرفهم .

 

وحاول البارون بأسلوبه أن يقنعه بعدم الرحيل من خرج لحين حضور موظفي الكمارك لمعاقبتهم ويشهد ذلك بنفسه ، غير ان البارون كان هدفه أبعد من ذلك حيث كان قد أصدر أوامره إلى اتباعه بإنزال السارية العثمانية تمهيدا للاستيلاء عليها بصورة نهائية وعندما عاد قائد السفينة إلى مكانه وجد سفينته قد رست تماما ولا يمكن له ان يعيد زمام الامور في هذا الوقت المتأخر لاسيما والظلام قد حل ، فعندما عاد إلى البارون وجده قد تغير في حديثه معه عن السابق فأمره بالرحيل لوحده تاركا السفينة في الجزيرة وسلمه رسالة باشا من حاكم بتافيا تتضمن جملة من الشروط للتفاهم حيث طلب إلى الباشا أن يعيد كل الأموال التي فقدها البارون في البصرة والتي اخذت منه ظلما حسب ادعائه وستكون السفينة العثمانية رهينة لحين تنفيذ ذلك .

 

إضافة إلى أن حاكم بتافيا قد هدد الباشا في رسالته بأنه إذا لم يستجب لطلبه فسوف يضطر لاستخدام القوة ضد كل السفن العثمانية وسوف برسل إلى بغداد من يجبر الباشا على رد الاموال وإعادة فتح الوكالة الهولندية في البصرة .

 

ويظهر من خلال اسلوب البارون أنه كان يتحدث من موقع القوة مما يدل على قوة موقف الهولنديين آنذاك ويؤشر الضعف الذي كانت تمر به الحكومة العثمانية في بغداد في الوقت نفسه .

 

عندما وصلت الرسالة إلى  باشا بغداد بعث بالرد التالي : ( إنه على الرغم حتى أنني غير خائف من تهديداتكم إلا انني افضل البقاء على وفاق معكم ونتيجة لذلك ساوافق على السماح لكم بإعادة فتح مقركم التجاري في البصرة وأوافق على تعيين مقيم غير كينغاوزن وسوف لن اوافق إعادة أية أموال ) .

 

وكان جواب البارون كينغاوزن أنه لم يكن في نيته العودة إلى البصرة غير انه يصر فقط على إعادة الأموال التي كان العثمانيون قد اخذوها منه عنوة ولم يكتفِ البارون بها فقط بل أراد مبلغا إضافيا لتغطية نفقات الأسطول الهولندي .

 

ومن أجل إضفاء مظهر القوة على طلبه هذا أرسل سفينتين من سفنه العملاقة لضرب الحصار على شط العرب ، ثم قام بالاستيلاء على عدد من الزوارق الحربية وعلى سفينتين من سفن البصرة محملة بمواد نفيسة كانت قد جاءت من الهند متجهة إلى البصرة .

 

لقد اجبرت تلك الاجراءات التي قام بها الهولنديون العثمانيين على التفاوض مع الهولنديين في عام 1754 فاضطر متسلم البصرة بأمر من باشا بغداد إلى إرسال مبعوثين إلى جزيرة خرج للتفاوض مع البارون لإيجاد حل للخلاف القائم وإطلاق سراح السفينة المحتجزة وفعلا تم الاتفاق بعقد معاهدة وافق فيها الهولنديون على إنهاء العداء بينهم وبين العثمانيين وإعادة السفينة المحتجزة بعد دفع مبلغ 130000 ألف روبية وحصلت الموافقة ايضا على إعادة كل ديون الهولنديين غير المدفوعة في البصرة ومن ذلك يتضح مدى قوة النفوذ الهولندي في الخليج العربي والتي اجبرت العثمانيين على دفع المبلغ المتنازع عليه كتعويضات برغم أن الهولنديين هم المعتدون وتمكنوا من إجبار العثمانيين بإعادة كل ديون الهولنديين غير المدفوعة في البصرة وبعد تلك الاتفاقية أبحرت السفن الهولندية إلى بتافيا تحمل أخبار استعادة الذهب والاموال والديون إضافة إلى إقامة القلعة والوكالة الهولندية في خرج واكمال استحكاماتها .

 

لم يبق البارون في موضوع إعادة  فتح وكالة تجارية في البصرة مدعيا أنه لم يستلم أية تعليمات من رئاسة شركة الهند الشرقية الهولندية في بتافيا إلا ان هذا لا يمنع من قرار الهولنديين بإبقاء العلم الهولندي مرفوعا في جزيرة خرج برغم كل شيء .

 

وبالرغم من السماح لهم بإنشاء وكالة في البصرة وتسديد ما تبقى لهم من ديون في المدينة فإن الهولنديين لم يعيدوا فتح الوكالة في البصرة .

