المحاضرة الثانية : تطلع الهولنديين نحو الخليج العربي
كان الاتفاق الانكليزي – الهولندي في مجال تسليح السفن عام 1619 هو نقطة الوثوب الهولندي للخليج العربي ، حيث كانت انكلترا تتطلع إلى إدخال تجارة الصوف إلى بلاد فارس .
وكان على الانكليز تسليح سفنهم لمواجهة البرتغاليين الذين سبق وأن تمركزوا في جزيرة هرمز ، كما اقترح أحد اعضاء شركة الهند الشرقية الانكليزية ان تدخل هولندا مجال التسليح مع الانكليز ، لاسيما وان الهولنديين قادرون على إرسال سفن إلى الخليج العربي ، متى شاؤوا لقد كانت تلك خطط الانكليز ، أما الهولنديون فكانوا يرغبون من جانبهم ان يكون لهم وجود تجاري ومصالح في الخليج العربي لكنهم أرادوا اختيار الوقت المناسب خاصة بعد أن نجحوا في تجارتهم في الشرق وبعد أن فشلوا في الاستمرار في تجارتهم مع اليمن عام 1614 وشعروا بأن لديهم أن يقوموا بأنفسهم بالقسم الاكبر من النشاط التجاري الممتد من الخليج العربي وبلاد فارس حتى اليابان ، وعليهم أن يشتروا بأنفسهم الحرير من بلاد فارس والقطن من الهند ، والزعفران من سيلان والقيشاني من الصين ، والماس من اليابان وخشب الصندل من تيمور ، والتوابل من جزر المولوسك وجمع كلالمواد من بتافيا ومن هناك تشحن على السفن المحملة بالتوابل إلى أوربا .
ويظهر أن طموح الهولنديين كان كبيرا جدا منذ البداية ولأجله كانوا مستعدين للمخاطرة بعكس الانكليز الذين كانوا حذرين جدا في سياستهم استعدادا للمخاطرة وسعى الهولنديون لتنظيم مقايضة بعض السلع مع أقطار الخليج العربي وتسهيل تبادلها عن طريق إنشاء استعمارية تجارية ضخمة في بتافيا .
ويعد هذا العمل أول بوادر تحرك الهولنديين باتجاه الخليج العربي وكانت بلاد فارس الباب الأول الذي دخلوا منه ، وعلى الرغم من ان أول سفينة هولندية وصلت بلاد فارس كانت في 20 – 6 – 1623 بقيادة – الهولندي فسنش – غير أن ذلك لا يعني وجود مفاوضات بين الهولنديين والصفويين في وقت مبكر من عام 1617 وتظهر تلك المحاولات من خلال المراسلات التي دارت بين السير – توماس رو – السفير الانكليزي لدى امبراطور المغول في الهند مع مجلس إدارة الشركة في سوارت إذ قال : إن الهولنديين يبغون عليكم ويحرجوكم في كل مكان ، حتى في مكان تواجدكم الجديد ، وهم بذلك يقطعون عليكم أهم الطرق وأغناها ويزاحمونكم في أهم تجارة ألا و هي تجارة حرير بلاد فارس .
ولا بد من الإشارة إلى ان الشاه عباس الأول قد شجع الهولنديين على المتاجرة مع بدله لذلك ركز الهولنديون اهتمامهم بالتجارة في تلك المنطقة وبداوا يتطلعون للوصول إلى حد احتكار التجارة فيها .
لقد استغل الهولنديون السياسة التي اتبعها الشاه عباس الأول في تحقيق نوع من الانفتاح التجاري لبلاده على العالم ، وأن يحيل أصفهان مركزا تجاريا يؤمه التجار من جميع أنحاء العالم لتقوية وجودهم التجاري في الحصول على الامتيازات ، فعندما قرر الشاه توجيه صادراته إلى أنظار الخليج العربي وأوربا بحث عن مساندة في الوقت الذي لم كين لا للهولنديين ولا للانكليز رصيد مالي لتنفيذ مثل هذا المشروع .
ويمكن القول إن تاريخ بدء نفوذ الهولنديين ونشاطهم التجاري الرسمي كان عام 1623 عندما حصلوا على سماح من الحكومة الصفوية بتأسيس وكالة لهم في جزيرة هرمز ، ثم نقلوها إلى بندر عباس إلى مركز آخر في أصفهان وباشروا بتصدير قوالب السكر اليها مقابل شراء الحرير منها .
لقد استفاد الهولنديون من دخولهم حقول التجارة في بلاد فارس من خلال شركة الهند الشرقية الهولندية مستغلين سقوط هرمز وبدأوا يتقربون من الشاه للإساءة لسمعة الانكليز الذين كانت تساورهم الشكوك من نوايا الهولنديين .
لد كان الشاه عباس الأول هو أول من تعامل مع التجار الاوربيين من الأسرة الصفوية ، موضحا الشروط التي يمكنهم ان يعملوا بها تحت عرشه ، وكان ذلك المل تنفيذا لخطة وضعها بنفسه سعيا وراء كسب ود أوربا ، فوجد ان الاغراء هو خير وسيلة لجذب اوربا ، وكنا ذلك بأوجه ثلاثة ، الأول : معاداة الدولة العثمانية ، والثاني الامتيازات للأوربيين ، والثالث التعاطف مع المسيحية .
وحاول الشاه أيضا أن يخلق نوعا من المنافسة بين التجار من مختلف الشعوب لكي يحصل على أسعار عالية للحرير ، وفعلا نجح في تحقيق ذلك ولص الحرير الفارسي من الاحتكار البرتغالي حيث كان يبيعه لأي مشترِ يدفع السعر الذي يحدده الشاه .
وبعد مفاوضات جرت بين الشاه عباس والمبعوث الهولندي أصدر الشاه فرمانا شمل امتيازات سخية جدا برغم معارضة الانكليز والكثير من المسؤولين في الحكومة الصفوية ، وقد جاءت تلك الامتيازات في فرمان عام 1623 الذي يتكون من 23 بندا ، تم توقيعه بتاريخ 17 تشرين الثاني 1623 .
وهكذا كانت العلاقات الهولندية – الصفوية تعتمد على النشاط التجاري لا غير ، برغم محاولة الشاه المستمرة في استثمار التعاون في مجال السياسة ، غير أنه كان يواجه بالرفض في كل مرة من قبل هولندا ، و مع ذلك كان لوجود سفنهم أثر كبير في زيادة المنافسة البحرية التي أدت بدورها إلى تعرض مصالح شعوب المنطقة وثرواتها للنهب والسلب .
أما فيما يتعلق بالرغبة في عقد معاهدات دفاع مع الهولنديين ضد الدولة العثمانية فلم يحصل الشاه إلا على وعود دون مبادرة لتقديم أي عون عسكري ل بالعكس ففي الوقت الذي يعد ملك هولندا بتقديم العون العسكري للشاه كان يعمل على تنقية الاجواء بينه وبين العثمانيين .
ومن الجدير بالذكر أن الفائدة الوحيدة التي استفادت منها بلاد فارس منجراء الوجود الهولندي هو زيادة سعر الحرير من خلال المنافسة بين البرتغاليين والانكليز ، والهولنديين والارمن ، إضافة إلى توفير البضائع الأجنبية بأسعار معقولة ، كما أن الانفتاح الذي شهدته بلاد فارس خلال حكم الشاه عباس الأول جعل الخليج العربي إحدى مناطق الصراع الساخنة بين الدول الاحتكارية الاوربية التي كانت تتطلع إلى فرض سيطرتها على أسواق العالم ونهب خيراته وثرواته .
بعد أن حصل الهولنديون على الامتيازات التجارية من الشاه بدأ خلافهم واضحا مع الانكليز من خلال نشاط شركتيهما ، على الرغم من العلاقة الطيبة تلتي تربط البلدين منذ أن هزم الفرس والانكليز البرتغاليين عام 1622 ، وكنا لإنشاء وكالة هولندية في بندر عباس جنبا إلى جنب مع الوكالة الانكليزية سببا من الأسباب التي صعدت المنافسة بين الطرفين .
واصل الهولنديون العمل على تركيز وجودهم في الخليج العربي وبلاد فارس فأدركوا وهم المتمرسون في التجارة ( بسبب طبيعة بلادهم ) الأهمية الحيوية للمنطقة لذا فقد عملوا منذ البداية على إشعال نار المنافسة مع الانكليز وسعوا إلى الاساءة إلى سمعة شركة الهند الشرقية الانكليزية لدى المسؤولين من الصفويين بمختلف الوسائل والتي بدأت برفع أسعار الحرير التي أدى بالنتيجة إلى كساد تجارة الانكليز ونقص في عائداتهم التجارية في بندر عباس نتيجة تقلص الاستثمارات الانكليزية بسبب ارتفاع الأسعار .
