انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية : الغزو الفارسي للبصرة

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/26/2011 7:35:42 AM

المحاضرة الثانية : الغزو الفارسي للبصرة

 

ولم تقتصر الأطماع الفارسية على البحرين فقط , بل شملت مشاريعهم التوسعية مناطق أخرى في الخليج العربي مثل البصرة وعمان فمنذ عهد الشاه عباس الأول عام 1624م اصدر أوامره الى حاكم شيراز أمام قلي خان لمهاجمة البصرة غير أن هذه الحملة ردت أعقابها فأعاد الفرس الكرة في عام 1625م وجهزوا قوات عسكرية كبيرة استعد لها أهل المدينة حيث اعلن التجنيد العام وتعالت الأصوات الوطنية ضدها , مما اضطر القوات الفارسية على الانسحاب تاركة كل شيء حتى الات المعسكر , وجرت محاولة أخرى لاحتلال البصرة عام 1629م إذ قاد أمام قلي خان قوات فارسية كبيرة قابلها حاكم البصرة بالاستعانة بالقبائل العربية وبكسر السدة التي تحفظ المدينة من الغرق فغمرت المياه الأراضي المحيطة بها , وقد فوت الفرصة على الفرس لتحقيق أهدافهم .

 

  وتكررت المحاولات الفارسية في القرن الثامن عشر لغزو البصرة فعند مجيء نادر شاه إلى  الحكم غزاها بحريا عام 1735م وفي عام 1743م غزاها برا وبحرا ولكن أهالي البصرة نجحوا في مقاومته وإيقافه واضطرت القوات الفارسية إلى  التراجع والانسحاب بعد حصار استمر اكثر من ثلاثة اشهر .

 

تردد من سنة 1773 أن كريم خان وينوي الهجوم على البصرة واحتلالها باعتبارها محورا من محاور التوسع الفارسي ويقدم بعض الاوربيين المختصين بشؤون الخليج العربي تفسيرا لذلك فيقول مالكولم أن كريم خان أراد بغزوه البصرة اشغال الجيش الفارسي بمهمات خارج الحدود بعد ان شعر بوجود تذمر بين صفوفهم ويرى لوريمر أن هناك ما يشير إلى اعتقاد كريم خان بان احتلال البصرة يساعده على إخضاع عمان التي كانت أغلب تجارتها مع هذا الميناء ويساعده كذلك على إحباط السياسة التي تبعها الوكيل الانكليزي في البصرة والتي تهدف إلى مقاطعة الموانئ الفارسية وجعل البصرة مركزا رئيسا للتجارة جميعا ، اما مايلز فيعتقد أن هزيمة الجيش الفارسي في شمال العراق هي التي دفعت كريم خان إلى التفكير بشن الحرب على نطاق واسع ، وكان من المتوقع أن ينتقم بعمل ضد بغداد أو البصرة وكانت الثانية هي أرجح الاحتمالين حيث ان كريم خان كان مغتاظا من النجاح التجاري الذي أحرزته البصرة التي اتسعت عوائدها وتزايدت أهميتها في تلك المرحلة ، في حين تضاءلت الأهمية التجارية لميناء بوشهر بعد ان أغلقت شركة الهند الشرقية الانكليزية وكالتها التجارية في هذا الميناء بسبب متاعبها مع كريم خان ، وتركزت في البصرة جميع تجارتها مع الخليج العربي وبالتالي كان انهيار تجارة بوشهر محتوما .

 

وفي السادس عشر من آذار 1775 وصلت القوات الفارسي شط العرب وأصبحت بالقرب من مصب نهر السويب ، تواجهها قوات عربية كبيرة من عشائر المنتفق بقيادة الشيخ عبد الله السعدون ، كانت قد اتخذت مواقعها على الجانب الغربي من شط العرب لتمنع عبور الغزاة إلى هذا الجانب ، وقد تقدمت البصرة بطلب عاجل إلى إمام عمان احمد بن سعيد لمشاركة أسطولها في الدفاع عن المدينة ، فبعث الإمام بخطاب يعد فيه بتلبية الطلب .