 

لقد كان نجاح الهولنديين في احتلال الجزيرة ومحاولتهم التوسع في اماكن أخرى من الخليج العربي حافزا جديدا لإعادة نشاطهم التجاري مرة أخرى ، وسببا في دفع الانكليز إلى التقرب من حاكم بندر ريق وإقامة وكالة تجارية أو بالأحرى مستعمرة انكليزية بالقرب من الهولنديين لكي يقفوا سدا منيعا يحول دون توسع الهولنديين لا سيما وإن الاخيرين قد بدأوا بتشييد الكثير من التحصينات الدفاعية في جزيرة خرج بعد تسوية خلافاتهم مع العثمانيين ويبدو أنهم لم يكتفوا بإقامة مركز تجاري فقط بل كان همهم إقامة مستوطنة تدعم النفوذ الهولندي وتؤهله للتحكم في منطقة الخليج العربي ، وكان لذلك التحرك الهولندي وامتناعهم عن دفع الأجرة السنوية للحاكم أثره في دفع المير ناصر حاكم بندر ريق بالموافقة على طلب الانكليز لإقامة مركز تجاري في بندر ريق .

 

و5في تشرين الأول من عام 1754 أرسل الانكليز لهذه المهمة فرانسيس وود ليكن قيما في بندر ريق تجنب الانكليز منذ البداية المجابهة مع الهولنديين حسب تعليمات أرسلت من حكومة الهند إلى المقيم الانكليزي حفاظا على مصالحهم التجارية لكن الهولنديين لم يتوانوا عن خلق نوع من المنافسة مع الانكليز فبدأوا أولا بأهم تجارة وهي تجارة صوف كرمان حيث جاء رفع أسعار الصوف لأكثر من 80 روبية للطن نظرا لاستلامه أوامر تقضي بتحميل كل صوف كارمينيا أما نحن فقد عرضنا أقل منهم بعشر روبيات ولم يقدم عليه أحد فخسرنا بتلك أهم صفقة .

 

استمر الهولنديون في انشطة البناء والإصلاح لقلاعهم ودورهم حتى واجه الانكليز مشكلة في الأيدي العاملة عندما بدأوا البناء إذ جاء في رسالة وود إلى السير الكسندر دوغلص وكيل الشركة والقنصل الانكليزي في بندر عباس ما يلي : ( طبقا لموافقتكم فإننا بدأنا ببناء دور لعمال الشركة وحاولنا جهدنا أن نكون حذرين في المصاريف والالتزام بوقف الانشاء برغم أن الهولنديين قد استخدموا الناس الفقراء من سكان المنطقة في بناء الحمامات والبيوت والمخازن في مقرهم مما سبب لنا نقصا في الأيدي العاملة وكان الجوخ أيضا من السلع التي دارت حولها المنافسة ، حيث كانت مخازن الهولنديين في خرج مليئة بأصناف من الجوخ واعتمد الهولنديون مختلف الوسائل لاحتكارها وبذلك فشل الانكليز في احتكار هذه السلعة ايضا وأحبطت آمالهم التي علقوها على مجيء الغار من المناطق المحيطة بالجزيرة وذلك لأن الهولنديين استطاعوا أن يضعوا أولئك التجار تحت مظلتهم باستعمال وسائلهم المعتادة .

 

وتشير المراسلات التي دارت بين المقيم الانكليزي في بندر ريق ورئاسة شركة الهند الشرقية الانكليزية في لندن إلى  ان الهولنديين قد تصرفوا في بعض اراضي الجزيرة وزرعوها واستخدموا محصولها للتجارة وهكذا استمرت المنافسة الانكليزية الهولندية قائمة ولم يفلح الانكليز في إعاقة أي عمل تجاري للهولنديين عدا أنهم  تمكنوا بعد فترة من إرسال نماذج من المنسوجات الهولندية إلى المصانع الانكليزية لعمل منسوجات تفوقها بالجودة لكي يؤثروا على تجارة الهولنديين وفعلا تم ذلك وتأثرت الاسعار ليس في خرج فحسب بل في اوربا .  

 

وفي خضم تلك المنافسات اغتيل مير ناصر وتولى الحكم من بعده مير مهنا أواخر عام 1754م .

 

وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر عف مركز هولندا في الخليج العربي بسبب المقاومة العربية من جهة وتزايد النشاط البريطاني من جهة أخرى والذي توسعه على حساب المصالح الهولندية في الخليج العربي ، وقد فقدت شركة الهند الشرقية الهولندية مكانتها في الخليج العربي وبخاصة منذ عام 1765 وتحولت هولندا من دولة تجارية من الدرجة الأولى إلى دولة من الدرجة الثانية ، بعد ان فقدت الأساس الاقتصادي لعظمتها على الرغم من محافظتها على بعض مستعمراتها .

 

ويبدو أن مركز الهولنديين في منطقة الخليج العربي أصبح منذ ذلك الحين ضعيفا لدرجة مكنت القبائل العربية في الساحل العماني من استعادة موانئها وفلح البطل العربي مير مهنا شيخ ميناء بندر ريق من الوصول إلى جزيرة خرج مع ذلك احتفظ الهولنديون بدار قنصلية لهم في ميناء أبو شهر حتى القرن التاسع عشر ، إلا ان علاقتهم التجارية بالخليج العربي لم تكن بالصيغة التي شهدتها في القرون السابقة.

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .