المحاضرة الثالثة : وضع بريطانيا في الخليج العربي 1745 – 1800
شهدت العلاقات العمانية – البريطانية في عهد الإمامة احمد بن سعيد مرحلة جديدة في عزم الامام منذ توليه الحكم التمسك بالاستقلال ، وإتباع سياسية الحياد وعدم السماح لأي دولة ان تدخل في سياسة البلاد وقد التزم بهذه السياسة طوال مدة حكمه ، برغم الصعوبات التي كانت يتعرض لها بسبب الصراع بين الدولتين الاوربيتين ( بريطانيا وفرنسا ) حيث وقعت حربان كبيرتان خلال حكم الإمام هي حرب السنوات السبع ( 1756 – 1763 ) وحرب الاستقلال الأمريكية ( 1775 – 1783 ) ورغم خسارة فرنسا فيهما إلا ان ذلك لم يكن نهاية لأطماعها مما أثار قلق بريطانيا وجعلها تسعى لبناء علاقات قوية مع الإمام احمد بهدف إبعاد النفوذ الفرنسي عن عمان ، وهذا الامر هو الذي جعله يلتزم بسياسة الحياد تجاه الدولتين المتنافستين ، ولاسيما أن مسقط أصبحت مركز جذب لكل من الفرنسيين والبريطانيين ويطمح كل منهما في الحصول على مناطق نفوذ فيها .
واستطاعت شركة الهند الشرقية أيضا قي عهد الامام إقامة علاقات ودية مع عمان ، على الرغم من عدم وجود أي ممثل أوربي لها فيها ( قرر مجلس إدارة الشركة في لندن أن يكون ميناء مسقط ،هو الميناء الذي تلتقي به السفن الانكليزية المعتمدة في الخليج العربي ) وبرغم تلك العلاقات الودية بين عمان وبريطانيا خلال المدة ( 1763 – 1779 ) فقد بقيت الشركة دون ممثل لها في مسقط ، إذ رفض الامام طلبا تقدمت به الشركة لتأسيس وكالة فيها عام 1785 أيضا كبقية الطلبات التي تقدمت بها سابقا .
لما قام نابليون بونابرت بغزو مصر عام 1798 استغلت بريطانيا تلك الظروف لوضع العراقيل امام الفرنسيين للحفاظ على مركزها في الهند وقد تولى ولزلي الحاكم البريطاني في الهند هذه المهمة ، إذ بعث ميراز مهدي علي خان المقيم البريطاني في بوشهر إلى مسقط عن الفرنسيين لعقد معاهدة مع سلطان بن احمد تهدف إلى إبعاد مسقط عن الفرنسيين وعندما تلمست بريطانيا وجود خطورة في استمرار العلاقات العمانية الفرنسية بوصف مسقط ( مفتاح باب الخليج العربي ) لذلك أمرت الحاكم العام في الهند ولزلي أن يمنع وقوع ذلك المفتاح في أيدي الفرنسيين ، ولاسيما أن السفن الفرنسية والهولندية تتردد على الموانئ العمانية بالإضافة إلى استخدام سلطان بن احمد طبيبا فرنسيا ، وعلاوة على 1لك أن علاقات عمان مع جزيرة أيل دي فرانس كانت مزدهرة .
وقد اكد وكيل الشركة الهندية الشرقية الانكليزية في بوشهر سكز قلق حكومته من تلك العلاقات ( وأن مسقط ستصبح عما قريب وكرا للجاسوسية بين وشيوس ( سابقا ) ومسقط وساحل ماليبار ) ويتضح من كلام سكز أن بريطانيا يهدف إلى القضاء على نشاط عمان الملاحي ، وبذلك اتجهت بريطانيا لعقد معاهدة مع عمان في 12 تشرين الأول 1798 ، كان من ضمن بنودها إقامة وكالة بريطانية في بندر عباس والذي كان سلطان بن احمد واضعا يده عليه من خلال أجيره ، إلا ان سلطان رفض قيام وكالة خشية من الوقوع في مشكلات وحرب مع الهولنديين والفرنسيين .
ولا بد هنا من وجود بواعث وأسباب عدة دفعت سلطان بن احمد لعقد تلك المعاهدة ، ويمكن القول أن التفوق البحري الذي تميز به الانكليز وتفوقهم على فرنسا وتدمير الاسطول الفرنسي في معركة – ابو قير – إضافة إلى الاهمية الاقتصادية التي كانت تحتلها الهند بالنسبة إلى التجارة العمانية ، هو الذي دفع سلطان بن احمد لعقد المعاهدة المذكورة ، وكان سلطان يرى بأن التعاون مع فرنسا سوف يعرض بلاده إلى حصار تجاري من قبل بريطانيا ، اما التعاون مع بريطانيا فسوف يساعده على درء الاخطار على اعتبار أنها دولة قوية يمكن الاعتماد عليها .
