المحاضرة الثالثة : العلاقات العمانية الفرنسية بعد عام 1806 :
قد وجد سعيد بن سلطان نفسه في خلال الأشهر الأولى من توليه الحكم في موقف حرج مع كل من البريطانيين والفرنسيين ، بسبب تجدد متاعب السفن البريطانية ، ففي 21 تموز 1806 توقفت سفينة فرنسية – لافيجلات – في ميناء مسقط لإجراء بعض الاصلاحات والحصول على التموين قبل أن تواصل تحركها في الخليج وقبل أن يمضي عليها وقت طويل في المرفأ ظهرت فرقاطة البحرية الملكية ( كونكورد ) ولدى رؤية قبطانها كيلمور لها اعتبر احتماءها في المرفأ ومعاونة البحارة العرب في إصلاح أشرعتها وتزويدها بالمؤن خرقا صريحا للمعاهدة المعقودة بين بريطانيا وحكومة مسقط ، وعليه فقد طلب من سعيد بن سلطان أن يأمر بإخراج ( لافيجلات ) من المرفأ في خلال أربع وعشرين ساعة ، وفي حالة عدم الاستجابة لهذا الطلب فإنه سيعتبر ذلك بمثابة خرق للحياد والمعاهدة القائمة بين الطرفين ، وعلى كره منه استجاب سعيد للطلب ، وأصدر امره إلى قبطان – لافيجلات – بمغادرة المرفأ بأبحر بعد ساعات قليلة ليقع في أسر السفينة البريطانية على بعد تسعة أميال من الميناء
أدرك سعيد بن سلطان ما يمكن أن تسفر عنه هذه الحادثة من مخاطر وردود الفعل الفرنسية لعملية الأسر هذه فأرسل رسالة احتجاج إلى دنكان بيد أحد مبعوثيه على عملية اسر السفينة الفرنسية وتصرف كيلمور ، حيث ان ذلك سيعرض تجارة البلاد وسفنها للاعتداءات الفرنسية وعليه فيجب المبادرة إلى إطلاق سراح – لافيجلات – وبحارتها وقد تعاطف دنكان مع وجهة نظر سعيد بن سلطان في أن التفسير الذي قدمه قبطان ( الكونكورد ) غير مقبول تماما ، ولما بادر إلى اعلام رئيس محكمة الامبريالية في بومباي حيث كان المقرر ان يجد امامها ( لافيجلات ) بأن الحكومة ستجد نفسها في وضع معقد في حالة إدانتها ولكن المحكمة لم تستجب لطلب حاكم بومباي ، لأنها لن تأخذ بالحجج في الطبيعة السياسية وحكمت على لافيجلات بالادانة واعتبرتا غنيمة شرعية .
سرعان ما ظهرت النتائج السيئة لتلك الواقعة امام سعيد بن سلطان ففي خريف السنة ذاتها اعترضت سفينة فرنسية ثماني سفن مسقطية بالقرب من سيلان واستولت على حمولتها ، وحينما احتج البحارة العرب على هذا العرض باعتبار انه من غير المألوف قيام الفرنسيين يسلب رعايا عمان أخبر القبطان الفرنسي ربابنة السفن المسقطية بأنه يتصرف وفق أوامر الجنرال ديكان انتقل لأسر ( لافيجلات ) ولتخوف سعيد بن سلطان من وقوع المزيد من الاعمال الانتقامية أرسل وكيلا إلى الجنرال ديكان من أجل تبرير موقفه وتأمين إعادة البضائع المسلوبة ، وحمل الوكيل رسالة منه إلى الحاكم الفرنسي عبر فيها عما يكنه من ود وصداقة للفرنسيين .
وفي 16 حزيران 1807 تم التوصل إلى عقد معاهدة بين الطرفين العماني والفرنسي في بورت لويس، وقعها الجنرال ديكان عن فرنسا ، وماجد بن خلفان نيابة عن السلطان سعيد بن سلطان ، وبموجب هذه المعاهدة ألزم سلطان عمان ، إمبراطور فرنسا نفسيهما بأن يمنح كل منهما لرعايا الآخر امتيازات في كل الشؤون المتعلقة بالتجارة والملاحة ، كما نصت على حرية سفنهما التجارية والحربية مع غنائمهما في استخدام كل الموانئ الفرنسية وكل الموانئ والمرافئ والبلدان والجزر والمدن والأماكن التابعة لسيادة صاحب السمو إمام مسقط ، " متمتعة بنفس الامتيازات والحصانات ، ولا تدفع ضرائب جمركية أعلى من تلك التي تدفع من قبل رعايا الشعب المفضل " ، وتضمنت مادتها الخامسة بعض القيود على الحكومة العمانية ، فقد خولت الفرنسيين الحق بمصادرة كل ما يدخل ضمن " مهربات الحرب " ومنها الخيول والكبريت ، وهي من الفروع الرئيسة لتجارة الرعايا العمانيين ، إذا ما وجدت في سفن مسقطية تقصد أحد الموانئ التابعة لعدو فرنسا أية ممتلكات لرعايا إمام مسقط ، يعثر عليه في السفن المعادية .
كما نصت المادة العاشرة على السماح للوكلاء التجاريين الفرنسيين ، إذا ما ناسب فرنسا بالإقامة في مسقط أو اية أماكن أخرى تابعة للسلطان ويتمتعون " بالحقوق والواجبات التي يتمتع بها الوكلاء المشابهون للشعور الأكثر تفضيلا " أما المادة السادسة فقد أخذت بنظر الاعتبار تجارة عمان مع الهند البريطانية ولهذا فقط سمحت لسفن مسقط بزيارة موانئ " العدو " على أن لا تتاجر بين ميناءين من تلك الموانئ .
لقد كانت هذه المادة – كما كان ديكان يدرك – لا تتفق مع سياسة نابليون في اوربا وتتعارض مع تشريعات 1806 و 1807 التي تؤلف الحصار الطارئ ولهذا حينما وصل نص المعاهدة إلى باريس أرجئ التصديق عليها لمدة غير محدودة ولكن ديكان بدون ان ينتظر التصديق عليها في باريس أعلن بأن المعاهدة نافذة المفعول وقد برر ديكان موقفه أمام حكومته في تقرير أرسله إلى باريس أورد فيه عدة أسباب تبرر تقوية الروابط بحكومة عمان منها : إمكان استخدام السفن العمانية كوسيلة من وسائل الاتصال بين المستعمرات الفرنسية ومراكز تموينها في المحيط الهندي كما إن تشجيع اسطول عمان يضر بمصالح الأسطول التجاري البريطاني الذي يتنافس معه على نقل البضائع بين الهند وبلدان الخليج العربي ، بالإضافة إلى أن عمان بما لديها من ممتلكات في شرق إفريقيا تستطيع توريد عدد كبير من الدقيق اللازم لرخاء المستعمرة ، خاصة بعد أن أغلقت السوق البرتغالية في موزمبيق امام الفرنسيين ولم يمضِ وقت طويل حتى عين أول وكيل تجاري فرنسي وهو المسيو دالون في مسقط
لقد كان نجاح ديكان في إعادة النفوذ الفرنسي لمسقط من أفضل منجزاته ولهذا ما أن وصلته الانباء بأن نابليون يخطط لمشروع جديد في المشرق حتى أخذ يسعى إلى تقوية الوفاق بين فرنسا وحكومة عمان ، وسد الثغرات التي بدت فيها فقد وجد سعيد بأن معاهدة 1807 لم تكن مرضية كليا ، ذلك انها وضعت خان العمل الثلاثين أو الاربعين من سفن عمان ، التي اعتادت سنويا القيام برحلة دائرية إلى بومباي ، وساحل كورماندل والبنغال ، ومن أجل معالجة هذا الأمر أرسل سعيد بن سلطان مبعوثا إلى بورت لوريس في نيسان 1808 طالبا تعديا المادة السادسة من المعاهدة ، وإطلاق حرية السفن العمانية بالاتجار بين الموانئ الهندية إلى جانب الاتجار معها ، ومع أن مثل هذا الطلب سيؤدي بالطبع إلى خرق لقرارات الحصار القاري لم يتردد ديكان في الموافقة على الطلب .
