محاضرات الأسبوع الثالث عشر كانون الثاني 2011
العرب في بندر يق والساحل الشرقي :
المحاضرة الأولى : نبذة مختصرة عن الخليج العربي في السواحل الشرقية للخليج العربي وبدايات الغزو الهولندي لبندر ريق .
أدى ازدهار القوى العربية في الساحل الغربي للخليج العربي إلى انتعاش مقابل للقوى العربية المحلية على طول الساحل الشرقي ، ويمكن تحديد ثلاثة تجمعات قبلية عربية كانت ترسم الخريطة السياسية للساحل الشرقي من الخليج العربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، وهؤلاء هم عرب بوشهر وحاكمهم آنذاك الشيخ نصر آل مذكور ، وهم من عرب المطاريش العمانيين ، ثم عرب بندر ريق النازلون إلى الشمال من بوشهر وهم ينتمون إلى بني صعب من الساحل العماني وكانوا يحكمون علاوة على ذلك جزيرة خرج ، كذلك ظهرت قبائل عربية أخرى في ميناء لنجة وجزيرة سيري القريبة منه ، ثم هناك عرب بني كعب ومركزهم الدورق وفضلا عن تلك القوى القبلية الثلاث كان هناك عرب الحولة أو ( الهولة ) وكان بإمكانهم كما يقول نيبور – السيطرة على منطقة الخليج العربي كلها – لو كانوا متحدين غير أن انقسامهم إلى مشايخ مستقلة حال دون ذلك .
ويمكن القول إن القرن الثامن عشر شهد ظهور حكم عربي مستقر على السواحل الشرقية نتيجة لعاملين أساسين هما :
1- ارتباط بعض جزر وموانئ السواحل الجنوبية الشرقية بالحكم العربي في عمان .
2- ظهور أسر عربية مستقلة حكمت بعض جزر وموانئ الساحل الشرقي .
وقد أكد الكثير من الباحثين والرحالة أهمية الدور العربي على الساحل الشرقي وقد شهد نيبور الذي زار المنطقة خلال الفترة ( 1763 – 1765 ) مدى النفوذ الذي وصل إليه عرب الخليج وسيادتهم على سواحله جميعا مما دفع به إلى التأكيد بأن العرب هم الذين يمتلكون سواحله ، بما في ذلك سواحله الشرقية ، وغن ملوك الفرس لم يتمكنوا من منازعة العرب هذه السيادة وإنهم متحملين على مضض بقاء السواحل الشرقية ملكا للعرب ، ويذكر كيلي أن جميع الجزر الباقية على الساحل الشرقي من ساركو وخرج شمالا إلى هرمز ولارك جنوبا تحت سيطرة القبائل العربية فلقد كان العرب يسيطرون على أغلب موانئ الساحل وكل ميناء يخضع لسلطة أحد المشايخ الذي تم انتخابه من جانب القبيلة التي تعد مسؤولة عن حمايته وقد تعرضوا إلى ضغط مستمر من قبل الفرس وخاصة في عهد نادر شاه ، الذي لم يفلح في إخضاع الساحل العربي على الرغم من الأسطول الذي أنشأه لتحقيق ذلك الهدف وفي أواخر حكمه صمم على تهجير سكان الساحل إلى شواطئ بحر قزوين واستبدالهم بقبائل من تلك المنطقة غير أن هذا المشروع لم ير النور بسبب وفاته .
واشتهرت من القبائل العربية في الساحل الشرقي قبيلة بني ناصر وهي فرع من قبيلة المطاريش في بوشهر وهي قبيلة نزحت أصلا من عمان في اواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر وكانت هذه القبيلة كغيرها من القبائل الساحلية تمتد من البحر ومن أساطيلها التجارية وخاصة أن مدينة بوشهر قد حققت ازدهارا ملحوظا بعد تدهور وضع بندر عباس ، الميناء الرئيس على الساحل الشرقي من الخليج العربي وبسبب نقل مقر شركة الهند الشرقية إلى بوشهر في عام 1763 ولم يكن سكان بوشهر في ذلك الوقت يزيد على ( 10 ) آلاف نسمة على الرغم من أن ابرهام بارسونز وهو الرحالة الانكليزي الذي جاب الشرق يقدر عددهم بعشرين ألفا في عام 1775 وكان الشيخ ناصر أبرز شخصية في القبيلة حكمت بوشهر وظل كذلك حتى وفاته عام 1789 .
اما بندر ريق الواقعة في الجزء الشمالي من الخليج العربي فإنها تقع على بعد 31 ميلا إلى الشمال الغربي من مدينة بوشهر و56 ميلا إلى الشرق من الكويت فإنها مدينة قديمة جدا وميناء مهم للتجارة والمواصلات في المنطقة وسكانها العرب من قبيلة صعب العمانية الذي استطاعوا إقامة إمارة عربية ضمت علاوة على بندر ريق جزيرة خرج ، التي وصفت بأنها ذات أهمية تجارية وإستراتيجية في منطقة الخليج العربي ، وتبعد عن بندر ريق حوالي 23 ميلا و25 ميلا إلى الشمال الغربي من بوشهر ووصفت جزيرة خرج بأنها جرداء على يزيد عدد سكانها على المائة من صيادي الأسماك .