 

وبشان قوة  البصرة البحرين ، فإنها كانت تضم بالاضافة إلى الزوارق الحربية الصغيرة ، أربعة قطع حربية اثنتين كبيرتين هما – دجلة والفرات – مزودة كل منهما بأربعة عشر مدفعا كانتا قد بنيتا في بومباي وسلمت إلى سلطات البصرة في أواخر سنة 1773 إلا أنها ظلت تحت قيادة انكليزية ، وسفينتين صغيرتين من نوع ( الغلافة ) تحمل كل منهما ثمانية مدافع وعددا من الجنود يتراوح بين ثمانين ومائة جندي ، وهي أيضا تحت قيادة انكليزية .

 

غير ان قوة البصرة العسكرية إذا ما قورنت بحكم القوة العسكرية الفارسية الغازية تكون سهلة المنال بحكم الحسابات العسكرية التقليدية لكن هذا الواقع العسكرية لم يكن ليؤثر في شجاعة وتضحية هذه المدينة ، ويبدو الأمر واضحا من خلال رفض الاستجاة لابتزاز الفرس ، فبينما كانت المدينة تشهد جهودا كبيرة في تقوية الاستحكامات والتحصينات الدفاعية ، وصلها مبعوث فارسي يعرض استعداد حكومته للتخلي عن غزو البصرة لقاء مبلغ كبير من المال غير أن المبعوث طرد دون ان يتلقى ردا ، وبعد ذلك بحوالي اسبوع 23 آذار 1775 وصل وفد فارسي عرض على حكومة البصرة أن تدفع عشرين لكا من الروبيات وإلا فإن قواتهم ستحتل المدينة في غضون خمسة أيام لكن الوفد الفارسي  طرد دون جواب كما حدث في المرة السابقة .

 

واصلت البصرة استعداداتها الدفاعية وتم إقامة حاجز يمنع الملاحة في شط العرب ويحول دون وصول الامدادات إلى القوات الفارسية بالحد من عبور المزيد من السفن إلى شمال المدينة ، والحاجز عبارة عن جسر من القوارب الكبيرة ربط بعضها ببعض بالسلاسل والحبال وتم حصرها في صدر نهر العشار ، كما وصلت من بغداد قوة من الانكشارية يبلغ عددها حوالي مائتي جندي مع رسالة من الوالي إلى حكومة البصرة يذكر فيها بأنه سيرسل المزيد من القوات لرد العدوان الفارسي .

 

وفي السادس من نيسان اقتربت طلائع القوات الفارسي من المدينة ويقدر عددها حسبما جاء في تقارير الوكالة البريطانية في البصرة التي شاهد موظفوها تقدم هذه القوات من شرفة الوكالة ، بعدة آلاف من الخيالة والمشاة ، وأخذت بالتمركز قرب باب بغداد التي تؤدي إلى قلب المدينة المأهول بالسكان وفي صباح اليوم التالي وصلت مؤخرة القوات واخذت مواقعها في الخطوط الأمامية ، وقد أشغال المعسكر الفارسي مساحة تبلغ ثلاثة اميال عرضا وخمسة أميال طولا .

 

وقد حاول ثلاثمائة فارسي في صباح الثامن من نيسان الاقتراب من الأسوار للتعرف عليها ، غير ان طلقات المدافع سرعان ما انهالت عليهم ، وفي الوقت نفسه أجبرت ست عشرة سفينة فارسية على التراجع حاولت أن تقترب من المدينة .

 

وازاء الهزيمة التي لحقت بالقطعات الفارسية ، شدد الفرس من حصارهم وتقدمت قواتهم إلى مسافة قريبة جدا من المدينة ، وشنت هجمات عديدة باءت جميعها بالفشل غير ان الفرس تمكنوا في هجوم واسع عنيف من إحداث ثغرات في خمسة مواقع ، بعد أن دكت المدينة بالمدفعية التي كانت تحت قيادة ضباط أوربيين .