وفي 17 حزيران 1808 تم التوقيع على ملحق للمعاهدة خفضت بموجبه القيود على الملاحة العمانية فأصبح بإمكان السفن العمانية الانتقال من ميناء معاد إلى آخر مثله ، بشرط أن تكون متوجهة إلى الخليج بعد ذلك ، وذلك لأهمية تأمين صداقة حكومة مسقط الذي يجب أن ينظر اليها بعين الاعتبار وخاصة من وجهة نظر الحملة وأشار مجددا إلى ان مسقط تتحكم بمدخل الخليج العربي وان الأسطول العماني يمكنه أن يساعد الفرنسيين في إغلاق مياهه أمام البريطانيين .
كما ارسل ديكان أخاه رينيه إلى فرنسا لتنبيه الحكومة بأن الجانب البحري في خطة الغزو للشرق يجب أن لا يقتصر على التعاون مع زحف البري في الخليج العربي وإنما يجب التأكد من هجوم مباشر على الهند بالوقت نفسه من البحر ، وقد تكللت بعثته بالنجاح وكان لرينيه لقاء طويل مع نابليون في 27 كانون الثاني 1808 أظهر فيه الامبراطور تأييده لوجهة نظر لإرسال تسع سفن حربية وإحدى عشرة سفينة أصغر تحمل 4.600 رجل إلى أيل دي فرانس ، فأصدر نابليون أوامره إلى قادة الجيش بالتظاهر بأن هدف التحشدات شن هجوم على إيرلندا للاحتفاظ بعنصر المباغتة التي ستحقق النجاح لعملية الإنزال في الهند .
إن النجاح الدبلوماسي الحاسم الذي حققه البريطانيون في فارس وقبله في الدولة العثمانية وإحرازهم للأرجحية المطلقة على منافسيهم الفرنسيين وتعزيز ذلك النجاح بسلسلة الاتفاقيات مع حاكم لاهور وكابول والسند ، جعل موقف بريطانيا في الخليج العربي ، أثبت مما كان عليه في أي وقت مضى ، لذلك فإن بريطانيا لم تكتف بما حققته من تفوق ، فقد حان الوقت في نظرها لاستئصال آخر مكامن الخطر الفرنسي في الشرق وإبعاد الفرنسيين كليا عن المحيط الهندي ومداخله ، وأخذت تخطط لتصفية النفوذ الفرنسي ، والمتمثل بقواعد الانطلاق البحري في جزيرة أيل دي فرانس ( مورشيوس ) واجل برنابرت ( جوربون ) تلك القاعدتين اللتين طالما أزعجتا البريطانيين لا لكونها مراكز لإدارة النفوذ الفرنسي في الخليج والهند فحسب ، بل لما سببتا من دمار للسفن التجارية البريطانية ، ولهذا فقط يضع الاستيلاء عليهما حدا لحرب الاستنزاف البحرية التي مارسته قطعات الأسطول الفرنسي ، ونظرا للأهمية التي كانت تعلقها فرنسا على قاعدتيها في إدارة بمنطقة الخليج العربي .
بدأ التفكير في الاستيلاء على الجزر الفرنسية منذ كانون الثاني 1793 وجرت محاولة في السنة التالية لفرض الحصار على الجزيرتين ولكن المقاومة الفرنسية أجبرت البريطانيين على رفع الحصار ولم تتحدد عملية الاستيلاء على وعدم رغبة البريطانيين بتخويل حكومة الشركة في الهند للقيام بعملية بعيدة وباهظة التكاليف ، وتتطلب اقتطاع جزء كبير من القوات البريطانية في الهند .
وقد جرت محاولات في خلال العقد الأول من القرن التاسع عشر لانتزاع المراكز الفرنسية أو تقلص خطرها في الأقل ، ففي سنة 1800 فكر ولزلي بمشروع إرسال حملة إلى إيل دي فرانس ، وباشر بتحشيد القوات العسكرية التي وضع على قيادتها الجنرال ديفيد بيرد ، ولكن في اللحظة التي كانت فيه هذه القوة تستعد للانطلاق ، غير اتجاهها إلى مصر ، لمساعدة الجيش المرسل في انكلترا بهدف إخراج الفرنسيين منها ، ومرة اخرى في تموز 1803 وحتى قبل وصول أنباء تجدد