وبعد ان تم عقد المعاهدة طلب سلطان بن احمد من بريطانيا أن يسمحوا لسفنه بالرسو في مينائي بومباي وان تتزود سفنه بالماء والوقود بدون أي مقابل وأن يزيد كميات كبيرة من الملح التي تستورده عمان بمقدار خمسة آلاف طن بدلا من ألف طن وهو الحد الذي كان مسموحا به للسلطة العمانية ، وقد أبدى مهدي علي خان الموافقة على تلك المطالب على اعتبار مسقط دولة تجارية وملاحية تحتاج إلى حماية إذا ما تعرضت مصالحها إلى الخطر من قبل الفرنسيين والهولنديين .
إلا ان تلك المعاهدة لم تضع حدا لتردد مسقط في سياستها فإنها استمرت بعلاقاتها مع فرنسا وخاصة في المجال التجاري والملاحي لكون مسقط لها نشاط ملاحي واسع مع جزيرة أيل دي فرانس ، وان قطع العلاقات معها سوف يضر بمصالحها ويستدل ذلك من خلال تبادل المراسلات بين حاكم بومباي دنكان وحاكم مسقط سلطان في عام 1799 إذ رأت بريطانيا أن ذلك العمل يعني تنصل عمان من المعاهدة التي عقدت بينهما ، وأن استمرار علاقاتها مع فرنسا يهدد المواصلات البريطانية لذا عمدت إلى عقد معاهدة اخرى عام 1800 مع سلطان بن احمد لتأكيد معاهدة عام 1798 .
لم تسفر بعثة مهدي علي خان إلى فارس فيما عدا التصريحات المؤيدة لبريطانيا عن شيء ذي قيمة في نظر الحاكم العام للهند ، ولهذا السبب من ناحية وما ورد إلى السلطات البريطانية من تقارير عن قيام زمان شاه بالتحضيرات لشن هجوم جديد على البنجاب والرغبة في إيقاف خطره نهائيا من ناحية اخرى فقد ارتأى الحاكم العام ارسال بعثة إلى البلاط الفارسي ووقع اختياره على السير جون مالكولم لرئاستها بدلا من مهدي علي خان الذي كلف مؤقتا بالاتصال بشاه فارس وطلب ولزلي من حاكم بومباي إصدار أمره بسحب المبعوث السابق من مهمته في البلاط الفارسي وإعادته إلى بوشهر ليكون في استقبال مالكولم لدى وصوله هناك وليضع نفسه تحت تصرفه .
تلقى مالكولم تعليماته في 10 تشرين الأول 1799 ووفق هذه التعليمات كان عليه ان يسعى للحصول على تأييد الشاه التام ، وتعاونه مع بريطانيا من أجل تحقيق هدفين : الأول إنهاء أي تهديد بالهجوم على البنجاب من قبل زمان شاه ، الثاني الوقوف في وجه اية محاولة قد يقوم بها الفرنسيون للوصول إلى الهند عن طريق فارس والخليج العربي .
منح ولزلي كافة الصلاحيات التي تخوله عقد معاهدة مع شاه فارس لتحقيق تلك الأهداف ، ومقابل ان تتلقى فارس معونة مالية سنوية تصل إلى ( 400000 ) روبية لمدة ثلاث سنوات هي التي قدرها لاستمرار المعاهدة وعند انتهائها يمكن تجديدها باختيار من الطرفين المتعاقدين .
اما بالنسبة إلى التهديد الفرنسي فإن ولزلي لم يقدم لمالكولم تعليمات محددة وترك له اتباع الوسائل التي يرى انها كفيلة بإقناع الشاه بأن من مصلحته ان يعارضهم ، وفي حالة قيام الفرنسيين بمحاولة للتقدم في آسيا فإن القوة البحرية البريطانية في الخليج ستدعم مقاومة الشاه لهم ، وإن السلطات البريطانية ستقدم للشاه معونة مالية شهرية إذا ما أسهم فعليا في المقاومة .
لم تغفل تعليمات الحاكم العام الجانب الاقتصادي فقد امر مالكولم بأن يشير إلى الشاه بالفوائد الجمة التي سيتم الحصول عليها من قيام تجارة حرة ومتطورة بين فارس والهند ، وفي حالة استجابة الشاه لهذا الامر فإن على المبعوث البريطاني أن يطلب منه الموافقة على عقد اتفاقية تجارية ذات طبيعة دائمة لا ترتبط بانقضاء أجل الاتفاقية السياسية ، التي عدّ لها .
اما بالنسبة لتعليماته المتعلقة بعمان فقد كلف ولنري مالكولم بالتوجه إلى مسقط للاجتماع بسلطان بن احمد والتفاوض معه للتوصل إلى تأكيد موقفه بصورة نهائية في فرنسا ، وتطبيق شروط المعاهدة المعقودة بينه وبين المبعوث السابق ، والتوصل إلى إزالة الشكوك التي أثيرت من موقف عمان في فرنسا ، وقد عززت الرسالة التي أرسلها نابليون بونابرت إلى سلطان بن احمد في كانون الثاني 1799 والتي فيها ترحيبه بأية سفينة قد يرسلها إلى السويس ، الشكوك التي أثيرت بالفعل قبل ذلك بأن سلطان يخرق شروط الاتفاقية الاتفاقية المعقودة مؤخرا .