 

كما هوجم ليلا جسر القوارب الذي كان قد وضع في صدر العشار وأحرق أحدها وكانت قدرة المدينة البحرية قد ضعفت حيث فوجئت في 11 نيسان بمغادرة القطع البحرية الانكليزية وعلى ظهرها الوكيل هنري مور وموظفو الوكالة وبارسونز ومعهم القطع البحرية الاربعة التابعة للعراق التي كانت تحت قيادة انكليزية الامر الذي أثار استياء السكان ونقمتهم واعتبروا هذا العمل لا يخرج عن كونه خطة ترمي إلى تسهيل عملية الاحتلال الفارسي للبصرة .

 

وعند وصول القطع البحرية التي انسحبت من البصرة إلى الخليج العربي أرسل الوكيل الانكليزي هنري مور الغلافتين التابعتين لبحرية البصرة إلى الكويت اما القطعتين الحربيتين ( دجلة والفرات ) فقد أبرحت مع القطع البحرية الانكليزية إلى بوشهر في طريقها إلى الهند .

 

والحقيقة انه منذ أن بدء الغزو الفارسي للبصرة ، كانت هناك اتصالات بين الفرس والانكليز بقصد تسوية جميع المشكلات القائمة بينهما ، وقد وصل إلى بوشهر في السابع من نيسان 1775 أي في نفس اليوم الذي بدأت فيه القوات الفارسية حصارها للمدينة ، روبرت جاردن احد أعضاء شركة الهند الشرقية في بومباي وذلك في مهمة تستهدف استئناف العلاقات مع كريم خان وإعادة فتح الوكالة التجارية في بوشهر ، وفي الحادي والعشرين من نيسان بعث جاردن بخطاب إلى كريم خان شرح فيه مهمة بعثته ، وذكر أنه لما كانت الصداقة التامة بين الانكليز والفرس موجودة منذ القدم ، فإن حكومة بومباي قد فوضته في إعادة فتح الوكالة في بوشهر وعودة السفن الانكليزية إلى ممارسة نشاطها التجاري مع الموانئ الفارسية .

 

لقد تصور الفرس أن البصرة بعد ان فقدت قوتها البحرية الرئيسة ساقطة بأيديهم في الحال غير ان حساباتهم العسكرية كانت هي الساقطة فقد استطاعت هذه المدينة ببضعة سفن صغيرة من نوع ( تكنات ) أن تواجه باقتدار القوة البحرية الكبيرة المعادية وتحطم العديد من القطع الحربية كما ان المدفعية الفارسية لم تتمكن من تحقيق أي نجاح في مواجهة الاستحكامات وقد جاء في تقرير يصف حالة المدينة  ( إن رجاىل قبيلة المنتفق وغيرها من قبائل العرب مجتمعون لحماية البصرة ، وإن الصحراء تفيض بالمحاربين ، وألا خطر على البصرة من الجيش الفارسي ) .

 

يضاف إلى ذلك أن إمام عمان احمد بن سعيد وهو المدرك للأطماع الفارسية في الخليج العربي تقدم بأسطوله في شهر آب 1775 ليشارك البصرة قتالها ضد الفرس وقد اتخذ الاسطول مواقعه عند مدخل شط العرب في اوائل تشرين الأول بعد ان حطم السلسلة التي وضعها الفرس لعرقلة تقدمه ، ودمر العديد من سفنهم فأمن السيطرة على هذا النهر ولو لفترة محدودة ، الأمر الذي ساهم في دعم وصمود دفاع المدينة .

