الأسبوع السابع : تشرين الثاني 2010 : الغزو الهولندي للخليج العربي :
محاولات الهولنديين الأولى في الوصول إلى المحيط الهندي ( 1597- 1633 )
المحاضرة الأولى : التوجهات الهولندية نحو الشرق :
إن تضييق الحصار على الهولنديين من قبل الأسبان والبرتغاليين في حصولهم على البضائع الشرقية دفع بهم إلى التفكير بصورة جدية في الاتصال بالشرق في أواخر القرن السادس عشر دون أي وسيط .
هذا وكان لانضمام البرتغال إلى عرش اسبانيا عام 1580 الأثر الكبير في زيادة قوة البرتغاليين فبدأوا يتعرضون للسفن التجارية الهولندية التي تقع بحوزتهم ، إضافة إلى إغلاق ميناء لشبونة بوجه هولندا في أحيان كثيرة كما لجأ البرتغاليون إلى رفع أسعار البضائع الشرقية وبالأخص التوابل لكي يحرموا على الهولنديين شراءها.
هذه الأسباب كلها دعت الهولنديين للتصميم على الوصول إلى الشرق فحاولوا أولا الوصول إلى اليابان والصين عن طريق البحار الشمالية غير أنهم فشلوا وذلك لجهلهم الطرق التي كان يسلكها البرتغاليون التي كانت سرا لا يعرفه غيرهم ، مما دفعهم لإتباع أسلوبين لتحقيق هدفهم ، الأول إرسال بعثات تجارية والثاني تأسيس الشركات التجارية ومن أجل تحقيق الأسلوب الأول لجأ الهولنديون إلى تجنيد أشخاص تمكنوا من مرافقة الأساطيل البرتغالية لمعرفة أحسن الطرق وأهمها ويعد فان لنشوتن من أبرز الاشخاص الذين رافقوا البرتغاليين في رحلاتهم وأفادت معلوماته الدقيقة الهولنديين كثيرا في نهاية القرن السادس عشر وبخاصة تلك التي تتعلق بتجارة الهند الشرقية وأهم طرقها وبمعلومات بحرية عن السفن والرياح والتيارات والموانئ والجزء مع خرائط ورسوم بيانية فبهر الهولنديين بهذه المعلومات غير أنهم لم يكتفوا بجهود لنشوتن بل اعتمدوا ايضا على التاجر هوتمان الذي أرسل إلى لشبونة لكي يدرس لهم أحوال التجارة الشرقية ويرفع تقريرا مفصلا عنها وفعلا حقق هوتمان نجاحا كبيرا في الميادين الاقتصادية والاستراتيجية عندما عبر رأس الرجاء الصالح وعقد لأول مرة اتفاقية تجارية مع ملك بنتام ، وفتح بذلك ارخبيل جزر الهند للتجارة الشرقية اضافة إلى أنه حقق أرباحا كبيرة بلغت أكثر من ثمانية آلاف فلورن ،
تأسيس شركة الهند الشرقية الهولندية
تمكن الهولنديون من خلال الرحلات من انتزاع عدد من المستعمرات البرتغالية في أرخبيل اندنوسيا وأصبحوا بذلك ينافسون البرتغاليين هناك وعلى إثر ذلك بحثت المؤسسات التجارية في هولندا عام 1602 موضوع توحيد المؤسسات التجارية الهولندية وتكوين شركة قوية لها فعاليتها في مجال التجارة الدولية .
إضافة إلى أن الشركة التي ستؤسس يمكنها تمثيل التجار الهولنديين في المنطقة لعدم استطاعة التجار الأفراد القيام بأعمال الملاحة والتغلب على الاخطار وعدم توفر أفراد يمتلكون أموالا طائلة للصرف على الرحلات التجارية آنذاك ، ففي العشرين من شهر آذار من عام 1602 وبايعا زمن ملك هولندا .
اتحدت تلك المؤسسات بموجب ترخيص ملكي وأسست شركة الهند الشرقية الهولندية مع امتياز لمدة 20 عاما ، وصدر في الوقت نفسه مرسوم يخول الشركة حتى مزاولة التجارة مع الشرق ، وعقد المعاهدات والأحلاف والاتفاقيات وفتح مراكز وتأسيس قواعد تجارية وأصبحت شركة الهند الشرقية الهولندية فيما بعد أداة للاستعمار الهولندي فيما وراء البحار فدخلت في صراع مرير مع الأسبان والانكليز و البرتغاليين في تلك المناطق .
كان هدف الشركة في البداية توسيع نطاق التجارة الهولندية دون الاستيلاء على تلك الأصقاع لذا حاول أعضاؤها التقرب من حكام المناطق لاسترضائهم ومن الصفويين بخاصة من أجل الحصول على الامتيازات متحاشين الدخول في صدامات وخلافات معهم ، حتى تمكن الهولنديون خلال وقت قصير من بسط نفوذهم في تلك المناطق بل حتى استعمروا قسما منها .
وبدأت الشركة تمارس صلاحياتها وحقوقها وكان لها الحق في إبداء رأيها في الحرب والسلم وتعيين حكام ومجالس يكون لها سلطة القضاء المدني وللشركة الحق في وضع خزائن في الوكالات التجارية التابعة للشركة ، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للشركة جيش مؤلف من عشرة آلاف إلى اثنى عشرة ألف رجل ، إضافة إلى قوات بحرية من 40 – 60 سفينة وضعت تحت تصرفها .