لقد كان للهولنديين حتى عام 1752 مقيمية في البصرة تمارس نشاطها والانتفاع التجاري من خلال ممثلها البارون كينغهاوزن الذي امتاز بروح المغامرة والمشاكسة والعناد فتخاصم مع عدد من تجار البصرة والسلطات العثمانية فيها .
مما دعا إلى طرده من الميناء وأغلق المقيمية من بعده خرج البارون كينغهاوزن مطرودا من البصرة على ظهر إحدى السفن بصحبة زورقين متجها إلى بتافيا حيث المقر الرئيس للشركة في الشرق ، وخلال مروره في الخليج العربي جلبت جزيرة خرج انتباهه فتوقف قليلا وفكر في الاستقرار فيها .
دخل البارون الجزيرة وأحضر امام حاكمها مير ناصر فسمح له بالبقاء منتظرا إحدى السفن لنقله إلى بتافيا .
لقد استغل البارون كينغهاوزن فترة وجوده في الجزيرة فأطلع على ما فيها وحاول التقرب من حاكمها حيث كان يرافقه باستمرار أينما ذهب واصبح أحد أصدقائه المقربين وكان بين فترة واخرى يقدم المساعدة للحاكم مما اكتسبه من خبرة تجارية واسعة من خلال وجوده في البصرة كرئيس للمقيمية الهولندية لمدة 23 عاما ويبدو من خلال ذلك أنه قد حصل على ثقة الحاكم مما شجعه على الاستقرار في الجزيرة فأرسل من هناك رسالة إلى الوكيل الهولندي في بندر عباس يعزي فيه الاهانة للهولنديين كشعب من متسلم البصرة إلى تصرف السلطة العثمانية في البصرة كما التمس البارون كينغهاوزن الصفح من حكومته ومن رئاسة شركة الهند الشلارقية الهولندية في بتافيا إضافة إلى الخطاب الذي سلمه بيده عندما كان في البصرة والذي تضمن رأي المقيمية الهولندية في البصرة بما حدث لبارون مع تسلم البصرة والذي يدين ما حصل ويؤكد براءة البارون من التهم الموجهة له .
ظل البارون في جزيرة خرج يتابع نتائج رسائله ، وكان أيضا قد طلب في رسالته أن تعطى للهولنديين الحرية في شجب تصرف حاكم البصرة والسماح له بالبقاء في الجزيرة ، وبعد فترة وصلت رسالة من الشركة بالموافقة على البقاء لفترة من لوقت ، فعندما سمع متسلم البصرة أن البارون سوف سوف لن يعود إلى بتافيا أرسل إلى رئاسة الشركة هناك غير انه يذكر المبلغ الواجب دفعه من قبلهم كغرامة عن أعمال البارون والبالغ ( 100000 ) ألف روبية .
استقل البارون إحدى السفن إلى بندر عباس ومنها إلى بتافيا ليشهد بنفسه الرد على كل فترة في رسالة متسلم البصرة ثم عاد وبدأ يمارس نشاطه في الجزيرة مخالفا الثقة التي منحه إياها حاكم بندر ريق فعمل مسحا عاما للجزيرة الساحل المحيط بها .
اكتشف البارون من خلال المسح أن في المنطقة مرفأ للبضائع وفيها موقفا مهما لبناء مدينة للدفاع عنها ومرسى للسفن ، ويبدو أن هدف البارون كان منذ أن وطأت قدمه أرض الجزيرة هو إقامة مستوطنة هولندية وليس مقرا تجاريا فحسب ، ومن أجل الوصول إلى ذلك بدأ البارون ينفذ خطته وتقرب أكثر من الحاكم وطلب منه السماح بتأسيس مقر تجاري للهولنديين في جزيرة خرج فوافق الحاكم على ذلك مقابل دفع إيجار سنوي ، فأسرع البارون مرة أخرى إلى بتافيا بعد أن أخذ نسخة الامتياز الذي كان على شكل وثيقة بخط يد الحاكم وموقعة من قبله بموافقته على إنشاء الوكالة الهولندية في جزيرة خرج لكي يقنع حكومته بقبول ما كان يطمح اليه وهو إقامة مستوطنة كبيرة في خرج .
عاد كينغاوزن بعدها إلى الخليج العربي بعد أن حصل على موافقة الحكومة الهولندي وتشجيعها لمثل هذا المشروع بعد إطلاعها على المسح الكامل للجزية والاستماع إلى ادلة وبراهين البارون بنجاح المشروع في حالة اتمامه ، لقد جاء البارون بهذه الفكرة في الوقت الذي كان الهولنديون في وضع يرفضون فيه أي فكرة لإعادة بناء صرح تجارتهم في الخليج العربي بعد أن فشلت تجارتهم في البصرة إضافة إلى وضعهم الحرج في بلاد فارس ، والذي خلفته الحرب الأهلية بعد مقتل نادر شاه ، الامر الذي جعل وضع الهولنديين في الخليج العربي قلقا بسبب تلك الظروف مما دفع رئاسة شركة الهند الشرقية الهولندية في بتافيا إلى الموافقة فورا على خطة البارون كينغاوزن .
إضافة لكل ما تقدم فإن وجود الهولنديين في جزيرة خرج مهم جدا من حيث تعزيز مكانتهم لأهمية موقعها عند مدخل شط العرب فضلا عن أهميتها في تاريخ استيطان الاستعمار الأوربي في الشرق ، وبانتقال النشاط الهولندي في جزيرة خرج يكونون قد تحولوا بنشاطهم من الموانئ التابعة لبلاد فارس والدولة العثمانية إلى جزر محصنة حيث العمل المستقل دون منازع .
عاد كينغاوزن وبصحبته عدة سفن بالصخور والكلس والحجارة وكل شيء ضروري للبناء مع مجموعة من المهندسين والمصممين إضافة إلى كميات كبيرة من البضائع الأوربية .
وفي الحادي عشر من شهر أيلول من عام 1753 رست سفينة هولندية في بندر عباس تنتظر البارون الذي كان متوقعا وصوله من جزر الهند الشرقية وصل البارون كينغاوزن في 6 تشرين الأول من عام 1753 على ظهر سفينة هولندية عملاقة ترافقها سفينتان حربيتان صغيرتان ، ظلت تلك السفن إلى اليوم الحادي عشر من الشهر نفسه لكي تتزود بالوقود والغذاء .
ثم توجهت السفن بعدها إلى الجزيرة من أجل فتح مقر تجاري هناك ، غير ان ضخامة الأسطول الهولندي المتكون من خمس سفن كبيرة من بينها اثنتان صغيرتان وواحدة كبيرة كانت موجودة في مياه الخليج العربية منذ حزيران إضافة إلى السفينتين اللتين رافقتا البارون وكانتا محملتين بالرجال والعتاد والذخيرة والمخازن وقطع الخشب والحجارة دلت على ان الهولنديين لا ينوون إقامة مقر تجاري فحسب بل ينوون احتلال جزيرة خرج ، أثار هذا الحدث حفيظة الانكليز لأنهم كانوا يخشون احتمال قيام الهولنديين بأعمال عدائية ضد البصرة أو جزر البحرين ويهددون بذلك مصالحهم مستنتجين من ذلك من قوة استحكاماتهم التي شهدوها بأنفسهم من خلال الأسطول .
ومنذ أن نزل الهولنديون إلى جزيرة خرج بادروا إلى بناء قلعة عسكرية محضة خلافا للاتفاق مع حاكم بندر ريق ، الأمر الذي أثار الحاكم وسكان المنطقة غير ان الحاكم ما لبث أن استسلم لعدم تكافؤ قوته مع قوة الهولنديين آنذاك وشيئا فشيئا استقر الهولدنيون في الجزيرة وبدؤوا في تنفيذ خطتهم للسيطرة على اجلزيرة متخذين منها مركزا للتحكم في تجارة الخليج العربي و نقطة وثوب إلى البحرين والبصرة وغيرها من المواقع المهمة على الشاطئ العربي للخليج العربي ، لقد وضع البارون الحامية التي جلبها من بتافيا تحت تصرف الهولنديين عند القلعة ومن بينها مدافع وعربات مسلحة و60 مدفعا متحركا دائريا وزورق يحمل 6 مدافع و60 جنديا مسلحين بالسيوف والدروع .
وبعد ان استقر البارون وأتباعه في قلعتهم بدأوا يمارسون التجارة ومن خلالها كانوا يخططون للاستحواذ على الجزيرة ، لقد بدأ البارون بإغراء مسيحيي البصرة على الاقامة في الجزيرة ووعد الفقراء منهم بمساعدات مالية تمكنهم من الاستقرار والعيش برفاه ، كما عمد إلى جلب بعض الأسر الهولندية وسكنها الجزيرة وطرد السكان العرب منها ، فبدأ يجلب ثمانين عائلة آسيوية كمرحلة أولى ، الامر الذي أثار سكان الجزيرة عليه فيما بعد ، وقد أكد مالكوم ذلك إذ قال إن سكان الجزيرة خلال الإحدى عشرة سنة التي بقي فيه الهولنديون بلغ أكثر من ألف نسمة ونيف بعد ان كانوا مئة شخص .