وقد لجأ الهولنديون إلى هذا الأسلوب لحرمان الانكليز من أهم سلعة مربحة وهناك أسلوب آخر اتبعه الهولنديون في منافسة الانكليز وهو استغلال الخلافات التي تحصل بين التجار والفرس وممثلي شركة الهند الشرقية الانكليزية بشأن الاسعار فكثيرا ما كان الهولنديون يقبلون على شراء سلعة يرفضها الانكليز لارتفاع سعرا لكي يكسبوا التجار الفرس إلى جانبهم .
أما الاسلوب الثالث الذي استخدمه الهولنديون ضد الانكليز فهو الامتناع عن دفع الكمارك في جمبرون ( بندر عباس ) بحجة ان 50% منها تذهب للانكليز استنادا إلى الامتياز الذي منحهم إياه الشاه عباس الأول نظير المساعدات التي قدمت له في طرد البرتغاليين من هرمز ، واتبع الهولنديون أسلوب التخويف ايضا فأشاعوا أنهم قد دفعوا ( 10000 ) آلاف روبية مقابل إزاحة الانكليز من المنطقة لكي يحتفظوا بالتجارة لأنسفهم ، ومما زاد من خوف الانكليز هو ان الحكومة الصفوية منعت الوكيل الانكليزي من القيام بأية محاولة ضد الهولنديين ووعدت الانكليز بأنها ستحذر الهولنديين في الوقت المناسب ، إضافة إلى أن الشاه عباس كان منذ البداية قد وقف موقف المتفرج لأنه ربما كان يعتقد أن هذه المنافسات من مصلحة بلده وعليه أن لا يحد منها إلا في حالة مساسها بتجارة بلاده بدليل أنه عندما سمع أن الوكالة الانكليزية تمر بوضع سيء وتوقفت عن العمل ووصلتها تعليمات من المجلس في سوارت بتصفية أعمالها تمهيدا لغلقها تدخل ووعد الانكليز بأنه سيمنحهم امتيازات جديدة ، وفعلا فقد تدخل لمصلحتهم غير أنه وعدهم بامتيازات وقتية لتهدئة الموقف واستمر الحال على ما كان عليه فاتبع الهولنديون اسلوب حجم الاستيرادات في الشهر الواحد من أجل إثارة الانكليز وزعزعتهم .
ويظهر من ذلك حجم النشاط التجاري الهولندي في جمبرون ( بندر عباس ) وتأثيره السلبي على النشاط الانكليزي لأن التجار المحليين سيقبلون بالطبع على بضائع جديدة تصل كل يومين أو اقل أحيانا ، أكثر من إقبالهم على البضائع الانكليزية التي لا تصل إلا خلال شهر واحد أو أكثر من شهر في بعض الأحيان ، مما جعل المقر الرئيس لشركة الهند الشرقية الانكليزية يخشى أن يفلت منه زمام الامور فعين وكيلا جديدا اسمه كيردج رئيس الوكالة في سوارت مشرفا على مصالح الشركة في بلاد فارس ليقوم بالاجراءات الضرورية عند الحاجة ، وبعد ان وصل كيردج إلى جمبرون ( بندر عباس ) عام 1625 درس المنطقة وحالة التجارة فيها والتقى بالمسؤولين الصفويين ، وبعدها قرر إنهاء أعمال الوكالة التجارية غير ان مساعديه أشاروا عليه بالتريث لحين وصول تعليمات من إدارة الشركة .
لقد دفعت تصرفات الهولنديين تلك إلى عدم التزام ممثلي شركة الهند الشرقية الانكليزية في بندر عباس بالأوامر التي استلموها من ملكهم أو من الشركة في لندن القاضية بإنهاء أعمالها في بلاد فارس لكي لا يفسحوا المجال أمام الهولنديين أن يصبحوا سادة المنطقة ، وبهذا قرر الوكلاء البقاء شرط أن ترسل لهم كمية كبيرة من الأقمشة والقصدير لمواجهة الهولنديين في السوق .