لقد كانت الشركة موضع ثقة الحكومة الهولندية ، وعقدت عليها آمالا واسعة حيث كانت تدرّ على هولندا أرباحا طائلة سنويا من خلال البضائع التي ترسلها والتي تقدر قيمتها السنوية بأكثر من ( 12000000) مليون فلورن ولا تقل أرباحها عن (30%) الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الشركة من 30000 فلورن إلى 180000 ألف فلورن في منتصف القرن السابع عشر وخلال وقت تمكنت الشركة من ان تصبح منافسة رئيسة للبرتغاليين في تجارة التوابل .
المنافسة والصراع الانكليزي البرتغالي الهولندي في المحيط الهندي
ولم يمضِ وقت طويل حتى كان الهولنديون ينازعون البرتغاليين السيادة على جزر الهند الشرقية حيث كانوا قد وضعوا قدما راسخا في التجارة الشرقية منذ عام 1597 وكان هدفهم من المنافسة الحصول على الاحتكار التجاري للبضائع الثمينة حيث كانت أغلى السلع من استيرادات أوربا هي من من حمولة الهند الشرقية ولم تكتفِ هولندا بدخول المنافسة من خلال احتكار السلع بل شمل دخولها أيضا حقول انتاجها ، فدخلت حقول الانتاج في جزر الطيب وحرضت حكام المنطقة التي يتواجد فيها الطيب ضد البرتغاليين ، وعقدت معاهدة من خلال الشركة مع احد أمراء الإقطاع في ملبار – الزامورين – عام 1604 .
نصت المعاهدة على ( مساندة هولندا الكاملة لهذا الأمير مقابل طرد البرتغاليين من إمارته وسائر بلاد الهند ) ومما يؤكد اهتمام الحكومة الهولندية بتجارة الطيب أنها أرسلت تعليمات بإعطاء اولوية لتجارة الطيب التي تبدأ فيها المنافسة وتنتهي ولغرض تقوية مركز شركة الهند الشرقية الهولندية والسيطرة على تجارة الطيب والتوابل والبضائع الأخرى والحد من تصرفات البرتغاليين والانكليز أصدرت الحكومة الهولندية تعليمات بتشكيل مديرية عامة من الهنود فيها أربعة أعضاء من مجلس الهند للسيطرة على مراكزها في آسيا .
وفي عام 1605 ركز الهولنديون جهودهم لإحكام سيطرتهم على تجارة التوابل في ملاقا وتجارة الفلفل ايضا .
وقد كان من حسن حظ الهولنديون سوء علاقة البرتغاليين بتجار تلك المناطق إذ كانوا في خلافات مستمرة معهم كما أن رؤساء تلك السلطنات وبالأخص الإسلامية يرغبون في المتجارة بالتوابل ، ولهم استعداد للتعاون مع غير البرتغاليين من التجار واستطاعت شركة الهند الشرقية الهولندية ان تستولي على الحصون البرتغالية الواحد بعد الآخر فاحتلت سفنها امبوان وتيدور إضافة إلى عقد معاهدات مع بعض السلطنات ومنحتهم حق إقامة استحكامات واحتكار تجارة التوابل .
وكانت شركة الهند الشرقية الهولندية قد منعت سكان امبوان ترنات وبنتام من ان يمدوا الانكليز بأي نوع من التوابل مستندة بذلك إلى أنه لا يحق لهم ولا للانكليز طالما يوجد اتفاق بين الهولنديين وسكان تلك المناطق فضلا عن المصاريف العالية والباهظة التي صرفتها شركة الهند الشرقية الهولندية من أجل ذلك .
وفي عام 1606 بدأ الهولنديون يفرضون سياستهم الصارمة في المنقط فراحوا يقيمون الحصار على المضايق وغيرها من الأعمال بعد أن أدركوا سر الأسلوب والنهج الذي سار علي البرتغاليون قبلهم في تجارتهم مع بلدان الشرق الأقصى ، وفي العام نفسه أسس الهولنديون وكالة تجارية لهم في فريندو .
اعتمد الهولنديون ايضا اسلوب القرصنة والتهريب من أجل الحصول على حرير الصين ، وفي عام 1609 انتهت الحرب بين اسبانيا وهولندا واستقلت هولندا ، ومنذ ذلك بدأت هولندا تثبت ادعاءاتها في بعض المناطق ومنها ملاقا مما زاد الموقف تعقيدا .
وفي عام 1611 أرسل حاكم هولندي إلى بنتام وكان أول حاكم هولندي يصل إلى الهند الشرقية آنذاك وبدأ يمارس نشاطه مع مجموعة من التجار محاولين الاساءة إلى سمعة الانكليز مستخدمين لذلك كل مصادر ووسائل الدعاية وأساليبها ، واندفع الهولنديون بقوة في تلك الجزر بحيث أصبحوا يرسلون سنويا أسطولا من عدة سفن بلغ الواصل منها للفترة من 1601 – 1612 26 سفينة كبيرة ومجموعة من الزوارق وحققت تلك الرحلات أرباحا لا تقل عن 20 % بينما لم تحقق الرحلات الانكليزية إلا نسبة متواضعة بلغت 230% .
أحرز الهولنديون انتصارات مهمة في الربع الاول من القرن السابع عشر فضلا عما اوقعوه من ضرر كبير للبرتغاليين في إفريقيا والهند , فقد اصبح للهولنديين في بلاد الهند سبعة وثلاثون مركزا وعشرون حصنا وقلعة . ولم تمضِ عشرون عاما على تأسيس الهولنديين شركة الهند الشرقية حتى اصبحت لهم الارجحية في بحار الهند . ففي سنة 1614م كان هناك مالا يقل عن سبعة وعشرين سفينة حربية كبيرة . وكان معدل ارباح الاسهم سنويا خلال المدة 1605 – 1614 زهاء 31 % على الرغم من مصروفات التسلح الباهظة.