وقد دفع هذا الامر بحكومة بومباي إلى الطلب من الاميرال راميز بوجوب فرض الرقابة على ميناء مسقط لمراقبة النشاط المريب بين ذلك الميناء وجزيرة أيل دي فرانس والعمل على عرقلته .
وتضمنت التعليمات الصادرة إلى مالكولم على العمل لتسوية الخلاف بين سلطان بن احمد وباشا بغداد ، وذلك النزاع الذي كان مصدرا للإرباك للسلطات البريطانية في الهند ، بالنظر للتحالف القائم بين بريطانيا والدولة العثمانية فكان عليه أن يشعر سلطان بأنه موقفه العدائي في باشا يتناقض مع روح المعاهدة التي تنص بأن أصدقاء أحدهما هم أصدقاء الاخر .
وفي كانون الثاني 1800 وصل مالكولم إلى مسقط وبعد لقائه بسلطان بن احمد تم التوقيع في 18كانون الثاني 1800 على معاهدة ، أكدت مادتها الاولى على معاهدة عام 1798 ونصت الثانية على : (( إقامة 100 موظف انكليزي نيابة عن الشركة في ميناء مسقط بشكل دائم ، ويكون وكيلا تجري عن طريقه جميع المعاملات بين الدولتين )) وتوجه مالكولم بعد نجاح مهمته في مسقط إلى بوشهر فوصلها في 1 شباط وكان عليه أن ينتظر لمدة أربعة أشهر بسبب الاجراءات الروتينية المعقدة لمقابلة الشاه .
غادر مالكولم بوشهر في 22 آيار 1800 متوجها إلى إصفهان ، وبعد أن أمضى بعض الوقت في شيراز وحلها في 23 أيلول ، وفي نهاية الشهر تقدم إلى طهران وقد أمن مالكولم في وقت مبكر بان نجاح بعثته يعتمد على ما سيتركه من انطباع عن قوة وثروة الشركة ، ولهذا الغرض قام بتوزيع الهدايا بشكل مسرف مصرا على إضفاء درجة لائقة من التشريف والاحترام والتقيد بالشكليات التقليدية والبروتوكول لأنها في رأيه ذات أهمية بالغة في نظر الفرس .
وصل مالكولم إلى طهران في تشرين الثاني حيث أحيط بالتكريم البالغ في 16 منه جرى لقاؤه مع الشاه ، وقدم مالكولم هدايا عامة للشاه ، وبعد أيام قلائل بدأت المفاوضات مع وزيري الشاه الرئيسين ، حاجي إبراهيم ، وميرزا شفي .
وفي خلال المدة التي مرت ما بين تكليف مالكولم ببعثته وبدء مفاوضاته في فارس تغيرت الظروف بدرجة كبيرة بحيث بدأ الهدف السياسي من البعثة يصبح غير مناسب ، فمركز زمان شاه في افغانستان أخذ بالانهيار ، والخطر الفرنسي في الشرق أخذ بالتضاؤل ، وأصبح الجيش الفرنسي في حالة يرثى لها ، وكان على وشك أن تبعده عن مصر حملة بريطانية عسكرية ، لذلك قرر مالكولم التوصل إلى معاهدة تجارية هي الغرض الظاهري لبعثته ، وبقليل من الصعوبات تمكن من تثبيت كل امتيازات الشركة السابقة وإضافة امتيازات جديدة ، منها تخفيض الضريبة السابقة على السلع المصدرة من 4 إلى 1 % .
وبعد التوقيع على المعاهدة التجارية أخذ مالكولم مناقشة مسألة عقد معاهدة سياسية ، وتم التوصل إلى مسودة معاهدة تعهد فيه الطرفان بعدم تقديم المساعدة إلى أعداء أي من الطرفين ، وتعهد الشاه علي فتح بأن لا يعقد صلحا مع زمان شاه طالما كان يهدد الهند ، وفي حالة قيام الحاكم الأفغاني بأي هجوم جديد على الهند فإنه سيهاجم وبالمقابل تعهد مالكولم بقيام الحكومة البريطانية بمساعدة فارس بالسلاح في أي وقت تتعرض فارس إلى هجوم أفغاني .
أما فيما يتعلق بالفرنسيين فقد وافق الشاه على التعاون مع القوة البحرية البريطانية في مقاومة أي ظهور لقوة عسكرية فرنسية في الخليج العربي ، وتعهد بأن يقود بنفسه أو يرسل جيشا لطردهم منه ، ووعد مالكولم من جانبه بأن تقوم الحكومة البريطانية بتزويد الجيش الفارسي بالسلاح إذا ما هاجم الفرنسيين فارس ،و في كلا الحالتين لم يشر مالكولم إلى تقديم المساعدة المالية .
وفي 28 كانون الثاني 1800 تم التوقيع على المعاهدتين التجارية السياسية وغادر مالكولم طهران مباشرة بعد ذلك .