 

وبعد ان صمدت البصرة أكثر من عام كامل ( 7 نيسان 1775 – 15 نيسان 1776 ) منذ بدء الحصار في ظل إمكانات محدودة وانقطاع الامدادات العسكرية عنها ، كان لا بد أن يكون احتلال الفرس لها قاب قوسين أو ادنى فقد نفذت الذخائر والمؤمن وبدا للسكان أن المقاومة أصبحت من غير جدوى ، وأنها مؤدية لهلاك المئات من نفوس الجائعين ، حيث تذكر المصادر ان المواد الغذائية نفذت ، واضطر الناس إلى أكل لحوم الحيوانات المحرمة ، وكل ما وصلت اليه أيديهم ، يضاف إلى ذلك أن الأسطول العماني انسحب من مياه شط العرب بعد حوالي شهرين عائدا إلى مسقط ، حيث وصل إلى علم الامام احمد بن سعيد احتمال قيام الفرس بتوجيه ضربة إلى عمان نفسها ، كما أن الانكليز بانسحابهم من البصرة وأخذهم القطع الحربية المهمة التابعة لها ، قد حرموا المدينة من وسائل دفاعها البحري وفي هذا الصدد يقول بارسونز : ( لو لم يفعل الانكليز ذلك لما استطاعت كل جيوش بلاد فارس أن تدخل المدينة وتحتلها ) .

 

وأخيرا في مساء الخامس عشر من نيسان 1776 ، وبعد أن يئست حكومة البصرة تماما من وصول أية إمدادات من بغداد التي كانت في ظل اوضاع سياسية مضطربة بسبب الصراع على السلطة عقد وجهاء البصرة وأعيانها اجتماعا لتدارس الموقف فأقروا التوقف عن المقاومة على ان يتعهد قائد الجيش الفارسي صادق خان بعدم التعرض للسكان فأخذوا منه الامان .

 

وفي صباح اليوم التالي احتل الفرس مدينة البصرة ، حيث دخلت طلائع قواتهم وكانت مؤلفة من ستة آلاف جندي ، وبعد خمسة أيام 21 نيسان دخل صادق خان تصحبه قوات كبيرة احدثت الفوضى وهي تبحث عن مساكن تنزل بها ، الأمر الذي أرغم العديد من السكان على إخلاء بيوتهم ومغادرتها ولم يحترم الفرس تعهدهم فآذوا السكان فاستباحوا الحرمات واعتقلوا المتسلم ورجال حكومته وكذلك وجوه وأعيان البصرة وأرسلوهم جميعا أسرى إلى العاصمة شيراز .

 

وبقيت سلطة الفرس مقتصرة على مدينة البصرة لذلك عندما حاولوا مد نفوذهم الى ديار قبائل ( المنتفق) العربية هزموا في عام 1777م في منطقة يقال لها ( الفضيلة ) وهزمتهم نفس القبائل عندما حاولوا غزوها ثانية عام 1778م وتمكنوا من قتل قائد القوات في منطقة ابي حلانه ولم ينج من الجيش الفارسي احد سوى ثلاثة انفار , وانسحب الفرس من البصرة عام 1779م بعد موت كريم خان وكان للمقاومة العربية المستمرة اثر واضح في اجبارهم على اتخاذ ذلك القرار.

 

ومهما يكن من أمر فإن البصرة استطاعت ان تسترد مكانتها وتعود إلى ما كانت عليه من الازدهار الاقتصادي ، حيث يذكر تقرير المقيمية البريطانية إن المدينة اخذت في الانتعاش فازداد عدد سكانها تدريجيا وعاد اليها التجار الذي هجروها أيام الاحتلال الفارسي ، وقام كثير منهم يشجعهم الأمن والطمأنينة السائدة ، باتخاذ الاجراءات اللازمة لاستئناف عمليات الاستيراد وقد اخذت السفن الانكليزية وتلك التي يملكها التجار الهنود تتردد إليها مرة أخرى ، كما أخذ تجار القسطنطينية ودمشق وحلب وأورفة وديار بكر وماردين والموصل وبغداد يرتادونها ورفعت التجارة رأسها المنكس .

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .