انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

المحاضرة الثانية : الصراع العثماني – البرتغالي على الخليج العربي

الكلية كلية التربية للعلوم الانسانية     القسم قسم التاريخ     المرحلة 3
أستاذ المادة فؤاد طارق كاظم العميدي       6/26/2011 7:16:33 AM

المحاضرة الثانية : الصراع العثماني – البرتغالي على الخليج العربي

 

كان متوقعا عقب الفتح العثماني لمصر في 1517 أن يبدأ العثمانيون صراعهم ضد البرتغاليين في البحر الأحمر والمحيط الهندي وخاصة بعد أن أمر السلطان سليم الأول اثناء وجوده بمصر ببناء ترسانة بحرية كبيرة في ميناء السويس ، ولكن دلت الاحداث التي تعاقبت حتى وفاته في عام 1520 على أن هذا الصراع لم يدخل مرحلة التنفيذ الفوري إذ وجه السلطان سليم اهتمامه عقب عودته إلى الاستانة إلى تعزيز الأسطول العثماني في البحر الابيض المتوسط ، وسار على منواله السلطان سليمان القانوني الذي جعل الاولوية في برنامجه العسكري للجبهة الأوربية ولا يمكن ان يكون ذلك استخفافا من جانب هذا السلطان بقوة البرتغاليين وإنما يرجع إلى تقديره للموقف العسكري والسياسي العام في دولته ، على أن مركز البرتغاليين لم يلبث ان تعرض لهزة عنيفة منذ ان فتح العثمانيون العراق في عام 1534 وكان من أبرز نتائج ذلك الفتح أن امتد النفوذ العثماني إلى سواحل الخليج في المنطقة الشمالية حيث دخل أمراء البصرة والبحرين والقطيف في طاعة العثمانيين ، في طاعة العثمانيين ، كما حاول السلطان سليمان أن يسيطر على المناطق الجنوبية من الخليج وأعد من أجل حملة بحرية للاستيلاء على جزيرة هرمز وإلحاق ادارتها بالابصرة .

 

 لعل مما يستلفت النظر أنه على الرغم من الضعف الواضح في القوة البحرية العثمانية إذا ما قورنت البحرية البرتغالية الا ان المواجهة العثمانية للبرتغاليين استمرت أكثر من ثلاثين عاما ، وعلى وجه التحديد بين عامي 1550 – 1583 وإن كانت متقاطعة بسبب افتقار العثمانيين إلى القواعد العسكرية البحرية التي تمكنهم من الاستمرار في ذلك الصراع وعلى اية حال فقد تميزت السنوات المشار اليها بمجموعة هامة من التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها منطقة الخليج وذلك منذ ان نزل العثمانيون إلى ساحة الصراع في أعقاب الانتصارات التي احرزوها ضد الدولة الصفوية ونجاح السلطان سليمان القانوني في دخول بغداد 1534 ، ومد نفوذه إلى البصرة في عام 1546 التي تحولت إلى قاعدة بحرية للعثمانيين للانطلاق منها صوب الأسطول البرتغالي الذي كان متمركزا في كثير من القواعد البحرية في الخليج العربي والمحيط الهندي ، وهناك دارت الكثير من المعارك البحرية بين الطرفين كانت أعنف من معارك خير الدين بربروسا الشهيرة في الحوض الجنوبي من البحر الأبيض المتوسط ، كما عمد البرتغاليون في كثير من الاحيان إلى مهادنة العثمانيون لكي يتمكنوا من تركيز نفوذهم والتصدي لردود الفعل العربية التي لم يخمد أوارها بين سكان الخليج .

 

ووجد العثمانيون تجاوبا كبيرا من عرب الخليج للاحتماء بزعامتهم  الإسلامية ، حتى أن سكان القطيف والاحساء بادروا بإعلان انفسهم رعايا عثمانيين وأكدوا رفض خضوعهم لمملكة هرمز التي كانت تعاني في ذلك الوقت من وطاة الاحتلال البرتغالي وكان قد سبق لسكان البحرين أن أعلنوا خضوعهم للعثمانيين على أثر فتحهم للعراق في عام 1534 ، وقد اعتبر العثمانيون المناطق التي أعلنت ولاءها لهم إيالة عثمانية أطلقوا عليها اسم إيالة الاحساء ، وعينوا عليها بيلربي أو أميرا أول ، وكان البيلربي يتشكل طبقا للتقسيمات الادارية العثمانية من عدة سناجق حيث اعتبرت القطيف ضمن مجموعة سناجق إيالة الإحساء التي امتدت حدودها حتى وصلت جنوبا إلى شبه جزيرة قطر .  

 

وليس من شك في أن السيادة العثمانية التي أعلنت في الإحساء والقطيف قد أفزعت البرتغاليين وخاصة بعد أن وقع الحصن البرتغالي في القطيف تحت السيطرة العثمانية في عام 1547 ، وكان البرتغاليون يعتمدون على ذلك الحصن في السيطرة على المناطق الساحلية من شرق الجزيرة العربية ، ولذلك وجه البرتغاليون حملة كبيرة لاستعادة القطيف أسندت قيادتها إلى انطاودي نورونها وكانت هذه الحملة تتكون من ألف ومائتي مقاتل وسبع سفن كبيرة الحجم ، هذا بالإضافة إلى قوات من هرمز صاحبت تلك الحملة وقدر عددها بأكثر من ثلاثة آلاف مقاتل ، وعلى الرغم من أن العثمانيين في القطيف لم يتعد عددهم أكثر من أربعمائة مقاتل إلا أنهم دافعوا عن أنفسهم ببسالة منقطعة النظير ، وإن كانوا قد اضطروا في نهاية الأمر إلى الاستسلام للبرتغاليين بعد أن عمد هؤلاء إلى فرض الحصار على القلعة استمر ثمانية أيام ، ولم يكتف دي نورونها بمحاصرة القطيف وإنما واصل الزحف بقواته إلى البصرة باعتبارها قاعدة العثمانيين البحرية في الخليج ولكنه لم يستطع أن ينفذ خطته في السيطرة عليها وذلك بسبب وصول أنباء تلك الحملة إلى بيلبرك البصرة الذي سارع بتنفيذ خطة ذكية لتفادي الهجوم المرتقب بحيث جعل القائد البرتغالي يعتقد بأن العثمانيين قد جمعوا حشودا كبيرة من القبائل العربية في البصرة ولما كان دي نورونها يخشى الاصطدام بتلك الحشود فقد عدل عن خطة الهجوم مفضلا التراجع إلى القطيف ، وهناك علم بأنه قد خدع إذ لم يثبت وجود أية استعدادات بحرية في البصرة لتلافي الهجوم البرتغالي .

 

أكدت معركة القطيف أنه لا قبل للعثمانيين التصدي للبرتغاليين في معارك بحرية نظامية ، وان التفوق البحري البرتغالي لا يمكن مواجهته إلا بعمليات بحرية غير نظامية ، وذلك بسبب عدم التكافؤ في القوة البحرية بين الطرفين ، وقد أنيط بهذه العمليات غير النظامية أو الفدائية إلى مجموعة بارزة  من القباطنة العثمانيين الذين خلد الكثير منهم أسماءهم ليس في الأعمال البحرية فحسب وإنما في المجال العلمي حيث اشتهر من بينهم من اهتموا بفنون البحر والملاحة من أمثال علي بك جلبي وبيري بك ، الذي كان جغرافيا مشهورا وفنان في رسم الخرائط ، وقد تعددت ميادين العمليات العثمانية ضد البرتغاليين في الخليج العربي والبحر الاحمر وكان واضحا من ضراوة تلك العمليات أن العثمانيين كانوا يعملون بحماس لانتزاع السيادة البحرية من البرتغاليين وكان من أبرز القباطنة العثمانيين الذي تصدوا للنفوذ البرتغالي في الخليج بيري بك رئيس الذي أبحر من السويس التي أصبحت من أقوى القواعد العثمانية البحرية ، وكانت تصحبه خمس وعشرون سفينة كبيرة الحجم ، وقد نجح بيري بك في مهاجمة القلعة البرتغالية في مسقط حين أعلن قائدها جوا دي ليزبوا استسلامه للعثمانيين بشرط أن يسمحوا له ولمن معه من أفراد الحامية البرتغالية بالانتقال إلى هرمز بسلام ، ولكن بيري بك بادر بعد سيطرته على قلعة بتجريد الحامية من سلاحها وعرض قائد الحامية وكبار ضباطها إلى معاملة سيئة ،و في أكتوبر 1552 صدر أمر من الاستانة إلى بيلربي البصرة فيه توضيح للتعليمات التي تعطى إلى بيري بك وفيها كان يتحتم عليه بعد حملته الناجحة على مسقط ان يتجه إلى البصرة للاستعانة ببعض قواتها لكي يقوم بالهجوم على هرمز والبحرين ، غير ان بيري بك وقد أغراه سهولة الانتصار في مسقط توجه مباشرة إلى هرمز حيث أطلق المدافع على قلعة البرتغاليين وحاصرها ستة عشر يوما ، ولكن البرتغاليين تمكنوا من الدفاع عن أنفسهم واضطر بيري بك إلى الانسحاب إلى جزيرة قشم ومنها أبحر إلى البصرة بعد أن استولى على غنائم كثير ، في الوقت الذي أرسل فيه بيلربي البصرة تقريرا إلى السلطان العثماني وفيما يبدو أن هذا التقرير لم يكن في صالح بيري بك إذ انه على إثر وصوله إلى السويس استدعى من قبل السلطان العثماني للرد على التهم المتعلقة بقلة كفاءته وعدم نجاحه في عملياته في الخليج ، وفي الأستانة صدر ضده حكم بالاعدام وقطعت رأسه بالفعل في عام 1553 .

 

وخلف بيري بك في قيادة العمارة العثمانية في الخليج العربي الرئيس مراد الذي قام بجهود يائسة لاستدراج الأسطول البرتغالي خارج القواعد والحصون البرتغالية في الخليج ، كما فشل في إرجاع السفن العثمانية التي كانت راسية في ميناء البصرة إلى السويس ، وخلفه في عام 1554 سيدي علي رئيس الجغرافي العثماني المشهور الذي عهد اليه بمواصلة تلك المهمة بأبحر من البصرة بخمس عشرة سفينة وذلك بعد أن وصلته أنباء بأن البرتغاليين متجهون لاستعادة مسقط بقيادة فيرناند ودي نورنها وبالقرب من ميناء خور فكان تقابل الأسطول البرتغالي مع الأسطول العثماني حيث دارت معركة حامية الوطيس يمكن اعتبارها من أهم المعارك العثمانية البرتغالية في الخليج العربي ، وبسبب نقص مؤن العثمانيين وذخيرتهم قرروا إنهاء هذا الصراع وسلموا أسلحتهم للبرتغاليين ، واكتفى السلطان سليمان بإصدار فرمان بمنح حاكم البحرين الرئيس مراد لقب سنجق بك وذلك على الرغم من النفوذ البرتغالي الذي كان واضحا في الجزيرة ، ورغم توقف الحملات العثمانية على البحرين وانحسار النفوذ العثماني عنها إلا أنها ظلت مع ذلك تشكل منطقة عازلة بين الأتراك العثمانيين في الاحساء والقطيف والبصرة وبين البرتغاليين في هرمز والمناطق التابعة لهم في مسقط والساحل الجنوبي للخليج ، وفيما يبدو أن البرتغاليين حاولوا مهادنة العثمانيين ويتضح لنا ذلك حين اوفد نائب الملك  في الهند رسولا إلى الاستانة في عام 1562 لعرض مشروع للسلام بين الفريقين ، وهو مشروع لم يقدر له التنفيذ بسبب إصرار السلطان العثماني على كسر الاحتكار البرتغالي وتأمين الطرق البرية والبحرية وحمايتها لصالح الرعايا والتجار التابعين للإمبراطورية العثمانية .

 

 ولم تحاول الدولة العثمانية تجديد نشاطها في الخليج إلا في عام 1581 حين قدرت أهمية الاستفادة من فرصة تضم البرتغال إلى التاج الاسباني على عهد الملك فيليب الثاني في عام 1580 حيث عهدت إلى علي بك الذي ظهر في مياه الخليج للمرة الثانية بحصار قلعة البرتغاليين في مسقط ، على الرغم من الانتصار الذي حققه في بداية الامر إلا أن وصول الإمدادات السريعة من هرمز أجبرت العثمانيين على الانسحاب ، ولم يكن لتلك المغامرة أية فائدة تذكر بالنسبة للعثمانيين بل على العكس من ذلك نبهت البرتغاليين إلى ضرورة تعزيز قواتهم في مسقط إذ اعتبر البرتغاليون سيطرة العثمانيين على مسقط بمثابة عار لحق بسلاحهم البحري ، ولعل ذلك مما دعا الحكومة الاسبانية التي كانت تشرف على المستعمرات البرتغالية في ذلك الحين إلى إصدار تعليماتها بزيادة التحصينات العسكرية وبناء قلعتين كبيرتين لا تزالان قائمتين حتى الآن تحيطان بخليج مسقط وتكسبانه جوا من الغموض والرهبة ، وقد عرفت هاتان القلعتان باسم قلعة كابيتان وسان جوا ويعرفان في الوقت الحاضر بقلعتي الميراني والجلالي ، وهما تسميتان فارسيتان أطلقهما نادر شاه بين عامي 1738 – 1741 ، ولم تكن المعركة التي خلفها البرتغاليون في مسقط على المباني العسكرية وإنما جاء البرتغاليون بالروح المتحمسة المعروفة لدى مبشريهم ووضح ذلك في بناء ثلاث كنائس في مسقط ولا تزال الكنيسة الصغرى أو المعبد الصغير الذي بناه البرتغاليون حيا حتى الان  في قلعة الميراني من بين الكنيستين الآخرتين اللتين تهدمتا بفعل الزمان .

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .