المحاضرة الثانية : الغزو الفرنسي للخليج العربي بعد قيام الثورة الفرنسية
خلال فترة السلم التي أعقبت حرب السنوات السبع ، حاول الفرنسيون تجديد نشاطهم في الخليج ، وقاموا بالفعل بإرسال مندوب إلى كريم خان الزندي سنة 1766 للتفاوض معه من أجل التنازل عن جزيرة خرج ، ولكن لم يتحقق شيء من هذه المحاولة ، وحينما نشبت الحرب بين فرنسا وبريطانيا في 1793 تزايدت رغبة فرنسا في توسيع مناطق نفوذها، ووجهت إلى الخليج اهتماما خاصا وتعتبر البعثة الفرنسية الشهيرة للعالمين الطبيعيين أولفييه وبروجير إلى الدولة العثمانية ومصر وفارس ، في خلال السنوات الأولى من عمر الجمهورية الفرنسية فاتحة لحقبة من النشاط الفرنسية الحاد في منطقة الخليج العربي .
ويبدو ان اختيار عالمين إنما كان المقصود به تغطية أهداف البعثة الحقيقية بإعطائها صورة مهمة عالمية ، وجاء في التعليمات التي أصدرتها الحكومة الفرنسية أن يعمل المبعوثان على اجتذاب كل من الدولة العثمانية وفارس إلى محالفة فرنسا ضد روسيا ، على أساس اتفاق المصالح ، لأن روسيا آنذاك كانت الخصم التقليدي لهاتين الدولتين الاسلاميتين ، وهي في الوقت ذاته عضو في التحالف الدولي الأول ، الذي تكون ضد الثورة الفرنسية ، كما إن على البعثة العمل على إعادة إنعاش النفوذ الفرنسي في بلاد فارس ، والسعي للحصول من الشاه على إذن بإنشاء تحصينات في بندر عباس ، وتأمين المساعدة الفارسية لغزو افغاني للهند في الشمال ، وهو مشروع لم يدخل مرحلة التنفيذ العملي .
وصل المبعوثان إلى طهران في 2 تموز 1796 وامضيا ثلاثة أشهر في دراسة أوضاع فارس ، مستغلين غياب الشاه آغا محمد خان في خراسان ، وبعد يومين من وصول الأخر في 20 أيلول دخلا في محادثات جدية مع حاجي إبراهيم رئيس الوزراء ، ولكن المحادثات لم تسفر عن نتيجة ايجابية واد الاثنان إلى بغداد في كانون الأول 1796 ، وثم غادرها في 15 مايس 1797 متوجهين إلى القسطنطينية في رحلة عودتهما إلى فرنسا .
لم تسفر البعثة عن نتيجة تذكر من الناحية السياسية ، غير ان المبعوثين انتهزا هذه الفرصة لتقديم اقتراعاتهما في المسائل التجارية والعسكرية ، فقد نصح اولفييه بعدم اتخاذ أي خطوة لإقامة حامية فرنسية في جزيرة خرج ، مشيرا إلى ان مثل هذه الحامية لا تفيد شيئا لعزلتها ، وإنما تصبح ضرورية فقط ، إذا نفذ مشروع غزو الهند .
وبحملة نابليون بونابرت على مصر , التي نزلت في الإسكندرية في الأول من تموز 1798 دخل التنافس الانكليزي الفرنسي في المحيط الهندي والخليج العربي طورا جديدا حيث دأبت فرنسا على ضرب انكلترا في الهند وجهدت انكلترا لتثبيت أرجحيتها في المنطقة ضد النفوذ الفرنسي حتى لا تضار مصالحها ونبهت الشركة الانكليزية في أواخر سنة 1798 إلى احتمال ظهور سفن فرنسية على سواحل الخليج العربي , طلبت من الشاه الفارسي إن يقف معها ضد الفرنسيين بحجة أنهم يعملون ضد النظام الملكي وضد الأديان .ويبدو إن هذه الحجة قد صادفت قبولا لدى الشاه الذي أعلن عن استعداده لمساعدة الانكليز.
إما نابليون بونابرت فقد حرص على كسب بعض الحكام في المنطقة .ومنهم سلطان بن احمد سلطان عمان الذي أرسل له رسالة مؤرخة في 25 كانون الثاني جاء فيها :-
(( اكتب إليكم هذا الكتاب لأبلغكم مالا شك في إنكم قد علمتموه فعلا , وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر. ولما كنتم دائما أصدقاء لنا, فعليكم إن تقتنعوا برغبتي في حماية جميع سفن دولتكم , وعليكم إن تقوموا بإرسالها إلى السويس حيث تجد حماية لتجارتها . بونابرت
لم تصل رسالة بونابرت إلى سلطان عمان لان الانكليز اعترضوا سبيلها وضعف النشاط الفرنسي في الخليج العربي مؤقتا حين انتهت حملة بونابرت على مصر إلى فشل ذريع , ولم تعد فرنسا قوة خشاشا حكومة الهند أو تخاف خطرها في الخليج العربي.
لم تكن فارس إلا أحد الميادين التي اهتم بها نابليون لتوجيه ضربة إلى البريطانيين في الهند وكانت عمان الميدان الاخر ، في منطقة الخليج العربي الذي احتل اهمية كبيرة في مخططات نابليون بونابرت لتحقيق تلك الغاية ، حيث احتل الجانب البحري اهمية كبيرة في خططه لغزو الهند .
في 5 آذار 1803 وقبل انهيار صلح أفيان تحرك أسطول فرنسي من برست إلى أيل دي فرانس مؤلف من ست سفن حربية كبيرة ، بقيادة الجنرال ديكان الحاكم الجديد لأيل دي فرانس والقائد العام لفرنسا في الشرق ، وكانت التعليمات التي تلقاها الجنرال ديكان في 15 شباط 1803 ان يقوم ببذل محاولة جدية من اجل فرض هيمنة فرنسا في البحار الشرقية ، والتعرف على وضع البريطانيين في الهند وعلاقتهم بالأمراء المحليين لتمهيد السيل لاستعادة الممتلكات الفرنسية في الهند ، وكانت واحدة من النقاط الأساسية التي نبه إليها مسقط ذات الأهمية الإستراتيجية ، وما يمكن أن يسفر عن إقامة علاقات تحالف قوية مع حاكمها من إمكانات لتحقيق المخطط الأكبر لنابليون في توجيه الضربة إلى البريطانيين في الهند ، وقد أشار تاليران إلى اهمية مسقط وخاصة هيمنتها على أجزاء مهمة من ساحل افريقيا .
شجع الحكومة الفرنسية على خطة التقرب من حكومة عمان ، على الرغم من النفوذ البريطاني الظاهر في مسقط ، إن الرسائل الرسمية لحاكم أي دي فرانس ماكلون كانت توحي بأن الحاكم العماني سلطان بن احمد ليس آلة بيد بريطانيا وانه راغب في الواقع بالمحافظة على أفضل العلاقات مع الفرنسيين .
لقد توصل كل من نابليون ووزير خارجيته تاليران إلى اهمية تثبيت النفوذ الفرنسي في الخليج العربي ، من خلال سلطان مسقط ولهذا فقد أشار تاليران بوجوب القيام بتحريك جديد ، واقترح على نابليون في تشرين الأول 1802 إرسال بعثة رسمية إلى مسقط ، واختار لرئاسته دي كافيناك ، وقد وافق نابليون على الاقتراح فابحر كافيناك مع حملة مع حملة ديكان لإعادة تأسيس الروابط مع سلطان بن احمد والبقاء كمقيم فرنسي في مسقط ، إذا ما وجد الظروف مناسبة ، وقد وصل كافيناك إلى مسقط في 3 تشرين الأول 1803 .
لم يكن سلطان بن احمد في الميناء عند وصول المبعوث الفرنسي إذ كان منشغلا في قتال الوهابيين ، وقد بدا لكافيناك أن معظم الرجال البارزين في مسقط يميلون إلى تجديد الارتباطات بفرنسا ، وخاصة أولئك الذين ترتبط مصالحهم التجارية مع أيل دي فرانس ،وهذا ما أشعره بالثقة بنجاح مهمته ، ولكن سرعان ما خاب أمله ، فقد عاد سلطان إلى مسقط في 13 تشرين الأول واستقبل في قصره الضابطين الذين ارسلهما كافيناك لإعلامه بوصول ممثل الحكومة الفرنسية والطلب منه استقباله وتزويده بمقر للإقامة ، وبعد بضع ساعات من ذلك اللقاء أرسل سلطان جوابه المتضمن رفضه لقبول كافيناك كمقيم في بلاده لأنه بهذا سيخرق الاتفاقيات القائمة بينه وبين البريطانيين وأنه يرفض إجراء لقاء معه لمناقشة هذا الموضوع ولكن لرغبته في الابقاء على عرقات الصداقة من الفرنسيين فإن موانئه ستبقى مفتوحة كالسابق لسفنهم ، وأنه سيصغي بسرور لأية عروض يقدمونها في القضايا التجارية .
ولكن فشل بعثة كافيناك والتوتر الذي أصاب العلاقات مع أيل دي فرانس بسبب موقف سلطان بن احمد لم تمنع الفرنسيين من استخدام مسقط كميناء للتزود بالمؤن لسفنهم المنطلقة من أيل دي فرانس .
في 14 تشرين الثاني 1804 تعرض سلطان بن احمد لكمين بحري على مقربة من باسيدو ، أسفر عن مصرعه وانفرد بالحك بعده بن بدر سيف الذي سار على غرار سياسة سلفه ، في محاولة عدم التورط في النزاع البريطاني الفرنسي ، حيث سمح باتخاذ مسقط قاعدة للسفن البريطانية التي تقوم بأعمال الدورية في الخليج وفي الوقت نفسه حافظ على العلاقات القائمة بين عمان وأيل دي فرانس وكتب إلى ديكان الحاكم الفرنسي للجزيرة في 11 كانون الثاني 18065 رسالة أعرب فيها عن مشاعر الصداقة التي يكنها لفرنسا ، وعن أمل في ان تستمر السفن الفرنسية بالتردد على ميناء مسقط .
لم يطل حكم بدر بن سيف لعمان طويلا ففي صيف سنة 1806 اغتاله ابن عمه سعيد بن سلطان الذي أعلن نسفه سلطانا على البلاد ، وقد بدأت مرحلة جديدة من تاريخ عمان استمرت قرابة النصف قرن بلغت فيها عمان درجة عظيمة من الغنى والقوة .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .