المحاضرة الثالث: موانئ الساحل الشرقي للخليج العربي
اما الموانئ التي تقع على الساحل الشرقي للخليج العربي فكانت تحكم من اسر عربية معروفة. فسيراف من اقدم المراكز التجارية واكثرها ازدهارا في الخليج العربي. وكانت تعتمد على ما يرد اليها من مؤن غير البحر، وعموما نافست سيراف البصرة في ازدهارها الاقتصادي، ويصف الجغرافيون مدينة سيراف انها مدينة مبنية من خشب الساج المستورد من الهند وغيره من الاخشاب المجلوبة من شرق افريقيا. وقد نالت سيراف مكانا كبير اثر ضعف البصرة بوصفها ميناء عميقا بسبب زحف الطمى النهر على الساحل، فضلا عما لحق بها من اثار التخريب والتدمير جراء الغزوات المغولية، وقد بقيت سيراف محطة تجارية مهمة في الخليج العربي دون منافس من القرن العاشر الميلادي الى الثاني عشر الميلادي وامتازت الميناء ايضا بكونه عامل جذب الى التجار لوجود المستودعات ومناطق التخزين بجانب الارباح التي كان التجار يحصلون عليها من عمليات التبادل النقدي والتجاري ، فقد بلغ حجم المكوس على السلع التجارية في العالم حوالي ربع مليون دينار ، وقد بلغت سيراف مبلغا من الغنى والثراء نتيجة النشاط التجاري فكانت دور أهلها تبنى كمينائي مصر ومن الخشب الساج المستورد من الهند كما ذكرنا ، ولم يقتصر السيرافيون على التجارة بل قاموا بإنتاج العطور والطيب من الكافور والعود والصندل ، وقد اضمحلت سيراف نتيجة زلزال أصابها مما أدى إلى خرابها سنة 367هــ ، 978م ، وأدى إلى استيلاء أمير قبس عليها وتحويل التجارة إلى بلاده .
اما ميناء قيس، الذي حل محل ميناء سيران وشغل الاهمية التي كانت تشغلها سيراف وقد لعبت قيس دورا كبيرا كمركز رئيسي للتجمع والتوزيع البضائع في الخليج العربي منذ اواخر القرن الحادي عشر الميلادي وحتى بداية القرن الرابع عشر الميلادي وقد حكمت قيس اسرة عربية معروفة بنشاطها البحري التي امتدت سيطرتها على المنطقة ما بين خليج عمان والخليج العربي، وقد تمتعت قيس بكونها جزيرة بميزة سهولة الدفاع عنها. فضلا عن كونه كان بعيدا عن الاضطرابات السياسية التي تجتاح بلاد فارس .
وقد رست فيها السفن القادمة من الهند والصين وكانت أسواقها من أكثر أسواق الخليج ازدحاما بالتجارة الشرقية وقد احتكر حكامها التجارة لحسابهم ، وكان لهم الاساطيل التي تعمل لحسابهم ، ويبدو أنه بتحديد أهمية البحر الأحمر لتجارة المحيط تضاء أهمية قبس واخذت هرمز تحل محلها .
اما مدينة هرمز التي عدت من اهم الموانئ في هذه المنطقة فكانت في بداية امرها. مهي مدينة تربط بين الخليج عمان والخليج العربي، حيث يبلغ عرضها نحو اربعين ميلا ومنه جاءت تسمية مضيق هرمز، وقد وصفها الرحالة الايطالي ماركو بول عام 1271 : (( تقع هرمز على جزيرة في مدخل الخليج العربي وهي ميناء يتردد عليه التجار من جميع انحاء الهند حاملين معهم التوابل والعقاقير والاحجار الكريمة واللآلئ والرقائق الذهبية والعاج .......... ) وعلى الرغم من تعرض هرمز إلى الغزو المغولي عام 1301 إلا ان سكانها الذين يمتلكون طاقة تجارية لم يستسلموا لتلك الغزوات ، لذا قرر حكامها وضع حد لهذه المتاعب وذلك بنقل نشاطهم التجاري الى جزيرة اخرى تسمى بأس جيرون تعبد خمسة عشر ميلا عن الساحل المواجه للموقع القديم، حيث انشاوا لهم مركز جديدا دعوه باسم مدينتهم الاولى هرمز ومنه تدفقت التجارة بشكل كبير وبهذا االموقع السوقي التي تمتعت به الذي تتحكم في المضايق المؤدية الى المياه الداخلة للخليج مما اتاح لها ان تسهم بدورها في التجارة الشرقية مع العراق وفارس والجزيرة العربية، فهي لم تكن مركزا رئيسيا للسلع الشرقية وتوزيعها فحسب، وانما نقطة رئيسية للتجارة المحلية في الخليج العربي، مما يدل على ذلك وصف الرحالة الايطالي لودفيكو فارنما لها عام 1503-1504 بقوله (( واخيرا وصلنا مدينة جميلة تسمى هرمز التي لا تضاهيها مدينة اخرى من حيث الموقع البحري والتجاري...... وقد نرى فيها ثلاثمائة سفينة تاتيها من اقطار مختلفة...... وفي المدينة ما لا يقل عن اربعمائة تاجر يقيمون فيها بصورة دائمة للاهتمام بالسلع المختلفة التي تنقل اليها والتي تشمل الحرير واللؤلؤ والاحجار الكريمة والافاوية وما إلى ذلك)) . كما تضمن هرمز الرسوم الكمركية على الموانئ التابعة لها وقدر دخل الدولة من هذه الرسوم وحدها بستين الف ريال ، كما وصفها رحالة أوربيون أصبحت جزيرة العرب من ناحية وعلى فارس من ناحية اخرى وفي أيام وصول التجار الاجانب كانت تبدو بمنظر أفخر وأجمل من أية مدينة أخرى في الشرق وكان الناس من جميع انحاء المعمورة يفدون اليها يتبادلون السلم ويعقدون الصفقات التجارية في جو من الأدب والرعاية مما يندر مثله في مكان تجاري آخر ، وكانت الشوارع مغطاة بالحصر وفي بعض الأماكن بالسجاجيد وكانت الاصص المذهبة والخزف الصيني المليء بالنبات المزهر أو الازهار المعطرة تزين بيوتهم .
وقد ساهمت هرمز في ي الحركة التجارية في عموم المنطقة التي امتدت الى مصر ايضا لانها تقم مع الخط الرئيس للمواصلات بين الشرق والغرب الذي يربط مصر والهند بالاسواق النامية في اوربا ، إن سبب هذا الازدهار ان هرمز لم تعد قاصرة على نقل التجارة من الهند وشرق افريقيا إلى قلب العالم الاسلامي بل أصبحت هرمز تمثل حلقة هامة في نقل التجارة العالمية بين الشرق والغرب حينما دخلت البندقية إلى هذا الميدان وأصبح تجارها يترددون بانتظام على موانئ الشام وازداد الطلب على منتجات الشرق الاقصى فاستفادت من ذلك هرمز كما كانت تستفيد مصر في عهد المماليك واصبحت مثلا يضرب على الثراء ويعرفها رجل الشارع الأوربي يدل على ذلك ورودها في أشعار ملتون .
وقد ذكر البوكيرك بان أهم الأماكن المهمة في المنطقة هي ثلاثة هي بمثابة أسواق لكل تجارة بضائع الشائعة في ذلك الجزء من العالم والمفاتيح الرئيسة لها وهي ملقى باعتبارها مخرج مضايق سنغافورة وعدن في مدخل ومخرج مضايق البحر الأحمر وهرمز ومخرج ومدخل مضايق الخليج ، وإن مدينة هرمز هي في اعتقاده أهمها جميعا ، وهذا دلالة واضحة ليس على اهمية هرمز الاقتصادية فحسب بل أهميتها الإستراتيجية أيضا .
بلغ عدد سكان هرمز حوالي اربعين الف نسمة واصبحت هرمز مثلا يضرب بها على الثراء حتى اطلق عليها (( لؤلؤة الشرق)) كما اطلق عليها الشاعر النكليز